ذكرى تأسيس "البصائر"

ذكرى تأسيس "البصائر"

بقلم: محمد الهادي الحسني –

مرت في السابع والعشرين من الشهر الماضي الذكرى الثمانون لإصدار جريدة البصائر “عميدة” الجرائد الوطنية، لسان حال “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين”، خير جمعية أخرجت للناس، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله، وتجادل بالحق عن الحق، وقد أراد المبطلون من أعدائنا، ومن “أبناء جلدتنا” أن يطفئوا نوري “الجمعية” و”البصائر” فأبى الله – ذو القوة المتين – إلا أن يتم “النّورين”، فهما تصدعان بالحق إلى الآن، ولو على القاعدة الباديسيّة القائلة: “تستطيع الظروف أن تكيّفنا، ولكنها لا تستطيع – بإذن الله –

أدركت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أهمية الإعلام في “التضليل” عن الحق، وفي “التدليل” على الحق، فأسست جريدة “السنة النبوية المحمدية”، لتكشف من أراد “المتاجرة” بكلمة “السّنّة”، ولكن فرنسا التي كانت تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف أوقفت “السنة النبوية المحمدية” بعدما صدر منها ثلاثة عشر عددا، فأصدرت “الجمعية” جريدة “الشريعة النبوية المحمديةّ”، فكان مصيرها كمصير أختها، فاستشهدت مقبلة غير مدبرة، بعدما صدر منها سبعة أعداد، فأخرجت “الجمعية” جريدة “الصراط السوي” بعد سبعة عشر عددا، ولم تكتف فرنسا في هذه المرة بإيقاف الجريدة، بل أضافت مادة تنص على منع “الجمعية” من إصدار أية جريدة في المستقبل، حتى قال الإمام الإبراهيمي معلّقا على القرار، و”ساخرا” من فرنسا، وكاشفا لعتوّها وطغواها ما معناه: إن فرنسا تحكم بالإعدام على المرء قبل أن يولد… وما أشبه أولياءها في الجزائر بها..

وشاء الله – ولا رادّ لمشيئته – أن تخرج “الجمعية” جريدة “البصائر”، فأشرقت بنورها على الجزائر والجزائريين في يوم الجمعة فاتح شوال من عام 1354 هـ (27 ديسمبر 1935م)، فبصرت الجزائريين بما لم يبصروا به في دينهم ودنياهم، ودلتهم على الصراط السوي بعدما أضلهم “السامريون”، وجاءوهم بـ”سحر” عظيم، ليسترهبوهم ويستخفّوا عقولهم، وزعموا أن “الاستعمار” من قدر اللّه، ومن “تمام الإيمان” الرضا بقدر الله، وأنساهم “شياطين الإنس” أن “جهاد الاستعمار” من قدر الله وقضائه أيضا… وما أعظم “الفقيه” الأكبر عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – الذي قيل له: أتّفرّ من قدر الله؟ فقال: أفرّ من قدر الله إلى قدر الله… وصدق محمد العيد القائل: حسبنا في جهادنا  أنّ من جندنا “القدر”

إن في إصدار “البصائر” في التاريخ المذكور كثيرا من الرموز، فقد أصدرت يوم الجمعة، وهو “عيد” المسلمين الأسبوعي، ويوم أول شوال وهو أحد عيدي المسلمين الشرعيين، وبعد شهر رمضان، وهو شهر بدء نزول القرآن، وهو شهر الصبر والصيام… فجاءت كما قال شاعر الإصلاح والمصلحين، و”حسان” الحركة الإصلاحية محمد العيد آل الخليفة:

سوف نهدي بنورها      كل من زاغ أو كفر

لا تخافوا، لا تحزنوا    إن عقباكم الظفر

لقد مرت جريدة “البصائر” بأربعة أطوار، وهي تحتاج إلى دراسة أكاديمية، تدرس أطوارها والظروف المختلفة التي اجتازتها، وهذه الأطوار هي:

1. الطول الأول من 1935 إلى 1939 وكانت تصدر في مدينة الجزائر حتى العدد 83، وكان يرأسها الشيخ الطيب العقبي، وابتداء من العدد 84 إلى العدد 180 أصبحت تصدر في قسنطينة تحت رئاسة الشيخ مبارك الميلي.. وقد أوقفتها “الجمعية” عشية الحرب العالمية الثانية حتى لا تجبر على قول، عملا بالمثل العربي القائل: “بيدي، لا بيد عمرو”.

2. الطور الثاني، بدأ في جويلية 1947 إلى شهر أفريل 1956، وكانت تصدر من مدينة الجزائر، وكان رئيسها الإمام محمد البشير الإبراهيمي – قبل سفره إلى المشرق – ويشرف عليها إشرافا كاملا، يساعده كل من الشيوخ حمزة بكوشة، وباعزيز بن عمر، وأحمد سحنون – ويعتبر هذا الطور هو “الطور الذهبي” للجريدة، حتى سماها الدكتور أبو القاسم سعد الله في هذين الطورين بـ “الجريدة الكنز”.

وقد يسّر الله – عز وجل- لجريدة البصائر في هذين الطورين أحد الأوفياء لها ولجمعية العلماء هو الحاج الحبيب اللمسي، صاحب “دار الغرب الإسلامي” فأخرجها للناس، وهي الآن بين أيديهم، ينتفعون من حقائقها الدينية، وروحها الوطنية، وأسلوبها الأرقى.

وأود أن أشير إلى أن بعض الناس استغلوا “الطرقية السياسية” ليحاولوا “تبييض” أعمالهم غير الشريفة بالغمز في جانب “جمعية العلماء”، وأنا أتحداهم أن ينشروا جرائدهم كما هي ليعرف الجزائريون حقيقتهم..

3. أما الطور الثالث فهو أقصر أطوارها، وكان يشرف عليها فيه الشيخ أحمد حماني والشيخ عبد الرحمن شيبان، وقد توقفت بسبب الفتنة التي ضربت الجزائر، بسبب عمي الأبصار وعمي البصائر..

4. الطور الرابع وابتدأ من شهر ماي 2000 إلى الآن، وقد أشرف عليها الشيخ عبد الرحمن شيبان والدكتور عبد الرزاق قسوم… الذي يشرف عليها حاليا..

لقد كان من أماني الإمام الإبراهيمي أن تتحول “البصائر” إلى جريدة يومية، ولكن هذه الأمنية لما تتحقق بعد، ونرجو أن يقع ذلك قريبا..

ولابد من الإشارة إلى تقصير الجزائريين في حق البصائر، فهي تعاني “الكساح” و”فقر الدم”، وكثير ممن التقيناهم يطالبونها بأمور كثيرة ويبخلون عليها بدنانير قليلة.. ولكنها ما تزال وفية للمبادئ، ولم تبع نفسها، لأنها تؤمن – كما قال الإمام الإبراهيمي، الآية الكبرى للبصائر “أن بيع القلم واللسان أقبح من بيع الجندي لسلاحه”. (البصائر ع1، في 25/7/1947).

وتحية إلى “البصائر” في عيدها الثمانين، ووفاء لمؤسسيها الأخيار، أولى النّهى والأبصار..

آخر التغريدات: