من أسس التقدم عند الشيخين ابن باديس والإبراهيمي

بقلم: أ.د مولود عويمر –

يعتبر الشيخان عبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي من أبرز العلماء المسلمين المعاصرين المشتغلين بسؤال التقدم، والداعين إلى تحرر العقل المسلم من الجمود الفكري وتحرر الإنسان العربي من الاستعمار والتخلف. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل كان هذان العالمان مثاليين في اشتغالهما بمسألة التقدم في غير وقته وبعيدا عن أولويات المرحلة المهمومة بالتخلص من الأمية والآفات الاجتماعية والتضليل العقائدي، أم أنهما كانا واقعين فلم يفصلا المستقبل البعيد عن الحاضر القريب بمقاربتهما حول مصير المجتمعات العربية بشكل عام والمجتمع الجزائري بشكل خاص؟

إن الشيخين تناولا مسألة التقدم ليس من باب الترف الفكري وإنما لقناعتهما بأن النشاط الإصلاحي الحاصل في الجزائر والعالم الإسلامي سيثمر بلا شك على المدى البعيد ديناميكية التغيير والحاجة إلى التحرر والرغبة في التطور والإرادة في الارتقاء.

وتكمن مهمة العالم كما فهمها الشيخان لا تقتصر على معالجة القضايا الراهنة وإنما تمتد إلى استشراف التحديات القادمة حتى توجّه نحو طريق سليم، يخدم المجتمع ضمن خصوصياته ووفقا لمصالحه.

لا تقدم بدون الالتزام بالسنن:

كان التقدم في نظر الشيخين مقيدا بالالتزام بالسنن بمعنى أن تطور المجتمعات يعتمد على التحكم في أسباب العمران بغض النظر عن معتقداتها، فمن تحكم في الأسباب تقدم، ومن تقاعس في الأخذ بها تأخر. وهي فكرة عميقة ثارت حولها سجالات في الفكر الإسلامي المعاصر، لعل أشهر السجال في هذا الموضوع ما كان بين سيد قطب ومالك بن نبي حول اعتبار المجتمع الإسلامي متحضرا بالضرورة كما يرى الأول بينما يحتاج المجتمع الإسلامي إلى شروط واقعية وموضوعية لكي يكون متحضرا.

إن الإيمان في نظر الشيخين لا يغني أبدا عن العمل. ذلك ما نلمسه في قول الشيخ ابن باديس حينما قال: ” إن أسباب الحياة والعمران والتقدم فيهما مبذولة للخلق على السواء. وأن من تمسك بسبب بلغ- بإذن الله- إلى مسببه سواء أكان برا أو فاجرا ، مؤمنا أو كافرا… والمسلم ما تأخر بسبب إسلامه، وأن غيره ما تقدم بعد إسلامه. وأن السبب في التقدم والتأخر هو التمسك وترك للأسباب.”

فالإقلاع الحضاري يستلزم إذن شروطا ثقافية منها: توفر بيئة مساعدة على البناء، وكذلك الاعتماد على مجموعة قيم لتحقيق التقدم المنشود والتي تتمثل في الأخلاق، والعلم والعدل والعمل الدؤوب، والخدمة والتضامن ومواكبة العصر. والآن سأتطرق باختصار إلى هذه العناصر واحدة واحدة، مستشهدا في كل مرة بأقوال الشيخين أو أعمالهما.

البيئة أساس الرقي:

الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، يؤثر في محيطه ويتأثر به. ولا شك أن الإبداع والابتكار والبناء والتغيير كلها طموحات تحتاج إلى بيئة مناسبة ومناخا متلائما يساعد على تحقيقها على أرض الواقع. وقد برهن العقل الجزائري على ذلك، فسجل تاريخنا الوطني حافل بأعلام نجحت في مختلف المجالات العلمية والسياسية والعسكرية والعمرانية لما وجدت بيئة مساعدة على العطاء وجوا مناسبا على الإبداع.

وقد ضرب في هذا السياق الشيخان أمثلة واضحة حينما يستشهدون باستمرار بمجموعة من العلماء الجزائريين المهاجرين الذين نبغوا في علوم وفنون شتى خارج الجزائر المستعمرة لأنهم وجدوا أنفسهم في رحاب الحرية والاستقرار والأمن. وهكذا شكل هؤلاء الناجحون في نظرهما الدليل القاطع “على رقي الفكر الجزائري وقبول الأمة الجزائرية الرقي بسرعة إذا ساعدتهما الظروف.”

إن هذه الفكرة تتعارض تماما مع الأطروحات العنصرية التي تروّج لها المدرسة الأنتروبولوجية الاستعمارية الفرنسية التي تعتبر العقل الجزائري متخلفا وراثيا، وغير قابل للنضج والتطور ليصل إلى مرتبة المدنية القائمة، وأن الإنسان الجزائري غير قادر –في نظرها- على الارتقاء إلى مستوى العنصر الأوروبي مهما بذل من جهد، وارتفع في سلم التعليم!

الربط بين العلم والعمل:

إن التفكير يسبق العمل، وكل من فكر أقدم على العمل وان اختلفت درجة جهده ونصيب نجاحه أو إخفاقه. وهذا ما قصده الشيخ ابن باديس لما قال: “إذا أخذت الأمة تفكر فيما ينفعها فقد وضعت قدمها في طريق العمل، ومن أخذ يفكر كان وشيكا أن يعمل ولو بعد حين.”

وهكذا يجب أن يمارس العمل على ضوء العلم مهما كانت طبيعة هذا العمل سواء في أمور الدين أو الدنيا لأن الإنسان إذا أداه جهلا أضره وأفسده عوض أن يصلحه: “العلم قبل العمل، ومن دخل في العمل بغير علم لا يأمن على نفسه من الضلال ولا على عبادته من مداخل الفساد والاختلال.”

ولا تتحقق غاية التعلم ولا تتجسد قوة العلم إلا ببذل الجهد والسهر على حفظه وتطبيقه بإصرار واستمرار، فإذا “نظرنا في سير الناجحين في هذه الحياة وجدناهم كلهم كانوا يثابرون على العمل طول أعمارهم، وجدناهم يستعملون أدمغتهم وأيديهم إلى أقصى ما تستطيعه القوى الفكرية والجسدية، فارتقوا من وهدة الشقاء والخمول إلى قمة الشهرة والسعادة.”

ولا يجد الشيخان مضرة في الهجرة في طلب العلم بشرط أن يعود المتعلم إلى وطنه لخدمته كما وقع لهما حينما هاجر كل واحد منهما إلى تونس (ابن باديس) والحجاز (الإبراهيمي).

وقد اتصل الشيخان في فترة رئاستهما لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالحكومات والمؤسسات التعليمية المشهورة في المشرق العربي لاستقبال طلبة مدارس هذه الجمعية الإصلاحية، وشجعوهم على السفر إلى الحواضر الإسلامية لمواصلة دراساتهم في جامعاتها ومدارسها العريقة، مؤكدين في كل مرة على ضرورة العودة إلى الجزائر بعد التحصيل العلمي من أجل المساهمة في نشر العلم والقيام برسالة والإصلاح والسهر على الإرشاد والتوعية للارتقاء بالفرد والمجتمع إلى مستوى التحديات المطروحة آنذاك.

ولقد كانت هذه الإستراتيجية تقوم على رؤية واضحة وهي أن ” الوطن –و هو أبو الجميع- يتطلع من وراء هذه الهجرة إلى إحياء وتعمير وإعادة مجد وبناء تاريخ.”

العدل هو أساس الأمن والسلام:

لقد سبق لي أن عالجت موضوع العدل في المنظومة الفكرية للشيخين، ولا بأس أن أدرسها هنا بشكل مختصر. إن الظلم يؤدي لا محالة إلى الانفجار ودفع المظلومين إلى أخذ حقوقهم بالقوة. وقد خطب إبن باديس في مدينة بجاية في هذا الشأن مسترشدا بالتاريخ، فقال بكل وضوح: ” لقد درست تاريخ الأمم، فوجدت الأمم تنهض بشيئين اثنين: إما بكثرة العلم، وإما بكثرة الظلم، أما العلم فنحن فيه فقراء، وأما الظلم فنحن فيه أغنياء، اللهم إن كنت تريد إنهاضنا بكثرة الظلم فنحن لك من الشاكرين.”

فالعدل هو إذن أساس الحكم لأنه يساعد السلطة على أداء واجبها وربط علاقة متينة مع رعيتها، فابن باديس يرى أن “العدل هو أساس الأمن والسلام”. وهي مقولة تشبه إلى حد بعيد فكرة ابن خلدون الشهيرة: “العدل أساس الملك”.

وكتب الشيخ الإبراهيمي سلسلة من المقالات في جريدة البصائر بعنوان: “حدثونا عن العدل فإننا نسيناه” يدعو فيها حكومة الاحتلال الفرنسية إلى مراجعة قوانينها والابتعاد عن احتقار الشعب الجزائري وبغض ثقافته وحضارته، ويطالبها بإقامة العدل في الجزائر، ورفع الظلم عن الجزائريين ومعاقبة المستعمرين الظالمين. والملفت الانتباه في هذه المقالات هو ربط الشيخ الإبراهيمي الظلم بالاستعمار، وربط الاحتقار بالاستبداد. ولا يزول الظلم والاحتقار إلا بزوال أسبابهما.

الحرية أساس الوجود

اهتم الشيخان ابن باديس والإبراهيمي  بمسألة الحرية كسائر رواد الإصلاح والنهضة في العصر الحديث. ذلك بأن الحرية هي صفة متصلة بالإنسان ومرتبطة بوجوده في الحياة، فضله الله بها عن غيره من الكائنات الحية، فإذا تمسك بها حافظ على إنسانيته، وإذا تخلى عنها صار عبدا لغيره. وهذا ما عبر عنه الشيخ ابن باديس حينما قال: “والإنسان إنما هو إنسان ما دام يتمتع بالحرية.”

وهكذا نجد الشيخ الإبراهيمي يرحب في كل مرة بتحرر الأوطان العربية والإسلامية، ويدعو زعمائها إلى التفاهم للحفاظ على حريتهم التي تحصلوا عليها بثمن غال، ويحثهم على الاتحاد لمواجهة الاستعمار الذي يحرص على استعبادهم بطرق جديدة.

كما كان الشيخان يقفان إلى جانب العلماء المظلومين والمعتقلين ساعيين إلى تحريرهم وفك أسرهم كما فعل ابن باديس مع الشيوخ الطيب العقبي وعبد القادر الياجوري وعمر دردور والهادي الزروقي الذين اعتقلتهم حكومة الاحتلال في الجزائر. كما دافع الشيخ الإبراهيمي على الأستاذ الفضيل الورتلاني المحكوم عليه بالإعدام في اليمن، والإمام أبو الأعلى المودودي المحكوم عليه بالإعدام في باكستان…الخ.  

الحرية هي في نظر الشيخين تحرر للعقل والبدن، فهي التي تصون كرامة الإنسان، وتحفظ مكانته في المجتمع، وتساعده على تحقيق دوره في الحياة.

الخدمة والتضامن:

لننتقل الآن إلى واحدة من أهم الأسس في مسار التقدم، وهي الخدمة أو التضامن التي تمارسها اليوم جمعيات المجتمع المدني خاصة في العالم الغربي، وتساهم من خلال هذه القيمة في القضاء على آفات اجتماعية كثيرة، وتشارك في تقوية أواصر العلاقات بين أفراد المجتمع، وتعزز جهود الدولة المبذولة في مجال التنمية.

ولقد تنبه الشيخ الإبراهيمي مبكرا إلى هذه المعاني لما قال: “وهذا زمن اجتماعي لا يؤمن للفردية بوجود، ولا يخضع لها في حكم، ولا يعوّل عليها في عمل، وقد انتقلت فيه الأعمال العامة من أيدي الأفراد إلى أيدي الجماعات والجمعيات، فازدادت تلك القاعدة تمكنا وتأكدا، ووجب على الجماعات العاملة أن تراعيها في أعمالها حتى لا تفشل وتخيب.”

وتحدث الشيخان على نماذج عديدة في المجتمع الجزائري ترسخ معنى التضامن والتعاون بين الجزائريين رغم فقرهم، ويشجعان على تكريس هذه القيم والنماذج لتعمم على المجتمع كله ليخرج بالتالي من عالم التخلف والفقر ليدخل في عالم الكرامة.

وهكذا صوّر الشيخ ابن باديس تضامن أهل تلمسان في أبهى صوره وهم يتنافسون على التعاون والعمل الجماعي لبناء مدرسة دار الحديث، فقال: ” حضرت تلمسان أيام بنائها (أي دار الحديث) والتلمسانيون في نشوة من الفرح والنشاط عجيبة، يبذلون في نفقات البناء بسخاءـ ويتسابقون في مشاركة العملة والصناع، فتغير أيديهم وأرجلهم وثيابهم في سبيل الله…”

المال عصب التقدم:

أسس الشيخ عبد الحميد بن باديس صندوقا للطلبة وبذل في سبيل تمويله كل الجهود مقتنعا أن جمع المال وتنظيمه وتوزيعه بشكل إيجابي خطوة كبيرة في طريق التقدم بتحقيق المشاريع وبناء المؤسسات وإعداد الرجال وتنمية المجتمع. بل تحوّل هذا المشروع إلى هاجس كبير لما كثرت المشاريع وقلت مصادر التمويل التي جففتها سلطة الاحتلال من خلال سن مجموعة قوانين ظالمة تحرم جمعية العلماء من جمع الأموال والاستثمار في بعض المشاريع الاقتصادية والتجارية. وهكذا نجد الشيخ ابن باديس مهموما بعجز صندوق الطلبة في جامع الأخضر بقسنطينة وهو راكب في السفينة متجه إلى باريس.

ولقد وجدنا مرارا الشيخين يشكوان غفلة وبخل أغنياء الجزائر الذين يهملون مساعدة الأعمال الخيرية والمشاريع التربوية والإصلاحية كأنهم غير معنيين بإنقاذ أبناء شعبهم من التخلف والفقر والأمية والأمراض البدنية والعقلية.

ولقد وصف الشيخ الإبراهيمي ذلك بدقة حينما كتب عن هذه المشكلة الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية الخطيرة: ” ومن شأن النهضات إذا استحكمت أسبابها في الأمم، وقويت دواعيها من الحاح الزمان، وحفز الضرورة، أن تظهر متساوقة في الأسباب والمسببات، غير أن الناظر إلى نهضتنا نظرة استبصار، يرى فيها نشوزا في بعض جوانبها، فإن هذا الإقبال الذي نشاهده من امتنا على العلم لا يقابله آخر على البذل يكافئه ويقوم به؛ وهذه هي علة العلل في ما تعانيه مشاريعنا العلمية من ضيق ورهق. والحقيقة الواقعية هي أن مشاريعنا قائمة في الجانب المالي على الفقراء ومتوسطي الحال. أما الأغنياء – إلا من رحم ربك- فلم يقوموا بما يجب للنهضة من بذل إلا بمثل ما يقوم به الفقراء أو بقريب من منزلتهم.”

لقد أدرك الشيخان هذا المعوّق وخطورته على المشروع الإصلاحي في البلاد. فمهما اختلف شكله وتنوعت أسبابه يتطلب جهدا لإفهام الجاهلين وإقناع الغافلين بأهمية الإحسان وثوابه، وإصرارا على التوعية فضلا عن تقدير المنفقين وتشجيع المحسنين على قلتهم، وكان من أشهرهم: أحمد بوشمال، عباس التركي، محمد خطاب…الخ.

وفي هذا السياق، نوّه الشيخ عبد الحميد بن باديس مرارا بأحمد بوشمال الذي سانده كثيرا في قسنطينة ماليا ومعنويا، كما نوّه بفضل عباس التركي على أعمال جمعية العلماء في الجزائر العاصمة. كذلك كتب الشيخ محمد البشير الإبراهيمي مقالا رائعا عن رجل الأعمال المحسن السيد محمد خطاب الذي كان يمد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالأموال وكل ما تحتاج إليه من مساعدة مادية لتحقيق مشاريعها الإصلاحية على أرض الواقع.

كما كانا يقومان بجولات كثيرة عبر التراب الجزائري من أجل جمع الأموال لبناء المدارس وفتح النوادي والإنفاق على الطلبة ودفع أجور المعلمين، مؤكدين في كل مرة على ثواب العطاء وأجر الإحسان وعقوبة البخل. والإحسان كما أقره الشيخ ابن باديس غير مربوط بحدود معينة كالجنس واللون والدين وفقا لقيم الإسلام الإنسانية. فكان يوصي دائما الإنسان الجزائري في خطاباته ودروسه ومقالاته قائلا: “كن محسنا لكل أحد من كل جنس ودين، فدينك الشريف يأمرك بالإحسان.”

التفتح على الحضارة الحديثة ومواكبة العصر:

إن الشيخين يحاربان التعصب الجنسي الممقوت لأنه يمثل في نظرهما ” أكبر علامة من علامات الهمجية والانحطاط”. ودعوا إلى الأخوة الإنسانية. فقال ابن باديس: ” كن أخا إنسانيا لكل جنس من أجناس البشر وخصوصا ابن جلدتك المتجنس بجنسية أخرى، فهو أخوك في الدم الأصلي على كل حال.”

وقد عقب الدكتور محمد بن سمينة على مقولة ابن باديس حتى لا يفهم خطأ فقال: ” إن الإمام (ابن باديس) كان يصدر في موقفه ذلك متأثرا بمقاصد الشريعة الإسلامية، وينهج نهجها في تأليف القلوب وسل السخائم بما يساعد على فتح الأبواب أمام من ضل الطريق وانحرف، إلى الإسراع بالإنابة والتوبة”.

وأنا أقول هنا أن الشيخ ابن باديس كان أكثر من هذا، فقد كان نزيها في مشاعره، وجادا في رأيه، وإنسانيا في طرحه الفكري بغض النظر عن دوافعه الدعوية المحضة.

لا يجد الشيخان ضررا في الاقتباس من الحضارة الغربية التي بلغ العلم فيها مكانة عالية ليس فقط بالانتساب إلى جامعاتها، وإنما أيضا الاختلاط بالحياة الاجتماعية والسياسية الغربية للتعمق في فهم العقل الغربي والاستفادة من تطوّره ما دام هذا الاحتكاك لا يتعارض مع مقاصد ديننا، ولا يهدد هوية الإنسان الجزائري وشخصيته، ولا يتنافى مع مصالح مجتمعه.

وقد كتب ابن باديس مقالا رائعا عنوانه: ” بمخالطة المتمدنين نترقى في المدنيّة” وضّح خلاله هذه المعاني: “فإذا أردنا اليوم أن نقتبس منهم كما اقتبسوا منا ونأخذ عنهم كما أخذوا عنا، -فعلينا أن نخالطهم، ونخالطهم في ديارهم حيث مظاهر مدنيتهم الفخمة في مؤسساتهم العلمية والصناعية والتجارية في أحزابهم على اختلاف مبادئها، في جمعياتهم على اختلاف غاياتها، في عظمائهم أصحاب الأدمغة الكبيرة التي تمسك بدفة السياسة، وتدير لولب التجارة، وتسير سفينة العلم، فالذين يخالطونهم هذه المخالطة بتمام تبصر وحسن استفادة- يخدمون أنفسهم وأمتهم خدمة لا تقدر، خدمة تكون أساسا للتقدم والرقي”.

وأضاف في مقال آخر: “نحسّن ما كان من أخلاق الأمم حسنا وموافقا لحالنا وتقاليدنا ونقبله، ونقبّح ما كان منها قبيحا، أو مباينا لمجتمعنا وبيئتنا ونرفضه. فلسنا مع الجامدين في جمودهم ولا مع المتفرنجين في طفرتهم وتنطعهم، والوسط العدل هو الذي نؤيده وندعو إليه.”

وتطرق الشيخ الإبراهيمي إلى المبادئ السمحاء كالتسامح والتقارب والتعارف ومعترفا بكل وضوح برأيه في ضرورة التثاقف تجسيدا لهذه القيم واستجابة لضرورة التقدم الحاصل للاستفادة منه في حدود تحقيق المصالح: ” لست أنكر تلقيح أدبنا بالآداب الراقية ولا تطعيم حكمتنا بالحكم الحكم الحية، فلا الإسلام السمح يأبى لنا ذلك ولا الحياة الدائبة تستغني عن ذلك.”

والتفتح لا يعني الانفتاح والذوبان في حضارة الآخر، لهذا بقي الشيخان دائما متأهبين يحذّران من بعض مخاطر الحضارة الغربية التي تهدد الإنسان الجزائري المسلم خاصة الشباب منهم، ومخافة أن تفسد “أذواقهم”، وتزيغ “أنظارهم إلى الحياة.”

وفي الختام، أدعو من هذا المنبر إلى دراسة هذا الإرث في مجال فقه الحضارة، والاستلهام منه وتحيينه من أجل الاستفادة منه في مسيرة التقدم وتحقيق التنمية التي ننشدها والسعادة التي نتطلع إليها.

 

*محاضرة قدمها الكاتب في الملتقى الدولي “الشيخان عبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي: من التغيير إلى التحرير” الذي نظمته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بقصر الثقافة، أيام:  6و7و8 جوان 2015.

**للبحث مصادر ومراجع

آخر التغريدات: