دور إعلام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في ترقية اللغة العربية

دور إعلام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في ترقية اللغة العربية

بقلم: عبد القادر قلاتي –

تتمحور هذه المقالة حول التجربة الإعلامية المتقدمة، التي خاضتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في إطار جدلية الذات والآخر، حيث يتقاسم الصراع أدوات الخصوصية الحضارية وفي مقدمها اللغة، فاللغة هي المعبر الرئيس عن مسألة الهوية، وإذا استعرضنا تجربة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في دائرة هذا الجدل الحضاري، نجد أنها تجربة قاسية ومكلفة، خاضتها الجمعية باقتدار منقطع النظير، وفي كلّ المجالات؛ في التربية والتعليم، وفي الوعي السياسي والحضاري، وتمكنت بعد فترة وجيزة من تحقيق أهم أهدافها، وهو ربط الشعب الجزائري بهويته وانتمائه الحضاري، وقد جيَّشت لذلك مجموعة من الأدوات والآليات، كان الإعلام في مقدمها حيث أرست قاعدة إعلامية تسربت إلى الواقع الثقافي الجزائري وتركت أثراً واضحاً يدركه كلّ باحث حصيف..

من خلال وسائل إعلام الجمعية المعروفة كالشهاب والبصائر وغيرها، نحاول الوقوف عند نصوص ومقالات، نستشف منها هذه الحقيقة، وهو ما أردنا أن نصل إليه من خلال هذه المقالة، وهو ترقية اللغة العربية من خلال إعلام الجمعية..

01- مكانة اللغة في مشروع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين:

فالحديث عن تجربة حركة الإصلاح في الجزائر، لا يخرج عن التجربة الرائدة والفريدة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فهي -حقيقة – عنوان هذا المسار الطيِّب الذي سرى في جسد العالم الإسلامي كلَّه، وأدى أعظم الوظائف في سبيل تحرير هذه الأمة من ربقة المشاريع الاستعمارية الغربية، نعم إنَّ جمعية العلماء كانت عنوان هذا المسار، مسار حركة التجديد والإصلاح؛ لأنَّ تراثها الخالد ونتاجها الواضح، دلَّ على ذلك، وما نعيشه اليوم من مفاهيم تجديدية ورؤى سليمة لحقيقة هذا الدين، ما هو إلاَّ تلك الجهود الرائعة والنضالات الكبيرة التي عرفتها الجزائر في عزِّ جبروت الاستعمار الفرنسي وأذنابه من بني جلدتنا، ولولا هذه الجهود والنضالات التي مازلنا نقتات منها، لما عرفت الجزائر معنىً للانتماء الحضاري، وأدركت حقيقة صون الذات وإظهار الخصوصية الحضارية، فالمشروع الاستعماري الغربي، سحم كلَّ حديث عن الخصوصية والهوية، وابرز للوجود خطاباً حدياً متطرفاً، أعاق مسيرة الشعب الجزائريّ في أن يحيا معاني ومفردات الهوية الحضارية، التي تتمتع بها شعوب العالم آنذاك، وهو ما دفع الشيخ ابن باديس وثلة من العلماء الأفذاذ إلى كسر هذا الحاجز الذي يقف حائلاً دون تحقيق معنى الانتماء الحضاري، فظهرت في لحظة تاريخية فاصلة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، حاملة مشروعاً استثنائياً قاطعة حالة الوصل ما بين جمود واستكانة للاستعمار، ووضع جديد بدأ رسمياً يوم 05 ماي 1931م، معلنة للعالم كله وفي مقدمه الاستعمار الفرنسي الغاشم، أنَّ الشعب الذي احتفلتم بمرور مئة عام على استعماره واغتصاب أرضه، لم يعد ذلك الشعب المستكين، بل آن الأوان ليقول: “لا” التي تعني أكثر ما تعني في مشروع جمعية العلماء، رفض الجهل والتخلف، وحتىَّ ثقافة المستعَمِر ولغتِهِ، لذا كانت مفاهيم الهوية والانتماء الحضاري والتمسك باللسان والدين، هي مجمل مفردات مشروع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فكان تجسيد هذا المشروع الذي انصب على تحقيق وظائف ثابتة لا تخرج عن إطار التعليم والتثقيف والإرشاد، فعرفت الجزائر وعبر ربوع وطننا الحبيب مدارس التربية والتعليم، في المدن والقرى، وبدأت اللغة العربية -عنوان هويتنا- تزاحم لغة المستَعمِر التي فرضها فرضاً في التعليم والإدارة وكلّ شؤون البلد، حتىَّ كادت معالم لغة القرآن تضيع من هذه القطعة المهمة من جغرافيا العالم الإسلامي، إلاَّ فيما حافظت عليه بعض الزوايا والمدارس القرآنية، من مستوى تعليميّ بسيط أبقى لهذه اللغة بعضاً من معالمها، واتخذت الجمعية مسألة التربية والتعليم مرتكز مشروعها، فأنشأت المدارس الأصيلة التي جمعت بين التربية والتعليم وبين الأصالة والحداثة، فكانت النخب المثقفة ممن حمل لواء بناء الوطن المحرر بعد الاستقلال، أغلبها ممن تلقى تعليمه في مدارس الجمعية.

لقد كانت مسألة اللغة محسومة في فكر الجمعية، فلا حديث عن مفاضلة بين لغة مقتدرة معرفياً وأخرى ليس لها من حظ في تطور العلم الحديث، إلاّ ما كان من غابر عهد قديم، كانت الأمة الإسلامية سيّدة العالم سياسياً وثقافياً، بل الحديث كلّ الحديث بين لغة تمثل هوية هذا الشعب ولغة المستعمر الذي سعى ويسعى لطمس كلّ معلم من معالم الانتماء الحضاري لهذا الشعب، فمنطق الحسم لم يكن اختيارا، بل كان مبدأ أصيلاً تشربه رجال الجمعية منذ تبنوا قضية الإصلاح وعرفوا أدبياته مع مدرسة الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا.

لم تكن اللغة العربية غريبة عن هذه الأرض ولم تكن دخيلة كغريمتها لغة الاستعمار، بل هي كما يصفها العلامة الشيخ البشير الإبراهيمي في مقال له شهير تحت عنوان “اللغة العربية في الجزائر”: “اللغة العربية في الجزائر ليست غريبة ولا دخيلة، بل هي في دارها وبين حماتها، وأنصارها، وهي ممتدة الجذور مع الماضي، مشتدة الأواخي مع الحاضر، طويلة الأفنان في المستقبل، ممتدة مع الماضي لأنّها دخلت هذا الوطن مع الإسلام، على ألسنة الفاتحين، ترحل برِحَالهم، وتقييم بإقامتهم، فلما أقام الإسلام بهذا الشمال الإفريقي إقامة الأبد وضرب بجرانه فيه أقامت معه العربية، لا تريم ولا تبرح، ما دام الإسلام مقيما لا يتزحزح. ومن ذلك الحين بدأت تتغلغل في النفوس، وتنساغ في الألسنة واللهوات، وتنساب بين الشفاه والأفواه، يزيدها طيبًا، وعذوية أنّ القرآن بها يتلى، وأن الصلوات بها تبدأ وتختم”.

وقال في مقام أخر بعنوان “التعليم العربي”: “اللغة العربية هي لغة الإسلام الرسمية، ومن ثمَّ فهي لغة المسلمين الدينية الرسمية ولهذه الأمة الجزائرية، حقان أكيدان: كلّ منهما يقتضي وجوب تعلمها، فكيف إذا اجتمعا، حق من حيث أنها لغة دين الأمة بالحكم أنَّ الأمة مسلمة، وحق أنها لغة جنسها بحكم أنَّ الأمة عربية الجنس، والدين معًا. ومن هنا نشأ ما نراه من حرص متأصل في هذه الأمة على تعلم العربية”.

وقال في مقال آخر: “إنَّ العربية هي لسان العروبة الناطق بأمجادها، الناشر لمفاخرها وحكمها، فكل مدع للعروبة فشاهده لسانه، وكل معتز بالعروبة فهو ذليل إلاّ أن تمده هذه المضغة اللينة بالنصر والتأييد، فلينظر أدعياء العروبة، الذين لا يريدون ألسنتهم على بيانها، ولا يريدون أفكارهم على حكمتها في أية منزلة يضعون أنفسهم”.

اكتفي بهذه النقول للشيخ البشير الإبراهيمي، لأنّها تلخص فلسفة المشروع الحضاري الذي أرادت جمعية العلماء أن تخدم به دينها وأمتها به، ولو أردنا نصوصاً أخرى للتدليل على مكانة العربية في هذا المشروع العظيم، لأتينا بالكثير منها، وليس الإبراهيمي وحده من كتب ونظر حول مسألة اللغة، بل كلّ رجالات الجمعية كتبوا نصوصاً راقية وعالية المستوى، في تمجيدها وتعميقها في الواقع الجزائريّ، كلّ ذلك عبر التجربة الإعلامية المتميزة والرائدة من خلال تلك الموسوعات الجامعة لجرائد ومجلات الجمعية، التي خدمت مسألة الهوية والثقافة العربية في الجزائر.

02- دور إعلام الجمعية في نشر وترقية اللغة العربية:

لقد أولت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أهمية كبيرة لمسألة اللغة، فعملت على نشرها وترقيتها واستخدامها في كلِّ شؤونها، وقد تجلى هذا أكثر ما تجلى في وسائل إعلامها، التي كانت كلّه ناطقة بلغة الضاد، إلاّ مجلة “الشاب المسلم” التي كانت تصدر باللغة الفرنسية، وقبلها جريدة “الدفاع”، فكلّ ما وصلنا من فكر الجمعية ونضالها كان عن طريق وسائل إعلامها، فأكثر ما يتجلى نشر العربية وتطويرها في الواقع الجزائري، هو استخدامها الواسع في جرائد ومجلات الجمعية، فمقالات ابن باديس والإبراهيمي والعقبي والميلي، وتوفيق المدني وغيرهم من علماء الجمعية، كانت تحمل ثراء لغوياً قرأه واستفاد منه ذلك الجيل الذي عايش مسيرة الجمعية، وقد كان هذا من الأهداف المسطرة منذ البداية، فإحياء اللسان العربي كان إلى جانب الدين الإسلامي، و الوطن الجزائري مكوناً لذلك الشعار الخالد: “الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا”.

ولعلَّ ذلك الجيل قرأ ونقرأ نحن معه اليوم ما كتبه الإبراهيمي في مجلة الشهاب-الجزء التاسع، المجلد التاسع-غرة ربيع الثاني 1352هـ/أوت1933م، يقول الإبراهيمي: “إنّ جمعيّتكم هذه أُسِّست لغايتين شريفتين، لهما في قلب كلِّ عربي مسلم بهذا الوطن مكانةٌ لا تساويهما مكانة، وهما: إحياء مجد الدِّين الإسلاميّ وإحياء مجد اللغة العربيّة”، ويتابع الشيخ شارحا الغاية الثانية قائلاً: “وأمّا إحياء مجد اللسان العربي، فلأنّه لسان هذا الدِّين والمترجِم عن أسراره ومكنوناته، لأنَّه لسان القرآن الذي هو مستودع الهداية الإلهية العامَّة للبشر كلِّهم، لأنَّه لسان محمّد بن عبد الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – صفوة الله من خلقه، والمثل الأعلى لهذا النوع الإنسانيِّ الذي هو أشرف مخلوقات الله، ولأنّه لسان تاريخ هذا الدِّين ومُجلِّي مواقع العِبَر منه، ولأنّه – قبل ذلك وبعد ذلك – لسان أمَّة شغلت حيِّزا من التاريخ بفطرتها وآدابها وأخلاقها وحكمها وأطوارها…”

لقد أدت وسائل الإعلام التابعة لجمعية العلماء دوراً كبيراً في الحفاظ على اللغة العربية في الجزائر، إلى جانب الوسائل الأخرى التي اتخذتها الجمعية من دروس محو الأمِّية، وتحفيظ القرآن في الكتاتيب، وتدريسها في المدارس التابعة لها، إلقاء المحاضرات والندوات وأسمار الأدب والشعر.

يقول الإمام المؤسس الشيخ عبد الحميد بن باديس: “قد فهِمنا – والله – ما يراد بنا، وإنّنا نُعلن لخصوم الإسلام والعربية أنّنا عقدنا على المقاومة عزمَنا، وسنمضي – بعون الله – في تعليم دِيننا ولُغتنا، رغم كلِّ ما يصيبنا، ولن يصدَّنا عن ذلك شيء، فنكونَ قد شاركنا في قتلهما بأيدينا. وإنّنا على يقين من أنّ العاقبة – وإن طال البلاء – لنا، وأنّ النصر سيكون حليفَنا، لأنّنا قد عرَفنا – إيمانا – وشاهدنا – عيانا – أنّ الإسلام والعربية قضى الله بخلودهما، ولو اجتمع الخصوم كلُّهم على محاربتهما”.

ويكتب الإمام في جريدة البصائر –العدد83 سنة1937م قائلا: “حُوربت فيكم العُروبة حتى ظُنّ أن قد مات منكم عِرْقُها، ومُسخ فيكم نُطقُها، فجئتم بعد قرن، تَصْدَحُ بلابِلُكم بأشعارها، فتثير الشعور والمشاعر، وتهدر خطباؤُكم بشَقَاشِقِها، فتدكُّ الحصونَ والمعاقلَ، ويهز كتَّابكم أقلامَها، فتصيب الكِلَى والمفاصل”.

واختم بكلمة جامعة لشيخ العربية وأمير بيانها الشيخ البشر الإبراهيمي، فيما حققته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في المجتمع الجزائري، من تثبيت دعائم اللغة العربية فيقول –رحمه الله-: ” هذا بعض ما قدَّمته جمعيّة العلماء للعروبة من صنائع لهذا الوطن، تفخر به في غير منّ، وتجود به من غير ضنّ، ولولا الحياء لقالت أكثر من ذلك ولَتَحَدَّتْ كلَّ العاملين في الشرق العربيِّ لرفعة العربية وإعلاء شأنها بين اللغات بأنّها عمِلت لها أكثر ممَّا عمِلوا؛ عمِلوا لها وهم أحرار آمنون، في بلدٍ لسانُه وجنسُه عربيّان وحاكِمُه ومحكومُه عربيّان، وعمِلنا لها تحت تأثير زمجرة الاستعمار ودمدمة أنصاره، وأنقذناها من بين أنيابه وأظفاره”. والله ولي التوفيق.

آخر التغريدات: