مقاصد التغيير ومنهجيته عند الإمامين

مقاصد التغيير ومنهجيته عند الإمامين

بقلم: د.علي محي الدين قره داغي –

نحن أمام علمين من علماء الأمة وجبلين شامخين من أسرتين علميتين عريقتين ، جمعا بين النسب والعلم والعمل والجهاد ، والاهتمام بالقرآن والسنة. فقد واجه الشيخ ابن باديس تحديات الاستعمار الكبيرة من حيث هدم الهوية وتشويه الأفكار، وبناء البديل الغريب، ومن حيث سياسة التجهيل والتيئيس والتخريب والتدمير.

فواجه هذه التحديات الجسام بإيمان قوي بنصر الله تعالى ، وبعزة المؤمن ، حتى قال : ( ما رأينا التأريخ يسجل بين دفتي حوادثه خيبة المجاهد ، إنما رأيناه يسجل خيبة المستجدي).

كما واجهه بالفكر والتعليم والتربية ، والجهاد والنضال ، ولم يكتف بالجانب النظري ، وإنما قدم ابن باديس مجموعة من المشاريع الإصلاحية والنهضوية ، ولا سيما في نطاق السياسة ، حيث شرح خطبة أبي بكر الصديق إثر توليته ، واستخرج منها الأصول السياسية التي ينبغي أن يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام ، وكذلك كتبه الأخرى ، حيث ذكر أن أهم الأصول السياسية هي العدل ، وصيانة الحقوق ، والمساواة ، والشورى ، وحب الخير للجميع ، وان يتوافر في الحاكم أو الرئيس الكفاءة ، وبُعد النظر ، وصدق الحدس ، والفراسة ، وقوة الإدراك ، والسلوك الحسن ، وتحمل المسؤولية ، والعلم ، والتفقه في الدين ، للقضاء على الاستبداد والجهل.

وركز على أن مبدأ الانفراد في الحكم ليس مبدءاً إسلامياً بل الحكم الإسلامي يقوم على الشورى  وتفادي الاستبداد والطغيان باسم الإسلام أو غيره ، وحق الأمة في مراقبة ولاة الأمور محاسبتهم، لأنا أي الأمة هي مصدر سلطتهم ، وصاحبة النظر في ولايتهم وعزلهم .

وكان الشيخ ابن باديس رحمه الله عليه يمثل الشخصية الجزائرية المجاهدة الثائرة ضد الاحتلال والعدوان ، وقد بذل كل جهده لمقاومة العدوّ في الداخل والخارج ، وبناء الرجال والأجيال بالتربية والتوعية والتزكية.

وقد سار الشيخ البشير الإبراهيمي على خطا شيخه المجاهد ابن باديس رحمهما الله تعالى ، في التجديد والإصلاح ، والمقاومة والجهاد ، مركزاً على أن الذات الجزائرية تتكون من الإسلام والعروبة معاً ، فالإسلام يشكل المرجعية الأولى ، إنه الإسلام الأول الذي لم تشبْهُ شوائب الأزمنة والأعراف التي كدرت صفاءه ، وغبشت ضياءه ، إنه إسلام القوة والكرامة لا الضعف والاستكانة ، وإسلام التجديد لا الجمود ، وإسلام الحرية لا القيود فقال مستبشراً : (إن الإسلام في الجزائر ثابت بثبوت الرواسي ، متين القواعد والأواسي ، قد جلا الإصلاح حقائقه ، فكان له منه كفيل مؤتمن ، واستنارت بصائر المصلحين بنوره فكان له منهم حارس يقظ ، وعاد كتابه القرآن إلى منزلته في الإمامة ، فكان له منه الحمى الذي لا يطرق ، والسياج الذي لا يخرق).

وأما العروبة في نظره فليست عروبة عنصرية أو عرقية بل هي عروبة الثقافة واللغة ، جوهرها اللسان العربي الذي (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ) [الشعراء : 193-194].

وكان برنامجه رحمه الله في التجديد والإصلاح يقوم على إنشاء أمة متحدة المبادئ والغايات من خلال توحيد الأمة ، وتحرير عقولها وحقوقها ، وجعل الوحدة والحرية من أهم أسباب النهوض بالأمة ، مؤكداً على أن الإسلام قد حرر العقل والقوى التابعة له ، وحرّم كل ما يعطل طاقاته ، أو يُغيّبها ، ولذلك حرّم العبادة للأصنام ولغير الله تعالى .

كما أن من معالم الفكر الإسلامي السعي الجاد لتحقيق العدالة الاجتماعية ، ودور المرأة والحفاظ على حقوقها المشروعة ، وربط بين الحرية والإحسان فالشيخ البشير الإبراهيمي ينطلق من تحرير العقول والأفكار إلى تحرير الأبدان والشعوب والأمم ، واعتبر أيضاً أن العمران والتحضر من أسباب القوة والتحرر.

كما هاجم الإبراهيمي العصبية العمياء سواء كانت عرقية ، أو قبلية ، أو مذهبية أو طائفية ، واعتمد في مواجهتها على التوعية بالدين القيّم والتنوير والتربية ، وكانت هذه هي أهداف جمعية العلماء التي أسسها ابن باديس وطورها الإبراهيمي، ولذلك ساهمت الجمعية مساهمة فعالة في تحقيق هذه الأهداف .

ومن خلال دراستي المتواضعة لهذين الشيخين العالمين المجاهدين ، تبيّن لي ما يأتي :

أولاً – أن العالم الإسلامي بدأ يتحرك نحو نهضة علمية شاملة وحركات إصلاحية ، وتجديدية ، وكان في حراك متواصل كاد أن يُنتج نهضة علمية شاملة لولا أن الاستعمار بجميع أنواعه أجهض عليها .

1- فقد كانت هناك حركات إصلاحية بدأ بها الصنعاني والشوكاني في اليمن ، ومحمد بن عبد الوهاب في الجزيرة ، وجمال الدين الأفغاني ، ومحمد عبده ، والسيد رشيد رضا في مصر ، والآلوسي ، والزهاوي في العراق ، والسيد أحمد خان في الهند ، وابن باديس في الجزائر ، وخير الدين في تونس ، وسعيد النورسي في تركيا وبين الكورد ، والحركة السنوسية في ليبيا ، والمهدية في السودان ، وحتى على مستوى الدولي كان السلطان سليمان القانوني قد أصدر مجموعة من التشريعات الجديدة ، والسلطان سليم الثالث 1789-1807 أولى عناية بتحديث الجيش ، والسلطان عبد الحميد بإنشاء مجلس شورى العالم الإسلامي .

2- وعلى مستوى عامة الناس فقد بدأ التعليم ينتشر بشكل كبير وذلك بجهود العلماء في كل مكان ، ومن خلال المساجد والمدارس ، لأنهم علموا أن لا محيص عنهم من التخلف إلاّ من خلال العلم الذي أمر الله تعالى به وبالقراءة الشاكلة في أول آية تنزل آمرة الأمة بقراءة كل شيء، قراءة الكتب الدينية وغيرها ، وقراءة الإنسان ، واستكشاف ما فيه ، وقراءة الكون كله لاستخراج ما فيه من كنوز وأثقال فقال تعالى : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق : 1] وهنا نرى أن مفعول (اقرأ) قد حذف عمداً حتى لا تحدد مجالات القراءة كما كان الأمر قبل الإسلام ، حيث كانت إما قراءة دينية لأهل الأديان ، أو قراءة عقلية للفلاسفة ، هنا تجاوز الأمر بها كلتا الحالتين إلى شمولية القراءة لكل ما يمكن أن يقرأ ، ثم كرر الأمر بالقراءة ولكن ربطها بكرامة الإنسان إذ بدونها لا تكون القراءة حرة مبدعة فقال تعالى : (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) [العلق : 3] أي الأكرم للإنسان حتى تكون قراءته حرة وحينئذ تكون مبدعة.

وفعلاً أدرك العلماء ذلك فعمت القراءة والكتابة قبل الاستعمار ، فلنذكر على سبيل المثال هذا البلد العزئز بلد الجهاد والعلماء الجزائر حيث كتب الجنرال فلر عام 1834م بأن كل الجزائريين تقريباً يعرفون القراءة والكتابة ، حيث كانت هناك مدرستان في كل قرية ، وكتب الأستاذ ديمبري الذي درس طويلاً الحياة الجزائرية في القرن التاسع عشر، بأنه كان في قسنطينة وحدها قبل الاحتلال 35 مسجداً يستعمل كمراكز للتعليم ، وسبع مدارس ابتدائية وثانوية يحضرها حوالي 900 طالب ، ويدرس فيها أساتذة محترمون لهم أجور عالية ، وكان في الجزائر أكثر من ألفي مدرسة بين الابتدائية والثانوية والعالية .

وكتب الرحالة الألماني فيلها مشيمبر حين زار الجزائر في ديسمبر 1831م قائلاً : لقد بحثت قصداً عن عربي واحد في الجزائر يجهل القراءة والكتابة فلم أعثر عليه ، في حين أني وجدت ذلك في بلدان جنوب أوروبا أنه قلما يصادف المرأ هناك من يستطيع القراءة من بين أفراد الشعب) . يراجع ويكيدبيديا الموسوعة ، ابن باديس .

فجاء الاستعمار على العالم الإسلامي ليقضي على ما توصل إليه من حراك علمي ، فلم يكن الاستعمار الفرنسي سياسياً وجغرافياً فحسب ، بل كان شاملاً ، ولا سيما للجانب الثقافي والفكري حيث ركز على تحطيم الهوية ، ومقومات الأمة ، فمثلاً كان التعليم والتربية الدينية في الجزائر يعتمدان على الأوقاف الإسلامية ، فوضع الاستعمار يده عليها ، كما جاء في تقرير اللجنة الاستطلاعية التابعة لفرنسا في 7/7/1833م ( ضممنا إلى أملاك الدولة سائر العقارات التي كانت من أملاك الأوقاف … وانتهكنا حرمات المعاهد الدينية ، ونبشنا القبور) ، وضيّقوا تماماً على اللغة العربية حتى حلّت الفرنسية محلها ، وحولوا بعض المساجد إلى كنائس وكاتدرائيات ، كما قاموا بالقضاء أو التضييق على زوايا الصوفية المعتدلة ، وفتحوا المدارس البديلة عن العربية ، ولكن قصد منها قتل الروح الجهادية والوطنية ، والذوبان والانصهار في الثقافية الغربية ، لذلك هجرها الناس ، ولم يبق لهم أيضاً مدارسهم .

وهنا بدأ إحساس الشيخ عبدالرحمن بن باديس رحمه الله ، بخطورة الجهل والقضاء على الهوية الإسلامية واللغوية فأعلن شعاره العظيم : بعزة المسلم وحسن يقينه بالنصر ، فقال  :

شعب الجزائر مســلم *** وإلى العروبة ينتســـب

من قـال : حادَ عن أصله *** أو قال : مات فقد كذب

أو رام إدمــاجـــــاً لـــه *** رام المُحــال من الطلـب

يا نَشْءُ أنت رجــاؤنــا *** وبــك الصــــباح قد اقترب

وقال أيضاً :

اشهدي يا سما *** واكتبن يا وجود

إننـــــا للحــــما *** سنكون الجنود

فنريــــــح البَلا *** ونفـــــك القيود

ثم ختمها بعزة منقطعة النظير :

فاشهدي يا سما *** واكتبن يا وجود

إننا للـــعــــــلا *** إننا للخلـــــــــود

ثانياً – أن للشيخين المجاهدين ابن باديس والإبراهيمي دوراً كبيراً في الإصلاح الديني والتجديد الفقهي ، وأنهما يعتبران الإصلاح الديني الميدان الأول للانطلاق إلى الميدان الثاني وهو الاستعمار الخارجي ، ولذلك ركزا على محاربة البدع والخرافات ، ووفقهما الله تعالى مع بقية علماء الجزائر إلى تخريج جيل واعٍ يعرف حقيقة الإسلام من خلال التربية والتوعية والتنوير والعمل الجماعي ، والمجتمعي ، وليس على الخطب الرنانة ، والمحاضرات فقط ، فقاد  ابن باديس سفينة التربية والتعليم إلى برّ الأمان أولاً ثم على هذا المنهج سار البشير الإبراهيمي ثانياً.

ثالثاً – الأعمال المؤسسية ولا سيما للعلماء حيث أنشأ ابن باديس جمعية العلماء المسلمين عام 1350هـ =1931م) وجعل شعارها ( الإسلام ديننا ، والعربية لغتنا ، والجزائر وطننا).

رابعاً – الإيمان القوي والاعتزاز الذي لا يهتز ، فلما قيل له : إن لفرنسا مدافع طويلة قال فوراً : (إن لدينا مدافع أطول).

خامساً – انشغالهما ببناء الإنسان ، وإنقاذ الأجيال .

سادساً – حبهما للوطن ، والأمة ، فكم مرة يقول ….. : روحي فداء للجزائر ، وعند موته هتف : (فإذا هلكت فصيحتي : تحيا الجزائر والعرب).

وأختم كلمتي وحديثي في الدعاء والسلام قائلاً :

سلام الله عليكما يا شيخي العلم، والجهاد، والإصلاح والتجديد والتغيير ابن باديس والإبراهيمي يوم ولدتما من أسرتين كريمتين ، وسلام الله عليكما يوم بدأتما بالجهاد والتضحية والفداء ، وسلام الله عليكما يوم موتكما مدافعين عن الحق

يا قبر طبت وطاب فيك عبير *** هل أنت بالضيف العزيز خبير

العالم الفذّ الذي بعلومه صيـ *** تٌ بأطراف البلاد كبير

بعث الجزائر بعد طول سباتها *** فالشعب فيها بالحياة بصير

وسلام الله عليكما يوم تبعثون حياً ، وتدخلون دار السلام ، ونلتقي بكما في ظلّ الرحمن.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

المراجع والمصادر :

– مجلة الشهاب الأعداد من 11 إلى 15.

– جريدة البصائر ، لسان حال جمعية علماء المسلمين الجزائريين.

– مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير لابن باديس

– مبادئ الأصول، تحقيق أ.د. عمار الطالبي

– آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي ، جمع وتقديم مجلة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي ، وبخاصة ج2 ، ط. دار الغرب الإسلامي

– حركة محمد عبدة ، وعبد الحميد بن باديس ، وأبعادها الثقافية والاجتماعية والسياسية ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب / القاهرة 2008م للأستاذ عبد الكريم بوصفصاف .

– أصول الولاية في الإسلام لابن باديس، منشور في مجلة الشهاب ج11 م13 ذي القعدة 1356هـ = يناير1938م ص468

-الموقع الرسمي للشيخ عبد الحميد بن باديس

– مشاعل النور .. ملامح الفكر التجديدي عند الشيخ البشير الابراهيمي ، للدكتور ناصر أحمد سنه.

آخر التغريدات: