الشيخان

بقلم: التهامي مجوري –

مصطلح الشيخان إذا أطلق ولم يقيد، فإنما ينصرف رأساً إلى إماميّ الحديث، وصحيحيهما “البخاري ومسلم”. وإذا كان الشيخان البخاري ومسلم، تجمع بينهما أستذة وتلمذة، حيث تتلمذ الإمام مسلم بن الحجاج، على محمد بن إسماعيل البخاري، وفي مجال واحد ومحدد؛ بل في فرع منه، وهو الشرط في قبول الروايةّ، فإن ما يجمع بين الشيخين بن باديس والإبراهيمي، يكاد يفضي إلى التطابق التام بينهما، حيث بلغت الخصائص الجامعة بينهما مبلغا، قلمَّا اجتمع في مثليهما، رغم أنهما لم يتتلمذ أحدهما على الآخر، وإنما تفاعلا مع قضية آمنا بها بنفس القدر والمستوى.

فهما من جيل الرواد، الذين غاصوا في الخبرة التاريخية، بحثاً عما يساعدهم على المساهمة في النهوض بأمتهم، فشاركوا في تنمية الأدب العربي وفي الفكر العربي والإصلاح، وفي الدعوة إلى التجديد المبصر للحياة، ونبذ التقليد واجترار الماضي تقليداً ومحاكاة، وأسسوا لتنظيمات لمساعدة المجتمعات العربية والإسلامية في التغلب على أنانيتها المفرطة، فجمعا العلماء في تنظيم واحد أطلقوا عليه اسم “جمعية العلماء المسلمين الجزائريين”، وهما من الأقران، ومفترض أن يجري فيهما ما يجري بين الأقران عادة، من غيرة وحسد وتنافس، ولكنه لم يقع؛ بل العكس هو الذي وقع، حيث أن كلا منهما يبجل الآخر ويقدره، ويدلي بذلك في كلّ مناسبة مواتية، فالشيخ عبد الحميد ابن باديس -رحمه الله- عندما طلب منه أهل تلمسان أن يبقى بينهم وألحوا عليه في ذلك، قال لهم سأرسل إليكم من هو أفضل مني أو كلاما في هذا المعنى، وأرسل إليهم الإبراهيمي الذي بقي هناك، ولم يغادر تلمسان إلاَّ وفيها آلاف من أنصار جمعية العلماء ومؤيديها من العلماء والطلبة والأعيان، وكذلك محمد البشير الإبراهيمي، فقد قال لابن باديس -رحمه الله- سنة 1937، عند تسليمه مفتاح دار الحديث يوم تدشينها، لو علمت في الجزائر؛ بل في العالم من له يد على العلم مثل يدكم، وفضل على الناس مثل فضلكم، لآثرته دونكم لفتح هذه المدرسة، ولكني لم أجد”.

تعارف الشيخان وعمر كل منهما 24 سنة في المدينة المنورة سنة 1913، ولم نقف على نص يفيد أنهما يتعارفان قبل ذلك، ولكن الملفت أن ذلك التعارف وفي تلك السن المبكرة لكل منهما، أنجب بذور الفكرة الإصلاحية التي ستنتج بعد ذلك جمعية العلماء بعد 18 سنة من ذلك اللقاء، وتلك السهرات المباركة في المدينة المنورة، وقبل جمعية العلماء، كانت محاولة أخرى قبلها لتأسيس جمعية الإخاء العلمي سنة 1924.

والجامع بين الشيخين جملة من الأمور، منها أنهما ولدا في نفس العام سنة 1889، والعادة في الأقران إلاّ يكونا متماثلين؛ بل متنازعين كما أسلفنا، ومع ذلك كانا متجانسين إلى حد بعيد، ففي الجانب الفكري، يكاد يكون الواحد منهما مطابق للآخر، لما بين الرجلين من تقارب في النظر إلى الأمور وتشخيصها وعلاجها. وهذا التجانس بين الرجلين، حوَّل ما بينهما من تمايز في لغة الخطاب والأسلوب وبناء العلاقات، إلى تكامل وظيفي قلَّ نظيره فيما عاداهما من النّاس، فابن باديس رجل فقه وأصول وإسقاطات شرعية، فيما يتناول ويعالج من أمور عقدية وسلوكية، ومع ذلك لا تجد في ما يكتب حشوا أو لغوا أو فاضل قول، وإنما تجد لغة علمية دقيقة موجزة بليغة، كأنه يزنها بميزان الذهب، بينما الإبراهيمي لم يشتهر بالفقه، وإنما كان رجل بيان، تجد في كلامه المطول درر البلاغة العربية ودقائقها، كلام يقطر بلاغة وفنيات عالية في الكتابة لا يمل، بل لا يشعر قارئه أنه يقرأ لكاتب، وإنما يستمع لأنغام يتفاعل معها بجميع أحاسيسه، لما في الكلام من علوم –وليس علما واحدا-، تربية واتصال وسياسة وفكر؛ بل إن هذا الشيخ الذي لم يعرف عنه الاشتغال بالفقه، قد ذكر أموراً من صميم الفقه، ربما غفل عنها الفقهاء، لسبب واحد هو انه صاحب رسالة، وصاحب الرسالة لا يقف عند سطحيات الأمور، وإنما يذهب إلى أغوارها.
فكان الجمع بين هذين الشيخين، كفعل القوة المضاعفة، والجمع بين قوتين عظيمتين، لذلك كانت بصماتهما في الجمعية أغلب من بصمات غيرهما من العلماء الذين لا ينسى فضلهم أيضا.

آخر التغريدات: