قصّة الخلاف بين الشيخ الطيّب العقبي وجمعية العلماء المسلمين

قصّة الخلاف بين الشيخ الطيّب العقبي وجمعية العلماء المسلمين

بقلم: د. الهاشمي التيجاني –

ومن أعضاء جمعيتنا ) جمعية القيم( أيضا: المرحوم مصطفى خاوي توفي المرحوم مصطفى خاوي (والكثير ينقطونه بالكاف بدل الخاء تأثرا بكتابتها اللاتينية سنة 1984) في الثمانين من عمره. العالم المخلص ذو الحيوية النادرة والناشط الباهر في القيام بتسيير كل ما يقع في نادي الترقي من عهد المرحوم الطيب العقبي، كان المرحوم الشيخ الطيب العقبي المرشد والواعظ والخطيب المفوه الدائم لنادي الترقي طيلة أزيد من ثلاثين سنة.

وقد هاجر في سن الرابعة مع والديه إلى الحجاز سنة 1894 وعاد إلى الجزائر سنة 1920، حيث أسس بمسقط رأسه بسيدي عقبة أول حركة إصلاحية بالقطر الجزائري، وسماها ولسان حالها “الإصلاح” ثم انتقل إلى العاصمة بحركته الإصلاحية حيث وجد لدى المرحومين محمد بن مرابط، ابراهام موهوب، محمود بن ونيش، حمدان صنصالي وخاصة محمد بن الباي، محمود بن صيام ومحمد بليلي تأييدا أضفى على نادي الترقي سمعة شملت القطر كله.

ثم أسس العقبي بمساعدة المذكورين أعلاه: (1) الجمعية الخيرية الإسلامية، و(2) مدرسة الشبيبة التي كان الشاعر المرحوم محمد العيد أحد مديريها. وكانت أول مؤسسة عصرية للتعليم المزدوج، و(3) دار الصناعة التقليدية  . 

وقيل بأن جمعية الإصلاح التي أسسها العقبي سنة 1920 ضمت إليها المرحوم عبد الحميد بن باديس فتسمت بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وكان أمينها العام الأمين العمودي. 

ولعل الوفاق لم يتم بين ابن باديس والعقبي، فاستقال هذا الأخير عنها سنة 1939 وتوفي الأول سنة بعدها فخلفه بعد ذلك المرحوم البشير الإبراهيمي وهو بالمنفى في آفلو.

ولقد اتهم العقبي وعباس التركي باغتيال المفتي كحول سنة 1935 وزج بهما في السجن إلا أن القاتل عكاشة الذي رشته الحكومة الاستعمارية لاتهام المصلحين باستئجاره لاغتيال المفتي، سمع من العقبي كلاما بليغا أنعش ما تبقى في شميره من الإيمان، فشهق أمام جماهير المحكمة التي مثل هو والمتهمان بين يديها، وصاح بأعلى صوته بألا علاقة له البتة مع العقبي وع. التركي.، وأن عملاء الشرطة هم الذين أجبروه على اتهامهما زورا وبهتانا. فأطلق سراح المصلحين الكبيرين تحت هتافات الجماهير الإسلامية بالتكبير والتهليل. ويعلم الله أنني حاولت أن أصلح بين المرحومين الإبراهيمي والعقبي، رغم فارق السن الكبير بين وبينهما. وكانت لي عليهما دالة بفضل الصداقة المتينة التي كانت تربط بينهما وابن باديس وخير الدين بالمرحوم والدي الذي كان – علاوة على ذلك – يزود “الإصلاح” و”الشهاب” و”البصائر” بمقالات قرآنية في الغالب وبإمضاء اسم مستعار – وهو في الحقيقة اسمه غير الرسمي (أبو العباس أحمد بن الهاشمي) وقد وضع اسمه الشخصي (أحمد) بين اسم ابنه الأكبر المرحوم (عباس) وبين اسمي (الهاشمي).

ذلك أن الفرنسيين كانوا يحرصون على التفريق بين المغارب الثلاثة ويخشون جمعية العلماء مهما تظاهروا باحتقارها، لكن الاسم المستعار لم يمنعهم من اكتشاف صاحبه العضو في جمعية العلماء رغم استقراره في الرباط منذ 1915 وتوظفه في إدارة الشؤون الشريفة. فنفوه في أوائل 1936 إلى آسفي، ثم إلى مراكش حيث لحقت به أسرته، وبعدها إلى الدار البيضاء. ولم يعيدوه إلى الرباط إلا قبيل تقاعده.

ومازالت أذكر صخب العقبي ليعرف لي عن رفضه لكل مصالحة مع الإبراهيمي بعد أن وصمه بأرذل النقائص وتمادى في صخبه وسبابه رغم انتظار المصلين المصطفين ليأتموا به لصلاة المغرب. كنت على علم من مزاجه العصبي وإكثاره من الشاي كأنه يتحدى ما أصابه من مرض السكر.. لكن لم يسبق لي أن رأيته في مثل هذه الحالة قط.

وحذرا من مضاعفة توتر أعصابه، ختمت كلامي معه بلهجة هادئة: “حضرة الشيخ إن الإبراهيمي سيموت، والعقبي سيموت، وعبد ربه  هذا سيموت، ومن أحسن ما يتركه الراحل الكلمة الطيبة والعفو والدافع بالتي هي أحسن. وذلك يضاعف له الأجر يوم القيامة”.

رحم الله الشيخ العقبي، كانت حياته كلها وعظا وإرشادا وتعليما. ولم يأخذ من دنياه سوى مسكن متواضع فلم يملك ولا ملكوه سيارة. وكثيرا ما كنا نراه ينتظر مع الجماهير الحافلة التي تقله إلى بولوغين (وكان أول من اقترح تغيير الاسم الفرنسي لهذا الحي إلى اسم الداعية الكبير شكيب أرسلان رضي الله عنه).

وعرضت مصالحتي على الإبراهيمي بعد أن اغتنمت فرصة انفرداه، فاستمع إلي بهدوء أبوي طيلة مدة غير قصيرة، وبعدما حكيت له ما حاولته مع العقبي، أجابني دائما بهدوء، وإن كان أقل من الأول “لا تضيع وقتي يا بني.. إن ذلك الرجل ليس من مقامي.. وبلغ سلامي لوالدك، فهو عزيز على جمعيتنا” وكان ذلك في منتصف عام 1949 بعد نفيي من المغرب في نوفمبر 1948. إلى عهد جمعية القيم من صالح الأعمال.

ومن أوائل الأعضاء كذلك، الأستاذ الباحث عمار الطالبي الذي كان أمينا عاما لجمعيتنا، يؤازره في مهمته وبجدارة الواعظ المعروف محمد الأكحل شرفاء.

ثم تعززت “القيم” بالمرشدين الوعاظ المرحوم عبد اللطيف السلطاني القنطري (عرف في جمعية العلماء بضبطه وصرامته في الإدارة. وقد وقع بيني وبينه سوء تفاهم في مسائل شخصية زاد بنا لا إلى الجدال العنيف فحسب، بل إلى التشاجر بمحضر المرحومين عطاء الدين عطاء الله السفاري ويحيى الضيف (المعروف في الوسط المسرحي بعلي فضي) كان ذلك في صيف 1952، قبيل أدائي فريضة الحج.

وقد التقيت بالشيخ الإبراهيمي بالأراضي المقدسة، وكان قد حضر بباريس ملتقى للجامعة العربية وزار بعد ذلك عدة أقطار عربية في المشرق والباكستان بدعوة من أبرز الشخصيات فيها. وكان عالما بما جرى بيني وبين الشيخ عبد اللطيف، لكنه لم يشر إلى ذلك لا من قريب ولا من بعيد. فكان لايتوجه إلى مكان اجتماع أو إلى حفل أو إلى وليمة إلا ويبعث من يأتي بي للحضور. ولم أره بعد شهر في صحبته بجدة إلا في الجزائر بعد الاستقلال بمسجد كتشاوة بمحضر الرئيس بن بلة، ونائبه وقتذئذ وبومدين وتوفيق المدني (رحمه الله).

ومرت عشر سنوات قبل أن ألتقي من جديد بـ “خصمي: عبد اللطيف السلطاني بالحافلة التي كانت تنقلنا إلى القبة وبن عمر. وزاد الله في أجره أنه سبقني إلى التصالح، فصافحني قبل أن أراه وسألني عن والدي وإخوتي في الرباط. وكان لك في أغسطس 1962 بعد الاستقلال بقليل، رحمه الله رحمة واسعة) ، والمرحومين حويدق مصباح وعمر العرباوي، والواعظ والشاعر أحمد سحنون، والأديب الشاعر عبد الرشيد مصطفاي، والأديب المقتدر في اللغة ممثل “القيم” بتلمسان: مختار هدام.

ومن بين المستشارين نذكر رضا بن الفقيه والمرحوم بن جدو، والشريف القاهر والحاج أيوب إبراهيم، والحاج عثمان بن يوسف والحاج أبا داود والمرحوم المختار أبا العروق ومحمد نسيم.

كما انخرط بعد ذلك في الجمعية الطلبة رشيد بن عيسى، وعبد الوهاب حمودة، وعباسي مدني وصالحي الزبيري والساسي العموري. ثم التجار: الحاج خليفي وعمرو أبو شارف والموظفون: عمر كانوني وإبراهيم الماحي وسليمان جنان المعروفون بجديتهم الصادقة ونشاطهم الكبير من أجل تقوية الجمعية.

وهناك عدد كبير من المترددين على مساجد العاصمة، وعلى نادي الترقي (عميد الأندية في كامل القطر الجزائري) ونادي حزب جبهة التحرير والمسجد “النادي” بأبي الوزداد.. الذين اخلصوا في تأييد جمعية القيم والقيام بالدعاية لها، وخاصة منهم المرحوم حميتي، قيم مسجد النادي.

ولم ينحصر أنصارهم في المقيمين بتراب الوطن، بل ظهروا خارجه أيضا، في جاليتنا بفرنسا وبلجيكا. بل جاءنا اشتراك من أبعد من ذلك، من السويد. نعم! بعث لنا أحد مواطنيها بمبلغ اشتراك في مجلتنا المحررة باللغة الفرنسية وبمبلغ آخر مقابل تزويده بالأعداد السابقة.

كما جاءتنا اشتراكات شرفية مشجعة تأييدا لمجلتينا من بعض الغيورين على الدين وعلى حرية الرأي، من أمثال العقيد محمدي سعيد والرئيس المرحوم فرحات عباس.

ونشرت مجلة “كنفليان” الصادرة في باريس (في يوليو 1964 رقم 42 – 43) استجوابا أجراه لي ببيتي مديرها بول بوتان المحامي الفرنسي الذي عرف في أوائل الخمسينات بدفاعه الصادق عن العديد من المعتقلين المغاربة المناضلين للاستعمار الفرنسي.

وقد أثارت أجوبتي عن أسئلته لدى الملاحدة والشيوعيين المزيد من الأفكار والعواطف المعادية للإسلام.

ومن أقوى الأدلة على ذلك ماشنته عليّ من تهجم الكاتبة الجزائرية الأعجمية القلم واللسان – فاطمة مرابط – في كتابها “المرأة الجزائرية” وقد قوبل الاستجواب بارتياح في المغرب الشقيق حيث نشرت “دعوة الحق” تعريبا له أفاد شيئا ما، رغم ضعف الترجمة.

وماكانت جبهة التحرير لتترك جمعية فتية تعمل وتشتهر خارج إطار الحزب الوحيد، فحرشت أكابر مجرميها ليمكروا فيها ومنهم زهوان أحد أعضاء المكتب السياسي إذاك.

وبما أن معظم أعضاء “القيم” كانوا في تلك الآونة في “الجبهة”، فكان من الطبيعي أن نعهد لدار نشرها ومطبعتها بطبع ونشر مجلتينا بمقابل مالي بالرغم من أن السيد الأشقر أحد مسؤولي اللجنة الثقافية للحزب أسرّ لصديقنا قصار (أحد مؤسسي “القيم”) بأن الحزب يفكر في تبني “القيم”، أي ينوي ضمها إليه أحبت أو كرهت!

فصدر لنا جزءان من “التهذيب الإسلامي” في نسختين، إحداهما بالعربية والأخرى بالفرنسية تحت عنوان “اعرف دينك” وكانت المجلة شهرية. لكن العدد الثالث لم يحظ بسعة خاطر زهوان الذي احتجز المقالات للمراقبة، وانتظرنا طويلا إذنه بالطبع، إلا أن أحد أعضائنا – وهو الأخ رضا بن الفقيه – اتصل بأصدقائه بالجيش، فأذن لنا فورا بطبع ماشئنا بمطبعته الكائنة بباب الوادي بالعاصمة. فصدر العدد الثالث في أقرب وقت. وتبعته سبعة أعدد أخرى بمعدل عدد في كل شهر، مع تفضل المسؤول العسكري للمطبعة علينا بإمكان تسديد ثمن الطبع بعد أن يتم لنا بيع كافة نسخ كل عدد، كما رحب أحسن ترحيب بكل من نبعثه للتصحيح في أي يوم من أيام العمل.

وبديهي أن عملاء زهوان أبلغوه الخبر، فثارت ثائرته وحاول توبيخ الملازم المسؤول عن مطبعة الجيش. فأجابه في هدوء “بأنه طبع وسيطبع لجمعية “القيم” كل ما تقدمه له من بحوث ومقالات دينية وثقافية. إذ “القيم” جمعية جزائرية غير سياسية حصلت على رخصة من عمالة الجزائر الكبرى، وتؤدي ثمن الطبع كباقي الزبناء، كما أن معظم أعضائها شاركوا في الثورة”.

ولم تقف الحواجز هنا، بل امتدت بصفة غير مباشرة إلى من كان لاتهمه مواقفنا الدينية والثقافية، وإنما يرى الخطر كل الخطر في اتخاذنا مواقف تهدد مستقبل اندماجهم في العقلية والسلوك الغربيين.

وقد أثاروها ضجة؛ وأية ضجة عندما قدمت بحثا حول الراحة الأسبوعية، وضرورية استبدال ظهر الخميس ويوم الجمعة بظهر السبت ويوم الأحد، وبحثا آخر حول إلزام التعريب التدريجي الكامل لكافة مستويات التدريس من التبدائي إلى قمة التعليم العالي الشامل للعلوم اللغوية والأدبية والتاريخية والفلسفية والإنسانية والطبيعية والتقنية إلخ.

وشاءت الأقدار أن وليت منصب أمين عام لجامعة الجزائر الوحيدة آنذاك في القطر (نوفمبر 1962)، وكان منصبا خطيرا يعادل عمليا نائب رئيس الجامعة نظرا للواقع الذي فرض على الجزائر في فجر الاستقلال بقاء الوظائف الجامعية العليا بيد الفرنسيين.

فباستثناء كلية الطب بعمادة الجزائري أوشيش، فعمداء الكليات والمعاهد ورؤساء المخابر كانوا كلهم فرنسيين، فجعلني ذلكم الوضع المسؤول الجزائري الوحيد وسط الضراة الأجانب.

ولم يغفلوا عن مقالي في النسخة الفرنسية من مجلتنا، كما لم يسهوا عن المراقبة الصارمة التي ضربتها على محاولة تهريب بعض رؤساء المخابر لأجهزة وآلات وأدوات الفيزياء والكيمياء والطب، زاعمين أن بعضها ملكهم الخاص اشتروها بأموالهم، فلم يستطيعوا زعزعة عقيدتي بأن ما يحتوى عليه أي مكان في الجامعة هو ملك لها وحدها.

إن واجبي – بل وحقي في وظيفتي تلك – فرض عليّ الشروع في تطبيق النظرية التي اقترحتها كتابة في “التهذيب الإسلامي” فكنت أنقل بيدي إلى العربية – مع إثبات التاريخ الهجري قبل الميلادي – أهم التعليمات والمراسيم الواردة عليّ بالفرنسية من وزارة التعليم العالي، ثم آمر بإلصاقها على اللوحات المخصصة لذلك في أروقة الجامعة وممراتها حتى يطلع عليها الأساتذة والطلبة والإداريون والزوار باللغة التي يحسنونها.

 

عن جريدة الشروق اليومي.

آخر التغريدات: