روعة البيان في كتابات الإمام الإبراهيمي

روعة البيان في كتابات الإمام الإبراهيمي

بقلم: د. عبد الحفيظ بورديم –

لو قدر لمثلي أن يقترب من حمى الإبراهيمي لما استطاع أن يثبت على قدم ، ذلك أنّ للجلال هيبة عظمى، ولو قدر لمثلي ولغيري أن يسمعوا ما كان يفيض به أدب الإبراهيمي لظلوا مشدودين بروعة المنطق ومأخوذين بسمو البيان، جاء الإبراهيمي على عهد أقسى من عهد الفترة التي فسد فيها كل شيء : الفهم الذي مناطه العقل ، والإخلاص الذي مناطه القلب، والبيان الذي مناطه اللسان.

ولا يزال الاستكبار الفرنسي يزهو بما حققت يداه فينا، وما مسخ مكره منا، حتى أعلن في وقاحة بالغة أنّ الجزائر شاهت عقيدتها فلم تعد مسلمة، وشاهت أخلاقها فلم تعد فاضلة، وشاه لسانها فلم تعد عربية.

وقدر لأعلام من المشرق أن يئسوا من واقع الجزائر فظنوها أندلساً جديداً ، رأى أحمد شوقي ماسحي الأحذية يرطنون بالفرنسية فالتبس عليه أن يكون ذلك هو مظهر المسخ الشامل . وللشاعر شوقي سلطان الكلام ، إن قال طار كلامه من طنجة إلى جاكرتا غير مدفوع .
حتى إذا استيأس المستضعفون وظنوا أنه الهوان ، قام عبد الحميد والبشير وصحبهما – كما قام الأمير من قبل – وكأنهم أولو العزم جددوا للأمة دينها ، وأصلحوا أخلاقها ، ومسحوا الرطانة من لسانها .

إنّ امتلاك البشير البيان الراقي كان آية من آيات الله في الخلق ، ومن وجد في نفسه ريبة فلينظر بعين الإنصاف ماذا أنفقت فرنسا كي تقتل العربية فينا ، أغرت ضعفاء النفوس وآذت أقوياء الإيمان ، ووضعت المراسيم الظالمة التي تمنع التعليم العربي ، لكن سعيها خاب حين أقامت جمعية العلماء قلاعها ، ونشرت في الناس كتابها ، وزين بيان الإبراهيمي بصائرها ، حتى غدت مضرب المثل في الكمال الراقي والسمو الرائع .

لو قدّر لمثلي أن يجلو بعض ملامح التجديد اللغوي وروائع البيان في أدب الإبراهيمي لأعجزه ذلك لمبلغ الأسر الذي يشدّ التنفس شدّاً ، تشعر بالروعة تملأ السمع والأبصار فتسري في النفس هينّة لينّة ، ولكنك لا تستطيع أن تتمثلها فتقول هو ذا الممتنع ، هو ممتنع في اصطفاء حروفه ، وفي انتقاء مفرداته وفي استواء تراكيبه وجمله .

1- اصطفاء الحروف :

حين التأمل في بيان الإبراهيمي يثيرنا في البدء أنه يصطفى الحروف كما يصطفي البناءون الحجارة التي تكون في العمارة ، فتستوي عنده أمثلة من التناسق والتجاذب بينها ، وقديماً قد جعل البلغاء للحروف شروطاً لفصاحتها ، وهي أن تخلو من التنافر ، ولم يقدر لي أن وقعت في أدب الإبراهيمي على مثل “مستشزرات” أو على مثل شجر “العهعخ والعهعخان” كل الحروف عنده منحوتة من الفصاحة العالية حين يجاور بعضها بعضاً ، حتى لكأنها حبات العناقيد الصافية، يقول مثلاً متحدثاً عن الشباب الجزائري :”أتمثله براً بالبداوة التي أخرجت من أجداده أبطالاً ، مزوراً عن الحضارة التي رمته بقشورها ، فأرخت أعصابه ، وأنّثت شمائله ، وخنّثت طباعه ، وقيدّته بخيوط الوهم ، ومجت في نبعه الطاهر السموم ، وأذهبت منه ما يذهب القفص من الأسد من بأس وصولة”1 .

تكاد الحروف تنطق عن مكنونها قبل أن تستوي الألفاظ كاملة ، إنّ اجتماع حرف الباء في التمثّل الأول يصنع من شدتها وجهرها معنى ثابتاً من معاني البداوة التي يريدها الإبراهيمي أن تزيّن أخلاق الشباب الجزائري ، زيّنت الباء كلمات هي : 

(براً ، البداوة ، أبطالاً) وجعل الباء التي للإلصاق جامعة بينها ، كأن اصطفاء الباء كان مقصوداً لتنسجم خصائص الشدة والانفجار فيها مع معاني البطولة التي رأي البداوة معقلها .

وكم في البداوة من فضل ، هي مسرح الشعر العربي كله ، ومجال تربية أبناء العرب، فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم نشأ في بادية بني سعد ، والمتنبي في بادية السماوة، والأمير عبد القادر فاخر الفرنسيين بفضلها، وما من عيب فيها إلا المروءة والإقدام والبدر .

ثمّ إذا بالثاء والشين تغلبان على مظاهر الحضارة ، والحضارة من شأنها أن تذهب بعزم البداوة حين تجمع الرجولة والتخنيث ، ومن خصائص الشين والثاء الهمس والرخاوة وكأنهما شاهدان على انفراط عقد الرجولة كالأسد الذي يذهب القفص بأسه .

ربما جادل بعض الناس البشير في أمر الحضارة ومنافعها ، ولكنها عند الإبراهيمي مخصوصة الاستعمار محدودة الوضع ، الحضارة التي رمي بقشورها ليست تلبيساً يضع الألفاظ لغير مسمياتها ، وما هي في حقيقتها إلا العسف الفرنسي والاستكبار الصليبي .

إذا استوى مثل هذا الفهم صارت البداوة هي عزّة الانتساب إلى أرض الرسالات .كأن الجهر الذي في الباء هو جهر بانتساب الجزائر إلى الإسلام والعروبة .وكأن الرخاوة التي في الثاء هي ارتخاء واستسلام لإغواء الفرنسي .

هذا مثل : والأمثلة لا تحصى ، غير أنّ أدب الإبراهيمي حروفه نسج من البهاء يبلغ بها الذروة في الإبداع الذي لم يقدر إلا لقلة من الأدباء والمترسلين قديماً وحديثاً .

2- انتقاء المفردات :

من يقرأ فصول “كلمات مظلومة” في “عيون البصائر” ، يجد عند الإبراهيمي علماً بدلالة الألفاظ قلّ توفرها عند غيره ، ومثلها صار يسمى عند بعضهم تصحيح المفاهيم ، بدأ بالمقاديم وانتهى بالديمقراطية ، فبيّن دلالتها في أصل الوضع ثم تتبع انحرافها في استعمال ، والانحراف الدلالي ضرب من تحريف الكلم عن مواضعه ، يقول مثلاً عن العدل : “والعدل عند العرب وصف بالمصدر ، مبالغة في إثبات الصفة حتى كأن الشخص صار صفة محضة ، أو كأن الوصف تجسم فصار شخصاً ، والعدل هو الذي لا يجوز في حكم ولا شهادة ولا في قول ، أما عندنا فمعناه ما تعرف وأعرف”2 .

ولأن الكلمة الطيبة مثلها كشجرة طيبة ، فإن القارئ لأدب الإبراهيمي يقف أمام الكلمات حين انتقائها فتصير كأنها اللآلئ والأحجار الكريمة ، وتستوي الكلمات في نسبتها أن تكون في أعلاها مأخوذة من القرآن – وليس ذلك بالغريب – ثم تدرج لتكون اقتباساً من البيان النبوي الكريم ، ولا يمنعها ذلك من أن تكون شاهدة من شواهد بلاغة العرب حين تقول الشعر أو حين تضرب الأمثال وتسوق الحكم .

كل ذلك حشد رائع يستوي في أدب الإبراهيمي فيجعل بيانه رفيعاً تقرأه وكأنك لم تقرأ مثله لبليغ من قبل ، ثم لا يجد غضاضة في الاستفادة من الدخيل بعد أن يرده إلى أصوله الثقافية التي صنعته ، ويسوقها سوقاً ليناً إلى الذي يرتضيه في باب دعوة الإصلاح التي وهب حياته لها ، وما أروع الذي كتبه عن الديمقراطية كيف نشأت في قومها ، ثم كيف أبدلنا الله خيراً منها ، ثم كيف ظلمها قومها حتى صارت أداة خداع في الحرب وفي السلم .

إنّ مثل هذا الالتفات إلى دلالة الكلمات وموقعها من الانتساب الثقافي منهج قرآني صميم ، فالذين ظلموا هم الذين يبدلون الكلم عن مواضعه ، والمؤمنون نهوا عن قول “راعنا” .
كان الإبراهيمي قرآنياً لذلك أعلن انتسابه إلى الشورى العمرية وحذر من الديمقراطية الممزوجة بالماكيافيلية .

ومن الكلمات ما تفيض بالاندفاع الوجداني فيغلب عليها الحزن البالغ كمثل كلمة العيد ، يقول مثلاً : “ولكنك عدت عليهم بنهارٍ كاسف الشمس ، ويوم شر من الأمس ، فاذهب كما جئت ، فلست منا ظاعناً ولا مقيماً ، وعد كما شئت فلست مني حميماً ولا ذميماً”3 .

ومن قبل كان الإبراهيمي قد أحصى معاني العيد فكانت عنده معنى دينياً ، ومعنى إنسانياً ، ومعنى نفسياً ، ومعنى زمنياً ، ومعنى اجتماعياً ، ولكنها بعد أن أفرغت من معناها صارت الفرقة واجبة ، فلا نفس الإبراهيمي تجد من معاني الفرح الذي يمنح العيد ، ولا هو يستطيع أن يجد للعيد صلة من صلات الشك ونسيان الهموم ، وأنّى له أن يشعر بمثل تلك المعاني وقد صارت منسوخة نسخ تعطيل .

من يتبع سلطات الكلمات عند الإبراهيمي يجده مثالاً للوعي بأنّ الصلة بين اللغة وبين الثقافة هي صلة المحمول والحامل فلا ينفكان ولا ينفرطان ، وما حرصه على انتقاء الكلمات إلا دليل على معرفة بالغة بأنّ النفوس والأذهان لا تصفو إلا إذا صفت الكلمات من الشوائب .
من ذلك أن للعروبة في فهمه موقعاً لا يكون مثله إلا عند رجال الإصلاح ، يقول : “كل هذه العوامل صيرت هذا الشمال عربياً قارّ العروبة على الأسس الثابتة من دين عربي ، ولغة عربية ، وكتابة عربية وآداب عربية ، ومنازع عربية ، وتشريع عربي ….”4 .

هي لم تعد في وعيه انتصاراً للعرق والجنس والنسب ، ولكنها ضرورة تحقيق إنسانية الإنسان، لأنّ الدين سيكون أساسها الثابت الأول ، ثم تتزين بغيره من الأسس الثابتة ، وكأني بالإبراهيمي حين يعلي العروبة يفتكها من قبضة العصبيات البغيضة ، يعيد لها معناها الثابت وهو الإسلام ، وليست العربية لأحد منا بالنسب ، ولكنها انتساب يقين إلى الإسلام ، وتحرر يقين من العصبيات .

هكذا كان منهج الإبراهيمي في نسج روائعه ، ينتقي الكلمات من قاموس الانتماء الثقافي ويطهرها من شوائب اللغو .

3- استواء التركيب :

تتحدد الجمة عند النحاة باستيفاء الدلالة ، والإبراهيمي كان نسيج وحده في امتلاك القدرة على تركيب الكلام بعد أن يصطفى الحروف وينتقي الكلمات ، فيخلص إلى صناعة الجمل حتى تستوي تامة الخلقة فيطمئن إليها لتتآلف وفق أساليب متنوعة يكون منها : 

• تغيير الرتب بين المعمولات في مثل قوله :  “ذكريات من المجد التليد تثار ، وآفاق من الفخر الطريف تنار وسمات من مخايل البطولة تشهر وصفحات من تاريخ العظمة تنشر5 .
والإبراهيمي رجل مقاصد يعرف أن للجملة الاسمية دلالات في الثبوت قد تكون أقوى من التي تمحضها الجملة الفعلية ، كان في خاطرة عيد العرش المحمدي يريد أن يثبت أمجاداً تزعج الاستكبار الصليبي ، فجمع بين الذكريات وهي مجلى التاريخ ، وبين الآفاق وهي مجلى المستقبل ، وكأنه باعتماده تقديم الأسماء على الأفعال جعل لها وظيفة المبتدأ عند النحويين ووظيفة الثبوت عند المصلحين .

الإيجاز والمساواة وهما الغالب عليه ومثله قوله : “أصل دائنا التفرق والخلاف ، بدأ صغيراً في الدين ، ثم بدأ كبيراً في الدنيا . ومن الخلاف تشعبت شعبٌ تلتقي معه في الآفاق ، والنتيجة والشر والضرّ ، والطعم المرّ ….” .

• تناسق الصور البيانية ، وهي فوائد الإبراهيمي كمثل قوله : “يا شرق ، فيك من كل مكرمةٍ عرقٌ ، فاجرٌ على أعراقك الكريمة ، في تربتك نبت الإيثار والتضحية ، ومن أرضك انبجست الرحمة والرفق ….”6 .

إنّ ملكة البيان التي امتلكها الإبراهيمي قلّ توافرها إلا عند الطبقة العاملة من البلغاء من مثل الجاحظ والتوحيدي والرافعي ، وله في ظنّي قدرة تعلو عليهم :  

– فهو مثل الجاحظ حين يسوق الأمثال والتشابيه وحين يستطرد ، ولكن الإبراهيمي لا يخرج عن الجد إلى الهزل وكم هزل الجاحظ ، وحين سخر الإبراهيمي أو غضب فالقصد عنده كان مداواة النفوس وإصلاحها .

– وهو مثل التوحيدي حين ينتقل من الحقيقة إلى المجازات والكنايات ، ولكنه فكر مهموم بواقع الأمة لا يرضى لها الذل والاستكانة ، أما التوحيدي فقد انصرف إلى إمتاع الأمراء ومؤانستهم ، ثم إلى تمثل الإشارات حتى استسلم لليأس والقنوط ، وظل الإبراهيمي مجاهداً كأنه هو الأمة.

– وهو مثل الرافعي حين يبدع الاستعمارات وينافح عن الدين والفضائل ، ولكنه لا يغيب المعاني والدلالات ، وكان الرافعي ينساق مع الاستعارات حتى تنفلت منه المعاني وتغيب ، كان الإبراهيمي يجاهد أمراض النفوس والاجتماعوكيد الاستكبار وكان الرافعي يجاهد خطل المؤلفين.

4- الخلاصات :

هذه الورقة كانت محاولة لتبيان ملكة اللسان التي كانت للإبراهيمي ، وبها صار شاهداً على بقاء العربية مقوماً ثابتاً للشخصية الجزائرية .

أن يكون في الجزائر زمن الاستكبار الفرنسي من هو في مثل بلاغة الجاحظ والتوحيدي والرافعي، فذلك ما يقض مضاجع من راهنوا على تخريب الهوية الجزائرية .

ومن أروع ما يشهد للإبراهيمي بلوغه الذروة في الوعي بضرورات البيان أنه جعل بين الكلمة والثقافة نسباً ، فكان ينتقيها ويجعل منها مشهداً من مشاهد الانتماء ، وهو في ذلك يتبع المنهج القرآني الذي يجعل مثل الكلمة الطيبة كشجرة طيبة .

 

الهـوامـش:
1- آثار الإبراهيمي ، ج3 ، ص 509 .

2- نفسه ، ج3 ، ص 505 .

3- نفسه ، ج3 ، ص 480

4- نفسه ، ج3 ،ص 428 .

5- نفسه ، ج3 ، ص 396 .

6- نفسه ، ج3 ، ص 486 .

المصدر : مجلة الوعي العدد2 نوفمبر2010.

آخر التغريدات: