هل كان ابن باديس رجلا سياسيا؟ !

هل كان ابن باديس رجلا سياسيا؟ !

بقلم: حمزة يدوغي –

هناك حقيقتان اثنتان ينبغي استحضارهما عند الحديث عن الفكر السياسي عند ابن باديس رحمه الله، الأولى أنه كان رجل إصلاح ولم يكن رجل سياسة بالمعنى الاصطلاحي المتداول اليوم، والحقيقة الثانية أن حسه السياسي أو ثقافته السياسية إذا أردنا رصدها وضبطها والحديث عنها لا يكون إلا من خلال فكره الإصلاحي العام، وبشكل أدق من خلال مواقفه من القضايا التي تهم وطنه بالدرجة الأولى والأمة العربية والإسلامية بصورة عامة !..

ولا بد من الإشارة إلى أن مفهوم الإصلاح عند ابن باديس يتميز بالشمولية، فهو يصرح ويعلن بأنه مصلح ديني، لكن ينبغي أن نفهم هذا الإصلاح على أنه أساس لإصلاح جميع مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كمرحلة وكخطوة أولى لا بد منها لتهيئة الأمة من أجل تحقيق الذات بالخروج من التخلف والتحرر من الاستعمار ! فاختياره لمنهج “الإصلاح الديني” كان عن وعي وبصيرة أملاه عليه فقهه بطبيعة الواقع الذي تعيشه أمته بمختلف أبعاده وضغوطه وبمنطق أولوياته وإمكاناته، بمعنى أن التغيير عنده إنما يكون استجابة طبيعية من الأمة للحياة متى أحيينا فيها قيم الإسلام ومبادءه السامية فتغير ما بنفسها ليغير الله ما بها !..

قال رحمه الله موضحا سبب اختياره لنهج الإصلاح الديني على النهج السياسي: “وبعد، فإننا اخترنا الخطة الدينية على غيرها عن علم وبصيرة وتمسكا بما هو مناسب لفطرتنا وتربيتنا من النصح والإرشاد وبث الخير والثبات على وجه واحد والسير في خط مستقيم، ولو أردنا أن ندخل الميدان السياسي لدخلناه جهرا ولضربنا فيه المثل بما عرف عنا من ثباتنا وتضحيتنا، ولقدنا الأمة كلها إلى المطالبة بحقوقها ولكان أسهل شيء علينا أن نسير بها على ما نرسمه لها، فإن مما نعلمه ولا يخفى على غيرنا أن القائد الذي يقول للأمة إنك مظلومة في حقوقك وإنني أريد إيصالك إليها، يجد منها ما لا يجده ممّن يقول لها إنك ضالة عن أصول دينك وإنني أريد هدايتك!. فذلك تلبّيه كلها وهذا يقاومه معظمها أو شطرها، وهذا كله نعلمه، ولكننا اخترنا ما اخترنا لما ذكرنا وبيّنّا، وإننا فيما اخترناه بإذن الله ماضون عليه متوكلون !”.

فالمسألة عنده إذن ليست مسألة جهل بالسياسة أو تهوينا من شأنها وترغيب الناس عنها، وإنما هي مسألة تشخيص لداء خامر الأمة في كامل كيانها فلابد له من دواء مناسب يعيد العافية لهذا الكيان كله وليس لعضو واحد من أعضائه!

وإذن فإن الوقوف على الفكر السياسي لابن باديس لا يكون إلا من خلال منظوره الشامل، فقد كان يؤمن أن عودة الجزائر بوعي إلى دينها هي وحدها الكفيلة بدفعها إلى تغيير وضعها، من حال الجهل إلى العلم ومن حال الضعف إلى القوة، قال رحمه الله “الإسلام عقد اجتماعي عام فيه جميع ما يحتاجه الإنسان في جميع نواحي الحياة لسعادته ورقيه، وقد دلت تجارب الحياة كثيرا من علماء الأمم المتمدنة على أن لا نجاة للعالم مما هو فيه إلا بإصلاح عام على مبادئ الإسلام، فالمسلم الفقيه في الإسلام غني به عن كل مذهب من مذاهب الحياة!”.

لكن ابن باديس يوضح بأن الإسلام الذي يحيي الأمم بعد موتها هو “الإسلام الذاتي، إسلام من يفرق بين ما هو من الإسلام بحسنه وبرهانه وما ليس منه بقبحه وبطلانه، فيحيا حياة فكر وعمل، لا الإسلام الوراثي المبني على الجمود والتقليد فلا فكر ولا نظر !”

إن الهمّ الكبير الذي كان يحمله ابن باديس وفهمه العميق والشامل لمتطلبات الواقع جعله يكيف خطابه ومواقفه مع هذا الواقع، فإذا نشر مقالا سنة 1933 يوضح فيه سبب اختياره الخطة الدينية على الخطة السياسية مستخدما في ذلك نوعا من التقية خوفا من رقابة المستعمر، فإننا نجده سنة 1937 عندما سنحت له فرصة مخاطبة جمعية الطلبة الجزائريين في الزيتونة يستغل فسحة الحرية المتاحة له فلا يكتفي مثلا بحقهم على الاجتهاد في تحصيل العلم بل إنه يرتاد بهم عالما أوسع وأرحب فينبههم إلى ما ينبغي أن يتسلحوا به على جانب العلم لكي يخوضوا معركة الحياة بما يستوجبه منطق العصر والواقع فيقول لهم: “وكلامنا اليوم عن العلم والسياسة معا وقد يرى البعض أن هذا الباب صعب الدخول لأنهم تعوّدوا من العلماء الاقتصار على العلم والابتعاد عن مسالك السياسة، مع أنه لابد من الجمع بين العلم والسياسة، ولا ينهض العلم والدين كل النهوض إلا إذا نهضت السياسة بجدّ !”.

وهو، رحمه الله، عندما هتف بتلك الحقيقة الكبرى الناصعة “إن الجزائر ليست فرنسا ولا تريد أن تكون فرنسا ولا تستطيع أن تكون فرنسا ولو أرادت !”، كان يعلم علم اليقين أن تحرر الجزائر من فرنسا واستقلالها التام عنها لا يتصور عاقل أن يتحقق خلال عقد من الزمن، لكن إيمانه بما تنطوي عليه أمته من عناصر القوة وأسباب الحياة جعله واثقا من انبعاثها وجهادها وتحررها ولو بعد حين، وهذا ما نجده جليا واضحا في قوله: “إن الاستقلال حق طبيعي لكل أمة من أمم الدنيا، وقد استقلت أمم كانت دوننا في القوة والعلم والمناعة والحضارة، ولسنا من الذين يدعون علم الغيب مع الله ويقولون إن حالة الجزائر الحاضرة ستدوم إلى الأبد، فكما تقلبت الجزائر مع التاريخ فمن الممكن أن تزداد تقلبا وتصبح البلاد الجزائرية مستقلة استقلالا واسعا تعتمد عليها فرنسا اعتماد الحر على الحر !..”.

إن وعيه العميق بالواقع والوضع الحضاري العام الذي كان يشهده العالم جعله يولي قضايا العالم الإسلامي العناية نفسها التي يوليها لأمته الجزائر، ولعل أحسن مثال على ذلك موقفه من قضية الخلافة الإسلامية التي نظر إليها منطلقا من الواقع بكل أبعاده وضغوطه فقد قال رحمه الله “لقد أمكن أن يتولى هذا المنصب شخص واحد، صدر الإسلام وزمنا بعده، على فرقة واضطراب، ثم قضت الضرورة بتعدده في الشرق والغرب، ثم انسلخ عن معناه الأصلي وبقي رمزا ظاهريا تقديسيا ليس من أوضاع الإسلام في شيء، لقد كنت كاتبت صاحب الفضيلة شيخ الأزهر الشريف بهذا المعنى ولكنني لم أتلق منه جوابا، وعرفت السبب يوم بلغنا أن إخواننا الأزهريين هتفوا – يوما – بالخلافة لملك مصر فاروق الأول، وسيرى صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر أن خيال الخلافة لن يتحقق وأن المسلمين سينتهون يوما ما، إن شاء الله، إلى هذا الرأي !..

آخر التغريدات: