ابن باديس المشروع.. وفوضوية الإسلاميين!

ابن باديس المشروع.. وفوضوية الإسلاميين!

بقلم: صالح عوض –

أقف مدهوشا لعدم استفادة العاملين من اجل التمكين للإسلام من تجربة هذا المجدد الكبير والعالم المتميز في نهضتنا المعاصرة.. وتزيد حيرتي وأنا أجد الجميع من العاملين في حقل الدعوة الإسلامية تغيب عنهم حقائق أولية وبديهيات هذا الميدان.. ومن هنا أجد لزاما على كل غيور في الأمة أن يبرز العناصر الأساسية لمهمة الإصلاح.. إن تجربة ابن باديس تجيب بوضوح على تساؤلات محيرة حول فشل الإسلاميين اليوم..

يتفق كل من كان له نصيب من دراسة لأثار العلامة ابن باديس انه رجل علمي منهجي.. وعالم دين إصلاحي فسر القرآن والموطّأ وناقش في الفقه والعقائد.. وكاتبٌ في المجتمع والتاريخ وصحفي يحيط بالواقع ويكشف خباياه.. ومُربٍ معظّم للقيم ومعلم ناجح.. كما كان مجتهدا دينيا وفقيها.. وكان قائدا سياسيا وزعيما شعبيا يجيد مخاطبة الناس خطيبا مبينا.. وكان كذلك مؤسس جمعية ومنشآت ثقافية واجتماعية.. وكل ذلك ضمن سياق رؤيته المنهجية في العمل الهادف في سلسلة من الأهداف المتطورة.. وهنا كانت القضية الجزائرية والملف الجزائري بكل تفاصيله مقروءا بوضوح لديه كأنما يقرأ في كتاب كما قال صديقه الإبراهيمي.. فكما انه تزود بالعلم الشرعي والمنهج القرآني في التحليل والرؤية وضبط منظومة القيم والمفاهيم – وهذا ما لم يهتم له العاملون اليوم في الأحزاب الإسلامية – تزود كذلك بمعرفة تفصيلية عميقة للشأن الجزائري الثقافية والاجتماعية والسياسية ورتبها الأولى فالأولى، وعلى أرضية ذلك جميعه حدّد مشروعه.

مشروع ابن باديس يبدأ من الخاص وعينه على العام أو ينظر إلى العام ويبدأ بخطوته الواقعية في الخاص.. وهو يدرك أثر الخاص على العام والعكس صحيح.. ولأنه صاحب مشروع كان لا بدّ عليه من تحديد خطواته ومراحل عمله والتدقيق في أدواته وترتيب أفكاره وأشخاصه وأشيائه ترتيبا منسقا وإدارة ذلك كله بإتقان وفاعلية..

من هنا يمكن النظر إلى مشروع ابن باديس الاستراتيجي انطلاقا من العام نحو الخاص أو العكس، فالنتيجة واحدة لدى رجل يرى بروح القرآن ويفسر الدنيا بالقرآن كما كان يطالب العلماء دوما.. بمعنى واضح أن ابن باديس ربط تحركه كله بمبادئ سياسية تلتزم النبل والصدق والوضوح والتوازن والاتزان والتطور المنهجي.. ولم يلجأ إلى انتهازية الساسة وشطحات السياسيين، ولم تصرفه الرغبة او الرهبة عن منهجه الواضح المبين.

وبقراءة حركة ابن باديس وخطاباته التي نهج فيها سبيل التطور المستمر والتصعيد الذي لا يتراجع.. يمكننا ان نرتب مشروعه من العام إلى الخاص لأنه عالم دين مسلم يؤمن بان مهمة الإسلام رحمة للعالمين.. ولكن لأنه عالم مسلم مسؤول وأمام معني بالرسالة فعليه أن ينطلق من اللحظة والمكان الخاصين.. فكانت إستراتيجية مشروعه كالآتي:

1 – لابد أن تسود الحرية والكرامة الإنسانية العالم بأسره.

2 – لا يمكن انجاز ذلك إلا بنهوض الأمة الإسلامية بقيمها ومسؤولياتها لتكون شاهدة على العالمين آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر.. أي لابد من تحرر الأمة من القيود التي تحول دون قيامها بمهمتها كل أبناء قطر بقطرهم..

3 – لابد أن تنهض الجزائر وتحطم قيود الاستعمار وتسترد حريتها وسيادتها وكرامتها لتقوم بواجبها نحو الأقرب فالأقرب من أبناء الأمة بل نحو الأسرة البشرية كلها.

4- لا يمكن تحقيق ذلك إلا بشعب ثائر يشعر بقيمته ويفهم رسالته ويؤمن بهويته الخاصة.

5- لا يمكن تحقيق ذلك إلا بتآلف الشعب وتوحّده حول أهدافه.

6- لا يمكن تحقيق ذلك إلا بقيام طليعة في الأمة تحرض وتعبئ وتبعث التفاؤل والأمل وترسم معالم الطريق للنهضة وتتحلى بمناقبية أخلاقية تكون القدوة وبوعي قراني للحياة والدين.

7- لا يمكن تحقيق ذلك إلا بإنشاء ثقافة أصيلة وتعليم حقيقي ووعي بجوهر القضايا لصناعة طليعة تقود الأمة بطرد الخرافة والجهل والتقليد الأعمى والسلبية الفكرية.. لابد من مناخ غير مسموم بثقافة الغرب ومفاهيمه كي تتم التنشئة في محضن مستقل.

8 – ومن اجل ذلك لابد من بناء المدارس وإفشاء التعليم وتربية النشء تربية خاصة.

9- لكي يتحقق ذلك لابد من البداية بالقراءة والكتابة لمحو الأمية فكانت البداية هي عملية “اقرأ”.

هذا هو مشروع ابن باديس يبدأ من “اقرأ ” وينتهي الى كرامة الإنسان كل الإنسان، في الأرض كل الأرض، وفي الطريق لابد من المرور بحرّية الجزائر ونهضتها لتقوم بواجبها في العمل من اجل خير الإنسانية.. فالجزائر ونهضتها هي الهدف القريب ومن ثم ديار العرب والمسلمين الأقرب فالأقرب ونصرة الإسلام منهج رحمة للعالمين بقيمه ومنهجه.. ودونما عمل يستهدف في البداية الجزائر حريتها وسيادتها يكون كل كلام عن القيام بخدمة الإسلام من باب الأماني الخادعة.. أنها مهمة منهجية متدرجة انه المنهج المحمدي..

وفي الطريق إلى تحقيق الهدف الأسمى نهضة الجزائر وقيامها بدورها هناك جملة أهداف كما ذكرناها واحدا واحدا.. كل هدف يسلمنا إلى هدف بعده بمنطقية وتلقائية.

والملاحظ لخط سير الإمام ابن باديس يراه يتحرك في خط تصاعدي لا ينتقل من مرحلة إلا بعد أن يستنفدها تماما.. ويجعل لكل مرحلة شعارا يعمل والعلماء معه على انجازه.. فكان يومه خيرا من أمسه وغده اكبر من يومه حتى وصل إلى مرحلة النضج لإعلان الثورة فعاجله المرض وتوفي رحمة الله عليه بعد أن هيأ للجزائر رجالا يؤمنون بهويتها مخلصين لقضيتها انتشروا في جبهة التحرير وتأسيسها وكان لهم الدور الحاسم في الحفاظ على هويتها العربية الإسلامية.

الدرس الكبير في ذكرى وفاة الإمام ابن باديس نستحضره فيما نعيش فشل كثير من الجماعات الإسلامية فيما اندفعت إليه من أهداف سياسية.. وان كان المقام هنا ليس مقام النقد لها فليس اقل من الإشارة إلى أن حركة إسلامية لا يكون على رأسها عالم دين مجدِّد مجتهد قرآني مفكر أديب له مناقبية أخلاقية لا يرتقي إليها شك، تكون حركة إسلامية بلا رأس.. ثم أن تكون حركة إسلامية لم تثبت لدى الناس معاني الاستقامة والعزة والرحمة والصدق والانحياز لمصالحهم، إنما هي حركة حزبية فقدت أرجلها فأصبحت تسير زحفا على بطنها او ظهرها.. وان حركة إسلامية حصرت أتباعها فيمن ينضوي في حلقات تنظيمها هي حركة فقدت أيديها فدخلت المعمعة بلا أيدي إنما بما يشبه الهلاميات.. وان حركة إسلامية لا تنكب على معالجة واقع شعبها بعمق إنما هي حركة تطير في السراب، فابن باديس لم يشكل حزبا لكن كان الشعب كله حزبه.. لقد كان الإسلام أباه وكانت الجزائر أمه كما أحب أن يقول.

في ضوء مشروع ابن باديس تتجلى لنا أسباب فشل الحركات الإسلامية في مشارق العرب ومغاربهم.. ومن هنا تلقي علينا تجربة ابن باديس التحدي تلو التحدي للتأمل والتدبر لعلنا نهتدي لما هو جوهري في التفكير والعمل.. تولانا الله برحمته.

* هذا هو مشروع ابن باديس يبدأ من “اقرأ” وينتهي إلى كرامة الإنسان كل الإنسان، في الأرض كل الأرض، وفي الطريق لابد من المرور بحرّية الجزائر ونهضتها لتقوم بواجبها في العمل أن اجل خير الإنسانية.

آخر التغريدات: