محمد البشير الإبراهيمي مشكاة فيها مصباح يضيء الجزائر

محمد البشير الإبراهيمي مشكاة فيها مصباح يضيء الجزائر

بقلم: عزوز صالح –

هو عالم ومربي وثائر، شغل الورى وملأ الدنا بعلمه ألغزير، كان بمثابة سراج وهاج في كل الأقطار، ومازال صدى شعاعه بين الناس ساطعا إلى حد الساعة، هو ثاني اثنين في سماء التربية الإسلامية والفكر العربي رفقة ابن باديس في الجزائر، عاش للدعوة مرابطا، وللذود عن شرف العروبة صابرا، ولنشر تعاليم الدين الإسلامي مستميتا، كرس حياته لخدمة الإسلام ونشر تعاليم الإنسانية مند نعومة أظافره، كان علمه جامعا وشاملا بين كل ما هو ديني ودنيوي، مرافعا في عديد خطبه عن الدين واللغة كسبيل لقوام الأمة الإسلامية ونهج بناء الحضارة العربية.

مشكاة النور الذي اهتدى به التائهون أثناء حقبة الاستعمار

لقد كان بمثابة الدواء الشافي للكثير من قضايا هذا العصر في الجزائر، كيف لا وقد اعتدل قوام شخصيته وعلمه في جزائر تئن تحت وطأة الاستعمار الفرنسي، وتسبح في ظلمات الخوف، تكافح من أجل حرية مسلوبة وحق مهضوم، تحاصرها العزلة عن كل الأقطار، من هنا سعى محمد البشير الإبراهيمي إلى ربط هذا الوصال من أجل التعريف بهذه القضية وإخراجها الى العالمية، حمل أمانة مشعل إضاءة الدرب أمام كل تائه في هذا الوطن في تلك الفترة ،رفقة صاحب دربه وصديق مجلسه العلامة ابن باديس، حملا على عاتقهما حملا ثقيلا لأمة تهان وشعب يضطهد بعيدا عن أعين العالم بأسره، ومن هنا كان التأسيس لميلاد جمعية العلماء المسلمين الذي كان نائب رئيسها، وبعد وفاة العلامة ابن باديس أصبح رئيسا لها، كان فيها عضوا فعالا أديبا وخطيبا وناقدا، أشعل الوطنية في صدر كل جزائري حتى ألقت بحممها وأحرقت كل نوايا المستعمر الفرنسي وفتحت أعين الناس على حرية قريبة ولو بعد حين.

إن هذا الكم المعرفي الذي حمله في صدره كانت بداية التأسيس له بعد رحلته إلى الحجاز على خطى أبيه سنة 1911، هنا التقى بالعربي التبسي بالمدينة المنورة، ثم ارتحل فيما بعد إلى دمشق التي عمل فيها مدرسا، وكان من المؤسسين للمجمع العلمي آنذاك، فكانت له فرصة الجلوس إلى علمائها والاحتكاك بهم، وتبادل الأفكار معهم التي تدعو إلى لم شمل الأمة العربية والإسلامية والتكتل فيما بينها، بعدها عاد إلى الجزائر سنة 1920 من أجل زرع أفكاره والتأسيس لها، كانت البداية من سطيف في الشرق الجزائري وفي سنة 1924 بعد تأسيس جمعية العلماء المسلمين انتقل إلى الغرب الجزائري إلى وهران وتلمسان من أجل نشر أفكار الإصلاح والتعاليم الإسلامية، ساعده في ذلك براعته الأدبية وقوة كلمات الهادفة التي تنمي الشعور بالانتماء، دعا إلى التحرر من ظلم المستعمر الفرنسي فكان مناضلا بحق، خدم بقلمه القضية الجزائرية وهي فتية رغبة منه أن تقف على قدميها وتصبح شابة قادرة على الذود عن شرفها، وصح فيها قوله فيما بعد وكانت هي كذلك كما تصورها في خطاباته.

لم يكن هذا الفكر الإصلاحي والدعوة إلى التحرر مجانا، فقد دفع فاتورة مشعل التغيير الذي حمله وأنار به عقول الجزائريين في تلك الفترة، ولما كانت جريدة الإصلاح منبرا له في ذلك الزمان فقد أرسل مقالا مطولا كتبه ينتقد فيه فرنسا من المنفى في “آفلو” بالذات، كما كان سببا في مصادرة الجريدة، أفرج عنه سنة 1943 لكنه لم يذق طعم الحرية طويلا فقد أعتقل مرة ثانية سنة 1945 وأفرج عنه فيما بعد. إن تسارع الأحداث في شخص العلامة محمد البشير الإبراهيمي يدل على الحركية التي كان يتميز بها والسهر الدائم على الاجتهاد في الوصول إلى مخرج للقضية الجزائرية ودفع المستعمر إلى جحره وكسر أنف فرنسا المعتدية حتى من بعد فقدان صديق الدرب وتوأم العلم والروح العلامة ابن باديس، وبقي مناضلا بالقرطاس والقلم، حتى تحققت مشيئة الله في الجزائر وذاق شعب الجزائر حريته بعد نضال طويل وطريق شاق، لكن الثمرة كانت غالية وقطفها كان لابد من التضحية.

ذاق طعم الحرية وأمّ الجزائريين في جامع “كتشاوة”، حرص كثيرا على الحفاظ على اللغة العربية كسبيل لتوطيد وغرس أسس الحضارة العربية والجزائرية، ورأى أنه يجب أن تكون أسس بناء هذه الحضارة مستمدة من مبادئنا وقيمنا لا من مكتسبات غيرنا، وأن صناعة الذات لا تأتي إلا بالاجتهاد والعمل والصبر على كل المحن، وتكفي الثورة الجزائرية مثالا عن التضحية وحب الحرية والاستقلال حتى وإن كان الثمن غاليا إلا إن النتيجة كانت أغلى فقد أشرقت بنورها إلى عدة أجيال متتالية إلى حد اليوم.

لقد كان العلامة محمد البشير الإبراهيمي خادما لبلده ووطنه الجزائر، كما كان شعاعا ممتد إلى كل الأقطار العربية، وجولاته التي قام بها توحي بحق العبء الذي كان يحمله في صدره للجزائر، والغيرة التي كان يكنها للقومية العربية، فكان شاعرا وخطيبا وأديبا، بل ثائرا من أجل هذا كله حتى وافته المنية.

إن الجلوس في حضرة عظماء العلم لهذا العصر على غرار العلامة “محمد البشير الإبراهيمي” يجعلك تقف خجلا في اختيار الكلمات التي تخدم شخصه، فلو نطقت كل ألسن العالم في وصف مسيرته ما وفّته حقه، كما أن الخوض في سيرته يجعلك حائرا من أين تبدأ لشاسعة فكره وعلمه، كما أنك تجد نفسك مجبرا على الجمع بين الشاعر والأديب والخطيب والثائر والرئيس، فاختر أي هذه الألقاب خيرة، وحتى إن لم تكفنا الصفحات في جرد كل سيرته، فإننا حتما نرتشف ومضة ولو قليلة من بحر علمه في زمن قلّ فيه العلم والعلماء، فعندما نتحدث عنه شاعرا فإننا نقول أنه كتب ستة وثلاثين ألف بيت شعري نشرها في جريدة البصائر كلها، وعندما نتحدث عنه خطيبا فقد طبعت كل مقالاته في كتاب “عين البصائر”، أما مؤلفا فله منها “شعب الإيمان”، “الثلاثة”، “حكمة مشروعية الزكاة في الإسلام “، “الاطراد والشذوذ في اللغة العربية”، “التسمية بالمصدر”، “أسرار الضمائر العربية”، “نظام العربية في موازين كلماتها”، “كاهنة الأوراس”، هذا ذكرا لا حصرا في مجموع الكثير من المؤلفات التي خص بها العلامة المكتبة لا الجزائرية فحسب، لكن العربية جمعاء، علم ينتفع به اليوم في كل الأقطار، وشواهد بقيت مترامية الأطراف في بحر العلم والمعرفة كان أحد عظمائها ابن جزائري خالص.

يكفيه أنه ولد في عام العباقرة سنة 1889، سنة كانت شاهدة على ميلاد عالم فذ جعل الإسلام والعربية مطيته في الوصول إلى الدرجات العلا، كانت الجزائر حبه الأبدي فدافع عنها بلسانه وبلسان قلمه، وكانت القومية العربية ملاذه فدعا إلى رسم معالمها واقعا لا كلاما فقط، وبعد هذا الاجتهاد والترحال بين كل الأقطار وافته المنية سنة 1965 في إقامته الجبرية في جزائر مستقلة، بعد الكثير من المقالات التي نشرها، وخطبه التي أكدت أن مبادئه لم تتزلزل ولم تصبها الشوائب حالها كحال الذهب كلما اكتوى بالنار ازداد جمالا وتوهجا، وبقي مدافعا عنها ومات وهو يردد أنه يجب أن نبني أنفسنا بأنفسنا، من قيمنا ومبادئنا لا من القيم والخلق المستوردة.

آخر التغريدات: