الباحث الجزائري الدكتور بدران بن لحسن لـ “الحوار”: مالك بن نبي مشروع تجديد حضاري أهملته الجزائر

الباحث الجزائري الدكتور بدران بن لحسن لـ “الحوار”: مالك بن نبي مشروع تجديد حضاري أهملته الجزائر

حاوره: وليد شموري –

د. بدران مسعود بن لحسن أستاذ برنامج مقارنة الأديان كلية الدراسات الإسلامية جامعة حمد بن خليفة قطر يتحدث ليومية “الحوار”عن المرجعية الإسلامية المتكاملة التي يحتاجها الإنسان المسلم في حياته اليومية وعن الفهم الخاطئ لها من طرف البعض ،كما يتحدث عن المفكر الجزائري مالك بن نبي الذي وصفه بالمشروع الحضاري.

بداية مرحبا بك معنا عبر صفحات يومية الحوار؟

مرحبا بكم، وشكرا لكم على إتاحة هذه الفرصة للحديث عبر صفحات جريدة الحوار.

دافعت في طروحاتك بشكل كبير عن المرجعية الإسلامية الأصيلة، ودعوت إلى ضرورة تقبّل فكر الآخر الوافد شرط غربلته، هل نفتقد فعلا ذلك الوعي بأفكارنا وقيمنا وكينونتنا ومرجعيتنا كمسلمين؟

نعم. دافعت عن المرجعية الإسلامية، فنحن مسلمون؛ أنا وأنت والشعب الجزائري المسلم وكل الشعوب التي آمنت بالإسلام دينا، والمرجعية الإسلامية هي أن يكون الإسلام بالنسبة لنا معتقدا وشرعة ومنهاجا ورؤية كونية ومنهج حياة وإطارا حضاريا.

وهذه المرجعية الإسلامية في جوهرها منفتحة تكاملية سننية تراحمية؛ بمعنى أنها مرجعية تستند إلى الوحي مؤسسا ومؤطرا، ومستفيدة من الخبرة الحضارية للأمة الإسلامية عموما، والمجتمع الجزائري خصوصا، وكذلك الخبرة الإنسانية، وهذا ما نقصده بالتكاملية، حيث إن هذه المرجعية تستوعب الوحي والعقل والتاريخ، وتكامل بين منجزات الماضي والحاضر، متحررة من عقدة الإقصاء أو التفاضل أو التعصب. وما نعنيه بسننية أن هذه المرجعية تحتكم إلى سنن الله في الهداية وفي الآفاق والأنفس والتاريخ؛ وهذا كله مدخله العلم الذي جاءت (إقرأ) لتؤسس له. وتراحمية نعني بها انه مرجعية تنظر إلى الإنسان انه حامل رسالة التحضر لكل الناس، ورسالة عمارة الكون لكل البشر، ورسالة خير للعالمين، فلا تقصي من الانتماء إليها احدا، ولا تحرم من خيرها وبركتها وسعتها أي أحد، ولو لم يرمن بها.

وهذا يجعل الإنسان المسلم ينطلق نحو عمارة الأرض وهو يحمل القدرة على تمييز الخير من الشر، وغربلة التجارب الإنسانية المحلية والعالمية، الماضية والحاضرة والمستقبلة، دون عقدة، بل موزونة بمعايير الشرع الهادي لخير الإنسان في الدنيا والآخرة.

وهذا ما نفتقده في كثير من أدبياتنا الفكرية والثقافية، بفعل هيمنة ثقافة التخلف أزمنة مديدة، وبفعل عقدة النقص – أو ما يسميه بن نبي القابلية للاستعمار- حيث لم نعد نقف من التجارب موقف الناقد، بل موقف الزبون المهووس بكل جديد، لا يستطيع أن يمتلك القدرة فرز الغث من السمين، فصرنا نعيش نوعا من الاغتراب؛ إما في ماضينا، وإما في حاضر غيرنا.

تبدو من خلال أفكارك متشبعا بأفكار المفكر مالك بن نبي، ما سبب هذا التأثّر ؟ أو ما لذي وجدته مميزا في فكره؟

الحقيقة اكتشفت مالك بن نبي في ماليزيا، بالرغم من أني قرأته وأنا في الجامعة في مرحلة الليسانس. لكن في ماليزيا أنجزت عنه رسالتي للماجستير والدكتوراه، ووجدت الرجل يقدم أطروحة ومشروعا لتشخيص أزمة التخلف الحضاري في العالم الإسلامي، ويقدم منظورا أكثر اقتدارا على معالجة الأزمة واقتراح حلول للنهضة البعث الحضاري للوطن وللأمة.

مالك بن نبي هو ابن خلدون الثاني، وأخاف ان يحدث له مثلما حدث لابن خلدون، انه لم تستفد منه أمته في زمانه؛ من حيث منظوره، ومنهجه، ومفاهيمه، والحلول التي اقترحها.

مالك بن نبي هو مؤسس المنظور الحضاري للنهضة في العالم الإسلامي، أعطى أولوية كبيرة للإنسان، وإعادة صياغة الثقافة التي تمثل المحيط الذي يتشكل فيه وعي الإنسان، وصاغ نظريته في الحضارة معتبرا الحقيقة الدينية الوسط الذي يتشكل فيه البعث الحضاري الإسلامي الجديد، لن الدين يوفر الوسط الذي تتفاعل فيه مكونات الحقيقة الاجتماعية (الإنسان والإمكان الطبيعي والزمن ببعده الاجتماعي).

مالك بن نبي أيضا لم يكن مفكرا أيديولوجيا، ولا كاتبا مغرما بالتنظير، ولا داعية مهتما بتجميع الناس حول فكره، ولا سياسيا يطالب بالحقوق، ولكن عالم ومفكر وصاحب دعوة وفيلسوفا واسع النظر ومهندس أفكار نادر الوجود، انشغل نظريا وعمليا بتشخيص أمراض الأمة المتوارثة والمستوردة، واقتراح حلول نظرية وعملية جديدة غير مسبوقة.

لهذا فإني أرى أن مالك بن نبي صاحب مشروع تجديد حضاري لم يتم استغلاله بعد، وهو المفكر الذي تحتاجه الأمة ويحتاجه وطننا إذا أردنا أن نخرج من حالة التكديس والغثائية والفوضى والمعالجات الجزئية والسياسيوية لوضعنا.

ترتبط العملية النقدية ارتباطا وثيقا بحركية الفعل الإنساني، كيف ترى وضع الممارسات النقدية في عالمنا الإسلامي؟ هل تنطلق من قواعد وأسس متينة؟

في تصوري، أن النقد آلية من آليات التقييم والتقويم للأفكار والأشخاص والأشياء. وهو فعلاً وثيق الصلة بحركية الفعل الإنساني في مختلف أبعاده ودوائره الفردية والجماعية الرسمية والشعبية.

لكن يبدو أن النقد في عالمنا الإسلامي صار عملة إما نادرة، أو أنها تطبق باستحياء، وكأنك لما تقدم نقدك لفكرة او شخص أو شيء، كأنما قمت بعمل شاذ. ويبدو أنه عندنا حساسية مفرطة للنقد ولا نتقبله، وأعني بذلك في عصورنا المتأخرة.

بالرغم من أن القرآن الكريم يؤسس للعقل الاستدلالي، وللمنهج النقدي من خلال عرضه لتجارب الأمم والشعوب ونقدها وتثمين ما فيها من إيجابيات، ومواجهة ما فيها من انحرافات.

كما أن السنة النبوية وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم تعلمنا أن العقل النقدي والروح المتقبلة للاعتراف بالخطأ كان من أهم ما ربانا عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

وأظن أننا في حاجة ماسة إلى إعادة بعث قيمة النقد في ثقافتنا الإسلامية المعاصرة، وجعل النقد آلية من آلياتها المعهودة والممارسة بانتظام. ولعل ذلك يدعونا إلى تضمين ذلك في مناهجنا التربوية في مختلف أطوار التعليم.

ما مدى فعالية الإسلام في حياتنا الاجتماعية والثقافية والفكرية؟

الإسلام معطى إلهي لا يتقادم ولا يتجاوزه الزمن. ولكن فعالية الإسلام فيها ما هو ذاتي مرتبط بالحقيقة الإسلامية المؤيدة بالوحي المعصوم، وفيها ما هو موضوعي مرتبط بالمسلم في حركته في التاريخ.

ولا شك أن هذا الجانب الثاني –أعني الجانب الموضوعي- نحن من تسببنا في فقدانه، فمسلم اليوم يفتقد لمنطق الفعالية، بل صار الإسلام في وعي اغلب الناس انتماء سلبي لا يبعث على الأداء الفعال المنتج، فتحول الإسلام في وعينا إلى تقاليد انتماء دون أن يكون لها كثافة الواقع وحيويته.

وهذا ما جذبني في فكر مالك بن نبي، إذ انشغل فعلا بالبحث عن كيفية تفعيل الإسلام في واقعنا، بدل الحديث عن الإسلام في مستواه النظري.

فنحن لسنا في حاجة إلى إقناع الناس نظريا بالإسلام، بقدر ما نحتاج أن نحول الفكرة الإسلامية إلى منهج حياة، وأنماط سلوك، وتطلعات وجدان وإشراقات روح. أن يعيشه الناس في واقعهم.

وهذا ما سعت إليه جهود الصحوة الإسلامية، ولا تزال، بالرغم من بعض الإخفاقات، وبعض الاكراهات في الواقع. لكني متفائل بأن المستقبل يقود إلى تفعيل الإسلام في مختلف أبعاد وجودنا، بوعي يتجاوز وعي يومياتنا هذه.

ينظر بعض الغربيين إلى الإسلام نظرة سوداوية ويصفونه بدين الترهيب ودحر الحرّيات، والحث على ثقافة العنف، هل الأنا الغربية عاجزة عن فهم تعاليمه فعلا أم إننا نحن من صدرنا صورا سيئة عن الإسلام والمسلمين؟

الغرب الرسمي؛ أي المؤسسات الدينية والسياسية والاجتماعية والإعلامية وغيرها تحمل عداء متأصلا للإسلام، ليس بسبب جهلهم به، ولكن لأن الإسلام مشروع مضاد للهيمنة الغربية، وللمادية الغربية، ولنمط الحضارة الغربية الموغل في الأنانية والسطحية والمتعة واختزال الإنسان إلى وجود استهلاكي او وجود طبيعي بعيد عن قيم المساء.

إضافة إلى تشكل ذهنية الصراع في اللاوعي الغربي منذ أن بزغت شمس الإسلام، وحملها لراية دعوة النبوة الحقة (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم. قل غن هدى الله هو الهدى).

كما أن هناك عامل آخر لهذا التنميط للإسلام بأنه دين عنف، هذا العالم هو تحالف الاستبداد والجهل في عالمنا الإسلامي؛ فالاستبداد ولّد أنماطاً متطرفة من التدين بعيدة كل البعد عن قيم الإسلام السمحة.

كما أن الجهل، وبتشجيع من أنظمة الاستبداد، أدى إلى ظهور فهم للإسلام إما خرافي تماما، وإما متطرف يضيق رحمة الله، ويختطف الإسلام. والله اعلم وشكرا لكم.

آخر التغريدات: