ابن باديس لم يكن "إسلاماويا".. ومدارس جمعية العلماء لم تمنع الاختلاط!

ابن باديس لم يكن "إسلاماويا".. ومدارس جمعية العلماء لم تمنع الاختلاط!

بقلم: نورالدين بوكروح –

كان يوجد في الجزائر المستعمرة تعدديةٌ سياسية وحياةٌ انتخابية. وكان من بين التنظيمات السياسية الفاعلة آنذاك عنصر إسلامي ينشط في قلب الحركة الوطنية التي تشكلت لمحاربة الاستعمار هو جمعية العلماء المسلمين. وظلّت الجمعية تطالب طيلة عشريات من الزمن بتطبيق مبدأ فصل الدين عن الدولة على الإسلام، ليتسنى لها هي التكفل به، وهو ما نجحت فيه فعلا بتمكنها من تطويق البلاد بشبكة من مئات مدارس التعليم الحر. حاول العلماء بذلك الاستفادة من نظام العلمانية الذي كانت الجزائر تعيش تحته وتحقيق المصلحة منه، جامعينَ بين مهمَّتهم السياسية، ومهامهم الأخرى الاجتماعية والتربوية، وحتى التفكير في المستقبل واستشراف ذلك اليوم الذي ستستعيد فيه الجزائر سيادتها.

وكما لو كان ابن باديس يتنبأ بالاستعمال الذي يمكنُ أن يطال الدين من قبل الساسة، فأنه اختار لجريدته “المنتقد” في 1924هذا الشعار: “الحقيقة فوق الجميع، الوطن قبل كل شيء”. هل يمكن أن نجد في عالم اليوم جريدة إسلامية واحدة ترفع شعارا كهذا؟

و كما لو كان يتصوّر أيضا ما سيؤول إليه المستقبل الذي تعيشه الجزائر اليوم منذ أن تسلطت عليها إسلاموية الشعوذة، كَتَبَ ابن باديس في ” البيان المذهبي لجمعية العلماء” عام 1937 مايلي: “إنّ الإسلام يُبَجّلُ ويكرّمُ العقل، كما يدعونا لأن نُحَكّمَ التفكير في كل ما نُقدم عليه في حياتنا… الإسلام ينشر عقيدته بالحجة والبرهان والإقناع وليس بالحيلة أو الإكراه… نظامه السياسي ديمقراطيُ الجوهر في أجزاء كبيرة منه، كما لا يعترف بالحكم المطلق لأحد حتى لو كان أعدل الناس”   

هذا وكان نظام “المدرسة” الذي أقامته جمعية العلماء يَتّبعُ نفس المواد التي يتلقاها التلاميذ في المدارس الفرنسية، إضافةً إلى اللغة العربية والدروس الدينية. أنا أشهد على ذلك بيد أني كنت خلال الخمسينات تلميذا في واحدة منها كانت تقع في الأبيار وتدعى “مدرسة التهذيب”. أذكر أيضا أنَّ مديرها كان شخصية ذات هيبة ووقار كبيرين، لكني للأسف لم أعد أذكر غير لقبه العائلي: السيد فضلاء. 

الاختلاط في المدرسة كان طبيعيا فأنا مثلا كنت أزاول الدراسة فيها رفقة أخواتي البنات. المعلّمون كانوا يلبسون ما تسمح به إمكاناتهم المادية، أما المدير فكان دائما قمةً في الأناقة، لا تفارقه البذلة وربطة العنق أبدا. لم يكن أحد يرتدي أو يسمع عن “القميص” أو الطاقية (حمراء كانت أم بيضاء)، كما لم تكن هنالك لا لحية ولا نعل ولا “بليغة” في الأرجل. كذلك لم يكن أحد يعرف الحجاب أو النقاب، ولا “اللباس الأفغاني” أو الجلباب. الكبيرات فقط من النسوة هنَّ من كُنَّ يلبسن الحايك عندما يخرجن وليس الفتيات. أما في المناطق الداخلية فحدث ولا حرج، لم يكن أحد يسمع به.

كان الجزائريون يعيشون منفصلين عن الأوربيين بعيدين عنهم، في عالم خاص بهم يعيشون فيه حسب تقاليدهم المحلية وعاداتهم الدينية. وفي هذا المجتمع الفقير الخالي من الفوارق الاجتماعية لكن المتضامن والأخوي، كان العلماءُ والأئمةُ والحجيج يتبوءون مكانةً رفيعةً ومرموقة ويَحضَونَ باحترام كبير. كان المجتمع ينظر إليهم كمرشدين أخلاقيين له، دون أن يحاولوا استغلال ذلك لإخضاعه لوصايتهم أو لينصبوا أنفسهم قادةً روحيين عليه. لم يحاول العلماء قط فرض دور المرشد على الشعب، لكنه أعطاهم الهيبة والاحترام الذي استحقوه لما تميزوا به من تفتح العقل والروح، ولما كانوا يضربونه من المثل للناس بتصرفاتهم أولا قبل الحديث عن غيرهم.   

كذلك كان في المدن أماكن للفسوق خاصة في القصبة العليا والسفلى، وكانت هنالك محلات لبيع الخمور كما أنّ الكيف كان يباع خلسة على الأرصفة. وإن كانت هذه النشاطات موجودة فذلك لأن الطلب عليها كان موجودا أيضا من قبَل جزأ من الجزائريين المسلمين ( فالأوربيون كانوا يعيشون في عالم خاص بهم). وكان الأئمة وعقلاء الحي ينصحون مرتادي تلك الأماكن ويعظونهم، خاصة عند اقتراب شهر رمضان أو الأعياد الدينية، كما كان السكان أيضا ينهرونهم ويوبخونهم عندما ينتهكون العادات والتقاليد في الأماكن العامة. لكن رغم ذلك كان الجميع يشفق على مصيرهم أكثر مما يلوموهم، ولم يكن أحد يتسرع في تكفيرهم بسبب عيوبهم، أو يلجأ بسهولة إلى الصراخ أو اللعن أو التهديد، حتى وإن كانوا من معاقري الخمر أو الفساد، أو من المسلمين الذين “تفرنسوا” كلية.

كانت يسودُ المجتمعَ تسامحٌ طبيعيٌ كريمٌ وبشوش، دون أن يتخطى الحدود ليصبح تغاض أو تساهلاً. بالعكس، فالمجتمع كان يميل إلى مساعدة المنحرفين وإغاثتهم وليس إلى الحكم عليهم وإدانتهم، دون أن يحتاج إلى دولة أو لأموال النفط لفعل ذلك، بل كان يتصرف تلقائيا وطبيعيا. الكل كانت له الحرية في اختيار طريقة حياته مستقيمةً كانت أم منحرفة، لكن شرطَ احترام القواعد الاجتماعية العامة وعدم التعدي عليها. يمكن أن نُكَوّنَ نظرة عن ذلك الجو عندما نقرأ “لبيك” لمالك بن نبي أو “ما يدين به النهار لليل” لياسمينة خضرا. 

الأخلاق والحكمة والرأفة كانت سمات أغلبية المجتمع وكان هنالك الكثير من الروح في العلاقات الإنسانية. سواء كان المرء تقيا أم فاسدا، كان يجب عليه الالتزام بالأعراف والعادات والسلوكيات العامة وعدم الخروج عنها فقط. لم يكن يخطر ببال أحد أن يعترض طريق آخر ليحثه على ارتياد المسجد، ليعظه في ما تَعَلَّقَ بلباسه أو لباس أخته أو زوجته، أو ليسأله عمّا إذا كان يصوم. 

وجو التسامح كان يتسع حتى للأوربيين واليهود. فقد كان يسود بين الطوائف الثلاثة في المدن الكبيرة نوع من التنافس على الظهور في أحسن صورة، خاصةً من جانب المسلمين، الذين لكونهم الطائفة الأكثر حرمانا على المستويين الاقتصادي والسياسي، كانوا يحرصون أشد الحرص على الظهور بوجه لائق، ربما كنوع من التصدي للأحكام المسبقة التي يتعرضون لها عادةً، أو لمحاولات تصنيفهم في خانة “التعصب” و”التخلف”. قلة الوسائل والفقر لم يمنعانهم من لبس أجمل حُلّة وتلميع أحذيتهم في يوم العطلة الأسبوعية قبل الخروج للنزهة أو للعب الدومين والروندة. من في وقتنا هذا يلبس بذلة يوم الجمعة؟ كم منّا يحرصُ على وجود فرشاة تلميع الحذاء أو “السيراج” في بيته دائما؟ لقد تخلصنا من هذا العناء حتى قبل ظهور “القميص” و”البلغة”.   

في 5 أوت 1934 اندلعت مواجهات عنيفة في قسنطينة بين الجزائريين واليهود، بدأت عندما قام يهودي بالتبول على جدار أحد المساجد وهو في حالة سكر، ثم توسعت إلى مدن أخرى ولم تنته إلا بعد مقتل عشرين شخصا من الطرفين. جمعيةُ العلماء بذلت آنذاك كل ما في وسعها من جهد لإيقاف تلك المواجهات، ومالك بن نبي الذي كان موجودا في تبسة وقتها تركَ لنا في مذكراته شهادته عنها: “لقد مَنَعنا من أن تتعرض الأقلية اليهودية في تبسة لأي مكروه. حتى أننا نظمنا حراسة تحت شرفة يهودي يدعى مالوري والذي كنا نعتقد أنه أكثر من يمكن أن يستهدفه فعل انتقامي. إمام المدينة كان رائعا حين رافق حتى باب بيته ليطمئنه، يهوديا هاجمه أحد المخربين… أما الشيخ ابن باديس فقد تميز بشجاعة وكرامة عظيمتين طوال استمرار الأحداث.” أي شيخ أو شخصية عربية أو مسلمة يمكنه اليوم أن يتصدي بجسده لمكروه يصيب مسيحيين مصريين أو عراقيين مثلا؟ أما اليهود فلا داعي حتى للسؤال. 

تفسير هذه الفوارق بين الأمس واليوم بسيط: ففي ذلك الوقت كان الإسلام، لكن الإسلاموية لم تكن. كنا كلنا مسلمين دون أن يكون أحد إسلامويا. الإيمان كان لكن بهجة الحياة أيضا كانت. ولو قارنَّا مع الرعب والهلع الذي حلَّ علينا مع قدوم الإسلاموية فإن ذلك الزمان كان بمثابة العصر الذهبي، الذي يُمكنُ أن لا تعيشه البلادُ مرة أخرى أبدا. نفس الشيء كان في تونس والمغرب وليبيا ومصر أيضا، وهو ما يمكن للأفلام القديمة أن تشهد عليه.

لقد أدخلت الإسلاموية في مجتمعنا الريبة والشك، وأفقدت المعاملاتَ الاجتماعيةَ إنسانيتها وجعلتها ثانوية تسبقها في الأولوية المعاملاتُ مع الإله. لقد أدخلت على حياتنا البشاعة والكراهية والقتل، وخلقت في وسطنا العدو الحميم، العدو الخفيّ الذي يندسُّ في قلب العائلة والحي ومكان العمل، ويتخفى في المدن والقرى. الأضرار التي ألحقتها الإسلاموية بالإسلام وبالجزائريين كانت أفدحَ ممّا ألحقهُ الاستعمار بهما. فهو لم يفلح خلال قرابة قرن ونصف من المحاولة في تقسيم الجزائريين ودفعهم إلى الاقتتال، بينما نجحت هي في ذلك خلال سنوات معدودات فقط. 

فَهي قسّمتهم فكريا وسياسيا إلى معسكرين: المسلمون العاديونَ الموجودونَ منذ غابر الأزمان من جهة، والأسلاميون حديثو النشأة من جهة أخرى. فأصبحَ من الأشقاء مَن تحولوا إلى أعداء، ومن العائلات من تشتتت، ومن الجيران من صاروا يرتابون من بعضهم، ومن الأحياء ما فقدت السكينة وروح التضامن بين أبنائها. وطبعا كانت أيضا السبب المباشر وغير المباشر في وقوع مئات الآلاف من القتلى، وهو ما يعادل حصيلة حرب حقيقية وكبيرة سوف تبقى آثارها لوقت طويل.

ذلك أن العدو الحميم أشد ضراوة من العدو الخارجي، فالأجنبي يمكنه الذهاب أو العودة من حيث أتى لكن أين يمكن لابن البلد أو الأخ أو الجار أن يذهب؟ الأشياء كانت واضحة، وخطوط التماس معروفة وظاهرة وبديهية عندما كانت مشاكلنا مع الاستعمار، فقد كان الطرفان داخل إطار دورهما الطبيعي. كلٌّ منهما كان يعرف كيف عليه أن يتصرف حين يقوم النزاع، كما كان يجب على المشكل أن ينتهي إلى الحل بطريقة أو بأخرى. فسبع سنوات فقط كانت كافية ليعود المحتل من حيث جاء. أما اليوم، وبعد ثلاثة وعشرين سنة من القتل لا يزال الإرهاب الإسلاموي يحصد الأرواح، ويمكنه أن يستمر في المستقبل لمائة عام مثلما دامت الحروب الدينية التي عرفتها أوربا في القرون الوسطى. 

الإسلام المغاربي كان في الماضي القريب متفتحا، متسامحا، متحضرا ومسالما، حتى جاءت الإسلاموية المتشددة، التي استوردت من مصر وباكستان وأفغانستان ابتداء من سبعينيات القرن الماضي. ومن بين جميع البلدان العربية والإسلامية، دفعنا نحن الجزائريون أبهظ الأثمان على الإطلاق لهذه الإيديولوجية التي أدى اختلاطها بالشعبوية والعدمية المحليتين، لخلق تيار إسلامي رخيص المستوى، جاهل، حقود وعنيف. المصري سيد قطب والباكستاني المودودي كانا المنظّرين الأساسيين لهذه الإيديولوجية، واليوم نجد البلدين اللذين ينتميان إليهما يشرفان على الفناء، بفعل التأثير المباشر الذي مارسته أفكارهما. إنه أثر البومرنغ الذي يعود إلى من رماه، أو ما يسميه مالك بن نبي: “انتقام الأفكار المخدوعة”.

ابن باديس كان واحدا من الشخصيات النادرة التي ساندت مشروع إنهاء الخلافة العثمانية في 1924، وكتبَ عشية إعلان ذلك القرار ما يلي: “يوم ينهي الأتراك الخلافة العثمانية فإنهم لن يلغوا الخلافة بمعناها الإسلامي بل سيغيرون نظام حكم خاص بهم فقط. ما فعلوه هو التخلص من رمز كان خال للمحتوى لكنه منبع لفتنة كبيرة بين المسلمين… أسطورة الخلافة لن تتحول إلى حقيقة وسينتهي الأمر بالمسلمين بأن يتقبلوا هذه الحقيقة” (Cf. ” Penseurs maghrébins contemporains “, Horizons maghrébins, Ed.Cérès, Tunis, 1997)   

وَضَعَ الشيخُ بهذا نفسه في موقع المعارض للمواقف التي اتخذها رشيد رضا وجامعة الأزهر الإسلامية الذين ظلوا متمسكين بفكرة العودة إلى الخلافة الإسلامية. وكذلك ساندَ “علي عبد الرازق” أيضا لمّا تعرضَ إلى قصف فكري شديد من طرف علماء مصر حين أصدر كتابه المعروف ” أصول الحكم في الإسلام” سنة1925، وكان هذا الغليان الفكري والسياسي ما بين(1924-1928) هو الذي أدى إلى نشأة “جماعة التبليغ” في الهند و”حركة الإخوان المسلمين” في مصر، وبذلك الإسلاموية المعاصرة.

لم يكن ابن باديس يتصور إمكانية تجسد الخلافة الإسلامية إلا عبر هيكل جامع يُمثلُ فيه السنة والشيعة على حد سواء، ولا يهتم إلا بالمسائل العقائدية والأخلاقية. أما الوظائف السياسية والاقتصادية والاجتماعية فعليها أن تبقى من اختصاص الدولة. وقد كتب في هذا السياق ما يلي: “لا يحق لأحد أن يستحوذ على إدارة شؤون الأمة دون أن تكلفه هي بذلك صراحة”.

النظرة التي بلورها علمائنا الأفاضل عن العالم بين سنوات العشرينيات والخمسينيات، كانت متقدمة جدا عمّا يَحثُّ عليه أكثر علماء اليوم تفتحا واعتدالا. ونكتشف ذلك عندما نتأمل في الوضعية التي آل إليها العالم العربي في وقتنا الراهن: لقد كانوا على صواب وعلى حق. من هو رجل الدين الذي يمكنه اليوم أن يتجرأ على اقتراح تقاسم الخلافة مع الشيعة؟

 

ترجمه عن الفرنسية بتصرف: بوكروح وليد

آخر التغريدات: