فلسطين في أدبيات علماء الأمة.. البشير الإبراهيمي نموذجًا

فلسطين في أدبيات علماء الأمة.. البشير الإبراهيمي نموذجًا

بقلم: أحمد التلاوي –

الرُّؤية الإسلاميَّة للقضيَّة الفلسطينيَّة.. تُعْتَبَرُ هذه المسألة هي الإشكاليَّة الأساسيَّة التي تبحث فيها، ومنذ عقودٍ ثلاثةٍ ماضيةٍ، الحركة الإسلاميَّة، بمُختلف ألوان طيفها السِّياسيِّ والفكريِّ، بعد تولِّيها دفَّة قيادة سفينة الصَّحوة في فلسطين وعبر العالم العربيِّ والإسلاميِّ في الفترة التي تلت عمليَّة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل.

وكان من بين ما ارتأته الأوساط الأكاديميَّة العروبيَّة والإسلامية في هذا الإطار؛ أنْ تقوم بإعادة إحياء تُراث علماء المسلمين الذين نظَّروا وتحركوا في إطار القضيَّة الفلسطينيَّة مُنذ سنواتها الأولى، وكيف تفاعلوا بالكلمة والمَوقف مع تبعات وتداعيات النَّكبة الأولى في العام 1948م وما تلاها من تطوُّراتٍ، وكيف نظروا لدور العرب والمسلمين في النكبة والمطلوب منهم في الإطار بعد ذلك لتصويب الأوضاع، وكيف وضعوا القضيَّة الفلسطينيَّة في إطارها الحضاريِّ الأشمل ضمن منظومة الاستعمار الغربيِّ بأشكاله المُختلفة في فضائنا العربيِّ والإسلاميِّ.

ومن بين هؤلاء العلماء العلامة الجزائري الدُّكتور مُحَمَّد بشير الإبراهيميُّ (1889- 1965م)، أحد أعلام الفِكر والأدب في العالم العربيِّ والإسلاميِّ، رئيس جمعيَّة العلماء المُسلمين الجزائريِّين التي أسَّسها مع العلامة والمناضل الكبير عبد الحميد بن باديس، وكان له دورٌ كبيرٌ في الصَّحوة الإسلاميَّة في العالم الإسلاميِّ كلِّه، وإعادة هُويَّة الجزائر العربيَّة والإسلاميَّة له.

ولقد اتَّخَذَتْ القضيَّة الفلسطينيَّة حيِّزًا كبيرًا لدى الإبراهيميِّ؛ في أفكاره وبياناته ومواقفه، وفي كتاباته، وخُصوصًا في جريدة “البصائر” لسان حال جمعيَّة عُلماء المسلمين؛ حيث تناول القضيَّة مِن مختلف جوانبها، السِّياسيَّة والدينيَّة والتَّاريخيَّة، ولكنَّها ظلَّت مُتناثرةً في بين أوراق أرشيف الجريدة وأرشيف الإبراهيميِّ الشَّخصيِّ وكذلك في أرشيف مجلَّة “الأخوَّة الإسلاميَّة” العراقيَّة.

ثُمَّ قام مركز الإعلام العربيِّ بالقاهرة بتجميع هذه المقالات في كتابٍ بعنوان “فلسطين”، وأصدره ضمن سلسلة “كتاب القدس” التي يصدرها المركز، كما طُبِعَتْ مجموعةٌ مِن مُؤلَّفات الإبراهيميِّ في خمسةِ مُجلَّداتٍ تحت عنوان “آثار الإمام مُحَمَّد البشير الإبراهيميِّ”، وأصدرته دار الغرب الإسلاميِّ الجزائريَّة قبل عدَّة سنواتٍ.

وفي هذا الإطار؛ تقدِّم هذه الورقة نبذةً تعريفيَّةً عن الإبراهيميِّ، وقراءةٌ في أبرز مقالاته التي كتبها في “البصائر” وفي “الأخوة الإسلاميَّة”، وبعض ما عُثِرَ عليه في أوراقه الشَّخصيَّة، وصدرت في آثاره الصَّادرة في هذه المُجلَّدات الخمسة ” التي أصدرتها دار الغرب الإسلاميِّ الجزائريَّة، وفي كتاب “فلسطين” الذي أصدره مركز الإعلام العربيِّ.

المبحث الأوَّل: الإبراهيمي.. علامة أحيا هُويَّة بلدٍ

يُعتبر العلامة الشَّيْخ مُحَمَّد البشير الإبراهيميِّ أحد أهم رموز التَّنوير والنِّضال الذين ظهروا في العالم الإسلاميِّ القرن الرَّابع عشر الهجريِّ، وأحد أهمِّ علماء المسلمين الذين قادوا تيَّار الصَّحوة الإسلاميَّة في النِّصف الأوَّل من القرن العشرين الميلاديِّ في الجزائر وفي عموم العالم الإسلاميِّ، ومن بين أهمِّ الأصوات والأقلام التي تحدَّثَتْ عن قضيَّة فلسطين في أدبيَّاتها وفي حراكها العام، وأعادت الهويَّة العربيَّة والإسلاميَّة للجزائر بعد أكثر من 130 عامًا من الاحتلال الفرنسيِّ. 

ولقد كان الإبراهيميُّ خطيبًا مُفوَّهًا، وكان يملك من الحسِّ الأدبيِّ والخطابيِّ ما يجعله قادرًا على تحريك الجماهير سواء من خلال كتاباته في جريدة “البصائر”- مجلَّة “البصائر” بعد ذلك- لسان حال جمعيَّة علماء المسلمين الجزائريِّين التي أسَّسها في العشرينيَّات مع العلامة المُفكِّر الكبير عبد الحميد بن باديس، أو من خلال بياناته كرئيسٍ للجمعيَّة بعد وفاة ابن باديس.

من هو:

هو الشَّيْخ مُحَمَّد البشير بن مُحَمَّدٍ السَّعديِّ بن عُمر الإبراهيميُّ الجزائريُّ (1889- 1965م)، أحد أعلام الفكر والأدب في العالم العربيِّ والإسلاميِّ، وأحد عُلماء المسلمين الأجلاء، والذي كان له دورٌ كبيرٌ في الصَّحوة الإسلاميَّة في الجزائر وعبر العالم الإسلاميِّ كلِّه.

كان رفيق درب العلامة الشَّيْخ عبد الحميد بن باديس في قيادة الحركة الإصلاحيَّة الجزائريَّة، وظلَّ نائبه طيلة حياته في رئاسة جمعيَّة العلماء المُسلمين الجزائريِّين التي أسَّساها معًا، ثُم خَلَفَهُ في رئاسة الجمعيَّة، وكان مِن أبرز رموز علماء المُسلمين الَّذين تصدُّوا للاستعمار الغربيِّ في بلاده وفي العالم العربيِّ والإسلاميِّ، وأحد رموز التَّنوير في القرن الرَّابع عشر الهِجريِّ.

وُلِدَ الشَّيْخ الإبراهيميُّ في الرَّابع عشر من يونيو 1889م، الموافق الثَّالث عشر مِن شهر شوَّال للعام 1306هـ، في قريةٍ جزائريَّةٍ اسمها قرية “أولاد إبراهيم” في منطقةٍ كانت تُسمَّى برأس الوادي “سطيف حاليًا” قرب ولاية برج بوعريريج، وتلقَّى تعليمه الأوَّليُّ على يد والده وعمِّه، وحَفَظِ القرآن الكريم ودرس بعض المتون الأُمَّهات في الفِقه والُّلغة.

ثُمَّ غادر الجزائر في العام 1911م لكي يلحق بوالده في بلاد الحِجاز التي كانت تابعةً في ذلك الوقت للدَّولة العثمانيَّة، وتابع تعليمه هناك؛ حيث تعرَّف على الشَّيخ ابن باديس عندما زار المدينة المنوَّرة في العام 1913م، ثُمَّ غادر الحجاز عام 1916 إلى دمشق؛ حيث عَمِلَ في التَّدريس، وشارك في تأسيس المجمع العلميِّ في دمشق، والذي كان يهدف إلى تعريب الإدارات الحكوميَّة في سوريا.

وهناك التقى بالعديد مِن العُلماء والأدباء الذين كانوا موجودين في دمشق، وأقام معهم علاقاتٍ طيلة أربعة سنواتٍ تقريبًا، ثُمَّ، وفي العام 1920م، غادر الإبراهيميُّ دمشق عائدًا إلى الجزائر، وبدأ في دعوته الإصلاحيَّة ونشر العلم في مدينة سطيف مسقط رأسه أوَّلاً؛ حيث دعا إلى إقامة مسجدٍ أهليٍّ غير تابعٍ للإدارة الحكوميَّة، وفي العام 1924م زاره العلامة ابن باديس مُجدَّدًا، وعرض عليه فكرة إقامة جمعيَّة العلماء المسلمين.

وعُقِدَ المؤتمر التَّأسيسيِّ لهذه الجمعية في الخامس من مايو مِن العام 1931م، تحت شعار “الإسلام دينُنا والعربيَّة لغتُنا والجزائر وطنُنا”، وكانت جريدة “البصائر”- مجلَّة “البصائر” فيما بعد- هي لسان حالها.

نضاله الدَّعوي والسِّياسيُّ:

بعد تأسيس الجمعيَّة، واختيار الإبراهيميُّ نائبًا لرئيسها، انتُدِبَ من قِبَلِها للعمل على نشر الفكر الإسلاميِّ الوسطيِّ في مناطق غرب الجزائر وفي مدينة وهران، والتي كانت في ذلك الوقت المعقِل الأساسيِّ للصُّوفيَّة الطُّرقيِّين، فأسَّس بعض المدارس المستقلَّة، وكان يُلقي المحاضرات؛ حيث امتدَّ نشاطه إلى تلمسان؛ حيث تعرَّض لبعض المضايقات مِِن جانب الصُّوفيِّين؛ إلا أنَّ ذلك لم يوقف مسيرته، وبرزت بالفعل المدارس العربيَّة التي أقامها في وهران. 

وفي العام 1939م كتب مقالاً مُناهضًا للاحتلال الفرنسيِّ في جريدة “الإصلاح”؛ فنفته السُّلطات الفرنسيَّة إلى بلدة “آفلو” الصحراويَّة، وبعد وفاة ابن باديس انتُخِبَ رئيسًا لجمعيَّة العلماء وهو في المنفى الذي لم يعد منه سوى في العام 1943م، ثُمَّ اعتُقِلَ مرَّةً أخرى في العام 1945م، وأفرج عنه بعد سنةٍ.

في العام 1947م عادَتْ “البصائر” بعد فترةٍ مِن الحظر، وكانت مقالاته فيها فيه قمَّة الانتقادات المُوجَّهة إلى فرنسا وعملاء الاحتلال في الجزائر، وخصوصًا زعماء بعض الأحزاب السِّياسيَّة ممَّن كانوا يُعارضون الجمعيَّة ونشاطها ضد الاستعمار؛ فيقول في أحد مقالاته عن هذا الأمر:

“ومن خصومها (أي الجمعيَّة) رجال الأحزاب السِّياسيَّة مِن قومنا مِن أفرادٍ وأحزابٍ، يُضادُّونها كلَّما جروا مع الأهواء فلَم توافقهم، وكلَّما أرادوا احتكار الزَّعامة في الأُمَّة فلَم تسمح لهم، وكلَّما طالبوا تأييد الجمعيَّة لهم في الصَّغائر- كالانتخابات- فلَم تستجب لهم، وكلَّما أرادوا تضليل الأُمَّة وابتزاز أموالها فعارضتهم”.

كما كان من كِبار المُدافعين عن الُّلغة العربيَّة، وكتب في “البصائر” ذات عددٍ يقول: “الُّلغة العربيَّة في القُطر الجزائريِّ ليست غريبةً، ولا دخيلةً، بل هي في دارها وبين حماتها وأنصارها، وهي ممتدةُ الجذور مع الماضي، مُشتدَّة الأواصر مع الحاضر، طويلة الأفنان في المستقبل”.

وبجانب كونه كاتب افتتاحيَّة “البصائر”، أصدر جريدة “الشَّابُّ المُسلم” بالُّلغة الفرنسية، وفي العام 1952م، عاد إلى المشرق العربيِّ، واستقرَّ في القاهرة، عاصمة حركات التَّحرُّر في العالم الثَّالث في ذلك الحين، وعندمنا اندلعَتْ الثورة الجزائريَّة في العام 1954م، أصدر بيانًا باسم جمعيَّة العُلماء، دعا فيه الشَّعبَ الجزائريِّ إلى دعم الثَّورة.

إحياء الجزائر العربيَّة المُسلمة:

سبق وصول “البشير” إلى القاهرة بعثةٌ مِن جمعيَّة العُلماء، ضمَّت 25 طالبًا وطالبةً، وكانت بعثات الجمعية تقتصر على مصر وحدها للدِّراسة في الأزهر الشَّريف والمدارس المصريَّة، غير أنَّ استطاع الحصول على عددٍ آخر مِن المِنَحِ التَّعليميَّة للطُّلاب الجزائريِّين في بعض البلاد العربيَّة الأخرى، كما في سوريا والكويت والعراق، واتَّخذ مِن القاهرة مقرًّا يشرف منه على شئون هذه البعثات. 

وكان يقوم بين فترةٍ وأخرى بزيارة هذه البلاد؛ لتفقُّد أحوال الطُّلاب الجزائريِّين والسَّعي لدى حكوماتها مِن أجل الحصول على منح جديدة، وكان يعلِّقُ آمالاً كبيرةً على هؤلاء الطَّلبة المبتَعَثين، في أمرَيْن؛ مُواجهة الاستعمار الفرنسيِّ في بلاده، وإحياء الثَّقافة العربيَّة الإسلاميَّة

ولقد أثمرت جهوده في هذا المجال؛ حيث نجح معظم طلاب هذه البَعثات في دراستهم الثَّانويَّة والجامعيَّة، وساهموا في إعادة إحياء الرُّوح العربيَّة والإسلاميَّة في الجزائر بعد 130 عامًا من الاحتلال، وفي أثناء إقامته بالقاهرة اختير الإبراهيميُّ لعضويَّة مَجْمع الُّلغة العربيَّة المصريِّ في العام 1961م.

ولقد عاش الإبراهيميُّ حتى نالت الجزائر استقلالها عن فرنسا في العام 1962م، ولكنه لم يكن راضيًا عن الاتِّجاه الذي بدأت تتَّجه إليه الدَّولة الجزائريَّة بعد الاستقلال؛ فأصدر في العام 1964م بيانًا قال فيه: “إنَّ الأُسُسَ النَّظريَّة التي يُقيمون عليها أعمالهم يجب أنْ تنبعِثَ مِن صميم جذورنا العربيَّة الإسلاميَّة لا مِن مذاهب أجنبيَّةٍ”، ولذلك ظلَّ رهن الإقامة الجبريَّة في منزله حتى وفاته بسبب معارضته للتُّوجُّهات الجديدة للنظام الجزائريِّ بعد الاستقلال.

تُوفِّيَ الإبراهيميُّ في العشرين من مايو من العام 1965م، الموافق الثَّامن عشر مِن المُحَرَّم عام 1385هـ، عن عُمرٍ يناهر السَّادسة والسَّبعين عامًا، بعد رحلةِ عطاءٍ طويلةٍ لأُمَّتِه.

المبحث الثَّاني: قراءةٌ في أوراق الإبراهيميِّ حول فلسطين..؛؛

من خلال الرَّصد الذي قام به مركز الإعلام العربيِّ لمقالات الإبراهيميِّ وأدبيَّاته عن القضيَّة الفلسطينيَّة في كتاب “فلسطين”؛ نجد أنَّ الكتاب يضمُّ 17 مقالاً وتصريحًا وبيانًا تناولَتْ رؤى الإبراهيميِّ للقضيَّة الفلسطينيَّة من حيث أهمِّيَّتها لدى العرب والمسلمين، ومكانتها لديهم، والمطلوب من الأُمَّة بمختلف أطيافها وشعوبها في مواجهة المشروع الصُّهيونيِّ في فلسطين، والإطار الحضاري الأوسع الذي يحتوي القضيَّة الفلسطينيَّة، وهو الصراع بين الشَّرق والغرب.

ويمكن تصنيف هذه المقالات في أربعة تبويباتٍ رئيسيَّةٍ؛ وهي:

1. القِسم الأوَّل: عن الاستعمار ودَورِه في خَلْقِ قضيَّة فلسطين.

2. القِسم الثَّاني: دَور العرب والمسلمين في ضياع فلسطين والواجبات المطلوبة منهم.

3. القِسم الثَّالث: رُؤى الإبراهيميِّ حول نَكبة فلسطين عام 1948م.

4. القِسم الرَّابع: النَّواحي العمليَّة في مواقف الإبراهيميِّ إزاء قضيَّة فلسطين.

– القِسم الأوَّل: عن الاستعمار ودَورِه في خَلْقِ قضيَّة فلسطين:

ويضمُّ المواد والمقالات التي تناولَتْ رؤية العلامة الإبراهيميِّ للقضيَّة الفلسطينيَّة ضمن إطارها الأشمل الحضاريِّ في إطار الصِّراع التَّاريخيِّ القائم ما بين الغرب المسيحيِّ اليهوديِّ وبين الشَّرق العربيِّ المسلم، ومن بين ما جاء في هذا الاتِّجاه في أدبياته:

1. مقالٌ بعنوان “مُوالاة المستعمر خروج عن الإسلام”، وهو مقالٌ غير مُحدَّد التَّاريخ عُثِرَ عليها في أرشيفه الشَّخصيِّ، ونُشِرَتْ ضِمن كتاب “آثار الإمام مُحَمَّد البَشير الإبراهيميُّ”، والذي صدر في خمسة مُجلَّداتٍ عن دار الغرب الإسلاميِّ:

وفي هذا المقال يُؤكِّد الإبراهيميِّ مُبكِّرًا على موقفٍ عاد وأكَّد عليه من بعده الكثير مِن عُلماء الإسلام في سياقات القضيَّة الفلسطينيَّة بعد عمليَّة كامب ديفيد، وفي سياقات قضايا عربيَّة وإسلاميَّة أخرى مماثلة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، ومن بينها الاحتلال الأمريكيِّ لأفغانستان والعراق، وهي مسألة موالاة أعداء اللهِ تعالى من جانب بعض الأطراف السِّياسيَّة في العالم العربيِّ والإسلاميِّ.

ويُشير الإبراهيميُّ أوَّلاً في هذا المقال إلى عقيدة الولاء والبراء في الإسلام، وإلى تضادِّ أهداف الاستعمار في العالم العربيِّ والإسلاميِّ، وأنَّه مِن صُلب الشَّريعة الإسلاميَّة الجهاد ضد الغُزاة الذين يستهدفون الأُمَّة وثرواتها وعقيدتها.

ويقول الإبراهيميُّ في هذا المقال: “إنَّ الإسلام والاستعمار ضدَّان لا يلتقيان في مبدأٍ ولا غاية، فالإسلام دينُ الحُرِّيَّة والتَّحرير، والاستعمار دين العبوديَّة والاستعباد، والإسلام شرع الرَّحمة والرِّفق، وأَمَرَ بالعدلِ والإحسان، والاستعمار قوامه على الشِّدَّة والقسوة والطُّغيان، والإسلام يدعو إلى السَّلام والاستقرار، والاستعمار يدعو إلى الحرب والتَّقتيل والتَّدمير”.

ويُوجِّه في نهاية مقاله هذا نداءً إلى المسلمين أفرادًا وهيئاتٍ وحكوماتٍ، يقول فيه: “لا توالوا الاستعمار؛ فإنَّ مُوالاته عداوةٌ للهِ وخروجٌ عن دينه، ولا توالوه في سلمٍ ولا حربٍ؛ فإنَّ مصلحته في السِّلم هي مصالحكم، وغنيمته في الحرب هي أوطانكم”.

2. مَقالٌ بعنوان “الإنجليز.. حلقةُ الشَّرِّ المُفرغة”، ونُشِرَ في العدد الرَّابع والعشرين من جريدة “البصائر”، والصَّادر بتاريخ 23 فبراير 1948م:

وفي هذا المقال يؤكِّد الإبراهيميُّ على طبيعة الدَّور الذي لعبه الاستعمار البريطانيُّ في العالم العربيِّ والإسلاميِّ في خلق قضيَّة فلسطين، من خلال وعد بلفور وتسهيل هِجرة اليهود إلى فلسطين خلال مرحلة الانتداب البريطانيِّ، وانتقد بعض الأطراف في العالم العربيِّ والإسلاميِّ لإعطائها ثقتها لبريطانيا خلال الحرب العالميَّة الثَّانية وما بعدها برغم كلِّ ما قامت به في فلسطين وفي غيرها من ربوع العالم العربيِّ والإسلاميِّ.

كما كشف الإبراهيميُّ في هذا المقال على أمرٍ شديد الأهمِّيَّة يتعلَّق بدَورِ بريطانيا في تقسيم العالم العربيِّ والإسلاميِّ، وذلك من خلال إثارة المشروعات السِّياسيَّة الشُّعوبيَّة والنَّعرات القوميَّة الضَّيِّقة، مثل مشروع “سوريا الكبرى”.

ويقول الإبراهيميُّ في هذا الإطار عن الإنجليز: “إنَّهم ينطوون لكم على العظائم، وإنَّ في جُعبتهم ما في جعبة الحاوي مِن حيَّاتٍ، وإنَّ في أيديهم عروق الجسم العربيِّ يضغطون أين شاءوا، ومتى شاءوا، في أيديهم”.

وفي مقاله طالَبَ الإبراهيميُّ الشُّعوب والحكومات العربيَّة بالالتفاف حول مشروع جامعة الدِّول العربيَّة الوليد في ذلك الوقت، باعتبار أنَّه أحد أهمِّ أشكال توحيد الصَّفِّ العربيِّ، ويقول: “إنَّكم- أيُّها العرب- لا تردُّون كيدهم إلا بإجماعكم على تحدِّيهم، واجتماعكم على إيقاف تعدِّيهم، وإقامة جامعتكم على أعتبار مصلحة العرب، ووطن العرب فوق الأغراض والأشخاص”، ودعا إلى إقامة جامعةٍ أخرى مماثلة تجمع الشُّعوب العربيَّة، كما جَمَعَتْ الجامعة العربيَّة في تجميع الحكومات.

القِسم الثَّاني: دَور العرب والمسلمين في ضياع فلسطين والواجبات المطلوبة منهم:

وتهتم هذه المجموعة مِن المقالات والتَّصريحات بالتَّأكيد على المسئوليَّة السِّياسيَّة التي يتحملَّها العرب والمسلمين عن ضياع فلسطين في العام 1948م، وما يتطلَّبه ذلك مِن جانب جميع الأطراف في عالمنا العربيِّ والإسلامي لاستعادة فلسطين، بدءً من التَّعاطُف، وحتى الجهاد بالمال والنَّفس، ومن بين المقالات التي وَرَدَتْ في في هذا الاتِّجاه:

1. مقالٌ بعنوان “العرب واليهود في الميزان عند الأقوياء”، ونُشِرَ في العدد الثَّاني والعشرين من جريدة “البصائر”، الذي صَدَرَ بتاريخ 9 فبراير 1948م: 

وفي هذا المقال يشير العلامة الإبراهيميُّ إلى العوامل التي أدَّت إلى ضعف موقف العرب الفلسطينيِّين في فلسطين قبل حرب 1948م، ويقول إنَّ فارق القوَّة ما بين الأطراف الأساسيَّة للقضيَّة، وهم العرب والمسلمون من جهةٍ وبين العصابات الصُّهيونيَّة ومن يدعمهم في الغرب مِن جهةٍ أخرى. 

ويقول تعليقًا على قرار تقسيم فلسطين، وللإبراهيميِّ مَقالاتٍ أخرى في هذا المجال، “إنَّ الأقوياء الَّذين تولَّوا أمرَ التَّقسيم، وحملوا أولئك الضُّعفاء بالوعد والوعيد على التَّصويت عليه، ما ارتكبوا هذه الجريمة الشَّنعاء وغمطوا حقَّ العرب، إلا بعد أنْ غمزوا مواقع الإحساس مِن العرب، فرأوهم جادين كالهازلين، ورأوا منهم ناكثين كالغازلين، ورأوا في أمرائهم المقاومين على أعنف ما تكون المقاومة، والمساومين على أخسِّ ما تكون المساومة، وفي شعوبهم الجاهل والذَّاهِل، والمُتشدِّد والمتساهل”.

ولا يقتصر موقفه على الانتقاد فحسب؛ بل إنَّه يستنهض الهِمم، ويدعو العرب والمسلمين إلى التَّحرُّك من أجل فلسطين، ومن أجل تفادي ضياعها إلى أيدي اليهود، وذلك من خلال إبراز أهمِّيَّتِها الدِّينيَّة والتَّاريخيَّة لدى المسلمين؛ فيقول: “أيُّها العرب، أيُّها المسلمون!.. إنَّ فلسطين وديعة مُحَمَّدٍ عندنا، وأمانة عمر في ذمَّتِنا، وعهد الإسلام في أعناقنا؛ فلئن أَخَذَها اليهود مِنَّا ونحن عصبةٌ؛ إنَّا إذن لخاسرون”.

ويضيف أيضًا: “يقولون إنَّ فلسطين منسكٌ للأديان السَّماويَّة الثَّلاثة، وأنَّها قبلةٌ لأهل تلك الأديان جميعًا، فإنَّ كان ما يقولون حقًّا- وهو حقٌّ في ذاته- فإنَّ أحقَّ النَّاس بالائتمان عليها، العرب، لأنَّهم مسلمون، والإسلام يوجب احترام الكُتُبِ والكتابيِّين، ويوجب الإيمان بجميع الأنبياء والمُرَسلين، ويضمن إقامة الشَّعائر لليهود والمسيحيين، لا اليهود الذين كذَّبوا الأنبياء وقتلوهم، وصلبوا- بزعمهم- المسيح الصَّادق، وشرَّدوا حوارييه من فلسطين، وكفروا بمحمَّدٍ بعدما جاءهم بالبينات”.

2. مقالٌ بعنوان “واجباتها على العرب”، ونُشِرَ في العدد الخامس والعشرين من جريدة “البصائر”، الذي صَدَرَ بتاريخ 1 مارس 1948م:

وفي هذا المقال يتحدَّث الإبراهيميُّ بشكلٍ أكثر تفصيلاً عن الواجبات المطلوبة مِن العرب والمُسلمين إزاء فلسطين؛ بعد صدور قرار التَّقسيم، ووضوح إلى أيِّ مدى تتجه الأمور في فلسطين، وخصوصًا فيما يتعلَّق بمسألة إقامة دولةٍ لليهود على معظم أجزاء فلسطين.

ويبدأ الإبراهيميُّ مقاله بالتَّأكيد على عروبة وإسلاميَّة فلسطين، وتذكير العرب والمسلمين بالأمجاد التَّاريخيَّة لهم، وخصوصًا الظُّروف التي أحاطت بالفتح العربيِّ والإسلاميِّ لفلسطين، والمعارك التَّاريخيَّة التي خاضها المسلمون ضدَّ الدَّولة الرُّومانيَّة مِن أجل ضم فلسطين لدولة الإسلام الوليدة، مثل معركة اليرموك.

وينتقد في المُقابل اقتصار فِعل القيادات العربيَّة تجاه ما كان يجري في فلسطين في هذه المرحلة التَّاريخيَّة على الفعل السِّياسيِّ أو المواقف الكلاميَّة، في مُقابل غياب فكرة الجهاد الشَّامل من أجل فلسطين في العالم العربيِّ والإسلاميِّ، وترك عرب فلسطين يخوضون المعركة وحدهم، فيقول: “أعمال عرب فلسطين مُقدَّمةٌ؛ فأين الكتائب؟، وأين الأمور التي لا يتمُّ الواجب إلا بها؟، ما على عرب فلسطين- بعد ذلك- مِن سبيلٍ؛ إنَّما السَّبيل على العرب في مشارق الأرض ومغاربها، حكوماتٍ وقادةً وشعوبًا، رجالاً ونساءَ، وليست قضيَّة جماعةٍ أو حكومةٍ أو قُطرٍ؛ وإنَّما هي مسألة العرب جميعًا”.

ويعيد التَّأكيد على الرِّسالة الخاصة بدَور الاستعمار في صناعة نكبة فلسطين؛ فيقول: “ثُمَّ هي “قضيَّة فلسطين”- بعد- قضيَّة استعمارٍ أحوَل؛ رجله في فلسطين، وعينه على العراق والخليج وأعالي اليمن، وعينه الأخرى على مصر؛ فإذا لم يُبادر العرب بالاصطلام؛ بادرهم بالالتهام”.

3. مقالٌ بعنوان “هل لِمَن أضاع فلسطين عيدٌ؟”، ونُشِرَ في العدد الخامس عشر/ السَّنة الأولى مِن مَجلَّة “الأخوة الإسلاميَّة”، والذي صَدَرَ بتاريخ 12 يونيو 1953م:

هذا المقال إنسانيٌُّ بالأساس؛ حيث جاء عيد الفطر المُبارك بعد شهر رمضان للعام 1372هـ، وكانت نكبة ضياع فلسطين لا تزال ساخنةً في نفوس العرب والمسلمين، وكانت لا تزال قضيَّة اللاجئين والمُشرَّدين الفلسطينيِّين بفعل الحرب وجرائم العصابات الصُّهيونيَّة، في بدايتها، وعزَّ على الشَّيْخ الإبراهيميِّ أنْ يشهدَ احتفالات العرب والمسلمين بالعيد، فيما إخوانهم في فلسطين وفي الشَّتات يعانون.

ويقول الإبراهيميُّ في هذا الإطار: “ويحَ أحياء القلوب وأيقاظ الاحساس، ماذا يتجرَّعون من جرع الأسى في هذه الأعياد التي يفرح فيها الخَليُّون ويمرحون؟، أيتكلَّفون السرور والانبساط، قضاءً لحقِّ العُرف، ومجاراة لمن حولهم مِن أهلٍ وولدان وصُحُبٍ غافلين وجيران؟”. 

ويضيف مُشبِّهًا الأوضاع في فلسطين بما يجري في الجزائر التي كان لا يزال الاستعمار الفرنسيُّ قابعًا فيها يتهددها بالفرنسة كما يتهدد اليهود فلسطين بالتهويد؛ فيقول: مرَّتْ عليَّ في الجزائر عدَّة أعيادٍ في السَّنوات الأخيرة التي صرَّحَ الشَّرُّ فيها للعرب والمسلمين عن محضه، فكنتً ألقى تلك الأعياد بغير ما يلقاها به النَّاس، كنتُ ألقاها بتجهُّمٍ اضطراريٍّ وانقباض نفس”، ويُضيف عن فلسطين: “وجاءت نكبة فلسطين؛ فكانت جرحًا على جرحٍ، وكانت الطَّامَّة والصَّاخة معًا”.

وقال أيضًا، وكأنَّه يقرأ واقع العرب والمسلمين القائم حاليًا، وتقصيرهم: “أيُّها العرب: ها هو ذا عيد الفطر قد أقبل وكأني بكم تجرون فيه على عوائدكم، وتنفقون المال بلا حساب على الحُلَلِ يرتديها أولادكم، وعلى الطَّعامِ والشَّراب تُوفِّرون منه حظَّ بطونكم، وكأني بكم تسيرون على مأثوركم من الَّلهوِ والَّلعِب”.

وختم مقاله بعبارةٍ لافتةٍ أكَّد فيها على أنَّ ما يقوم به العرب في تلك المرحلة يصبُّ في صالح المشروع الصُّهيونيِّ في فلسطين، وقال فيها: “كانت خاتمة النَّتائج أنَّنا قرَّبنا مِن صُهيون ما كان بعيدًا، وأدنينا منه أمانيه، فالقُدس محطة الإسراء، وموطئ أقدام مُحَمَّدٍ “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”، وفتح عُمر، أصبح لقمةً متردِّدةً بين لهواته، والمسجد الأقصى كاثرته البيع والكنائس، وتعاونت على إخفاء مآذنه وإسكان أذانه.. ويلٌ للعرب مِن شرٍّ قد حلَّ، ولا أقول قد اقترب”.

4. تصريحٌ بعنوان “أضعنا فلسطين!”، ونُشِرَ في العدد الرَّابع/ السَّنة الثَّانية مِن مَجلَّة “الأخوة الإسلاميَّة”، والذي صَدَرَ بتاريخ 5 فبراير 1954م، وهذا التَّصريح الموجز كان ردًّا على سؤالٍ موجزٍ وجَّهه أحد الحضور إلى العلامة الإبراهيميِّ، خلال حفلةٍ خطابيَّةٍ أقامتها جمعيَّة الأخوة الإسلاميَّة العراقيَّة في جامع الإمام الأعظم في بغداد في السَّابع مِن يناير من العام 1954م، وكان نص السُّؤال هو “هل أضعنا فلسطين؟!”.

وفيه أكَّد الإبراهيميُّ على ذلك، وقال إنَّ العرب والمسلمين قد أضاعوا فلسطين، وقال ردًّا على سؤالٍ آخر بعنوان “بماذا أضعنا فلسطين؟” بالقول: “أضعناها بالكلام، فقد كان الشُّعراء ينظمون القصائد الطويلة العريضة في مديح العرب وتسفيل اليهود، والكُتَّاب يكتبون والسَّاسة يُصرِّحون، فبين النَّظمِ والتَّصريح والكتابة والخطابة ضاعت فلسطين”، ثُمَّ قال: “الرَّجلُ البطل يعمل كثيرًا ولا يقولُ شيئًا”.

5. مقالٌ بعنوان “متى يبلغ البُنيان؟”، ونُشِرَ في العدد الثَّالث عشر/ السَّنة الثَّانية مِن مَجلَّة “الأخوة الإسلاميَّة”، والذي صَدَرَ بتاريخ 18 يونيو 1954م:

كَتَبَ الإبراهيميُّ هذا المقال في أعقاب المؤتمر الإسلاميِّ الذي عُقِدَ في القدس في الثَّالث من ديسمبر من العام 1953م، والذي لم يتمخَّض عن كثيرِ نتائج فيما يخص القضيَّة الفلسطينيَّة، وانتقد الإبراهيميُّ عدم وجود خُطَّةٍ واضحةٍ لدى العرب والمسلمين تُجاه فلسطين.

وقال عن ذلك المُؤتمر ونتائجه: “كلا.. ما كان هذا هو الذي يطمع العقلاء في أنْ يكونَ لهذا المؤتمر شأنٌ وقيمةٌ غير شأنِ وقيمة المُؤتمرات القديمة، ولكن الذي يطمعهم في ذلك خصالٌ أخرى، مِن أنَّه جاء بعد تجلِّي جميع الحقائق، وبعد تصفية الحساب التي ظَهَرَتْ فيه خسارة العرب والمسلمين، وبعد أنْ صَدَقَ المفتري، وافتضح المجتري”.

ودعا العرب والمسلمين إلى تبنِّي سياسةٍ جريئةٍ تقوم على اجتماع الكلمة من أجل فلسطين، وقال: “إنَّ اليهود بنوا أمرهم على كلمةٍ وهُم واصلون إلى تطبيقها ما دُمنا على هذه الحالة، فلنبنِ نحن أمرنا على عكسها إنْ كُنَّا رجالاً، ولنعمل على تحقيقها متساندين”.

القِسم الثَّالث: رُؤى الإبراهيميِّ حول نَكبة فلسطين عام 1948م:

وتخصُّ هذه المجموعة مِن المَقالات كيف رأى العلامة الإبراهيميُّ الأجواء والتَّطوُّرات المُباشِرة التي أحاطت بنكبة فلسطين في العام 1948م، مثل قرار التَّقسيم الشَّهير “181” الصَّادر عن الجمعيَّة العامَّة للأُمم المتحدة في نوفمبر مِن العام 1947م، ومن بين ما ورد من مَقالاتٍ في هذا الاتِّجاه:

1. مقالٌ بعنوان “تصوير فجيعة فلسطين”، ونُشِرَ في العدد الخامس مِن جريدة “البصائر”، والذي صَدَرَ بتاريخ 5 سبتمبر 1947م:

في هذا المقال يُصوُّر الإبراهيميُّ مشاعر العرب والمسلمين إزاء ما يجري في فلسطين في تلك الفترة التي بدأت فيها معالم نكبة فلسطين في الوضوح، مع تزايد النَّشاط الإرهابيِّ العسكريِّ للعصابات الصُّهيونيَّة في فلسطين ضد أهل الأرض الأصليِّين، ويشرح شُعور الجزائريِّين بالذَّات باعتبار أنَّه كان بين ظهرانيِّ مواطنيه في ذلك الوقت؛ فيقول:

“يا فلسطين!.. إنَّ في قلبِ كلِّ مسلمٍ جزائريٍّ مِن قضيَّتِك جروحًا داميةً، وفي جفن كلِّ مسلمٍ جزائريٍّ من محنتك عبراتٌ هاميةٌ”، وأضاف شارحًا مكانة فلسطين والقدس في نفسِ كلِّ مسلمٍ: “يا فلسطين!.. إذا كان حُبُّ الأوطان مِن أثرِ الهواء والتُّراب، والمآرب التي يقضيها الشَّباب؛ فإنَّ هوى المسلم لكِ أنَّ فيكِ أولى القبلتَيْن، وأنَّ فيكِ المسجد الأقصى الذي بارك اللهُ حوله، وإنَّكِ كنتِ نِهاية المرحلة الأرضيَّة وبداية المرحلة السَّماويَّة، من تلك الرِّحلة الواصلة ما بين السَّماء والأرض صعودًا بعد رحلة آدم هبوطًا”.

2. مقالٌ بعنوان “وَصْفُ قرارِ تقسيم فلسطين”، ونُشِرَ في العدد الحادي والعشرين مِن جريدة “البصائر”، والذي نُشِرَ بتاريخ 2 فبراير 1948م:

يُشيرُ الإبراهيميُّ في هذا المقال إلى الكارثة التي مثَّلها قرار تقسيم فلسطين، وقال: “إنَّ ليل فلسطين الداجي قد تصدَّع عن فجرٍ كاذبٍ للعيان، وتمخَّض مورد الطَّامعين في إنصاف أوروبا القديمة وأوروبا الجديدة عن آل لماع يرفع الشُّخوص، ويضعها في عَيْن الرائي لا في لَمْسِ الَّلامس”.

ويصف المشهد في الأمم المتحدة لحظة اتِّخاذ قرار تقسيم فلسطين؛ فيقول: “تراءى الحقُّ والباطلُ في ذلك المجلس [يقصد الجمعيَّة العامَّة] لا العرب واليهود، وجاء أهل الحقِّ يحملون المنطق، ويخطبون المعدلة، ويخاطبون الضَّمير والعقل، ويحتكمون إلى الشُّعور والإحساس، وما منهم إلا مَن هو الخصام مُبينٌ؛ وجاء أهلُ الباطل يحملون الإبهام المُضلِّل، والكيدَ المُبيَّت، والمكر الخفيُّ والدَّعاوى المقطوعة مِن أدلَّتِها، ومع كلِّ أولئك الرنين الساحر يستهوون به الأفئدة”.

ويلوم العرب والمسلمين على تقصيرهم وتفرُّقِهم، والذي أوصل الأمور إلى هذا المستوى؛ فيقول: “كان الواجب أنْ نعملَ مِن يوم الوعد (وعد بلفور) لما يُنقِضُ الوعد، فنجمع الشَّمل المُشَتَّت، والهوى المُتفرِّق، ونقضي على الصَّنائع التي اصطنعوها منَّا، ونُحارب الواعد والموعود بالسَّلام الذي وعدونا به”.. وكأنَّه يخاطب العرب والمسلمين في يومنا هذا.

القسم الرَّابع: النَّواحي العمليَّة في مواقف الإبراهيميِّ إزاء قضيَّة فلسطين:

وهي مِن بين التَّبويبات المُهِمَّة عند دراسة أدبيَّات ومواقف رموز وعلماء الأُمَّة؛ حيث إنَّ أغلب الانتقادات التي تُوجَّه إلى بعض التَّيَّارات السِّياسيَّة التي ظَهَرَتْ في الفضاء العربيِّ والإسلاميِّ، مثل التَّيَّار القوميِّ، اكتفاؤه بالكلام من دون الفعل، ولذلك فإنَّه مِن بين المحطَّات الهامَّة الواجبة الرَّصد في أيَّة تجرُبةٍ هي النَّواحي العمليَّة، ومن بين أهمِّ ما قام به الإبراهيميُّ في هذا المجال، ما ورد في المقالات والبيانات التَّالية:

1. مقالٌ بعنوان “الهيئة العليا لإعانة فلسطين”، ونُشِرَ في العدد الحادي والأربعين من جريدة “البصائر”، والذي صَدَرَ بتاريخ 21 يونيو 1948م:

في هذا المقال، وهو أقرب إلى بيانٍ تأسيسيٍّ يعرض فيه الإبراهيميُّ الملابسات التي أحاطت بتشكيل “الهيئة العليا لإعانة فلسطين” في الجزائر، وأكَّد على أنَّه برغم كلِّ الظُّروفِ التي كانت تحياها بلاده في ذلك الحين، مع وجود الاستعمار الفرنسيِّ هناك، ووجود قوى سياسيَّةٍ وحزبيَّةٍ مواليةٍ له في الجزائر تعرقل عمل الوطنيِّين مِن أبناء هذا الوطن العربيِّ المُسلم؛ فإنَّ الجزائريين أرادوا الاستجابة من خلال تأسيس الهيئة إلى الظُّروف التي تمرُّ بها فلسطين في ذلك الوقت، بعد إعلان قيام دولة الكيان الصُّهيونيِّ على أرض فلسطين.

ولقد تكوَّنَت الهيئة من أربعةٍ من رموز النضال الجزائريِّ؛ وهم بالإضافة إلى البشير الإبراهيميِّ الذي كان رئيسًا لها:

– عباس فرحات كاتبًا عامًّا [أمينًا عامًّا].

– الطيب العقُبي أمينًا للمال [أمين صندوق].

– إبراهيم بيوض نائبًا للرَّئيس.

ثُمَّ تكوَّنَتْ لجنةٌ تنفيذيَّةٌ للهيئة في العاصمة الجزائريَّة مِن عددٍ مِن رموز الفكر والثَّقافة الجزائريِّين، والشَّباب الذين عملوا على نشر الوعي بالقضيَّة الفلسطينيَّة في الجزائر وفي عموم العالم العربيِّ والإسلاميِّ، من خلال إرسال برقيَّاتٍ إلى جامعة الدِّول العربيَّة، والحكومات في العالم العربيِّ والإسلاميِّ للمطالبة بتحرُّكٍ جماعيٍّ في مواجهة ما يحدث في فلسطين خلال الحرب العربيَّة- الإسرائيليَّة الأولى.

2. مقالٌ بعنوان “كيف تشكَّلَتْ الهيئة العليا لإعانة فلسطين”، ونُشِرَ في العدد الثَّاني والخمسين من جريدة “البصائر”، والذي نُشِرَ بتاريخ 11 أكتوبر 1948م:

وفيه يشرح البشيرُ الإبراهيميُّ المُلابسات التي أحاطَتْ بتكوين الهيئة، والبواعث التي دَفَعَته إلى قيادة الجهد إلى ذلك، وهو يُعتبر مقالٌ تفصيليٌّ للبيان السَّابق الذي أعلن فيه عن تأسيس الهيئة.

ولعلَّ أهمَّ ما جاء في هذا المقال، هو أنَّ البشيرَ الإبراهيميَّ قد أكَّد على أنَّ فكرة تأسيس الهيئة قد ظَهَرَتْ في الجزائر فعلاً؛ ولكنَّها لَقِيَتْ دعمًا من الكثير مِن الشَّخصيَّات العامَّة والأدباء والمُثقَّفين في عددٍ آخر من البلدان العربيَّة مثل مصر وليبيا وفلسطين ولبنان والعراق، وأنَّ من بين الدَّلالات التي يحتويها ذلك، تُشير إلى أنَّ فلسطين هي أكبر موطنٍ لتجمُّع العرب والمُسلمين.

آخر التغريدات: