ابن باديس والغزو الثقافي

ابن باديس والغزو الثقافي

بقلم: د.حاكم المطيري –

أدرك العلامة المجدد عبد الحميد بن باديس[1] أن الاستعمار الفرنسي قد نجح في ترسيخ وجوده على أرض الجزائر بعد عقود طويلة عسكريا وسياسيا وثقافيا واقتصاديا حتى صارت الجزائر في حكم الواقع جزء من فرنسا يستحيل فصله عنها وكانت أقصى أماني بعض قادة الشعب الجزائري أن تتم معاملتهم بعدل ومساواة وأن يتمتعوا بالحقوق والحريات التي يتمتع بها الفرنسيون بل ذهب بعضهم إلى ضرورة الاندماج الكلي في الهوية الفرنسية وأنه لا مستقبل للجزائر وشعبها إلا بذلك..

وكانت هذه الدعوة أخطر ما كانت تواجهه الشخصية الجزائرية كما عبر عن ذلك المفكر الفرنسي جاك بيرك بقوله: (لولا الإسلام في الجزائر لفقدت الشخصية الجزائرية ذاتيتها لأن ضغط الاستعمار ونموه وفساده كان يمكن أن يؤدي إلى إذابة الشخصية الجزائرية في الشخصية الفرنسية لقد كانت هذه الفكرة بما فيها من جاذبية لمن سحرتهم الحضارة الغربية من الجزائريين هي الخطر الأكبر على الشخصية الجزائرية في المغرب) خاصة أن الحملة العسكرية على الجزائر كانت بعد الثورة الفرنسية وإعلان مبادئ حقوق الإنسان وكانت ترفع شعار تحرير الشعب الجزائري من ظلم (الداي حسين) حاكم الجزائر آنذاك و ترفع شعار حماية الممرات المائية ومكافحة الإرهاب الذي كان يتمثل في قراصنة البحر الذين يقطعون الطريق على سفنها العسكرية غير أن هذه الشعارات سرعان ما تكشفت حقائقها عن أبشع أنواع الاحتلال التي عرفها التاريخ المعاصر إذ لم يكن سوى سطو مسلح على ثروات الجزائر ومسخ لهوية شعبها وطمس لتاريخه وإعادة تشكيل ثقافته لتتأقلم مع أهداف فرنسا ومخططاتها الرامية إلى ترسيخ وجودها وديمومتها على أرض الجزائر والذي لن يتحقق إلا من خلال إحلال ثقافتها الجديدة التي تجعل من الاحتلال تحريرا ومن الاستعمار تحررا خاصة من الثقافة العربية والإسلامية التي صاغت هوية الشعب الجزائري مدة ألف وثلاثمائة سنة لقد تحدث عن تلك الحوادث كثير من المؤرخين كالمؤرخ الفرنسي جوليان حيث وصف احتلال الجزائر بقوله (كانت عملية مريبة !! حملة قادها جنرال ساقط السمعة ؟! وسيرها تجار يهود! وشارك فيها سياسيون فاسدون من باريس ! ونصر استقبله الرأي العام الفرنسي بعدم المبالاة ؟!) وقال عنها المؤرخ الإنجليزي بريور ( لقد تم تحويل بعض مساجد المسلمين إلى كنائس وعطلت المواسم الإسلامية وصودرت الأراضي وحطم كل رمز وطني ) وقال عنها المؤرخ الفرنسي يودكور (لقد قطع جنودنا الأشجار وأحرقوا المنازل وقتلوا النساء والشيوخ والأطفال وسرقوا الحلي من النساء) لقد نقض الفرنسيون معاهدة سنة 1830م والبيان الذي وعدوا فيه الشعب الجزائري باحترام مقدساتهم وأموالهم وحريتهم وسيادتهم على بلدهم بعد اسقاط الداي حسين ــ انظر( ثورة الجزائر) للأستاذ عبدالرحمن النعيمي[2] وعلم ابن باديس أنه لا سبيل لتحرير أرض الجزائر إلا بعد تحرير عقول الجزائريين ونفوسهم من الاستعمار الفرنسي ووجد أن أكبر عقبة تواجهه هي:

1) الهزيمة النفسية التي سيطرت على قطاع واسع من الشعب الجزائري بعد فشل ثوراته ضد فرنسا التي كانت إحدى أكبر الدول الاستعمارية وأقواها آنذاك وقد تحولت الهزائم العسكرية أمام الجيش الفرنسي إلى هزيمة نفسية أدت إلى فقدان كثير من الشعب الجزائري ثقته بنفسه وهو أشد آثار الهزيمة خطرا على الأمم خاصة بعد استسلام الأمير الهاشمي الحسيني المجاهد عبد القادر الجزائري[3]الذي قاد حربا تحريرية ضد فرنسا من سنة1832م إلى1847م وحقق انتصارات باهرة وأقام دولة ونظام حكم شوري لولا تواطأ بعض ملوك المغرب العربي مع الفرنسيين ضد الأمير عبد القادر وأصبح الإحباط يسيطر على نفسية الشعب الجزائري إذ بات ينظر إلى الوجود الفرنسي على أنه أمر واقع لا يمكن دفعه ولا طاقة للشعب الجزائري به وليس أمامه إلى الاستسلام له والتعايش معه وصار ينظر إلى مقاومته على أنه نوع من الانتحار والعبث الذي لن يجدي شيئا وكانت هذه الهزيمة النفسية تبرر باسم الواقعية وصار كثير من فئات الشعب الجزائري مع مرور الأعوام أكثر قابلية للاستعمار والخضوع للأجنبي.

2) الثقافة الاستعمارية الجديدة التي حاولت إضفاء المشروعية على هذا الوجود وقد نجح الفرنسيون في توظيف الدين الإسلامي ذاته في خدمتهم إذ استطاعوا تحويل المساجد ـ من خلال سياسة المنع والتوظيف ـ وكذا تحويل الزوايا العلمية إلى منابر للغزو الثقافي الجديد كما استطاعوا استصدار الفتاوى من بعض العلماء في حرمة مقاومة الوجود الفرنسي وضرورة احترامه كما يحث على ذلك الدين الإسلامي ؟! وأن طاعة السلطة التي أقامها الفرنسيون واجبة لأنها ولي الأمر ؟! كما نجح الفرنسيون من خلال توثيق صلاتهم بالجماعات الصوفية وشيوخها في كسبها إلى جانبهم فأصبحت أقوى أدوات الاستعمار الفرنسي لإخضاع الشعب الجزائري له باسم الدين الإسلامي الذي جاء الفرنسيون من أجل استئصاله ؟!

لقد أدرك ابن باديس أن أول خطوة على طريق التحرير هي مواجهة ثقافة المجتمع الجزائري التي صاغها الاستعمار طوال هذه المدة والتي كان للدين المؤول بل المبدل أكبر الأثر في تشكيل تلك الثقافة التي أضفت المشروعية على الوجود الفرنسي وأدرك ضرورة قيام عمل جماعي منظم يحمل على عاتقه مواجهة تلك الثقافة وإعادة الحياة للثقافة الإسلامية الصحيحة فأقام مع البشير الإبراهيمي وجماعة من العلماء والمجاهدين ( جمعية علماء الجزائر ) [4] التي بدأت بمواجهة المنافذ الثقافية للغزو الثقافي الاستعماري الفرنسي التي تمثلت بالطرق الصوفية وزواياها العلمية ونجحت الجمعية في إحياء المفاهيم القرآنية والعقيدة السلفية بعد عشرين سنة من الصراع الفكري والثقافي مع تلك الطرق ونجحت في صرف الناس عنها وتحرير عقول الجزائريين ونفوسهم من

تلك الثقافة الانهزامية التي تروجها الطرق الصوفية والتي كانت تمثل العقبة الكئود أمام جهود الجمعية لتحرير الجزائر وقد كان قادة حرب تحرير الجزائر كلهم ممن تربى في محاضن الجمعية أو تأثر بها ولم تكن المشكلة فيما يبدو هي في التصوف في حد ذاته إذ كان للحركة الصوفية في كثير من دول شمال أفريقيا أثرها وجهادها ضد الاستعمار الغربي كما في حركة عبد الكريم الخطابي وعبد القادر الجزائري وعمر المختار بل المشكلة هي في قابلية الدين ذاته كنصوص للتأويل وإمكانية توظيفه بالتحريف المعنوي في خدمة الاستبداد والاستعمار وهنا تكمن خطورة الدين عند تحريفه ليتحول من هدايات لبناء الإنسان والمجتمع وتحريرهما من العبودية لغير الله إلى أداة هدم وقوة تدمير ليصدق فيه أنه (أفيون الشعوب) وما ذاك إلا لأن له سلطانا على العقول والنفوس البشرية ليس لغيره ولذا جاء في الحديث: (أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون)وليس أشد خطرا من أن يكون الخنوع للاستبداد والخضوع للاستعمار دينا وعبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله ولهذا تكررت المشكلة في العصر الحديث لا بسبب الفكر الصوفي الذي حاربه ابن باديس بل بالفكر السلفي نفسه الذي أحياه وبشر به ابن باديس في الجزائر لمواجهة الاستعمار بعد أن نجح الاستعمار الجديد من توظيف هذا الفكر لإضفاء الشرعية على وجوده.

 

[1]- عبد الحميد بن باديس (1887-1940) عالم ومفكر إسلامي جزائري ارتبط اسمه بالنضال من أجل تثبيت هوية الجزائر الإسلامية والعربية في وجه الاستعمال، وأصدر العديد من المجلات منها المنتقد والشهاب والشريعة والسنة المحمدية والصراط.

[2]- داعية ومفكر إسلامي وأستاذ للتاريخ في جامعة قطر ولأمين العام للحملة العالمية لمقاومة العدوان.

[3]- عبد القادر الجزائري (1807-1883) زعيم وبطل المقاومة أعلن الجاهد في غرب الجزائر ضد الفرنسيين وذلك عن طريق حشد القبائل للحيلولة دون امتداد الاحتلال الفرنسي للجزائر.

[4]- جمعية إسلامية ذات طابع ثقافي وسياسي أسست في عام (1931)، وتعبر عن وجهة نظرها من خلال مجلة (الشهاب) وجريدة (البصائر).

المصدر: صحيفة الرأي العام الكويتية

آخر التغريدات: