الإمام ابن باديس لم يكن يوما كماليا.. و لا ظهيرًا للكماليِّين

بقلم: عبد الله بوزنون –

فإن مما يحز في النفس أن أكتب مقالا هذا عنوانه، وما كنت لأكتب ما أكتب إلا لما بلغ هذا الكلام مسامعي ووقع عليه بصري، وإلا فبين الشيخ ابن باديس وما نسب إليه مفاوز.

تريد على مكارمنا دليلا // متى احتاج النهار إلى دليل!

ولكنه الزمن الذي أخبر عنه الصادق المصدوق “ويخوّن الأمين” فأمين الأمة الجزائرية قد رماه بنو علمان من بني جلدتنا أنه كان إصلاحيا [ تنويريا] وأنه من كبار رموزهم التي يستندون إليها مثله مثل علي عبد الرزاق وآخرين، يريدون بذلك أن يعطوا لصوتهم النشاز الحاضنة والمصداقية في هذا البلد المسلم و هم في قولهم هذا أفاكون كذابون، مثلهم مثل أولئك المبتدعة الذين يريدون أن يصفّوا حساباتهم مع ما فعله الشيخ بهم بإلصاق التهم له ورميه بالإفك والبهتان، وهكذا هم أهل السنة بين نارين: نار المبتدعة ونار التغريبيين .

نعم، لقد رفع الحداثيون واللادينيون عقيرتهم بأن الشيخ ابن باديس كان يدعوا لفصل الدين عن الدولة وأنه على نهج الكماليين وأنه يبارك إلغاء الخلافة وغيرها من الافتراءات التي نذكرها ونفندها في هذه العجالة.

شبهة فصل الدين عن الدولة

يزعم العلمانيون أن دعوتهم لفصل الدين عن الدولة قد قال بها بعض كبار الفقهاء و منهم الشيخ ابن باديس و هم في هذه الشبهة يستندون إلى الدعوة التي نادى بها هو و رجالات الجمعية الدولة الفرنسية مضمونها تطبيق قانون فصل الدين عن الدولة لكن حقيقة الأمر أن دعوتهم لهذا الأمر إنما كان لغرض نبيل يفرضه عليهم الواقع المشين تحت وطأة المستدمر الفرنسي حتى ترفع فرنسا يدها عن المساجد والجمعيات والأوقاف الإسلامية وهذا ما يبينه الأستاذ محمد الهادي حسني [آثار البشير الإبراهيمي (3/26) حيث يقول عن الإبراهيمي وحقيقة دعوته لفصل الدين عن الدولة: “وننبّه هنا إلى أن بعض دعاة اللائكية في بلادنا يخدعون الشعب وُيوهِمُونه بأنهم إنما يدعون إلى مادعا إليه الإمام الإبراهيمي من فصل الدين عن الدولة. وكذبوا، وصدق الإمام الإبراهيمي. وهم في كذبهم كأسلافهم الذين تقوَّلُوا على الله، فقالوا إنه يقول: “لا تقربوا الصلاة .. “، ويقول: “فويل للمصلين .. “.إن الإمام الإبراهيمي دعا إلى فصل الدين الإسلامي عن الدولة الفرنسية، لأنها دولة نصرانية في الجوهر، لائكية في المظهر، وفي كلتا الحالتين لاحق لها في الإشراف على الدين الإسلامي. أما اللائكيون عندنا فهَدَفُهُم هو القضاء على الإسلام في الجزائر، ودعوتهم هذه مرحلة من مراحل تحقيق ذلك الهدف”.
و يؤيد هذا أن الشيخ الإمام كان يدافع عن إقامة الأحكام الإسلامية و أن الشريعة عنده كل لايتجزأ و لا يتبعض و نسوق هذا الموقف الذي وقفه الشيخ أمام اللجنة البرلمانية حينما سأله رئيسها عن رأي الجمعية فيما ” لو أن فرنسا أصدرت أمرا بطرح المسلمين الأحكام الشرعية لتعطيهم الحقوق الفرنسية… فأجاب الشيخ “أما إذا ألزمت فرنسا المسلمين برفض شريعتهم والتخلي عن ذاتيتهم فإنهم يشعرون بالضربة القاضية عليهم بالعدم التام. أنا أعتقد أنكم وأمثالكم تبحثون عن وجه في الإصلاح ينقل الجزائر من حالة اضطراب إلى حالة استقرار. وأنا أحقق لكم أنكم إذا ألزمتم الأمة الجزائرية المسلمة برفض شريعتها والتخلي عن ذاتيتها فإنكم تكونون قد وضعتم أمرا يؤول بالجزائر إلى اضطراب أعظم لا تدرى عاقبته”. ثم أجاب عن سؤاله “ماذا تقولون لو صدر الأمر بمنع تعدد الزوجات خاصة، فأجابه الشيخ ” بأن الشريعة كلٌّ لا يجوز للمسلم تجزئته، فتقبل كلها أو ترد كلها” اهـ من كتاب قال الشيخ الرئيس ص 145.

وفي مقال للشيخ لما تكلم عن موقفه الأخير من أعمال الكماليين و جناياتهم ذكر جنايتهم على الدين الإسلامي فقال :”الجناية الرابعة على الدين الإسلامي، لم يكتف القوم برفض الدين عن الدولة وتعطيل أحكامه بين الناس جملة بل أخذوا في استئصاله من الأمة التركية التي لا نشك في سخط أكثريتها عليهم وأغلقوا مدارس الديانة وطردوا طلاب العلوم الدينية، وصاروا يعلنون بملء أفواههم أن الدين عائق لهم عن المدنية”. الآثار (6/ 20 – 23).و هذا عين ما يتفوه به بنو علمان من قومنا.

بل و يعتبر الشيخ أن ترك الحكم بما أنزل الله من الكفر العملي فقال:” والكفر قسمان: إعتقادي وهو الذي يضاد الإيمان، وكفر عمل، وهو لا يضاد الإيمان، ومنه كفر تارك الصلاة غير المستحل للترك، وكفر من لم يحكم بما أنزل الله كذلك.الآثار(1/312). فهل بعد هذا يتشدق به من يخون أمته و يبيع دينه و يحاول تعطيل أحكامه ألا ساء ما يزرون .

شبهة مباركته لإلغاء الخلافة

مما يتفوه به بنو علمان و اذناب الغرب و يرمون به الشيخ ابن باديس أنه بارك إلغاء الخلافة و اعتبره مجرد رمز يثقل كاهل المسلمين و هم في ذلك ينشرون قوله :” فيوم ألغى الأتراك الخلافة -ولسنا نبرر كل أعمالهم -لم يلغوا الخلافة الإسلامية بمعناها الإسلامي، وإنما ألغوا نظاما حكوميا خاصا بهم، وأزالوا رمزا خياليا فتن به المسلمون لغير جدوى، وحاربتهم من أجله الدول الغربية المتعصبة والمتخوفة من شبح الإسلام «.الآثار (5/ 382).

والجواب ليعلم أن هذه الخلافة التي لم يأسف الشيخ بإلغائها إنما هي الخلافة التي كانت بعيدة كل البعد عن روح الإسلام و أحكامه فهو يقول “لم يلغوا الخلافة الإسلامية بمعناها الإسلامي، وإنما ألغوا نظاما حكوميا خاصا بهم ” ولا شك أن من اطلع على كتاب تاريخ الدولة العثمانية و غيرها من الكتب التي أبرزت عوامل سقوط هذه الدولة وما كانت عليه في آخر عهدها يجد جناية هذه الدولة على المسلمين وبعدها عن معالم الإسلام ومن ذلك غزوهم لبلاد الحجاز لدحر الدعوة السلفية وما فعلوه بأهلها بل ورد أنه ” كان على رأس تلك الجيوش التي وجهها محمد علي ضباط فرنسيون وبعض النصارى.وقد سرّت فرنسا بذلك العمل الحربي المدمر، وكذلك بريطانيا وأبلغت فرنسا محمد علي عن طريق قنصلها في القاهرة أنها ممنونة مما رأته من اقتداره على نشر أعلام التمدن في البلاد الشرقية ” (تاريخ الدولة العثمانية ص 500).

لكن مع هذا كله فإن الشيخ رحمه الله كان له كلام آخر يدافع فيه عن الخلافة حتى و هي على ما ذكرت يقول الشيخ وهو يذكر جنايات الكماليين :”الجناية الأولى على الخلافة: كانت الخلافة نقطة اتصال لقلوب الملايين من المسلمين وعرقا حساسا منهم وعاملا قويا لتحريك عواطفهم ولا سيما في هاته الأيام التي أخذ فيها المسلمون يعملون على النهوض بأنفسهم والتعاون بإخوانهم والتعاضد حسب الإمكان أمام كل فاجعة تلم بهم، عرفت هذا أمم العالم بأسرها أيام انتصار الكماليين ومعاهدة لوزان وإن تجاهله الكماليون اليوم! كانت هذه الرابطة العظمى والعاطفة الكبرى من أقوى ما يستعان به دعاة الوحدة الإسلامية السليمة التي ترمي إلى نشر الإخاء والسلام برفع راية الإسلام وإنهاض العالم الإسلامي نهضة تؤهله لأخذ قسطه في الحياة وأداء واجبه في خدمة الإنسانية والعمران، هذه بعض ثمرات الخلافة حتى على صورتها الأخيرة التي ابتدعها الكماليون، ثم هم قد أبوا اليوم إلا محوها بتاتا من الوجود فقضوا بذلك على ركن عظيم من أركان النهضة وسبب قوي من أسباب الاتحاد ” .

الشبهة الثالثة: ثناؤه على مصطفى كمال

فمما يستند إليه المدعون و الطاعنون ثناؤه على الخائن لأمته مصطفى كمال أتاتورك لما قال عنه بمناسبة وفاته ما قال و الرد من وجوه :

الوجه الأول: أن يقال إن الشيخ خدع بشخصية كمال أتاتوك كما خدع بها آخرون فهذا أحمد شوقي كان في أول أمره مبهورا بهذه الشخصية وقال تلك القصيدة المشهورة:

الله أكبركم في الفتح من عجب … يا خالد الترك جدد خالد العرب
لما أتيت ببدر من مطالعها … تلفت البيت في الأستار والحجب
وهشت الروضة الفيحاء ضاحكة … إلى المنورة المكية الترب
وأرَّج الفتح أرجاء الحجاز وكم … قضى الليالي لم ينعم ولم يطب

فلما فعل كمال مافعل كان له رأي آخر فقال في قصيدته المشهورة :

ضجت عليك مآذن ومنابر … وبكت عليك ممالك ونواح
بكت الصلاة، وتلك فتنة عابث … بالشرع عربيد القضاء وقاح
أفتى خزعبلة وقال ضلالة … وأتى بكفر في البلاد صراح
إن الذين جرى عليهم فقهه … خلقوا لفقه كتيبة وسلاح

و هكذا كان حال ابن باديس مع الكماليين قال رحمه الله: ” فلئن والينا الكماليين بالأمر حناهم، فلأنهم يذبون عن حمى الخلافة وينتشلون أمة إسلامية عظيمة من مخالب الظالمين، وقد سمعناهم يقولون في دستورهم» إن دين الدولة الرسمي هو الإسلام «ولئن تبرأنا منهم اليوم وعاديناهم فلأنهم تبرؤوا من الدين وخلعوا خليفة المسلمين، فكانوا ممن عمل بعمل أهل الجنة حتى لم يبق بينه وبينها إلا ذراع فعمل بعمل أهل النار فكان من الخاسرين، وإنما الأمور بخواتمها والعاقبة للمتقين”.

الوجه الثاني : أن الشيخ لم يثن عليه لما فعل و لكن اثنى على ما كان من دفاعه عن وطنه في وجه الطامعين من اليونان وغيرها فهو يذكره كزعيم قومي يجب على الأمة المستعمرة أن تفعل فعله في دحر الاستدمار عن بلادها و يؤيد هذا قوله ” ويجب أن نعلن بأن الفضل الأول في هذا كله للرجل الكريم والبطل العظيم السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود الذي لا نشك أنه سيكون إن شاء الله تعالى في تاريخ العرب ما كان لمصطفى كمال في تاريخ الترك، فالأمة العربية اليوم تعتبر هذا الأمير العظيم زعيمها الحقيقي الوحيد، وتعلق عليه الآمال الكبار ” . الآثار (5/ 31). كما أن في مقاله المثني فيه على أتاتورك ذكر ما يوحي بهذا فقال:” إن الإحاطة بنواحي البحث في شخصية أتاتورك “أبي الترك” مما يقصر عنه الباع، ويضيق عنه المجال، ولكنني أرى من المناسب أو من الواجب أن أقول كلمة في موقفه إزاء الإسلام. فهذه هي الناحية الوحيدة من نواحي عظمة مصطفى أتاتورك التي ينقبض لها قلب المسلم ويقف متأسفاً ويكاد يولي مصطفى في موقفه هذا الملامة كلها حتى يعرِّف المسؤولين الحقيقيين الذين أوقفوا مصطفى ذلك الموقف فمن هم هؤلاء المسؤلون؟ …” اهـ ثم راح يبين شركاءه في المسؤولية أو من هم المسؤولين الحقيقيين عن هذه الفاجعة وهم شيوخ الدين الطرقيين ورجال الدين الجامدين أقول و إن كان لهؤلاء نصيب في المسؤولية فلن يعفي ذلك كمالا الحظ الأوفر مما فعل و لهذا فإن الشيخ رجع عن اعتذاره لكمال و الكماليين و تبرأ من صنيعهم كما سيأتي في الوجه الثالث.

الوجه الثالث : أن الشيخ غض طرفه عن أفعال كمال و الكماليين إبقاء للوحدة و تفاؤلا برجوعهم إلى حياض الإسلام و أحكامه يقول رحمه الله :” وإنما كنا نغض الطرف عن شرورهم ومفاسدهم ساكتين عن ذكر مقابحهم إبقاء للوحدة الإسلامية التي اتجهت نحوهم، ولمًّا لشعث المسلمين حول سيرة خليفتهم وتأييد الأمة التركية خادمة الملة التابعة لهم وإرغاما لأعداء المسلمين بهم وكنا مع هذا ننتظر لهم فئة منهم أو أغلبية المعدلين عليهم، وما كنا نحسب أبدا أن يقدموا على إبطال الخلافة ويعلنوا بما هو كفر بواح ، لكنه للأسف قد قضي الأمر ووقع ما لم يكن في الحسبان….” الآثار (6/ 20).لكن لما رأى أن الجرح ازداد عفنا و الأمر سوءا قلب لهم ظهر المجن و جهر بالحق على حد قول الشاعر و هو شهل بن شيبان:

صفحنا عن بني ذهل … وقلنا: القوم إخوان
عسى الأيّام أن يرجع … ن حيّا كالذي كانوا
فلما صرّح الشّرّ … وأمسى وهو عريان
ولم يبق سوى العدوا … ن دناهم كما دانوا
مشينا مشية الليث … بدا واللّيث غضبان
بضرب فيه توهين … وتضجيع وإذعان

يقول ابن باديس رحمه الله موضحا رأيه الأخير : «إن الإسلام لا يقدس الرجال وإنما يسير الأعمال، فلئن والينا الكماليين بالأمر حناهم، فلأنهم يذبون عن حمى الخلافة وينتشلون أمة إسلامية عظيمة من مخالب الظالمين، وقد سمعناهم يقولون في دستورهم» إن دين الدولة الرسمي هو الإسلام «ولئن تبرأنا منهم اليوم وعاديناهم فلأنهم تبرؤوا من الدين وخلعوا خليفة المسلمين، فكانوا ممن عمل بعمل أهل الجنة حتى لم يبق بينه وبينها إلا ذراع فعمل بعمل أهل النار فكان من الخاسرين، وإنما الأمور بخواتمها والعاقبة للمتقين. ما كنا قط نجهل عقيدة الشبيبة التركية المتفرنجة ولا مبادئها اللادينية وكيف يجهل ذلك منها، وقد حفظ التاريخ في متون الصحف وبطون المجلات خطب زعمائها بالتأفف من الدين والغمز في مبادئ الإسلام من خطب زعماء الاتحاديين إلى آخر خطبة رأيناها في جريدة الأهرام من خطب كمال، أم كيف تخفى مقاصدهم وقد فتحوا عهد دستورهم بعد عبد الحميد بمحو كلمة الشهادة من رايات الجيش وختموها هاته الأيام بنبذ النظام العائلي الإسلامي في مسائل الزواج وإباحتهم التبرج للنساء واختلاطهن بالرجال في المراسم والمراقص ومحلات العموم، والفصل بين السلطة الروحية والزمنية مما قلدوا فيه بابوية روما ولا حقيقة له في الإسلام، لا والله ما كانت تخفى علينا عقائدهم ولا مقاصدهم، وإنما كنا نغض الطرف عن شرورهم ومفاسدهم ساكتين عن ذكر مقابحهم إبقاء للوحدة الإسلامية التي اتجهت نحوهم، ولمًّا لشعث المسلمين حول سيرة خليفتهم وتأييد الأمة التركية خادمة الملة التابعة لهم وإرغاما لأعداء المسلمين بهم وكنا مع هذا ننتظر لهم فئة منهم أو أغلبية المعدلين عليهم، وما كنا نحسب أبدا أن يقدموا على إبطال الخلافة ويعلنوا بما هو كفر بواح، لكنه للأسف قد قضي الأمر ووقع ما لم يكن في الحسبان ففعلوا فعلاتهم الشنعاء وجاءوا للإسلام بالدويهات الدهياء فتوالت قراراتهم المشؤومة يحملها البرق في أقطار المعمورة من إبطال الخلافة ونفي الخليفة وآل عثمان ورفض الدولة للديانة وإبطال المحاكم الشرعية وغلق المدارس الدينية وغير ذلك من المنكرات فمرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية وجنوا على الإسلام عدة جنايات:

الجناية الأولى، على الخلافة: كانت الخلافة نقطة اتصال لقلوب الملايين من المسلمين وعرقا حساسا منهم وعاملا قويا لتحريك عواطفهم ولا سيما في هاته الأيام التي أخذ فيها المسلمون يعملون على النهوض بأنفسهم والتعاون بإخوانهم والتعاضد حسب الإمكان أمام كل فاجعة تلم بهم، عرفت هذا أمم العالم بأسرها أيام انتصار الكماليين ومعاهدة لوزان وإن تجاهله الكماليون اليوم! كانت هذه الرابطة العظمى والعاطفة الكبرى من أقوى ما يستعان به دعاة الوحدة الإسلامية السليمة التي ترمي إلى نشر الإخاء والسلام برفع راية الإسلام وإنهاض العالم الإسلامي نهضة تؤهله لأخذ قسطه في الحياة وأداء واجبه في خدمة الإنسانية والعمران، هذه بعض ثمرات الخلافة حتى على صورتها الأخيرة التي ابتدعها الكماليون، ثم هم قد أبوا اليوم إلا محوها بتاتا من الوجود فقضوا بذلك على ركن عظيم من أركان النهضة وسبب قوي من أسباب الاتحاد.

الجناية الثانية، على الخليفة: هذا الخليفة معروف عند العارفين الشرقيين والغربيين بموالاته للكماليين قبل بيعته وموافقته لهم بعدها، لذلك انتخبوه باختيارهم دون سواه، وبايعوه ثم نكثوا عهده ونقضوا بيعته، ولم يكتفوا بذلك حتى شردوه وتركوه، وهو الشخص الذي يحمل عنوان خليفة الإسلام ملقى على أعتاب الأوروبيين فيا لشماتة الأعداء والسخرية والاستهزاء! ساء والله ما يفعل الظالمون!

الجناية الثالثة، على عائلة آل عثمان: هذه العائلة الكريمة يرتبط تاريخ مجد الترك بتاريخها وما كون الترك وجعل لهم المنزلة السامية في أمم الإسلام إلا أمراؤها فأنكر الكماليون اليوم كل ذلك وشتموها بمخدراتها ولم يرقبوا فيها إلا ولا ذمة ألا إنهم معتدون.

الجناية الرابعة، على الدين الإسلامي: لم يكتف القوم برفض الدين عن الدولة وتعطيل أحكامه بين الناس جملة بل أخذوا في استئصاله من الأمة التركية التي لا نشك في سخط أكثريتها عليهم وأغلقوا مدارس الديانة وطردوا طلاب العلوم الدينية، وصاروا يعلنون بملء أفواههم أن الدين عائق لهم عن المدنية، عجبا لقوم ما قرؤوا الدين ولا عرفوه كيف ساغ لهم أن يحكموا عليه، نعم تشبعهم بإلحاد أوروبا وجهلهم بحقيقة الدين، ووقوفهم أمام فقهاء لا يرون دين الله إلا من مشهور مذهبهم دون سائر مذاهب المسلمين، هذا الذي جرأهم على هذا المقال. وهنا يجب أن أقول أن كل وصمة يرمى بها الإسلام إنما هي من إفراط مثل هذه الطائفة الملحدة وتفريط طائفة العلماء الجامدة المقلدة، ولقد طالت مصيبة الإسلام بهاتين الطائفتين من عهد بعيد، والإسلام دين العلم والمدنية والرقي المادي والأدبي والتهذيبي النفسي والعقلي-بريء من كل عيب- شهد له بذلك عقلاء الأجانب بل أبناؤه المؤمنون، ولو دعا الكماليون العلماء المستقلين أهل النظر والاستدلال لأروهم من الإسلام ما كانوا يجهلون، وأبانوا لهم من مبادئه السامية وقواعده العالية الصالحة بكل إنسان الممكنة التطبيق على مقتضيات الأزمان»الآثار (6/ 20 – 23).

و هذا الوجه الأخير هو أقوى الوجوه، وهو يبرئ ذمة الشيخ مما نسب إليه، فإنه و إن أخطأ في ثنائه الأول أفلا يُرجع إلى ما قاله آخرا، وهذا الحري بمن يريد الحق والهدى، لا سبيل أولئك المغرضين واللائكيين الذين يتبعون المتشابهات من نصوص الوحي و كلام العلماء المصلحين.

آخر التغريدات: