تأبين محمد الصالح بن جلول للعلامة ابن باديس

تأبين محمد الصالح بن جلول للعلامة ابن باديس

بقلم: محمد الصالح بن جلول –

ها أنا أقدم باللغة الفرنسية أمام هذا القبر احتراماتي السامية للشيخ عبد الحميد بن باديس، أقدمها له بهذه اللغة التي كان الشيخ يرغب لو أنه تعلمها وتكلم بها علما أنه كان يفهمها من غير أن يكون قد درسها قط، والتي كان غالبا ما يفهم معانيها والفروق المتنوعة بينها وقد كان في استطاعته- ما في ذلك شك- أن يتفهمها بلباقة نادرة وما إتقان أخيه الزبير لها إلا دليل على ذلك، وكان الشيخ يعتبر الفرنسية مثلنا لغة الأم الثانية، أعلم أنها أوكلت إلي مهمة شاقة جدا، وفي الوقت ذاته تعتبر امتيازا مؤلما حقا، وسأبذل قصارى جهدي للنهوض بها بعناية فائقة.

عرفت الشيخ ابن باديس عندما كان تلميذا صغيرا في مساجد قسنطنة، حيث كان مواظبا على متابعة الدروس التي كانت تلقى فيها في ذلك العهد أي منذ 30 سنة من طرف شيوخ أمثال حمدان بن لونيسي والشيخ عبد القادر المجاوي والشيخ أحمد الحبيباتني وغيرهم، وقد تميز بقدرته الفائقة على العمل وكذا السهولة التي كان يدرك بها مسائل التعليم الديني وامتاز بصفة خاصة بروح الانتقاد التي لم يكن عادة يجسر على إظهارها احتراما لأساتذته.

كان تلميذا نابها وممتازا فاق أقرانه بكثير، فاق زملاءه الصغار إلى حد بعيد اذ تفوق عليهم تفوقا مبهرا، وقد أقر له أحد مشايخه بأنه يرجى منه خير كثير كما يكون له شأن عظيم.

ولا غرابة فالشيخ عبد الحميد بن باديس كان ينتمي إلى أرومة عربية عريقة، فهو ينتمي إلى أسرة قسنطينية قديمة، كان من أعضائها عبر القرون من عرفوا بالمجد وقد كان أجداده المعز المشهور ابن باديس في كامل الأندلس واسبانيا المسلمة التي كانت موجودة في غابر الأزمنة، كانت في روحه ودمه خصال كريمة أهلته مسبقا ليصبح شخصا مميزا في وقت لاحق أصبح يشعر بأن قسنطينة وأساتذتها وتعليمها غير كاف لتطوره وتوسيع ثقافته التي كان يستعمل كافة الوسائل لجعلها أوسع نطاقا وأكثر عالمية.

إن مطالعته للمؤلفات القديمة التي كان يستهويه البحث عنها في المكتبات العتيقة المغبرة العامة والخاصة بالمدينة حيث فتحت له آفاقا جديدة وكانت نفسه تتألم تجاه جهل الشعب الكبير والشعوذة التي كانت تمارس في كل مكان في ذلك العهد. من أجل هذا قرر الذهاب إلى الجامعة الزيتونية بتونس حيث سرعان ما لفت أنظار الجميع وفرض نفسه عليهم بفضل التفوق في الدراسة التي كان مقبلا عليها، وعند رجوعه إلى قسنطينة أصبح في أول ظهوره يلفت الأنظار إليه. ظهرت آراؤه وخصاله الحميدة، فأصبح موضوع اهتمام وعناية من طرف عدد كبير من العائلات القسنطينية، وقد ظل بعضها متعلقا به إلى يومنا هذا، وقد لفت إليه الأنظار بطريقة تعليمه الجديدة والصارمة المستندة إلى المنطق والأوضاع والتاريخ والوثائق وكان نجاحه في مجال التعليم عظيما إلى درجة أنه أجيز له أن يمارسه رسميا في جامع سيدي الأخضر الكبير وواصل القيام بهذا الجهد التعليمي بانتظام ومهارة وصدق وعقيدة لم تخل نفسه منها قط، بل سجلت له فورا مكانته في العالم الإسلامي بكامل شمال إفريقيا وحتى الشرق الأوسط.

إن آراءه الأصولية، التقليدية المستقيمة الرأي وان لم يظهرها صراحة في أول الأمر، قد جلبت له عدم الثقة وخصوصا الحسد من طرف بعض علماء الدين في ذلك العهد.وكان تاريخ تحديد بداية رمضان ونهايته بالنسبة للعالم الشاب فرصة يقاتل من أجلها بالسيف في نهاية كل سنة تقريبا الأمر الذي كان يحدث إزعاجا كبيرا للبعض وفرصة سانحة للجميع.

لقد كان في بداية أمره على وفاق مع كافة جيرانه وكانت له علاقات حسن الجوار مع أهم شيوخ الطريقة وكان دائما ضيفا محبوبا وموضوع ترحيب عندما ينزل عند أمثال الشيخ سيدي عبد الرحمان بن الحملاوي وعند أولاد الشيخ الزواوي وغيرهم ولا زلت حتى الآن أذكر الأمسيات الرائعة التي كنا نقضيها مع الشيخ ابن باديس في سيدي قموش حيث كانت شخصيات أمثال الشيخ مصطفى باش تارزي والقاضي السابق ابن الحاج كحول وأخيه الشيخ محمود وإمام الجزائر السيد بلونيسي سي علاوة وغيرهم كثيرون ليس بوسعي أن أتذكرهم الآن لأن ذاكرتي قد خانتني في هذا اليوم الحزين. كان جميعهم يأتي ليتبادل أطراف الحديث مع الشيخ حول بعض القضايا الشرعية الإسلامية المختلف من حولها في بعض الأحيان أو عن بعض قضايا التاريخ التي لم يتم توضيحها.

لا زلت أتصور الشيخ خلال سهرات شهر رمضان وقد أضناه الصيام في المساء وأرهقته الدروس العديدة التي يقوم بها في النهار لمئات التلاميذ، وهو ممدود على جانبه ورأسه مائل نوعا ما ومستندا إلى يده اليمنى. كما لازالت أتصوره وهو يجيب بغموض على الأسئلة البسيطة المطروحة ببلاهة عليه من طرف بعض المزعجين ولكنه ينتصب في الحال كالنمر وعيناه مفتوحتان تماما وهما حادتان تومضان وتتوقدان ذكاء وتشعان إخلاصا مندفعا لإعطاء الاعتبار لنظريته ونظرية الشريعة على حد تعبيره المفضل. لما يرغب بعض العلماء الحاذقين أن يثيروا حفيظة الشيخ ويهيجوا فضوله فما أحلاه وما أجمله من موقف هذا الوقت الذي كانت تنتهي فيه المناقشات دائما، مهما بلغت من التشنج والمكابرة، بأحسن طريقة أخوية حيث كان المنهزمون فيها يتخلصون من هزيمتهم غداة وقوعها بتنظيم الضيافات الكريمة التي كانت فيها لذة المائدة تملأ الدور سرورا وغبطة وحيث كانت العقول أيضا تنال حظا وافيا من المعلومات الجديدة النيرة.

إيه لو بقينا معتصمين في حياتنا بمثل هذا الجو المحبب وبهذه الحكمة المثلى التي كانت توصينا بها هذه الأدمغة الآيلة للزوال أمثال سيدي مصطفى باش تارزي وسي علاوة بوشريط وسي محمد أمزيان وسي علاوة بلونيسي والتي لا تزال على قيد الحياة أمثال سي مصطفى بن باديس والد الشيخ المرحوم وسي عبد الرحمان بن بيبي وغيرهم لتجنبنا العديد من الصدامات والمصادمات وكثيرا من حالات سوء التفاهم، ولكن من دواعي الأسف أن مشيئة القدر قد كانت على غير ما كنا نتمناه، فالآراء عندما تتوسع تكون لنفسها مجالاتها الشخصية واشياعها إنها قوى تذهب وتشع تتفرق وتنتشر وتتضخم وكثير ما تبلغ درجات وهجوما لم تكن تنتظرها قط وغالبا ما تتجاوز الحدود المعنية مسبقا ونجد أنفسنا حينئذ أمام الهيجان والاضطراب رغم أننا نأمل أن نظل متحكمين في تحركاتنا ومحتفظين فيها بالسيادة والإرادة لكننا لا نحصل إلا على جزء منها ونكون في الغالب قادرين على الصرف في عنصر واحد من القوى الكثيرة ولا تصبح قوتنا الذاتية إلا عنصرا واحدا ومع كونه متفوقا على غيره من العناصر فإنه لا يشكل إلا عنصرا واحدا على غرار العناصر الأخرى، وذلك هو ما يحدث في حياة صفوة المجتمع ونخبته والشيخ عبد الحميد بن باديس مثالا ممتازا في هذا المجال وقد كان له من بين أتباعه والمعجبين به رجال أمناء مستقيمون ذوو خبرة وتجربة كان في استطاعته أن يفعل معهم العجب، كان في استطاعته أن يصنع بهم المعجزات، ولكنه لما كان يتحلى به من الطيبة المتناهية وقد كان يجسد هذه الطيبة واللياقة الرائعة وقد كان الرجل الأكثر تهذيبا حيث أنه كان يسارع إلى تحية كافة الأشخاص الذين يريدون أن يحيوه حتى مع عامة الناس وأكثرهم حرمانا ومن رغبته في أن لا يحرم عواطف أي شخص وقد كان من سمو النفس بحيث يشعر بالندامة ويفكر في أن كلمته التي قالها أو التصرف الذي صدر عنه قد أثار حزنا في نفس أي شخص، لم يكن يرفض بشدة بعض النظريات التي لا يستسيغها وهو ما أتاح لأعدائه -وقد بدا عددهم يتضاعف لأن الإنسان كلما كانت مواهبه عديدة كان عدد أعدائه كثيرا، وكان الشيخ ابن باديس ممن حباهم الله بمواهب كثيرة -أن يتهموه ومن ثم فشلت أهانتهم له وابتعادهم عنه ثم تعنت هؤلاء وأولئك في مواصلة إيذائه، من هنا يجدر بنا أن نقدم هذا الثناء للشيخ ابن باديس لأنه كان مستقيما أمينا صريحا في المعركة، انه كان يدعم آراءه الإسلامية السلفية بإيمان قوي ورباطة جأش لا مثيل لها وصلابة لا نظير لها في التاريخ ورباطة وثباتا خليقا بروح الأعلام القدماء.إن تدخلات الأصدقاء ونصائح أبيه وإخوته وأقاربه التي كانت تقدم له بدافع المحبة وكذلك التهديدات والتخويفات التي كانت تعترض سبيله لم تمنع الشيخ من مواصلة الدعوة إلى الكلمة الطيبة ومتابعة القيام بالتعليم والتوجيهات والإرشادات الدينية التي كانت تتوسع أكثر فأكثر وقد قيل أن العقيدة تهد الجبال وتصنع المعجزات ولأن الشيخ ابن باديس كان كما هو واضحا متشبعا بالعقيدة الكبرى التي كانت لا تعرف إلا الله، هذه العقيدة التي كانت تنشطه وتدعمه بسلاحها والتي كانت تتقد كالشرر في عينيه الكبرتين المتجهتين إلى السماء، لقد استطاع خلال 30 سنة أن ينهض بهذه المهمة الشاقة وهذه المعركة المرهقة المضنية التي كانت تتجاوز قواه البدنية، هذه العقيدة هي التي كانت تؤيده وتسانده عبر كافة الفترات المؤلمة من حياته، إنها هي التي كانت تغرس فيه الأمل وتدعم أحلامه وروحانيته العميقة المخلصة اتجاه الأمة الإسلامية العالمية ولا يستطيع أي شخص أن يلومه على تعلقه بمذهبه الديني الذي هو مشغوف بكل إخلاص بغاياته الصافية السوية وبخاصة عندما تكون نابعة من أعماق النفس وصميم الفؤاد وتعبر بكل نزاهة وشرف عن العقيدة، هذه العقيدة الكبرى القديمة التي كان يتحلى بها الحواريون الدعاة والصحابة الأصفياء.قد كان الشيخ ابن باديس في هذا المجال من الحواريين الدعاة ولا زلت أشاهد وجهه “الحلو المسيحي” مفعما بالجلال، هذا الوجه الذي دفع نائبا فرنسيا كبيرا إلى الإدلاء بالتصريح التالي قائلا:”انه ظهور جديد للمسيح بيننا بعينيه الكبيرتين المائلتين إلى الكتاب المقدس وهو في وضعية الانتظار وكأنه يصغى إلى بعض الأصوات الداخلية من خلال الزمن والفضاء مع بعض الأرواح في البحث عن الحقيقة والجمال والعدالة”.

لقد أصبح الشيخ ابن باديس اليوم غير موجود لكن اسمه لم يمت بالنسبة لعائلته وأصدقائه وقد خلد اسما مشهورا بعده وأجمل من العالم أجمع بما فيهم المسلمون والمسيحيون والاسرائليون وقد كون مدرسة وصنع أجيالا من الصفوة المختارين من الدين ومن مذهبه.

ومن المؤكد أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي ترأسها بمهارة فائقة ستشعر بخسارته لأنه لا يوجد من يخلفه على رأس هذه الجمعية بمثل سلطته وعقيدته.

وبحكم مهنتي تشرفت – وتلك ميزة محزنة – ببذل المعالجات له خلال مرضه الأخير الذي قضى عليه وبدافع حماسته وعقيدته وإرادته الحديدية لم يكن يقيم وزنا لجسمه ولم يقبل بالاعتناء به إلا بإلحاح منى ومن أوليائه وأصدقائه ولم يرض بالتوجه إلي ومنحني ثقته لمعالجته إلا بعد أن لاحظنا أنه مرهق منذ عهد بعيد وأن مشيه من مكتبه إلى الجمعية ثم إلى الجامع الأخضر قد أصبح مضنيا له، وقد بذلت ما في وسعي لكسب ثقته وبذل الشفاء له لكن ويا أسفاه فالمرض الذي كان يلتهمه شيئا فشيئا منذ عهد بعيد قد فعل فعله المنتظر، وقد قدمت له مساعداتي إلى آخر لحظة من حياته وساعدني في ذلك خلال الساعات المأساوية من حياته صديقاي الدكتور “ليفي فالنسي” الذي هو من عاصمة الجزائر والدكتور هادي الذي هو من سطيف، وكلاهما الآن نقيب طبيب في قسنطينة وأني لأشكر هنا علانية على المساعدة القيمة الأدبية الطيبة التي قدماها لي وللشيخ ابن باديس وعائلته إلى آخر لحظة من حياته.

احتفظ للشيخ رغم مرضه بصحو عقله، كان يحس بدنو أجله وقرب موته، غير أنه لم يكن خائفا منه وهو بصفته محاربا مجاهدا طيلة حياته ودائم النشاط أراد أن يموت قائما، وقد انطفأ سراجه بحلاوة كالشرارة التي تنطفئ واحتفظ وجهه بصفائه الكامل الذي كان معروفا به من طرف أصدقائه خلال أيامه العذبة الجميلة.

أغدق الله عليه شآبيب رحمته وبكل أسى وحزن ستشعر بفقدانه قسنطينة كلها والجزائر بأكملها والعالم الإسلامي. لقد انطفأت شخصية رائعة إسلامية جزائرية ونحن جميعا نبكيه اليوم.باسمي وباسم عائلتي واصهاري، باسم قسنطينة التي أمثلها، باسم لجنة المساكين، باسم رابطة المثقفين المسلمين، باسم اتحاد النواب المسلمين بقسنطينة باسم اتحاد نواب الجزائر ووهران، باسم اتحاد النواب الجزائريين المسلمين، باسم الجزائر المسلمة بأكملها.

أنحني بكل أسى وحزن أمام قبر الشيخ ابن باديس المحترم شكرا، لكن أيتها النساء والبنات المسلمات صديقات الشيخ وتلميذاته اللائي أردن مرافقته إلى مقامه الأخير شكرا لكم جميعا أيها المسلمون والكاتوليكيون والاسرائيليون الذين قدمتم بحضوركم هنا ولاءكم السامي لشيخنا المحترم، شكرا لكم أيها الحاضرون الذين أتيتم من بعيد للبكاء على هذا القبر الذي هو عزيز علينا جميعا.

وداعا أيها الشيخ ابن باديس…

وداعا يا حبيب الخير ويا رفيق العلي القدير.والى تلاميذه وأصدقائه وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأقربائه وعائلته، وإلى أخيه صديقي وصهري ابن باديس سي الزبير مدير ملجأ اليتامى الولائي الأهلي بسيدي مبروك، إلى أبيه المسكين سي محمد المصطفى ابن باديس الذي يبدو أن الله قد أخضعه لاجتياز محن قاسية منذ عهد غير قريب.

أقدم أحر التهاني باسمي وباسم جميع السكان طالبا منهم أن يعتقدوا أننا جميعا نشاركهم أساهم وحزنهم العظيم.

 

ألقيت هذه الخطبة في مقبرة قسنطينة في 17 أفريل 1940 ونشرت في جريدة الوفاق L’entente في 09 ماي 1940.

ترجمة الدكتور عبد الله حمادي جامعة قسنطينة

آخر التغريدات: