محمد البشير الإبراهيمي داعية الوحدة العربية

محمد البشير الإبراهيمي داعية الوحدة العربية

بقلم: عبد الله بن علي العليان –

لم تكن الوحدة العربية في مفهوم البشير الإبراهيمي، تكتلا عنصريا معاديا للأمم والأقوام غير العربية، بل هي إطار سياسي واقتصادي وثقافي وحضاري، يتطلع إلى خدمة المصالح العربية، وإلى تنمية التعاون والتبادل مع الوحدات والمنظمات والمنفعة المشتركة. فلا يمكن بأية حال من الأحوال، تشبيه الوحدة العربية، بالوحدة الإيطالية والألمانية، اللتين ربطتا المصالح القومية لألمانيا وإيطاليا بمعاداة القوميات الأخرى، والدخول في معها في حروب مدمرة كانت نتائجها كارثة على الجميع.

في كتابه (الإمام محمد البشير الإبراهيمي داعية الوحدة العربية الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،يسلط الدكتور/ بشير فايد الضوء على جهوده في دعم الوحدة العربية، فيقول: أيد الإبراهيمي فكرة أن الأمة العربية تملك كل المقومات التي تجعل منها أمة موحّدة الأجزاء، متكاملة في علاقاتها البينية والخارجية، تنقصها فقط الإرادة السياسية، والوعي الاجتماعي بأهمية الوحدة وحتميتها، لمواجهة تحديات العصر على كافة الصعد والمستويات. لكنه اختلف مع غيره في الأولويات؛ فقد رأى ضرورة إنضاج الفكرة شعبياً، عن طريق التربية الاجتماعية والتوعية السياسية، في حين أظهر البعض ميلاً واضحاً إلى العمل السياسي في هذا الاتجاه، واستعجالاً في إنجاز الوحدة، لأن الأوضاع التي أفرزتها الحرب العالمية الأولى التي لم تكن في صالح العرب، ومنها استعداد الدول الكبرى لبسط احتلالها على ما تبقى من البلاد العربية، لم تكن في نظرهم تنتظر أي تأخير.

ذهب الإبراهيمي إلى أن أكبر علّة أصابت العرب انقسامهم إلى دويلات وإمارات يحكمها ملوك وأمراء، الأمر الذي منع أن تكون لهم دولة واحدة جامعة، لأنهم في الأصل أمة واحدة، تسكن رقعة جغرافية واحدة. ولو حدث ذلك لما تجرأ الاستعمار على التفكير، في غزوهم واحتلال بلدانهم.

ومن المنطقي، كما المؤلف د. بشير فايد: بالنسبة إليه، أن يكون لهذا الوضع آثار سيئة وعميقة في المجتمع العربي برمّته، حيث توسعت الهوّة بينهم وبين الأمم الأخرى، التي أضحت رائدة في العلم والعمل والصناعة والحضارة، بفضل أبنائها المخلصين، بينما نجد أبناء العروبة يستحون من الانتساب إليها، ويتبرأون منها، إذا ما خالطوا أبناء تلك الجنسيات، لما يشعرون به أمامهم من ضعف واستصغار لأنفسهم. وحتى العربية كلغة، باتت مهددة بالرطانات الأعجمية التي غمرتها، واللهجات العامية التي مزّقتها، واللهجات الأجنبية التي نافستها، عن طريق أبنائها من ضعفاء الهمم والعزائم.

وبالتالي، فإن غياب الوحدة من وجهة نظره، ليس له نتائج سلبية على الصعيد السياسي فحسب، بل على الصعد الحضارية والنفسية أيضاً، فأصبح الانتساب إلى العروبة مجلبة للشعور بالنقص والتخلّف، لدى أبناء العرب عامة، والشباب منهم خاصة.وذهب إلى أكثر من ذلك، حينما اعتبر اللغة العربية مهددة بالانقراض، إن استمروا التعامل معها مثلما هم عليه في تلك الأثناء.
والحق أن اللغة العربية، قد تعرّضت في عصر الشيخ الإبراهيمي، لانتقادات كثيرة من الناشئة، والشباب على وجه الخصوص، واصفين إياها بالضعف لسببين هما:

– كونها لغة صعبة ومعقّدة، لا يماثلها في تعقيدها شيء من اللغات الموجودة في العالم.

ـ أن العرب بين سائر الأمم يعانون ازدواجاً ناشئاً من كونهم يفكرون ويستخدمون في معاملاتهم لغة عصرية عملية، ثم ينقلون ذلك التفكير إلى اللغة العربية القديمة والمعقدة، لما يكتبون أدبهم ويسجلون علومهم.

بدأ الشيخ الإبراهيمي كلامه على وضع بلاد المغرب العربي،إزاء الوحدة العربية، بالتأكيد أنه لا جدال في عروبة الشمال الإفريقي، مهما كانت الأصول التي انحدر منها سكانه، والخصائص الاجتماعية التي يتميزون بها كالعادات والتقاليد والأخلاق … وغيرها، وهي عروبة أثبت وأنقى من إنجليزية الإنجليز وألمانية الألمان. وهو يذكّر بالفضل الكبير للأبجدية العربية، في تثبيت وتمكين اللسان العربي في المنطقة، وحفظ أصول الدين ومتون اللغة، وفي تدوين الآداب والشرائع، وكتابة التاريخ وتسجيل الأحكام والحقوق، وفتح أبواب العلم، كما كانت الطريق إلى الحضارة.
وفي ضوء هذه الفكرة، يتجلّى أن الشيخ الإبراهيمي أراد أن يبيّن بأن جمعية العلماء كان لها نظرتان: نظرة وطنية من خلال مقاومة الاستعمار في الجزائر، وإثبات أن الكيان الجزائري يختلف عن الكيان الفرنسي في الدين واللغة والعادات والتقاليد، ونظرة قومية تتمثل في الاهتمام بالقضايا المطروحة آنذاك على الساحة السياسية والفكرية، ومنها الوحدة الفكرية. كما أوضح أن العروبة مشروع حضاري، يُبنى بالتخطيط والاجتهاد وبذل الطاقات، وليس بإطلاق الشعارات وإقامة التظاهرات الاحتفالية، والإطناب فيها بذكر العروبة والتغنّي بمحاسنها وأمجادها، على النحو الذي كان يحدث في ذلك الوقت.

ومن جهة أخرى كما يقول الكاتب د/ بشير فايد، نجد الشيخ الإبراهيمي، ينتقد بشدة العصبيات العنصرية،والوطنيات الضيقة، التي استشرت في البلاد العربية، وتعاظمت إلى الحد الذي تحولت فيه إلى أداة في يد الاستعمار الغربي، يوظفها في الاستفراد بأجزاء الوطن العربي الواحد بعد الآخر، فبعد أن احتل الجزائر سنة 1830، جاء الدور على تونس سنة …1881 ومصر 1882،.. إلى أن احتلها جميعا.

ومع ذلك فهو لا ينفي وجود دول عربية مستقلة بذاتها، لان الأمة قد تتألف من دول عديدة، كل واحدة مستقلة بنفسها، على أن تجمعها رابطة كلها برباط معنوي عام، يسمو فوق كل الوطنيات الخاصة.

كما أنه دافع بشدّة عن حق العرب في أن تكون لهم وحدتهم الخاصة، على شاكلة الأمم الأخرى ومنها الغربية، وأوضح أن عناصر النجاح والديمومة كبيرة بالنسبة إليهم، إذا ما قورنت بأمم أخرى جمعت شعوبها المصلحة المادية، معطياً مثالاً بالولايات المتحدة الأمريكية.
ولهذا رأى أن تضامن الوطن العربي مع المغرب الأقصى في محنته، أمر طبيعي لا غرابة فيه، لأن جاء استجابة لنداء الدم والقرابة، والعواطف والفطرة الإنسانية، التي لا يمكن كبح جماحها، فلا يلام فيها العرب، مثلما لا يلام اليهود في أمريكا على تضامنهم مع إخوانهم يهود ألمانيا، ويهود فرنسا إذا تألموا لكارثة أو مصيبة، قد تحل بإخوانهم في فرنسا.

ولإعطاء الدليل على ارتباط شعوب المغرب العربي بالمشرق العربي، ومن ثمة بالوحدة العربية، استشهد بميثاق جبهة تحرير الجزائر، الذي اعتبر الجزائر جزءاّ لا يتجزأ من المغرب العربي، الذي هو جزء من الوطن العربي الكبير، وان توجهها نحو العروبة، وتعاونها مع الشعوب والحكومات والجامعة العربية، هو أمر طبيعي. كما حث الميثاق على الإيمان بوجوب توحيد الكفاح ضد الاستعمار، بين أقطار المغرب الثلاثة (تونس، الجزائر، مراكش).

وبالفعل، فقد ظل المغرب العربي على اتصال دائم ببلاد المشرق، حتى في أحلك فترات القمع والتضييق التي فرضها الاستعمار عليه، حيث كانت مقصد أعلامه ومجاهديه، يكتبون المقالات حول القضايا المغاربية، في صحفه ومجلاته، ويكشفون مساوئ الاستعمار الفرنسي والإيطالي والإسباني في الشمال الأفريقي، في أنديته ومجالسه .

لم يكتف الشيخ البشير الإبراهيمي بحثّ العرب على الوحدة والتكتل، واستعراض الفوائد الجمّة التي ستترتب عليها، على المستويات والصعد كافة، بل اجتهد في إعطاء تصوراته وأفكاره بشأن الخطوات التي يتوجب عليهم القيام بها، لتحقيق حلم الوحدة العربية الشاملة، وقد حصرها في خمس خطوات هي: إزالة أسباب التنافر بين الشعوب العربية، التقارب والتواصل بين البلدان العربية، والتعريب الشامل لكل مناحي الحياة في المجتمع العربي، واستقلال الأمة أدبياً وفكرياً ولغوياً، ونبذ الانقسام واستبداله بالوحدة الشاملة.

آخر التغريدات: