خطاب الهوية عند الحركة الوطنية الجزائرية - ابن باديس عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أنموذجا –

خطاب الهوية عند الحركة الوطنية الجزائرية – ابن باديس عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أنموذجا –

بقلم : د. أحمد عيساوي –

يقول المفكر الإسلامي العالمي المرحوم مالك بن نبي واصفا جهود الشيخ عبد الحميد بن باديس الإصلاحية : [ .. لقد كان ابن باديس مناظرا مفحما، ومربيا بنّاء ، ومؤمنا متحمسا، وصوفيا والها ، ومجتهدا يرجع إلى أصول الإيمان المذهبية، ويفكر في التوفيق بين هذه الأصول توفيقا عزب عن الأنظار ، إبان العصور الأخيرة للتفكير الإسلامي . وهو كذلك وطني مؤمن تصدى عام 1936م لزعيم سياسي نشر مقالا عنوانه ” أنا فرنسا ” فرد عليه ردا حاميا قويا . وعندما انفجرت حوادث قسنطينة الدامية شهر أوت 1934م وحاولت الإدارة أن تعيد الهدوء والاستقرار كان نصيرا لها ، ولكنه لم يقل هجوما على الإسلام قام به يهودي منتهكا حرمة مسجد .. ] . عمار طالبي ، ابن باديس حياته وآثاره ، ج 1 ، ص 10 .

*مدخل تاريخي :

قضت إرادة الله سبحانه وتعالى على الجزائر الجريحة ولشعبها المضطهد بعد ظلام قرن من الاستعمار البغيض ، وبعد أن أربد وجهها المشرق واندثر، أن يتنفس الإسلام فيها روح الحياة ، وينبعث مرفرفا على يد ثلة من العلماء العاملين المخلصين الأعلام ، ممن بذلوا جهودا جبارة في سبيل نهضته ورفعته ، وعلى رأسهم مجددها المغوار ، وفارسها الهمام ، وجذيلها وفحلها المقدام ، العلامة الداعية المصلح عبد الحميد بن باديس يرحمه الله ويسكنه فسيح جناته. فبجهاده الأدبي واللغوي، ونضاله التكويني والتربوي، واجتهاده الديني والدعوي، وعمله التعليمي والتثقيفي والإعلامي الدؤوب، وحراثته الربانية في أمته وواقعه المزري، وبيعه وشرائه مع الله إخلاصا وورعا ورضى .. طيلة سني عمره القصيرة زمنيا المديدة روحيا ، عادت الحياة والروح إلى الجزائر الآفلة .

فما هي  – يا ترى – النشاطات والأعمال والجهود التي بذلها ؟

وما هي الوسائل والأساليب التي استخدمها ؟

وما هي المقومات والمعالم التي أحياها ؟

وما هي الهوية التي أحياها في الأمة الجزائرية الخامدة ؟

وما هي معالم الخطاب الباديسي في مجال الهوية ؟

وقبل أن نتبين المدلول اللغوي والاصطلاحي للهوية ، ونتساءل ما هي الهوية لغة واصطلاحا ؟ 

يجدربنا أن نقدم لمحة عن مراحل تطور كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي لنتبين بدقة وقائع الصدام المسلح بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية في الجزائر .

1- مرحلة المقاومة المسلحة ( 1830-1871م )

وهي المرحلة الأولى التي تصدى فيها الشعب الجزائري للاحتلال منذ تواجده بأراضه بشاطىء سيدي فرج عام 1830م، وتميزت هذه المرحلة الحاسمة ببروز قادة حملوا لواء المقاومة المسلحة ، بدءا  بكفاح الأمير عبد القادر عام 1832 -1847م ، وأحمد باي 1830-1851م ، واستمرت إلى سنة 1872م تاريخ القضاء على ثورة الرحمانية في الوسط الجزائري .  

2- مرحلة الانتفاضات المسلحة ( 1872 – 1916م )

وقد امتدت هذه المرحلة الحاسمة من سنة القضاء على ثورة الرحمانية  1872م إلى سنة 1916م ، وشملت جميع أنحاء البلاد الجزائرية ، وقادالثورة فيها العديد من رؤساء القبائل وشيوخ الزوايا ، ولم  يكتب لها النجاح نظرا لافتقارها للتنظيم المحكم وللتعبئة العامة ولتحديد الأهداف ، بدءا من ثورة واحة العمري عام 1876م ، والأوراس عام 1879م ، وبوعمامة 1882م ، وثورة الأوراس عام 1916م .  

3- مرحلة النضال السياسي السلمي ( 1919 –  1954)

وقد افتتحها (الأمير خالد ) بخوضه معارك الانتخابات البلدية وعقده للاجتماعات ، وتقديمه للوائح والعرائض والمطالب ، التي انتهت بنفيه من البلاد ، وتلاه ظهور الأحزاب السياسية والجمعيات الدينية ، والثقافية والرياضية والكشفية ، وعلى رأس هذه الأحزاب والهيئات الشهيرة : [ حزب نجم شمال أفريقيا ، الذي تحول فيما بعد إلى حزب الشعب الجزائري ، ثم حركة انتصار الحريات الديمقراطية ، ثم جمعية العلماءالمسلمين الجزائريين ، والحزب الشيوعي ، وحزب الإتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري.

وفي هذه الفترة ظهرت الصحافة الجزائرية الحرة واشترك مختلف الجزائريين في انتخابات المجالس المحلية ، وتأسست فيها النوادي والمدارس الحرة ، وعقدت المؤتمرات الشعبية، وشهدت الجزائر الكثير من التطورات السياسية والثقافية والاجتماعية ، وتشدد فرنسا في تطبيق قوانين الردع الزجري ، ومحاولات فرض التجنيس ومساعي التبشير المسيحي ، والاحتفالات بمرور قرن على احتلال الجزائر وقسنطينة ، وقمع رجال وقادة الحركة الوطنية الجزائرية بالنفي والسجن والتشريد .

وفيها تبلور الوعي السياسي الوطني الجزائري ، وبخاصة قضايا الهوية والقيم الوطنية ومستقبل الجزائر الديني والسياسي والاجتماعي والثقافي .  

4- مرحلة الثورة التحريرية ( 1954- 1962)

وتمتاز هذه المرحلة بوضوح أهدافها ، والتفاف الجماهير حولها ، وعمومها كافة أنحاء القطر الجزائري ، وصمودها في سبيل تحقيق الأهداف المسطرة لها منذ اندلاعها والمتمثلة في : [ الاستقلال . الحرية . السيادة . وحدة التراب الجزائري .. ] ، ولهذا تعتبر ثورة الفاتح نوفمبر 1954م تتويجا للمقاومة الشعبية الوطنية الجزائرية الطويلة . 

ولتعميق صورة نضال الحركة الوطنية الجزائرية وتحولها من طور المغالبة إلى طور المطالبة السلمية نود أن نقرر بأن الشعب الجزائري لم يعرف الركون والمهادنة منذ دخول الجيش الفرنسي محتلا أرضه ، فقد شهدت الفترة الممتدة من عام 1871م وعام 1919م نوعين من أشكال المقاومة ضد الوجود الاستعماري الفرنسي، فبالإضافة إلى الانتفاضات الكبرى الشهيرة في (واحة العمري عام 1876م) ، و(الأوراس عام 1879م)، و(ثورة بوعمامة عام 1882م) ، و(ثورة الأوراس عام 1916م)، وغيرها كان الشعب الجزائري منزويا على نفسه، مقاطعا للاستعمار ولمؤسساته الاستذلالية ، التي سعت  لتشويه معالم شخصيته، وبمقاطعته الصامتة العميقة تلك شكل حاجزا نفسيا وروحيا لبناء جدار معنوي قوي ومتماسك، حفظ له ما تبقى من حصون المقومات الدينية والوطنية للتصدي لمحاولات الاستعمار المستمرة للنيل منه، وهاته المقاطعة هي التي بلورت وحفظت شخصيته من الذوبان والمسخ والانصهار في مشاريع الاستكبار، الهادفة للنيل من دينه ومقوماته التي كان كتاب الاستعمار الفرنسي يعبرون عنها – في أدبياتهم السياسية والفكرية – بالتعصب والانغلاق والجمود والتخلف لدى الجزائريين .  

وقد نتج عن فشله في المقاومة وقوعه في حالة من الذهول والاسترخاء ، مولدة لديه حالات أخرى من الركون والارتباك عن مدى نجاعة تلك الانتفاضات المسلحة التي قام بها ، ولكنها لم تصل به إلى حالة اليأس والتراجع والاستسلام والقبول بالأمر الواقع إلا لالتقاط الأنفاس والبحث عن أسلوب أكثر نجاعة عله يحقق به حريته وانعتاقه من الاستعمار الفرنسي.
وبتنوع أشكال مقاومة الاستعمار الفرنسي القمعية عبرت حركة (الشباب الجزائري) التي ظهرت في مستهل القرن عن بعض هذه التوجهات التحررية مستغلة بذلك إصلاحات عام 1919 التي استصدرها البرلمان الفرنسي تحت ضغط وإلحاح حكومة ( م . جورج كليمنصو -G . CLIMONSEAUX  )  وبعض الأحرار والنواب المعتدلين في البرلمان الفرنسي ، الذين أرادوا مكافأة الجزائريين الذين شاركوهم في الحرب العالمية الأولى للدفاع عن شرف فرنسا ، وتحت ضغط رجال الحركة الوطنية الجزائرية الذين تقدموا مرارا إلى السلطات الفرنسية بالعرائض والاحتجاجات لتقديم إصلاحات ضرورية لإنعاش الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للجزائريين ، وتحت تأثيرالحركة الصحفية الجزائرية والفرنسية الحرة المناهضة للاستبداد المنادية بالإصلاح وتحسين أوضاع الجزائريين ، وتحت ضغوطات الدعاية الألمانية التي اشتدت بقوة لتأليب سكان المستعمرات ، وكذلك الدعاية العثمانية وثورة العرب بقيادة الشريف حسين في الحجاز عام 1917م ، وضغوطات الثورة البلشفية في روسيا وتبدل الأوضاع الدولية آنذاك فيما عرف بإصلاحات قانوني 04 و 06 / فبراير/1919م . 

وبالرغم من بنود القانون التمييزية النخبوية التي تميز فئة من الجزائريين لا تتعدى بضعة آلاف إلا أنه شكل – بالنسبة للحركة الوطنية الجزائرية – نقطة انطلاق النضال السياسي المعاصر .  

نضال سياسي مرير وشاق وأصعب من المقاومة المسلحة لأنه دار حول قضايا الشخصية الوطنية ومسائل الهوية والدين واللغة ، التي كانت محور المساومة الاستعمارية معهم للتمتع بمميزات هذا القانون الإصلاحي بالنسبة لجماعة النخبة ، الطامحين للتمتع  به مع احتفاظهم بأحوالهم الشخصية العربية الإسلامية مما سبب لهم خيبة أمل كبيرة في الإدارة الاستعمارية ، وقد انقسموا حياله إلى ثلاث فئات : 

1- فئة ترفض التخلي عن الأحوال الشخصية الإسلامية وتطالب بضرورة الاحتفاظ بها .

2- فئة تطلب عدم ربط حقوق المواطنة والاستفادة من قانون 1919م بالتخلي عن الأحوال الشخصية .

3- فئة لا ترى حرجا في التخلي عن الأحوال الشخصية الإسلامية مقابل التمتع بالقانون .  

وضع الجزائر السياسي غداة القرن العشرين :

يصف الدكتور أبو القاسم سعد الله وضع الجزائر السياسي في الفترة الممتدة بين سنتي 1900م – 1940م في المحطات المختصرة البازرة التالية : 

1 – كانت الجزائر في غليان دائم ومستمر، ثم ظهرت فيها التمردات الثورية بحدة وعمتها الاضطرابات السياسية ، والنشاطات الثقافية .  

2 – إن الاحتلال الفرنسي لم يخلق الوطنية ولكنه أيقظها وقواها بتوفير أسباب نضجها وبروزها .
3 – لقد قامت هذه الوطنية برد فعل عنيف ضد الاحتلال الأجنبي ورغم حجم الاجراءات المضادة التي اتخذها الاحتلال لأضعافها حقبة ،  فإنها قد ظهرت مرة أخرى في آخر القرن الماضي مستعملة  تكتيكا جديدا ، وضغطا قويا ضد الاحتلال . 

4 – لقد كان إلحاق الجزائر بفرنسا سنة 1834م ، وإصدار قانون مجلس الشيوخ سانتوس كونسيلت سنة 1865م ، و( قانون الأهالي كود دولانديجان ) سنة 1881م ، وإنشاء محاكم الاضطهاد الخاصة ( تربينو ريبريسيف ) سنة 1902م ، والتجنيد الاجباري سنة 1912م ، لقد كان كل ذلك خرقا للاتفاق المبرم سنة 1830م بين الجزائر وفرنسا ، كما كان خرقا لجميع المبادىء الديمقراطية التي تدعي بها فرنسا صاحبة الثورة الفرنسية ومبادئها العادلة .

5 – لقد كان الحكم الفرنسي في الجزائر حكما ردعيا زجريا وسلبيا أيضا ..

6 – يتحمل المعمرون وساسة فرنسا على قدم المساواة مسؤولية تردي أوضاع  الجزائريين .

7 – كانت مساعدات القوى المناوئة لفرنسا للحركة الوطنية ضئيلة جدا وغير حاسمة.

8 – اعتمد الجزائريون على أنفسهم في تكوين حركتهم الوطنية دون انتظار عون من أحد .

9 – إن طلب الجزائريين المساواة مع الفرنسيين لم يكن ضد قيمهم الوطنية بل كان مجرد وسيلة لحماية حركتهم من القوانين الاستثنائية ، وهي في – حد ذاتها – حركة إيجابية الهدف منها مخادعة القوانين الزجرية الاستثنائية الفرنسية القاسية .

10 – لم يكن وجود الثقافة الفرنسية في الجزائر عامل انعاش وترقية للثقافة الجزائرية الوطنية بمقدار ما كانت عامل قمع ، وقهر ، ومطاردة .

11 – إن عدم وجود قوة إقليمية كبرى أوعالمية تنافس فرنسا على الجزائر- مع اعتقـاد فرنسا بكون الجزائر مقاطعة فرنسية تابعة لها – قد ساعد وساهم في عزلة الحركة الوطنية الجزائرية. 

* عوامل تحول الكفاح المسلح إلى النضال السياسي :

وقد اجتمعت جملة من العوامل الفعالة ليتحول نضال الجزائريين بها من شكله الجهادي المسلح إلى شكله السياسي السلمي ، وأهمها ما يلي : 

1 – حركة التعليم بشقيها العربي الإسلامي والأوربي ، التي امتدت ببطء ، وكونت جيلا جزائريا واعيا أحس بمعاناة الشعب الجزائري وبالقهر الاستعماري المسلط عليه . 

2 – ظهور صحافة وطنية نشيطة في مطلع القرن اضطلعت بدور هام في رفع مستوى الوعي الفكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي للمجتمع الجزائري .  

3 – ظهور جمعيات ونواد ثقافية جديدة قامت بنشاط ثقافي واسع في مطلع القرن رفع المستوى الفكري والثقافي ولد نشاطا سياسيا حافلا ، وذلك بتنظيم المحاضرات والدروس والمهرجانات والمسرحيات  وطبع الكتب .. فعرفت الجزائريين بأصالتهم وتراثهم العريق .

4 – مبالغة الاستعمار في تطبيق سياسة  الزجر والإرهاب والتقفير والتجهيل والظلم مما أدى إلى إيجاد حالة من الوعي السياسي وحث الناس على النضال السياسي للحصول على بعض الحقوق .  

5 – قيام هجرة واسعة من الجزائر إلى المشرق العربي وأوربا .

6 – ظهور فئة النخبة من المثقفين الجزائرين على اختلاف ثقافتهم ممن شاركوا في الحربين العالميتين ، أو ممن تنوروا في الدراسة في المشرق العربي .  

7 – نجاعة الطروحات العبدوية الإصلاحية ، والكثير من الأحزاب العربية في مطالبها السياسية.

* الاتجاهات الكبرى للحركة الوطنية :

أسفرت عملية فرز وتصنيف اتجاهات الحركة الوطنية الجزائرية الحديثة 1919 – من خلال برامجها وأسسها ومنطلقاتها الإيديولوجية وممارساتها الواقعية – إلى الاتجاهات الرئيسة الكبرى التالية:

1 – الاتجاه الأول :

يميني يبدأ بالمطالبة بتحقيق المساواة بين الأغلبية المسلمة والأقلية الأوربية المسيحية المستعمرة وهي تجربة الفئة المثقفة بالثقافة الغربية ، ومن ضمنها الأمير خالد ، وذلك قبيل وخلال الحرب العالمية الأولى ، وبعدها إلى منتصف الثلاثينيات ، ثم تطور إلى المطالبة بالتجنيس والإدماج للجزائر ولشعبها العربي المسلم في فرنسا المسيحية، كتجربة الدكتور ابن جلول والصيدلي فرحات عباس التي انتهت إلى الفشل الذريع لرفض الأقلية الأوربية قبول تجنيس وإدماج الأهالي الجزائريين ، ولمعارضة العلماء اتجاه الإدماج والتجنيس .  

وقد تطور هذا الاتجاه بعد الحرب العالمية الثانية باتجاه تكوين جمهورية جزائرية مرتبطة بفرنسا ضمن اتحاد فيدرالي مع رفض الثورة والعنف ضد فرنسا .  

وقد لخص الأستاذ عباس فرحات فشل أمثاله من جيل النخبة الجزائرية في التالي : 

1 – اعتقاد جماعة النخبة بأن زعماء فرنسا الذين اجتمعوا بهم كانوا يمثلون بحق قيم الثورة الفرنسية ، ويتزعمون تثقيف وتحضير وتحرير الشعوب المستعمرة ، ومن بينها الجزائريين .

2 – عزلة جماعة النخبة عن الشعب وطبقاته المسحوقة .

3 – عداوة المعمرين الشديدة لجماعة النخبة بسبب تساويهم القانوني معهم في الحقوق والواجبات .

4 – خيبة أمل النخبة في حكومة الجبهة الشعبية ومشروع بلوم فيوليت الذي لم يطبق منه شيء .  

2 – الاتجاه الثاني :

اتجاه استقلالي محض تمثل في حزب ( نجم شمال أفريقيا ) و( حزب الشعب الجزائري ) و( حركة انتصار الحريات الديمقراطية ) ، وكان من ضمن تشكيلاتها ( المنظمة السرية و اللجنة الثورية للوحدة والعمل ) ، التي خططت ونفذت ثورة 1954م .  

3 – الاتجاه الثالث :

اتجاه معتدل إصلاحي ديني اجتماعي ثقافي بدا في شكل جماعة الرواد وجماعة نادي الترقي في أواخر العشرينات ، ثم في جماعة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين .  

وقد تعامل كل اتجاه مع الظاهرة الاستعمارية بالطريقة التي كان يراها مناسبة له وتسهل مهمته  – بالاستناد إلى أطره المرجعية  – للوصول بالجزائر والشعب الجزائري إلى التحرر والانعتاق .  

* المعنى اللغوي للهوية :

تشير معاجم اللغة إلى أن مادة ( هُوِّيـَةٍ ) أصلها من ( الهُـوَّةِ ) و ( الهُـوَّةُ – كقوة – : ما انهبط من الأرض ، أو الوهدة الغامضة منها ) . وهي بالضم وتشديد الواو . وحكى ثعلب : ( أللهم أعذنا من هوة الكفر ودواعي النفاق ) .  

وفي الصحاح : ( الهوة الوهدة العميقة ) . قال ابن شميل : ( الهوة ذاهبة في الأرض بعيدة القعر ) . وهي الحفرة البعيدة القعر . وقيل هي : ( المطمئن من الأرض ) . وجمع ( الهوة هوى كقوة وقوى ) . ومنه الحديث الشريف : [ إذا غرستم فاجتنبوا هوى الأرض ] ، وبه فسروا تصغير الهوة هوية ، وهكذا روي قول الشماخ :  

ولما رأيت الأمر عرش هوية    ***  تسليت حاجات الفؤاد بشمرا

وقيل ( الهوية ) تصغير الهوة ، بمعنى : البئر البعيدة المهواة . قال ابن دريد : ( وقع في هوة ، أي في بئر مغطاة ) ، وأنشد قائلا :

إنك لو أعطيت أرجـاء هوة    ***    مغمسة لا يستبان ترابهـا .
بثوبك في الظلماء ثم دعوتني    ***    لجئت إليها سادما لا أهابها .

ومن خلال هذه المقاربة اللغوية نتبين أن مادة الهوية تفيد العمق والغور فشابه في عمقها وجذورها عمق تاريخ الإنسان وامتداد الجذور والأصول .

* المعنى الاصطلاحي للهوية : يذهب الدكتور منير شفيق في كتابه ( الإسلام وتحديات الانحطاط المعاصر ) إلى التأكيد على أن سمات أي شعب من الشعوب وحضارته تتشكل تاريخيا وفق محصلة مجموعة من العوامل المعقدة والمتفاعلة تاريخيا ، حيث يقول : (( .. سمات الشعب وحضارته تتشكل تاريخيا ، وهي محصلة لتاريخ طويل ، تضافرت في صنعه عوامل كثيرة ، في مقدمتها الدين والتراث والتاريخ ، وإلى جانبها العوامل البيئية والجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية الأخرى . وإن تاريخ الشعب مخزون في أعماقه وموجود في سماته الراهنة ، مما يجعل سبر غور هذه السمات يكشف جوانب أساسية من ذلك التاريخ ، كما أن سبر أغوار تاريخه يحدد عددا من سماته ، فسواء أكانت البادية من التاريخ أم كانت من الراهن المعطى، فكلاهما لا بد أن يؤدي إلى الآخر ، ويلقي عليه ضوءا .. )) .  

فيما يذهب الدكتور علي الكنز في كتابه ( حول الأزمة – خمس دراسات حول الجزائر والعالم العربي – ) إلى اعتبار الدين – بالإضافة إلى العوامل السوسيولوجية والجيوسياسية أحد العوامل الرئيسة في تشكيل هوية الأمة ، حيث يقول : (( .. ونوضح بأن البعد الديني قد ساهم دوما وبشكل أو بآخر في تبلور الهوية الجماعية .. فالعنصر الديني ، يتدخل أكثر فأكثر في تبلورات وتشكيلات الهوية الجماعية ، التي تحدد وتعين الفاعلين الاجتماعيين .. وبالمقارنة مع الستينيات نلاحظ – من دون شك – انتعاشا أو نشاطا متجددا للبعد الديني داخل الحركة الاجتماعية .. )) .  

فالهوية الحضارية للأمة تتشكل من مجموعة المقومات الأساسية ، التي بها تتحدد هوية الأمة ، وهي : الدين واللغة والقيم الاجتماعية والأخلاقية والثقافية والأدبية ، المتفاعلة مع سائر المقومات الأخرى – البيئية والسياسية والاقتصادية والعمرانية – تاريخيا ، والتي تشكل في الواقع الشعور القومي المشترك ، وتبلور الحس الثقافي والتاريخي الموحد للأمة .    

وبعد أن توضح لنا مفهوما الهوية لغة واصطلاحا ، وتبين لنا أنها تعني :

1 – الدين.

2 – اللغة.

3 – التاريخ والجذور .

4 – القيم الاجتماعية والثقافية والسياسية للمجتمع .

5 – البيئة والوطن .

وقبل أن نرتاد – باختصار – معالم الهوية في خطاب الشيخ عبد الحميد بن باديس ، نود أن نشير إلى أن التعرض لحياة الشيخ ومراحل حياته ودعوته قد تم التطرق إليه في دراسة سابقة .  

* معالم الهوية في الخطاب الباديسي :

1 – شخصية متميزة:

لا يمكن أن تبرز هوية فرد ولا أمة إلى سلم الحضارة ، إلاّ إذا وضحت معالم الفرد فيها والجماعة ، وابن باديس مصلح حاول استعادة قسمات الأمة الجزائرية الغائبة في عالم الشهود الحضاري ، وما كان ليتأتى له ذلك لولا وضوح معالمه وقسماته وبصماته الحضارية المميزة له ، وقد صف المفكر الإسلامي العالمي مالك بن نبي جهود ونشاطات وشخصية ومعالم هوية المصلح عبد الحميد بن باديس بقوله : [ .. لقد كان ابن باديس مناظرا مفحما ، ومربيا بنّاء ، ومؤمنا متحمسا، وصوفيا والها ، ومجتهدا يرجع إلى أصول الإيمان المذهبية، ويفكر في التوفيق بين هذه الأصول توفيقا عزب عن الأنظار ، إبان العصور الأخيرة للتفكير الإسلامي . وهو كذلك وطني مؤمن تصدى عام 1936م لزعيم سياسي نشر مقالا عنوانه ” أنا فرنسا ” فرد عليه ردا حاميا قويا . وعندما انفجرت حوادث قسنطينة الدامية شهر أوت 1934م وحاولت الإدارة أن تعيد الهدوء والاستقرار كان نصيرا لها ، ولكنه لم يقل هجوما على الإسلام قام به يهودي منتهكا حرمة مسجد . ] .  

فهو كما وصفه مالك بن نبي شخصية تتسم بالمميزات التالية :

1 – قوي ومكتمل الشخصية : روحيا وعقليا ووجدانيا وسلوكيا ومعرفيا وإمكانيا وموهبيا .

2 – مخلص النية ، متفان في سبيل إعلاء ونصرة رسالته الإسلامية .

3 – حريص على نهضة أمته ووطنه.

فهل ثمة خادم للوطن والوطنية وناصر للهوية خارج هذا الإطار ؟ أعتقد لا .

2 –  وطنية سليمة :

تختلط عند بعض المصلحين وتتداخل مفاهيم كثيرة ، يعجزون أحيانا في حسمها بين أنفسهم ، وتجدهم يميلون بعض الشيء لإحداها على الأخرى ، فيتمزقون بين الوطنية والعالمية ، والمحلية والإقليمية ، والدينية والعلمانية .. إلاّ من وهبه الله صفاء التصور وسلامة المعتقد ، ووضوح الرؤيا ، وكان ابن باديس من هذا الطراز الرفيع ، يصفه المفكر الإسلامي العالمي مالك بن نبي فيقول : [ .. والشعور الوطني المتدفق يغدو لديه فيضا شعريا عندما ينظم قصائده التي قُدّر لها أن تُعيد إلى الشعب الجزائري أبعاده الحقيقية في التاريخ الإسلامي ، في فترة كان أطفال الجزائر يُدرّسون ويُعلّمون تاريخ ” أجدادنا الغاليين ” ، وفوق ذلك فقد كان ابن باديس مصلحا اقترن اسمه وأثره بتاريخ هذا البلد في مرحلة سياسية كانت تعده للثورة ، وفي هذه الكلمة من المعاني أكثر مما تعودنا أن نفهم . ] .  

فهو كما وصفه مالك بن نبي شخصية تتسم بالمميزات التالية :

1 – وطني غيور حتى النخاع .

2 – ملهم مفتوح عليه بفتوحات العارفين فقد قُدّر لقصائده أن تُخاطب أعماق الهوية الوطنية الجزائرية في أعماق التاريخ .

3 – مصلح حليم ، وداعية حكيم ، وثوري جريء . 

فهل ثمة وطنية سليمة وهوية جزائرية واضحة القسمات والمعالم خارج هذا الإطار ؟ أعتقد لا .
أليس هو القائل وهو يرد على بعض الجزائريين المنسلخين : [ .. قال بعض من النواب المحليين ومن الأعيان ومن كبار المتوظفين بهذه البلاد ، إن الأمة الإسلامية الجزائرية مجمعة على اعتبار نفسها أمة فرنسية بحتة ، لا وطن لها إلاّ الوطن الفرنسي ، ولا غاية لها إلاّ الاندماج الفعلي  التام في فرنسا ، ولا أمل لها في تحقيق هذه الرغبة إلاّ بأن تمد فرنسا يدها بكل سرعة ، فتلغي جميع ما يحول دون تحقيق هذا الاندماج التام .

بل لقد قال أحد النواب النابهين أنه فتش عن القومية الجزائرية في بطون التاريخ فلم يجد لها من أثر ، وفتش عنها في الحالة الحاضرة فلم يعثر لها على خبر ، وأخيرا ، وأخيرا أشرقت عليه أنوار التجلي فإذا به يصيح : فرنسا هي أنا ؟ حقا إن كل شيء يرتقي في هذا العالم ويتطور ، حتى التصوف فبالأمس كان يقول أحد كبار المتصوفين :

فتشت عليك يــا ألله  ***  وجدت روحي أنا الله

واليوم يقول المتصوف في السياسة :

فتشت عليك يا فرنسا  ***  وجدت روحي أنا فرنسا .

إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا ، ولا يمكن أن تكون فرنسا ، ولا تريد أن تصير فرنسا ، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت . بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد في لغتها وفي أخلاقها وفي عنصرها ، وفي دينها ، لا تريد أن تندمج ، ولها وطن محدود معين هو الوطن الجزائري بحدوده الحالية المعروفة .. ] .  

3 – منهج إصلاحي بصير  :

الدارس لتاريخ الإصلاح ورجاله المصلحين ، يتبين صورا شتى من جهود المصلحين، فمنهم من يبدأ داعيا وإماما وينتهي سياسيا ، منهم من يبدأ فقيها متمذهبا وينتهي صوفيا صاحب طريقة ، ومنهم من يبدأ صوفيا سنيا وينتهي طرقيا بدعيا ، ومنهم من يبدأ وطنيا غيورا ثم يصبح عميلا للاستعمار ، ومنهم من يبدأ عميلا ويغدو بفضل الله وطنيا ، وهكذا ينبئنا تاريخ الإصلاح والمصلحين ، إلاّ ابن باديس وصحبه فقد عرفوا – يرحمهم الله – من أين ومتى ولماذا يبدؤون ؟

وكيف يسيرون وينهجون ؟

وماذا يفعلون ؟

وإلى أين ينتهون ؟ .

وقد وصف المرحوم مالك بن نبي منهج الشيخ عبد الحميد بن باديس الإصلاحي البصير فقال : [ .. إنه المصلح الذي استعاد موهبة العالم المسلم كما كانت في عصر ابن تومرت بإفريقيا الشمالية . فقد كان المغرب يعيش على صورة ما حياة فترة العصر الذي وضعت له حدا نهائيا دعوة مهدي الأطلس المغربي ، وسيف عبد المؤمن . نحن نعلم أن عصر المرابطين شهد انزلاق الضمير الإسلامي نحو النزعة الفقهية . فجاء ابن تومرت ارتكاسا لروح الفقهاء الضيقة ، ووضعت دعوته الضمير الإسلامي في شريعة القرآن وطريق السنة .

أما ابن باديس فقد جاء في فترة جددت فيها النزعة الصوفية ” المرابطية أو الطرقية” دورة المرابطين . وهنا موضع الخطورة ، ذلك أن الحلقة لم تستأنف بالفقه والرباط، بل بالتميمة والزاوية . ولم يستطع المصلح الجزائري أن يطمح إلى تأسيس امبراطورية تحرر الضمير .. ] .  

فمنهجه كما وصفه مالك بن نبي يتسم بالمميزات التالية :

1 – قدرته على منح العالم المسلم نصاعته ودوره التغييري والقيادي الهام في المجتمع .

2 – قدرته على هضم ارتكاسات وتضعضعات المشهد الثقافي والديني في بلاد المغرب في العصرين المرابطي والموحدي ، حيث الميل نحو التقليد واستعادة سلطة الفقيه . .

3 – إدراكه خطورة النزعة الصوفية البدعية في استدامة أمد السيطرة الاستعمارية .

4 – ترسمه منهج الإصلاح السني السلفي بين الأصول والعقل . 

فهل ثمة منهجية سليمة في الفهم والتعقل والقراءة لهوية الأمة الجزائرية عبر التاريخ ، وهل ثمة قراءة واضحة القسمات والمعالم خارج هذا الإطار ؟ أعتقد لا .

4 – معالم المنهج البصير :

درس ابن باديس واقعه وعلمه جيدا ، وخبر أمراض القاعدة والنخبة ، ولاسيما علماء الدين كرواد للإصلاح وقيادة الناس ، فرأى أن الأمة مريضة بنخبها المنحرفة وبقاعدتها التي هي تعبير صادق وواقعي عن تيه وضلال النخبة العمية ، وفي هذا الصدد يمدح المفكر العالمي مالك بن نبي بصيرة المنهج الإصلاحي الباديسي فيقول : [ .. لقد تغير الزمان : فالاستعمار والقابلية للاستعمار غيّرا كل المعطيات في الجزائر كما فعلا ذلك في سائر العالم الإسلامي . كل الظروف تقتضي الرجوع في الإصلاح إلى السلف أدراجا : إذ لم يكن القيام بأي عمل في النظام السياسي أو الاجتماعي ممكنا قبل تحرير الضمائر .

وكل مذهب الإصلاح الجزائري الذي تجده في ابن باديس كان لا بد أن يصدر عن هذه الضرورة أو عن عن هذه المقتضيات الخاصة . والمبدأ الأساسي القائل ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ” الذي كان أول خطوة في الإصلاح ، يمكن أن ُيتعبر – من زاوية ما – ترجمة لهذه الضرورة في صيغة مذهبية .

ومن هنا نرى التقلبات التي كان يمكن أن يتعرض لها مبدأ كهذا المبدإ لدى وضعه موضع التطبيق ، عندما يجد المرء نفسه – أو يظن – أنه مضطر إلى أن يتنازل للسياسة على حساب كمال المذهب ومتانته . ونقد الحركة الإصلاحية الجزائرية كله يمكن أن يوجه نحو هذه النقطة .. ] .  

فمعالم منهجه كما وصفه مالك بن نبي يتسم بالمميزات التالية :

1 – إدراك ابن باديس لأسباب المشكلة الجزائرية الحقيقية .

2 – وصفه العلاج المناسب لها المتمثل في النهضة الروحية والدينية والثقافية .

3 – التنازل عن العمل السياسي بمعناه الحرفي لحساب العمل النهضوي الإصلاحي ، إذ لا يمكن إحداث ثورة إلاّ بنهضة علمية وثقافية سليمة .

4 – معرفته لفقه الأولويات ولمناهج الإصلاح .

5 – اعتماده المنهج القرآني في الإصلاح ، فلا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .
فهل ثمة منهجية سليمة في الفهم والتعقل والقراءة والمرحلية لهوية الأمة الجزائرية عبر التاريخ ، وهل ثمة قراءة واضحة القسمات والمعالم خارج هذا الإطار ؟ أعتقد لا .

5 – معالم الهوية الجزائرية :

1 – الدين :

انطلق الشيخ عبد الحميد بن باديس ينافح عن الأمة الجزائرية المسحوقة من قبل قوانين الردع والزجر والقمع الاستعماري الفرنسي ، منطلقا من مبادىء وغايات واضحة، باحثا فيها عن ما تبقى – يومها – من رسوم وأطلال الأمة الجزائرية الدارسة تحت جبروت وقهر الاستعمار ، فكتب في ” المنتقد ” سلسلة افتتاحيات تحت عنوان : ” مبادؤنا وغاياتنا وشعارنا ” فقال : [ .. نحن قوم مسلمون جزائريون ، في نطاق مستعمرات الجمهورية الفرنسوية ، فلأننا مسلمون نعمل على المحافظة على تقاليد ديننا التي تدعو إلى كل كمال إنساني ، ونحرص على الأخوة والسلام بين شعوب البشر وفي المحافظة على هذه التقاليد المحافظة على أهم مقومات قوميتنا ، وأعظم أسباب سعادتنا وهنائنا . لأننا نعلم أنه لا يقدر الناس أن يعيشوا بلا دين ، وأن الدين قوة عظيمة لا يستهان بها .. ] .  

ثم يتوجه إلى إدارة الاحتلال الفرنسي يبين لها قيمة ومكانة وفائدة الدين فيقول : [ .. وإن الحكومة التي تتجاهل دين الشعب تسيء في سياسته ، وتجلب عليه وعليها الأضرار والأتعاب ، بل ربما حصلت لها هزاهز وفتن كما أصاب حكومة هيريو في العهد القريب . و لا يعني بهذا أننا نخلط بين الدين والسياسة في جميع شؤوننا ، ولا أن يتدخل رجال الدين في سياستنا ، وإنما نعني اعتبار الدين قواما لنا ، ومهيعا – طريق بيّن منبسط – شرعيا لسلوكنا ، ونظاما محكما نعمل عليه في حياتنا ، وقوة معنوية نلتجىء إليها في تهذيب أخلاقنا ، وقتل روح الإغارة والفساد منا ، وإماتة الجرائم بيننا ، فلهذا لا نألوا جهدا في خدمته بنشر مبادئه الحقة العالية وتطهيره من كل ما أحدثه فيه المحدثون ، والدفاع عنه من أن يُمس بسوء بين أهله أو من غير أهله .. ] .  

فهل يعني كلام ابن باديس في افتتاحياته لجريدة المنتقد غير الاعتزاز بالدين والمحافظة عليه وخدمته ، لأنه طريق الحضارة والرقي ، وسبيل قويم للطمأنينة والسعادة .
إن ابن باديس يحب دينا بلا بدع ولا خرافات ولا طرق ولا مشايخ يسمسرون ويتاجرون بالدين ، وقد حمل عليهم حملة شعواء نظرا لخطورتهم على الأمة الجزائرية ، حيث كانوا يستخبلونها ويخضعونها للاستعمار بطرقيتهم وبدعهم وضلالاتهم ، وقد رد عليهم ردا علميا مفحما في مطلع افتتاحية جريدة السنة مبينا الفرق بين الصوفية السنية والصوفية البدعية . 

فهل ثمة قراءة سليمة للدين ، وعرض واضح القسمات والمعالم عنه خارج هذا الإطار ؟ أعتقد لا.

2 – الوطن  :

كانت فكرة القومية والوطنية واضحة المعالم في الفكر والخطاب الباديسي ، بيّنة المعالم والقسمات ، فهو في سلسلة افتتاحياته تلك يقول عن الوطن والوطنية الجزائرية : [ ..  ولأننا جزائريون نعمل للم شعب الأمة الجزائرية ، وإحياء روح القومية في أبنائها وترغيبهم في العلم النافع ، والعمل المفيد حتى ينهضوا كأمة لها حق الحياة ، والانتفاع في العالم ، وعليها واجب الخدمة والنفع للإنسانية . 

وإننا نحب الإنسانية ونعتبرها كلا ، ونحب وطننا ونعتبره منها جزءا ، ونحب من يحبه ، كما نحب الإنسانية ونحب أن نخدمها ، ونبغض من يبغضها ويظلمها . وبالأحرى نحب من يحب وطننا ويخدمه ، ونبغض من يبغضه ويظلمه ، فلهذا نبذل غاية الجهد في خدمة وطننا الجزائري ، وتحبيب بنيه فيه ، ونخلص لكل من يُخلص له ، ونناوىء كل من يناوئه من بنيه ومن غير بنيه. ] .  

فهل يمكن لكلام ابن باديس أن يكون له تأويل غير ما رشح به ظاهر قول صاحبه الذي رسم معالم الوطن والوطنية والقومية الجزائرية وفق المعالم التالية :

1 – العمل على توحيد الأمة الجزائرية .

2 – إحياء روح القومية والوطنية في أبناء الأمة عن طريق العلم النافع والعمل المفيد .

3 – محبة الوطن ومحبة كل من يحبه ، ومحبة الإنسانية وخدمتها وبغض من يبغضها .
فهل ثمة قراءة سليمة للوطن والوطنية ، وعرض واضح القسمات والمعالم عنه خارج هذا الإطار ؟ أعتقد لا .

وهو في مقال شهير له عن الوطن والوطنية ” الوطن والوطنية الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء ”    يقسم الناس باعتبار علاقتهم بأوطانهم إلى عدة أقسام ، فقسم لا يعرفون إلاّ أوطانهم الصغيرة فهؤلاء هم الأنانيون ، وقسم يعرفون وطنهم الكبير ويعملون ويضحون من أجله ، وقسم  زعم إنكار الأوطان وأنكروا وطنيات الأمم الأخرى فهم فاشلون بمعاكستهم لفطرة الاستيطان والتوطن البشرية ، وقسم آمن بقيمة الوطن ومكانته في الحياة السوية وهم أهل الوطنية الإسلامية . 

3 –  التاريخ  وراهن الأمة :

كانت فكرة القومية والوطنية واضحة المعالم في الفكر وفي الخطاب الباديسي ، وكان يرى أن تاريخ الجزائر تشكل عبر حقب الماضي ، يبرز ذلك في مقاله الشهير بعد المؤتمر الإسلامي سنة 1936م ” هل آن أوان اليأس من فرنسا ”    الذي عرض فيه مقومات الأمة الجزائرية بتاريخها الثري والطويل الضارب في أعماق الحضارة .

ففي محاضرة له بعنوان ” لمن أعيش ؟ ” أجاب فيها قائلا : ” أعيش للإسلام وللجزائر ” ، ومما جاء في محاضرته القيمة تلك قوله : [ .. أما الجزائر فهي وطني الخاص الذي تربطني بأهله روابط من الماضي والحاضر والمستقبل بوجه خاص ، وتفرض علي تلك الروابط لأجله فروضا خاصة . وأنا أشعر بأن كل مقوماتي الشخصية مستمدة منه مباشرة .. ] .  

4 –  اللغة  :

وقف ابن باديس حياته كلها في خدمة العربية ودينها في الجزائر ، ووضع الخطط والبرامج وأسس المدارس وعلّم وكوّن ودرّس من أجل بناء جيل ناطق بالعربية ، ووقف موقفا صلبا من أعداء اللغة العربية في الجزائر ، وجاء رده صريحا وقويا ضد قانون الثامن من مارس المشؤوم الذي أهان العربي في عقر دارها ، وعدّها لغة غريبة بين أهلها ودارها ، وفي هذا الصدد رد ابن باديس في مقال له عنوانه : ” يا لله للإسلام والعربية في الجزائر ”  ، ومما جاء في مقاله قوله : [ بينما الأمة الجزائرية تنتظر من فرنسا منحها حق التصويت البرلماني مع بقائها على شخصيتها الإسلامية ، إذ أعداء الأمة الجزائرية – وأعداء فرنسا أيضا – يجمعون أمرهم ، ويدبرون كيدهم فيستصدرون من الحكومة قرارا وزاريا بعقوبات صارمة على التعليم ، ليهدموا هذه الشخصية الإسلامية من أصلها ، وليقضوا عليها بالقضاء على مادة حياتها .
علموا أن لا بقاء للإسلام بتعليم عقائده وأخلاقه وآدابه وأحكامه ، وأن لا تعليم له إلاّ بتعليم لغته ، فناصبوا تعليمها العداء ، وتعرضوا لمن يتعاطى تعليمها بالمكروه والبلاء ، فمضت سنوات في غلق المكاتب القرآنية ومكاتب التعليم الديني العربي والضن بالرخص ، واسترجاع بعضها حتى يبقوا منها إلاّ على أقل القليل .

ولما رأوا تصميم الأمة على تعلم قراءتها ودينها ولغة دينها ، واستبسال كثير من المعلمين في سبيل القيام بواجبهم نحو الدين والقرآن ولغة الدين والقرآن ، واستمرارهم على التعليم رغم التهديد والوعيد ، ورغم الزجر والتغريم . لما رأوا هذا كله سعوا سعيهم وبذلوا جهدهم حتى استصدروا هذا القانون : قانون العقاب الرهيب .

لقد فهمت الأمة من المعلمون المقصودون ، فهم معلمو القرآن والإسلام ، ولغة القرآن والإسلام ، لأنهم هم الذين عرفت الأمة كلها ما يلقون من معارضة ومناهضة ، وما يجدون من مقاومة ومحاكمة … فهمت الأمة كل هذا وفهمت أن هذا القانون سلاح جديد حديد اُشهر لمحاربتها في أعز عزيز عليها ، وأقدس مقدس لديها وهو قرآنها ودينها ولغة قرآنها ودينها ، وتوقعت من السلطة أن تستعمله أشد الاستعمال وتستغله شر استغلال ضد تعليم القرآن والإسلام ولغة القرآن والإسلام ، لما عرفته من قبل مقاومتها لهذا التعليم والقائمين به .. ] .    

فهل يمكن لكلام ابن باديس أن يكون له تأويل غير ما رشح به ظاهر قول صاحبه الذي رسم قيمة ومكانة وأهمية اللغة العربية بالنسبة للأمة الجزائرية ، واللغة تعني لديه :
1 – وسيلة بقاء الإسلام وأحكامه وآدابه وأخلاقه وقيمه .

2 – وسيلة نهضة الأمة وبقائها واستمرارها قوية وحية بين الأمم .

3 – وسيلة الحفاظ على مقدساتها ومعالمها المميزة لها . 

فهل ثمة قراءة سليمة وواضحة لمكانة اللغة العربية في الأمة الجزائرية ، وعرض واضح القسمات والمعالم عنها خارج هذا الإطار ؟ أعتقد لا .

5 –  القيم الاجتماعية والثقافية والسياسية للمجتمع :

كان ابن باديس يرى أن قيم الأمة الثقافية والدينية والاجتماعية تشكل ركنا مهما من أركان الهوية الوطنية ، ولا يمكن أن تفعل فعلها في الأمة إلاّ إذا صلح العلم والتعليم والمعلم ، ولذا فقد كتب سلسلة من المقالات في مجلة الشهاب تحت عنوان ” صلاح التعليم أساس الإصلاح ” يبين فيها خطة إحياء معالم الهوية الاجتماعية الدينية والثقافية والسياسية للأمة الجزائرية المندرسة فقال : [ لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم فإنما العلماء من الأمة بمثابة القلب إذا صلح صلح الجسد كله ، وإذا فسد فسد الجسد كله ، وصلاح المسلمين إنما هو بفقههم الإسلام وعملهم به ، وإنما يصل إليهم هذا على يد علمائهم ، فإذا كان علماؤهم أهل جمود في العلم وابتداع في العمل فكذلك المسلمون يكونون ، فإذا أردنا إصلاح المسلمين فلنصلح علماءهم .

ولن يصلح العلماء إلاّ إذا صلح تعليمهم ، فالتعليم هو الذي يطبع المتعلم بالطابع الذي يكون عليه في مستقبل حياته .. فإذا أردنا أن نصلح العلماء فلنصلح التعليم ، ونعني بالتعليم التعليم الذي يكون به المسلم عالما من علماء الإسلام يأخذ عنه الناس دينهم ويقتدون به فيه . ولن يصلح هذا التعليم إلاّ إذا رجعنا به للتعليم النبوي في شكله وموضوعه وفي مادته وصورته.. ] .  

والمبصر في قول ابن باديس هنا يتبين مدى أهمية التعليم والتعلم والعلم والمعلمين في تشكيل ركن الهوية الثقافية والدينية والسياسية للأمة ، فهو أهم أركان صهرها وسبكها ونهضتها وتشكلها واستمرارها ، لاسيما إن كان علما مؤسسا على الهدي والتعليم النبوي .
فهل ثمة قراءة سليمة وواضحة لمكانة التعليم والعلم والمعلم في الأمة الجزائرية ، وعرض واضح القسمات والمعالم له كصاهر لهوية الأمة خارج هذا الإطار ؟ أعتقد لا

* مطالبه من فرنسا :

ثم يجأر ابن باديس في فرنسا أن تراعي حال الجزائر والجزائريين المستعمرين فيقول : [ .. ولأننا مستعمرة من مستعمرات الجمهورية الفرنسوية نسعى لربط أواصر المودة بيننا وبين الأمة الفرنسوية وتحسين العلائق بين الأمتين المرتبطتين بروابط المصلحة المشتركة والمنافع المتبادلة من الجانبين ، تلك الروابط التي ظهرت دلائلها وثمراتها في غيرما موطن من مواطن الحرب والسلم .

إن الأمة الجزائرية قامت بواجبها نحو فرنسا في أيام عسرها ويسرها ، ومع الأسف لم نر الجزائر نالت على ذلك ما يصلح أن يكون جزاءها ، فنحن ندعو فرنسا إلى ما تقتضيه مبادئها الثلاثة التاريخية : ” الحرية ، المساواة ، الإخاء ” من رفع مستوانا العلمي والأدبي بتعميم التعليم . وتشريكنا تشريكا صحيحا سياسيا واقتصاديا في إدارة شؤون وطننا الجزائري . إن لفرنسا ما يناهز القرن في الجزائر ولا أحد ينكر ما لها من الأيادي في نشر الأمن وعمارة الأرض وجميع وجوه الرقي الاقتصادي ، غير أنها ويا للأسف ليست لها تلك الأيادي ولا نصفها في تحسين حال الأهالي العلمي والأدبي ، مع أن الذي يناسب سمعة فرنسا ومبادئها ويصدق ما ينادي به خطباؤها ويكون أجمع للقلوب عليها هو أن تعنى بالعباد كما تعنى بالبلاد .. ] . 
فهل ثمة قراءة سياسة واضحة أوضح من المنهج الباديسي لمكانة ودور الأمة الجزائرية ، وعرض واضح القسمات والمعالم له كصاهر لهوية الأمة خارج هذا الإطار ؟ أعتقد لا .

* نشاطه الدعوي والإصلاحي :

بعد عودة العالمين الجليلين من الحجاز قطبا الحركة الإصلاحية الإسـلامية في الجزائر الحديثة الشيخ محمد الطيب العقبي والبشير الإبراهيمي سنة 1338هـ / 1920م تبلور الرأي الإصلاحي أخيرا لدى الشيخ باديس على ضرورة توحيد الجهود في إطار العمل الجمعي وتأسيس جمعية دينية قوية ، تضطلع بالعمل الإصلاحي الإسلامي في الجزائر ، لمواجهة المخططات الاستعمارية ضد الشعب الجزائري الأعزل ، وأهم هذه المخاطر :

1 – فساد الطرق الصوفية ونشرها وترويجها للبدع والخرافات والأوهام والأباطيل الطرقية بين صفوف الشعب الجزائري الجاهل ، وتواطئها البشع مع الإدارة الاستعمارية لاستغفال الشعب الجزائري .

2 – محاولة إيقاف مد حركة التبشير والتنصير المستمرة بين الشعب الجزائري ، التي تستغل ظروفه الصعبة لتنصيره ، أو لتحويله عن دينه الإسلامي .

3 – إيقاف زحف الفرنسة ، وإنقاذ اللغة العربية محاربة من قبل الاستعمار الفرنسي.

4 – إيقاف المد التغريبي بين صفوف الشعب الجزائري ، الذي يسعى لخلق النخب الجزائرية الطامحة للاندماج في فرنسا . 

5 – مقاومة سياسة المسخ والتشويه التي تمارسها الإدارة الاستعمارية تجاه قيم ودين الشعب الجزائري.

6 – الإعداد الصحيح لبناء الفرد الجزائري العربي المسلم ، الواعي والمتسلح بدينه وقيمه ولغته. 

7 – الحفاظ على آخر حصون الممانعة العربية والإسلامية في الجزائر السليبة .

* وسائله الدعوية والإصلاحية :

تنوعت أساليب الشيخ عبد الحميد بن باديس الدعوية والإصلاحية، بحيث لم يترك وسـيلة ناجحة يستطيع أن يوصل بها الوعي والهدى للناس إلاّ وطبقها ، ويمكن حصر وسائله الدعوية والإصلاحية في الوسائل الآتية :

1 – التربية والتعليم وإنشاء المدارس .

2 – الخطب والدروس الدينية والمواعظ ، وإنشاء المساجد الحرة .

3 – البعثات العلمية للمشرق وبخاصة إلى الزيتونة والقرويين .

4 – الكتابة وإنشاء الصحف والمجلات .

5 – تأسيس الجمعيات الوطنية والمحلية .

6 – عقد المؤتمرات والندوات والتجمعات المتخصصة والعامة .

7 – مهادنة الإدارة الاستعمارية ، وإنشاء العلاقات التهادنية معهم لغض الطرف عن نشاطه الديني .

8 – استغلال نفوذ وثراء وجاه عائلته وبخاصة أبيه لخدمة العمل الدعوي .

9 – الاعتماد على كوكبة من العلماء الأجلاء المخلصين العاملين .

10- تشجيع المبادرات الخيرة مهما كان مصدرها .

11- ربط الصلة بالمشرق العربي لغة وروحا .

12- إحياء قيم وماضي وتاريخ وأمجاد الجزائر في نفوس الشعب الجزائري الأمي الجاهل .

13- محاربة الطرقية البدعية ، وكل أشكال الخرافة .

14- الدعوة إلى الاجتهاد والتفتح الأصيل ، والتمسك بالقيم الأصيلة .

15- نبذ كل أشكال التقليد والتبعية والانقياد الأعمى .

16- إنشاء النوادي الثقافية والفكرية والأدبية والرياضية والفنية والمسرحية الهادفة .

17- الدعوة الفردية والجمعية والجماهيرية .

18- الدعوة القولية والعملية والتناصحية .

19- الابتعاد عن الصراعات الهامشية ، والانتصار للذات . 

20- بث روح الأمل في الشعب الجزائري ، ودعوته للتخلص من غشاشـة اليأس والقنوط، التي غرسها الاستعمار الفرنسي في نفسية الشعب الجزائري، وتصحيح التصورات والأفكار والرؤى والمعتقدات والقيم حيال أمهات القضايا العقدية والروحية كتصحيح الفهومات الخاطئة حول عقيدة القضاء والقدر والجبر والاختيار . 

وبهذه الوسائل والأساليب والطرق المتنوعة استطاع الشيخ عبد الحميد بن باديس – رحمه الله – أن يؤسس لطليعة الحركة الإصلاحية العربية الإسلامية السنية والسلفية الأصيلة في الجزائر ، التي أوشكت على الضياع التام من حياض العروبة والإسلام . 

* معالم وأصول المنهج الباديسي :

سعى الإمام عبد الحميد بن باديس رفقة الشيخ البشير الإبراهيمي في الحجاز سنة 1331هـ 1913م إلى رسم معالم المنهج الإصلاحي المناسب للجزائر ولظروفها ولوضعيتها الخاصة والمتميزة في ظل الهيمنة الاستعمارية الفرنسية الاستئصالية القاسية ، وقد حددا معا منهجية العمل الإصلاحي ، بعد أن تدارسا وضع الجزائر بدقة وعن معايشة وفق المبادىء التالية :
1 – العودة بالأمة الجزائرية إلى التمسك بالدين الإسلامي الصحيح ، ونبذ الأباطيل والخرافات والبدع الطرقية التي شاعت بين أفراد الشعب الجزائري ، والعمل وفق تعاليم الكتاب والسنة .
2 – العودة بالأمة الجزائرية للاعتزاز باللغة العربية التي أوشكت على الاندراس والانقراض التام .

3 – توعية الأمـة الجزائريـة صغيرها وكبيرها بالدروس الخاصة والعامة ، ولهذا فقد تجول الشيخ عبد الحميد بن باديس في أكثر من ألفي قرية ومدينة جزائرية داعيا إلى الله تعالى.

4 – تجنب الخوض في السياسة والعمل السياسي ، وعدم إظهار العداوة لفرنسا وأعوانها .

5 – تجنب الدخول في المعارك الجانبية مع الطرقيين وأصحاب الزوايا والأضرحة والأئمة الرسميين ومن في حكمهم من خدمة الاستعمار الفرنسي . 

6 – استخدام كل الوسائل المادية المتاحة ، وكل الأساليب المعنوية الممكنة للنهوض بالشعب الجزائري.
7 – الاعتماد على الجهود الجمعية خاصة ، وحسن استثمار كل الجهود الفردية الممكنة .

8 – الدعوة إلى الاجتهاد ونبذ التقليد والجمود الذي أضر بالأمة الإسلامية في عصور تخلفها.

9 – مقاومة كل المخططات والمشاريع الاستعمارية المفروضة على الشعب الجزائري من : [ تنصير وتبشير وتشويه وتغريب ومسخ وإدماج وفرنسة ] ، والحفاظ على هوية ومقومات الأمة الجزائرية وانتمائها الحضاري العربي الإسلامي ، التي لخصها في قصيدته الشهيرة :

شـعب الجزائر مسـلم    ***    وإلى العروبـة ينتسـب .
من قال حـاد عن أصله    ***    أو قال مـات فقد كـذب .
أو رام إدمـاجـا لـه      ***    رام المحال مـن الطلب .
يانشُء أنت رجـاؤنـا      ***    وبك الصباح قـد اقترب .
خُذ للحياة ســـلاحها      ***    وخض الخطوب ولا تهب .
واقلع جـذور الخائنين      ***    فإن منهم كـل العطـب .

ولعل الكلمة التي قالها فيه صديقه وحبيبه الشيخ ( العربي التبسي ) في إحياء ذكرى وفاته الثانية عشر تبين لنا بصدق مكانته الحقيقية ، إذ قال : [  إن الرجال لا تسجل أنسابهم ولا صورهم ولا أموالهم في سجل الإنسانية وشرائعها ورجالها ، وإنما تسجل عقائد الذين غرسوا عقائدهم في نفوس الناس، وإنما تسجل أعمال الذين أخرجوا الناس من فوضى اجتماعية إلى نظام اجتماعي توارثته الإنسانية بعدهم . إنما تسجل عبقرية أولئك الذين حاموا على الإنسانية حين امتهنت واعتدى عليها فراعنة العنصرية ، وجبابرة القوة المادية، وإنما تسجل المبادىء التي تفيء إلى ظلها الإنسانية حين تطغى على الإنسانية الجوائح التي تجتاح الناس بسوط عذابها ولهيب نيرانها .

والذكرى إذا أقيمت لشخص له في عروق هذه الصالحات نسب كانت تلك الذكرى اعتراف لتلك الشخصية بأن لها في عنق القائمين بهذه الذكرى نعما ومننا ، شكرها له بإقامة الذكريات والحفلات هو أقل حق له عليهم يؤدونه له .

وعبد الحميد بن باديس رحمه الله جدير بأن تقيم له الأمة الجزائرية الإسلامية العربية الذكرى . وجدير بأن يعد من أولئك الذين سجل لهم التاريخ جهودا تؤهلهم للحاق بالشخصيات المعترف لها بمزاياها .

قدم عبد الحميد بن باديس لأمتنا في أرضنا الشيء الكثير مما يعد أساسا لهذه الحركة وبذورا لنواحيها المتعددة . ظهر عبد الحميد بن باديس كما يظهر علماء الدين مدرسا للعلوم الإسلامية بكتبها المتعارفة في الدراسات الإسلامية وفي العلوم الدينية واللسانية والعقلية متبرعا بدراساته لا يسأل عليها أجرا من أحد .  

لم تمض على حركته تلك مدة تذكر حتى اشتهر بعمله ، وسرى ذكره في الوطن الجزائري ، وأقبل عليه طلاب العلم من كل فج ، ومن جميع قبائل البوادي وحواضر الوطن.
كان الطلاب يتذوقون لذاذة العلم من دروسه بكيفية لا عهد لهم بها عند من يعرفونه من العلماء، واشتهرت دروسه بأمرين : 1 – متاعتها . 2 – كثرتها .

وهاتان الخاصيتان في دروسه جلبتا إلى حلقات دروسه كثرة من الطلاب فوق طاقة الشخص الواحد ، ومعلوم أن طلاب العلوم الإسلامية في الجزائر هم من طبقات الشعب الفقيرة التي لم تؤثر فيها غربة العربية بالجزائر في نظر الدولة الحاكمة . 

باتت الحركة العلمية التي يقوم بها ابن باديس في حاجة إلى أمرين :

1 – علماء يعينون على تقديم الدروس الكافية للطلاب الكثيرين والمختلفي الدرجات العلمية.

2 – مادة تقوم بحاجات هؤلاء الطلاب العاجزين عن التفرغ لطلب العلم بحكم كونهم من أبناء الطبقة الشعبية الفقيرة .

ومعلوم أيضا أن الأوقاف الإسلامية المرصدة لطلاب العلم غصبتها الحكومة الفرنسية المحتلة فيما اغتصبت من دين ودنيا الجزائريين ، وفي هذا الطور خطا ابن باديس خطوتين جديدتين حيويتين للحركة العلمية هما :

* الأولى  : ضم علماء جدد إليه ليشاركوه أو يعينوه على الحركة العلمية في هذا الطور .

* الثانية  : إحضار المال الكافي لينفق على التلاميذ كي يتفرغوا  لطلب العلم . 

هنا نقف . وهنا نكبر عبقرية ابن باديس وشجاعته الأدبية . اليوم يخرج ابن باديس – كفرد قائم بحركة فردية – من حركته القديمة ، إلى حركة جديدة . وهنا استحالت الحركة العلمية المقتصرة النسبة في درس ، وشيخ ، وتلميذ ، إلى حركة واسعة ، عامة ، شاملة .
خرج الدرس من نطاق التلامذة إلى متسع الشعب ، وأخذت الثقافة تتسع إلى طبقات الشعب كله بواسطة المحاضرات والدروس ، والمتنقل أهلها من بلد إلى بلد ، ومناشير توزع في الوطن في مختلف النواحي الدينية والاجتماعية .

ومن هذه المرحلة الجديدة تولدت حركة التعليم المدرسي على النمط العصري ، كما تولدت بعد ذلك منها هذه الحركات الاجتماعية الشعبية القائمة اليوم .

وقبل أن أضع القلم من يدي أتوجه إلى الله أن يكافىء عبد الحميد بن باديس على ما قدم للإسلام والعروبة والجزائر من جهود وخدمات تعد أسسا محكمة لكل ما جاء بعد ذلك من حركات ومنظمات .

ونحن كجزائريين نعترف بأننا عاجزون عن مكافأة عبد الحميد بن باديس عنا وعمن يأتي بعدنا من الأجيال . وأعترف لكم أيها القراء بأني لم أكتب عن الأطوار التي اجتازتها حركة عبد الحميد كلها ، وإن كلمتي هذه ما مست إلا الطور الأول من أطوار حياته الملىء بجلائل الأعمال .  فليرحم الله الإمام عبد الحميد بن باديس . وليتغمده برحمته الواسعة . العربي بن بلقاسم التبسي ] .  

 

قائمة المصادر والمراجع

1– المصادر :

(1) محمد مرتضى زبيدي ، تارج العروس من جواهر القاموس ، دار المعرفة ، بيروت ، دون طبعة وتاريخ (2) أحمد عيساوي ، منارات من شهاب البصائر ، مطبعة الوليد ، وادي سوف ، الطبعة الأولى ، 2006م.

– المراجع :

(1) أحمد توفيق المدني ، كتاب الجزائر ، مطبعة البليدة ، الجزائر ، الطبعة الثانية ، 1963م . 

(2) أحمد الخطيب ، حزب الشعب الجزائري ، المؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر ، الطبعة الأولى ، 1986م.

(3) أبو القاسم سعد الله ، أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، الطبعة الثالثة  .
(4) تركي رابح ، ابن باديس رائد التربية والإصلاح في الجزائر ، المؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر ، الطبعة الأولى ، 1986م .

(5) جمال قنان ، قضايا ودراسات في تاريخ الجزائر الحديث والمعاصر ، منشورات المتحف الوطني للمجاهد ، الجزائر ، دون طبعة ، 1994م . 

(6) علي الكنز ، حول الأزمة خمس دراسات حول الجزائر والعالم العربي ، دار بوشان للنشر ، باريس ، الطبعة الأولى ، 1990م .

(7) عمار طالبي ، ابن باديس حياته وآثاره ، دار اليقظة العربية ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1968م .

(8) الطاهر أوصديق ، ثورة 1871م ، ترجمة : جناح مسعود ، المؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر ، الطبعة الأولى ، 1989م .

(9) محمد الطيب العلوي ، مظاهر المقاومة الجزائرية 1830- 1954م ، منشورات المتحف الوطني للمجاهد،  الجزائر ، دون طبعة ، دون تاريخ .

(10) محفوظ قداش ، حزب الشعب الجزائري ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ، الطبعة الأولى ، 1988م .

(11) منير شفيق ، الإسلام وتحديات الانحطاط المعاصر ، الزهراء للإعلام العربي ، القاهرة ، الطبعة الثالثة، 1413هـ 19993م .

(12) يحي بوعزيز ، الاتجاه اليميني في الحركة الوطنية الجزائرية من خلال نصوصه 1912-1948م ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ، دون طبعة ، دون تاريخ .

(13) يحي بوعزيز ، الإيديولوجيات السياسية للحركة الوطنية الجزائرية ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الجزائر ، الطبعة الأولى ، 1986م

 

الدكتور أحمد عيساوي

أستاذ الدعوة والإعلام والفكر الإسلامي المعاصر

كلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية

جامعة باتنة – الجزائر –

عضو عامل في رابطة الأدب الإسلامي العالمية

آخر التغريدات: