سر تجاعيد الإمام الجليل عبد الحميد بن باديس ورسالة عاجلة بقلمه !!

سر تجاعيد الإمام الجليل عبد الحميد بن باديس ورسالة عاجلة بقلمه !!

بقلم: سميرة بولمية –

كتب الرحالة الألماني “فيلهلم شيمبرا” حين زار الجزائر في شهر ديسمبر (كانون الأول) 1831، يقول : (( لقد بحثتُ قصدًا عن عربي واحد في الجزائر يجهل القراءة والكتابة، غير أني لم أعثر عليه، في حين أني وجدت ذلك في بلدان جنوب أوروبا، فقلما يصادف المرء هناك من يستطيع القراءة من بين أفراد الشعب )).

عندما حاولوا تخليد عطاءات رائد النهضة الفكرية والإصلاحية الإسلامية في الجزائر والقدوة الروحية لحرب التحرير المباركة المربي والمجدد والإمام والمصلح والعلامة الجليل عبد الحميد بن باديس مؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ، قامت ولاية قسنطينة بمناسبة افتتاح تظاهرة “قسنطينة عاصمة الثقافة العربية” بوضع تمثال من الغرانيت بساحة الاستقلال لابن المدينة وهو جالس على كرسي وفي يده اليمنى مصحف، ويده اليسرى على جبينه في وضعية التفكير.. ولأن الأنامل التي نحتت تقاسيم الشيخ عبد الحميد بن باديس أنامل نحات برتغالي الأصل توغل بازيمله الضرير في عتمة خياله فضيع الطريق إلى الوجه الصبوح المرصع بنور يواقيت الإيمان وفيروزج الصفاء فسقط في فخ التجاعيد التي كانت من أكبر الأسباب في فشل عمله الفني!!.. لقد توهم بأن العلامة كهل على حافة الرحيل مقوس الظهر اثقلت الحياة عاتقه بكل نوائب الدهر والبسه حذاء ضخم جعل منه سخرية لدى بعض المراهقين الذين ضاعت منهم بوصلة القيم فتاهوا في تيهاء اللانتماء بعد أن تطاولوا على الإمام الجليل ووضعوا في فمه سجارة وهاتفا نقالا في يده متوقعين ابن عاصمة الشرق صار من مخلفات الماضي وأن انسلاخهم من جلد شجرته المثمرة سيمكنهم من بلوغ فراديس الطمأنينة والعثور على ملاز الاستقرار و الأمان .. يومها ثارت براكين الأقلام الناقمة وهبت العواصف والأعاصير الهوجاء وخرجت الصرخات من حناجر الغضب محتجة على ذلك المشهد المؤلم .. وعلى الفور تدخلت السلطات المحلية لولاية قسنطينة وأزيل التمثال لوقف المهزلة والإساءة للشيخ عبد الحميد ابن باديس.. وتم توقيف قاصرين بتهمة إهانة تمثال بن باديس.. يومها كتبت حتى لا أنسى ما رأيت وما سمعت ما قرأت : (( تجاعيد الأسى .. قسـ/ م/ طينة التي عاشت طوال عمرها خارج الدوائر المغلقة .. الثقافة بكل بناديرها.. الأصنام الكبيرة والأصنام المجهرية وحيدة الخلية .. الأبعاد المرسومة بالحبر الصيني والأحلام المكتوبة بأصابع الطباشير.. الجسور المشيدة فوق طبقات الوهم .. والجسور المعلقة فوق حبال ذاكرة الماء .. الأقلام التي بلعت كل سواد الليل كي تشرق مع شمس الحقيقة والأقلام الملونة التي تحاول ان تلعب دور الحاوي والفرجة.. مشروع النقلة والشياطين الصغيرة الذين شربوا من بحيرة الأبالسة المحوطة بأسوار الدياجي واللعنة.. المرايا المكسورة وأنصاف الحلول.. بن باديس الذي رفع دعوى استعجالية ساعة بعد ساعة ضد إزميل النحات على مرأى قضاة محكمة نيسان.. وعد الشموع و غزارة الدموع.. ما حدث.. بعمق وقع النازلة.. لفت الملاية السوداء رقبة كمنجة المدينة الجريحة.. أفل نجم الفرحة وبقيت بصمة التجاعيد .. في انتظار أن يتكلم كبير الشياطين بكل لغات البنادير لتصفد بقايا الصرخات.. مرحبا بك ايها الخراب الجميل!!)) .

ربما للتجاعيد رسالة استعجلنا في تمزيقها متوقعين أن حدس البرتغالي في غير محله وهدية شركة البناء التي كلفت بترميم البنايات القديمة لقسنطينة وانجاز الجسر العملاق بالمدينة هدية مرفوضة .. انها التجاعيد التي تراكمت عبر حقبة من السنين على وجه مفسر القرآن الكريم والسنة الحميدة جراء الصدمات السرية والمعلنة بسبب القرارات التي كانت ولازالت تؤخذ في القاعات المظلمة بعيدا عن رؤى الوطن الكبير الذي لم يعد يسع إلا لأفاق أصحاب الحقائب الملغمة.. كثر الحديث عن الدارجة وعن التلميذ الذي يصعب عليه استيعاب العربية الفصحى.. كان عليهم أن يتكلموا أيضا عن التلميذ الجزائري المحروم من المسكن الدافىء ومن الماء والدواء ومن كسوة الدخول المدرسي ومن كبش العيد ومن جزمة ومعطف الشتاء ومن محفظة بلون أوشحة الأمل ومن الجبن والخبز الساخن ومن فسحة في أرجاء حدائق التسلية والجمال ومن بعض الاهتمام خارج مأسدة السياسة.. هذا التلميذ المرمي في القرى والمداشر والأرياف المنسي في حزيران الطفولة المهمش في عيد اندلاع الثورة المظفرة وعيدي الإستقلال و الشباب .. النائم على فراش من جمر المحن الواقف في عراء الضياع وسط الوحوش و القروش وبين فكوك تجار المكائد والظن والملل و الفراغ ..المستعمل كورقة ضغط حين تشتد آجة الحرب بين نقابة المعلمين ووزارة التربية.. هذا التلميذ الذي يريد أن يتعلم اللغة العربية الفصحى كي يقرأ ” بان الصبح ” للأديب والروائي الجزائري “عبد الحميد بن هدوقة” فيفهم جيدا لماذا يريدون له أن يبقى حبيس الدارجة التي لن تمكنه من قراءة حتى أقصوصة ” ليلى و الذئب ” !! .. إلى أين تتجه ماخرة اللغة العربية وآلاف الأمواج الهائجة لها بالمرصاد ؟ .. وما ذنب الهوية التي أعيتها جلدات سياط الأحقاد الدفينة في أقبية تصفية الحسابات القديمة .. وما اسم الصفقة التي يحاولون بها تخذير ما تبقى من العقل المكابر .. وما شكل البناية التي بوانيها دارجة بسيطة ؟؟.. أسئلة مالحة تفرض نفسها على كل جزائري لم يعد منطقه يتحمل الهواء الملوث بغاز الأعصاب الخانق.. لقد صدقت نبوءة ازميل البرتغالي .. سيضيق صدر الفرنسية بجذور نخيل أولادنا.. و لن تتحمل الانجليزية آهات فلذات أكبادنا .. وكم هي مشرفة شهادة الرحالة الألماني “فيلهلم شيمبرا” أثناء زيارته للجزائر في شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 1831 : (( لقد بحثتُ قصدًا عن عربي واحد في الجزائر يجهل القراءة والكتابة، غير أني لم أعثر عليه، في حين أني وجدت ذلك في بلدان جنوب أوروبا، فقلما يصادف المرء هناك من يستطيع القراءة من بين أفراد الشعب)).. وكم دافع الإمام عبد الحميد بن باديس على تاج وصولجان اللغة العربية وعلى سيوف رجالها واليكم بنص الرسالة الموجهة إلى رئيس النادي الإسلامي بجيجل بتاريخ 12 مارس (آذار) 1939 .

((الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و آله 

قسنطينة: 20 محرم 1358 هـ و 12 مارس (آذار) 1939 م 

حضرة الأخ الفاضل السيد رئيس النادي الإسلامي بجيجل 

أيها الأخ :

لم يمر ظرف عسير على الإسلام والعربية بالقطر الجزائري كهذا الظرف الذي نحن فيه، فتعليمهما الحقيقي معطل ورجاله يلقون عذاب الهون من المحاكمات والحبس والتعريم، والقوانين الجائرة تشرع للتنكيل بهم و التضييق عليهم. وقد قرأتم في عدد البصائر الأخير ما أثارته ذكرى يوم 08 مارس المشؤم على العربية من شجون، كانت نتيجتها ذلك التيلغراف المطول لرئيس الوزارة وسأبذل جهدي في مقاومة ذلك القرار الجائر لاقيا ما لقيت من عنت وبلاء، واعتقادي الجازم هو أنكم لا تقصرون عني غيرة على دينكم و لغتكم وعزيمة في خدمتهما والدفاع عنهما .

وعليه فأنني أدعوكم باسم الإسلام و العربية إلى الحضور بالجزائر يوم الاثنين السابع والعشرين من مارس الجاري على الساعة التاسعة صباحا بنادى الترقى للمفاضة مع إخوانكم فيما يجب علينا سلوكه في دفع التهم الباطلة التي تسببت عنها هذه المضايقات المتكررة على العربية ورجالها ، وللاتفاق على الوسائل القانونية للدفاع عن التعليم الديني العري .

إنني اسمع في كل مكان مررت به و اقرأ كل يوم مآت الشكاوي المتصاعدة من قلوب محزونة ونفوس متأثرة فاسكنها بما امرنا الله به من الثبات على الحق والصبر على المكاره وعسى أن يكون في اجتماعكم ما يزيد هذا الخلق تثبيتا في النفوس .

وقد كتبت لإخوانكم رؤساء الشعب وغيرهم وحضضتهم على الحضور ، ويقيني إنكم لا تقصرون.

وبما أن الحضور واجب عمومي، فلتستعينوا بإخوانكم أعضاء الشعبة على نفقات السفر.

والله يحفظكم ))

عبد الحميد باديس 

ختم الجمعية : جمعية العلماء المسلمين الجزائريين 

لقد كانت صرخة العلامة عبد الحميد بن باديس صرخة صريحة لم يستعمل الطرق الملتوية ولم يحاول أن يمسك العصى من الوسط ولم يؤجل نية الضرب على الحديد وهو ساخن.. في كواليس البيت السياسي الصراع العتيد له سلاطينه ورواده والمدافعين عن مصالحه.. فيا عشاق اللغة العربية اتحدوا حتى لا تنتصر ” بناتي وأبناتي “على” أبنائي وبناتي ” من أجل شموخ وكبرياء نجوم السيادة التي تنير جبين شهداء هذا الوطن الغالي !! .

آخر التغريدات: