ثلاثيات مالك بن نبي ½

ثلاثيات مالك بن نبي ½

بقلم: التهامي مجوري –

الملاحظ عن مالك بن نبي رحمه الله، أنه حريص على صياغة أفكاره في شكل صيغ رياضية، وكأنها خلاصات صاغها من خلال قراءته للتاريخ تشبه القوانين الثابتة، وهذه القوانين، قد يكون جوهر أفكارها موجود عند غيره، وقد لا يكون، وإنما الثابت أن ما أنتج من أفكار مبثوثة في كتبه، تتسم بهذه الصفة، وهي أنه يحرص على صياغة الفكرة في شكل منتوج مركب من أجزاء، قد تكون هذه الأجزاء منتوجات مركبة هي أيضا من أجزاء، والسر في ذلك فيما يبدو طبيعة تكوينه العلمي الذي غلبت عليه النزعة الرياضية الفيزيائية، وهي صيغة من صيغ البيان التي يستحسنها مسلم القرن العشرين الذي تتقاذفه النزعات العلمانية الإلحادية الداعية إلى استبعاد الدين والتخلي عن القيم الثقافية والأخلاقية، وتسهيلا على الناس ليفهموا الأفكار العميقة والمعقدة بسبب العمق حينا وبسبب الترجمة آخر، بأساليب سلسة في جمل بسيطة ممزوجة بروح رياضية يقينية أو تكاد.

والعجيب أن فكرة الصياغة الرياضية هذه لم تقف عند الاستعانة بالرياضيات وحسب وإنما كانت أفكارا بصيغ رياضية، في شكل ثلاثيات، أي أن الفكرة ينتجها، ولكنها متكونة من ثلاثة عناصر، فلا هي أربعة ولا هي إثنين، وقد تتبعت هذه الثلاثيات، فوجدت منها حوالي 8 ثلاثيا أساسية على الأقل، والاستقراء ليس تاما، وإنما هذا ما اهتديت إليه إلى الآن، نعرضها في هذه الصفحات، وهي ثلاثيات تكاد تحيط بكل ما أنتج مالك بن نبي من أفكار، خلاصات في تقديري مهمة تمثل جملة أفكار بن نبي ومكوناتها.

الإنسان والتراب والوقت

صاغ مالك بن نبي هذه الثلاثية في معرض كلامه عن نشأة الحضارة، وفي معرض الكلام عن المنتوج الحضاري، حيث قال: الحضارة = إنسان + تراب + وقت، وكذلك المنتوج الحضاري، فكل منتوج حضاري، هو: ناتج حضاري = الإنسان + تراب + وقت.

من الناس من اعترض على هذا التعريف [أنظر: الحضارة الإنسانية في القرآن، للدكتور البوطي]، على أنه تعريف تغلب عليه النزعة المادية، وفضلوا أن تكون العبارات، الإنسان والكون والحياة، بدل الإنسان والتراب والوقت، وقريب من هذا الاعتراض، تساءل آخرون عن دور العقيدة الدينية في هذه التركيبة، لكون الإنسان لم يخل من عقيدة في حياته، فأضاف بن نبي في طبعة أخرى لكتابه شروط النهضة، أثر الفكرة الدينية في تكوين الحضارة أيدِ الناس اليوم. لا شك أن المرء قد يلفت انتباهه في هذه الإضافة، قوله أثر الفكرة الدينية ولم يقل دور الفكرة الدينية، وهو فرق ما أظن بن نبي غفل عنه!! 

ما يهم بن نبي في هذه الثلاثية، ويريد إبرازه لأبناء العالم الإسلامي المتخلف، هو رأس المال الأولي الذي انطلق به الإنسان عندما كان لا يملك شيئا، فالإنسان من حيث هو إنسان، منذ سيدنا آدم عليه السلام إلى يومنا هذا، بقطع النظر عن مكتسباته التي اكتسبها بفضل اجتهاداته عبر التاريخ، والتراب من حيث هو مادة أولية لكل منتوج يظهر في الوجود، والوقت من حيث هو قطعة زمنية صالحة لتقييم كل شيء. فهو لم يرد بذلك البحث في مادية الإنسان أو روحيته، وإنما أراد أن يذكر ما عرف عن الإنسان وتفاعله مع الكون ليكون ذلك قاعدة للإنسان أينما كان وحيثما وجد ومهما كانت قدراته العلمية والروحية ومكانته المادية، وكأنه يقول لأبناء العالم الإسلامي المتخلف، لا تغتروا بما انتهى إليه الغرب من خلاصات وما تفوق فيه اليوم، فأنتم أيضا تستطيعون ذلك؛ لأن الحضارة وأية حضارة، تنطلق من ثلاثية كرأسمال أولي وهو: الإنسان والتراب والوقت، وكل منتوج حضاري لا بد له من هذه الثلاثية، فحظ المتخلف من الزمن كحظ المتحضر، وما سخر للمتحضر من الكون هو نفس القدر الذي سخر للمتخلف تماما كما قال الله تعالى (كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً) [الإسراء 20].

وهذه الثلاثية موجود بوجود الإنسان، وليست ميزة لشخص دون آخر، ولا لمجموعة دون أخرى، ولا لدين دون آخر، وإنما هي موجودة متى وجد الإنسان، فلا وجود للإنسان خارج الزمن أو خارج الكون، في هذه الحياة طبعا، وذلك من عدل الله، وإنما الإنسان هو الذي يجني على نفسه بالجهل والقعود واللافاعلية، وينهض بالعلم والحركة والفاعلية.

إما مسألة الروحية أو موقع العقيدة الدينية التي أراد بن نبي أن يظهرها في شكل أثر وليس في شكل دور؛ لأن أثرها موجود، فلا توجد حركة للإنسان إلا وأثر الدين فيها واضح، أما دورها فيظهر في شكل طاقة وفاعلية، وليس في شكل إيجاد وعدم، وهذا هو جوهر الخلاف بين بن نبي وسيد قطب في تعريف الحضارة، حيث أن سيد قطب يرى أن المسلم متحضر بالضرورة، اما بن نبي فيرى أن المسلم يمكن ان يكون متخلفا إذا فقد الدين إشعاعه في الحياة [انظر: معالم في الطريق لسيد قطب، والفكرة الأفروآسيوية في ضوء مؤتمر باندونغ لمالك بن نبي] .

وهذه الحضارة التي تنشأ بتفاعل هذه العناصر الثلاثة، الإنسان والتراب والوقت، فإن سيرورتها حسب حركة الإنسان في التاريخ تمر بمراحل ثلاث، وهي مرحلة الروح، ومرحلة العقل، ومرحلة الغريزة، وهي الثلاثية الثانية. 

الروح، العقل، الغريزة

تُصَوِّرُ هذه الثلاثية مستوى التفاعل الذي تكون عليه المجتمعات في دوراتها الحضارية، حيث أن كل دورة حضارية تمر بمراحل ثلاث، مرحلة الروح وهي مرحلة العطاء والنمو والتطلع للغايات بأقوى ما تكون عليه المجتمعات في عطائها، حيث أن المجتمع المنشئ للحضارة يكون في هذه المرحلة، في تفاعله مع الواقع مثل مرحلة الشباب في الطبيعة البشرية التي تمثل طاقة متدفقة، تبحث عن مواقع في المجتمع لصرفها.

إن الشباب مرحلة عمرية تمثل أعلى مستويات الطاقة، بحيث يكون الإنسان فيها الأقوى من جميع مراحله العمرية السابقة لها واللاحقة، وكذلك المجتمع المنشئ للحضارة يكون في هذه المرحلة –مرحلة الروح- باحثا عن ساحات في الواقع للقيام بالواجب على أفضل وجوهه. وقد ضرب بن نبي مثالا لمرحلة الروح هذه بالفترة التاريخية في المجتمع الإسلامي بفترة النبوة والخلافة الراشدة، أي من البعثة إلى واقعة صفين، التي تسلل فيها إلى مجتمع الصحابة أول خلاف في طبيعة النظام الاجتماعي والسياسي. هنا توقف إشعاع الروحّ، بجميع أبعاد التوقف، انقطاع الوحي وكمال الرسالة، انتهاء مرحلة التأسيس واكتمالها، توقف غلبة التوجيه والانتقال إلى استثمار المخزون المادي والمعنوي، أي مرحلة العقل. هنا دخل المجتمع مرحلة جديدة سوف تكون مختلفة عن المرحلة السابقة لها.

وما تتميز به مرحلة العقل في المجتمع، هو الانتقال إلى العطاء واستثمار الجهد البشري،  فانتقل المجتمع الإسلامي إلى منطق العقل وهي مرحلة الاستقرار والتوقف عن الاستزادة من المادة الخام، والانتقال إلى الإنتاج وتنويعه، فتوقف إشعاع الروح ليسلم مشعله إلى العقل ليعمل منطقه على الموازنة بين العطاء والأخذ، وبين الكم والنوع، وبين الإسراع والبطء، وبين الركود والحركة، والحق والواجب. وإذا شبهنا مرحلة الروح بمرحلة الشباب وما تتميز به من طاقة وعلو الهمة والتفاعل والعطاء، فإن مرحلة العقل تشبه مرحلة الكهولة التي يغلب عليها التردد بين الأخذ والعطاء وغيرهما من المقابلات بين الإقدام والإحجام، والمقياس في ذلك هو القيد العقلي الذي يمثل الرقابة على الفعل وتقييمه سلبا وإيجابا، فلا عطاء مستمر ومتنام ولا توقف مفضي إلى الركود.

أما المرحلة الثالثة وهي مرحلة الغريزة فتشبه إلى حد بعيد مرحلة الشيخوخة، حيث لا يصبح للعقل سلطانا كاملا على الحركة والفعل، فتفقد الحضارة والمجتمع والفرد مستوى الفاعلية الذي يطمح إلى الارتقاء؛ بل يتحول إلى انفعالات وردود أفعال لا تسمن ولا تغني من جوع، وما تتميز به مرحلة الغريزة، هو توقف الروح عن إنارة الطريق، واختفاء العقل عن الرقابة والتأثير والتوجيه، فتصبح الحركة مثل الفعل غير الإرادي الذي لا هدف له ولا غاية، وإنما جملة من الانطباعات والأوهام تعرض في محل الأفكار، فيظن المجتمع أنه على هدى وهو على غير الطريق السوي.     

لكن السؤال المطروح هل هذه المراحل الثلاث حتمية ام يمكن تجاوزها والقفز عليها؟ فمالك بن نبي رحمه في تقديري، صاغ الفكرة في إطار ما فطر عليه البشر، كما صاغها عبد الرحمن بن خلدون في عمر الدولة التي شبهها بعمر الإنسان، الذي يولد ويقوى فيستوي على سوقه ثم يهرم فيشيخ ويموت، وقدر عمرها بمائة عشرين سنة في مجموع ثلاثة أجيال، جيل يبني الدولة، وجيل يرثها ولا يحافظ عليها كما حافظ عليها الذين بنوها، وجيل يضيعها لأنه يفقد روح بانيها بالمرة، فلا يشعر بمعاناة بناتها، فيعيش البذخ والسهولة واستهلاك الثمار فيضيع الإرث. ولكن الفرق بين ابن خلدون وبن نبي، ان ابن خلدون صاغ الفكرة وكأنها حتمية، بينما بن نبي أورد الفكرة بطبيعتها التي تجري عليها الفطرة والطبيعة البشرية إذا ما تركت على سجيتها، لكن تأكيده على أهمية عنصر الإنسان وفاعليته في البناء الحضاري على بقائه واستمراره، توحي بأنه لا يرى بحتمية ذلك؛ بل ترى أن إمكانية تمديد عمر مرحلة من المراحل وارد، وهذا لأمر لم يذكره في عرضه للدورة الحضارية وإنما يستفاد من مجموع طرحه لمشروع النهضة وآلياته، وإنما اكتفى في عرضه للدورة بالتأريخ لها في مراحلها الثلاث، بوقائع تاريخية معينة في التاريخ الإسلامي، فمرحلة الروح بدأت مع ولادة الرسالة بالبعثة النبوية في مكة واستمرت إلى معركة صفين سنة…، ليتسلم العقل المشعل ويستمر إلى غاية عصر ابن خلدون أو عصر ما بعد الموحدين، لتقتحم العاطفة الحياة وتشرع الأمة في فقدان مواقعها، موقعا موقعا إلى عهد استيلاء الخرافة على جميع مناخي الحياة. وما يوحي بأن بن نبي لا يرى ذلك حتميا في الدورة الحضارية بمدد محددة ومعينة، أنه يرى عملية التغيير بيد الإنسان (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد 11]، بحيث يستطيع الإنسان بتغييره لنفسه، ان يمدد في مرحلة على حساب مرحلة أسوأ أو أفضل.

يتبع

آخر التغريدات: