جمعية العلماء المسلمين تستقبل سنتها الخامسة والعشرين

جمعية العلماء المسلمين تستقبل سنتها الخامسة والعشرين

بقلم: حمزة بوكوشة –

من الحركات الإسلامية التي سجلت صفحات ناصعة البياض في تاريخ العالم الإسلامي وحركات التجديد فيه: حركة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وهي ككل حركة لا يعرف مدى أثرها في الأفراد والجماعات إلا بلفتة، ولو كانت كوضمة الطرف لما كانت عليه حالة الأمة قبل وجودها، وبما أني واكبت هذه الحركة المباركة منذ تأسيسها إلى الآن، ومازجت المجتمع قبل تأسيسها، أستطيع أن أقول:

استولى على الأمة ركود وجمود قبل أن تنشأ هذه الحركة فيها، ودبّ اليأس المضني، والاستسلام المميت، في أوصالها حتى كادت تنسى نفسها. ولا مِن مذكرلها ولا من متذكر منها، وإذا كان ذلك من واجبات العلماء، فالعلماء إذ ذاك منطوون على أنفسهم، بل شعارهم -إلا من رحم ربك- : إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر، وغاية أكثرهم طلب السلامة بمسالمة ذوي السلطان، ومن جنح للآخرة منهم -ظاهرا- فهو مقدم طريقة من الطرق.

ومن أراد الجاه فهو كاتب قاضي أو كاتب عند قائد من القواد، والمحظوظ منهم من أحرز على وظيف ولو كان بسيطا، ومن لم يستطع منهم صبرا على هذه الأوضاع هاجر من البلاد، أما إذا بقي بها وأنف مما تعوده الناس، فإنه يعيش بينهم غريبا كاسفا باله قليل الرجاء، والعالم حيث هو يفقد حرمته في الأمة إلا إذا أوى إلى ركن شديد من رجال الطرق أو المال أو السلطان، والأمة نفسها لا تعتبره ما لم يعتمد على هذه الأثافى الثلاثة، أو على واحدة منها.

وعلى حين فترة من الهداة المصلحين عادت إلى الجزائر طائفة ممن نفروا لطلب العلم مهاجرين، وكان مكان الأستاذ عبد الحميد بن باديس رحمه الله من هذه الطائفة مكان الدرة اليتيمة من العقد، وأخذت هذه الطائفة تدعو الأمة للرجوع لما كان عليه سلفها الصالح، بدروس الوعظ والإرشاد، وكانت هذه الدروس إذ ذاك تعتبر ثورة  على التقاليد القديمة التي عششت في العقول فظنها سواد الأمة دينا، وأصبح يدافع عنها دفاعه عن العقيدة، وقد ساعد الدعوة إلى الإصلاح على الانتشار إنشاء جرائد تبثها وتنافح عنها، فأسست بقسنطينة جريدة المنتقد ثم الشهاب، وأسست ببسكرة جريدة صدى الصحراء، ثم الإصلاح، وكانت هذه الصحف ملتقى آراء أحرار الكتاب، وميدان حرية الفكر، وقد انحاز الشباب إليها لأنه بطبعه مولع بكل جديد طريف، وأن ركون الشباب إلى أي معسكر من المعسكرات في الحياة، دليل على الفوز والنجاح، ولو بعد حين فثارت ثائرة رجال الزوايا ومن كان متأثرا بهم من العلماء حيث رأوا الأمّة آخذة في الانفضاض من حولهم وسلطتهم الروحية التي كانوا يسخرون بها الدهماء آخذة في التلاشي والزوال. فقاموا بحملات عنيفة للقضاء على حركة الإصلاح في مهدها شارك فيها حتى بعض علماء فاس وكان لسانهم الناطق جريدة البلاغ التي كان يصدرها إخوان الطريقة العلوية واحتد الجدال واشتد، فقام أحد العلويين بمحاولة اغتيال الأستاذ عبد الحميد بن باديس رحمه الله، فألقي عليه القبض، ولم يفل ذلك من غرب دعاة الإصلاح بل ما زادهم إلا إقداما وإيمانا، وحوالي سنة 1930 وقعت دعوة من بعض الكتاب إلى تأسيس جمعية تلم شعث العلماء والأدباء، منهم من دعى إلى تسميتها بجمعية الشبان المسلمين، وهذا في مقال نشر فيما أذكر بجريدة النجاح، ومنهم من دعى إلى تسميتها بجمعية الإخاء العلمي، إلى غير ذلك، حتى وقع الاحتفال القرني على احتلال الجزائر، وعلى دوي طلقات مدافع ذلك الاحتفال ومباهج زينته سمع من لم يكن يسمع، وأبصر من لم يكن يبصر، وشعر من لم يكن يشعر، أن قرنا من الذل والاستعباد مر بهذه البلاد فقضى على عربيتها وكاد يقضي على دينها الذي احتكرته الحكومة، وأن القرن الثاني آذن بالدخول، فانتظر المؤمنون الصادقون وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”.

فمن يكون هذا المجدد لأمة الجزائر وقد قضى عليها قرن وهي تتدهور وتنحط حتى بلغت النهاية؟

تلك مزية من المزايا ادّخرها الله لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين فتأسست سنة 1931 لجنة تحضيرية بنادي الترقي متألفة من أربعة من فضلاء الجزائر جعلوا على رأسها السيد عمر إسماعيل، وقد قام السيد محمد عبابسة الأخضري رحمه الله، وكان من الهيأة، بسفارات بين الجزائر وقسنطينة وبسكرة، لهذا الشأن ثم أعلنت اللجنة التحضيرية عن يوم الاجتماع للتأسيس ومكانه، فبعثت الدعوة إلى الذين توصلت إلى عناوينهم من علماء القطر وطلبته وعددهم 120، وكانت رسائل الدعوة قد كتبها الأستاذ أحمد توفيق المدني، وأمضاها السيد عمر إسماعيل، فأجاب منهم 80 وما حان صباح يوم الثلاثاء السابع عشر من شهر ذي الحجة 1349 موافق 5 ماي 1931، حتى اجتمع بنادي الترقي بعاصمة الجزائر 72 من علماء القطر وطلبة العلم فيه لتحقيق فكرة تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين – وكان اجتماعهم بصفة عمومية لبحث القانون الأساسي للجمعية وعينوا للرئاسة المؤقتة الشيخ أبا يعلى الزواوي رحمه الله،وللكتابة العامة الأستاذ الأمين العمودي، فتلى القانون الأساسي الذي حرره الأستاذ توفيق المدني، وبعث به مع رسائل الدعوة ، فأقرته الجمعية بالإجماع، وبعد زوال ذلك اليوم أعيد الاجتماع العمومي لانتخاب المجلس الإداري، وحيث كان الانتخاب لا يمكن بطريقتيه السرية والعلنية لتوقفه على الترشيح، فقد سلكت الجمعية طريقة الاقتراح، فلقى عليها اقتراح باختيار جماعة معينة وقع الإجماع على اختيارها، ولم يحضر هذا اليوم الأستاذ عبد الحميد بن باديس لأعذار حبسته بقسنطينة فعينته الهيئة رئيسا لها ثم جاء وحضر معها بقية الجلسات.

هكذا تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ولو تأسست على غير هذا الشكل لما سمحت لها السطة إذ ذاك بالظهور، بل إنها ما سمحت لها بالظهور في ذلك الحين -فيما أظن- إلا لأنها كانت تقدر أن الطرقية بأعضادها تغمر الحركة الإصلاحية وتقضي عليها أو على الأقلّ تسايرها وتعطل سيرها، فلم يصدق هذا التقدير؛ إذ ما كاد الشيخ ابن عليوة رحمه الله يصدر رسالة من رسائله الطرقية حتى تناولتها مجلة الشهاب بالنقد، فعظم ذلك عند أتباعه ومن على غرارهم من الطرقيين، فحاولوا قلب الجمعية، فردهم الله بغيظهم لم ينالوا شيئا، فانخزلوا عن الجمعية وأسسوا جمعية ضرار تحت اسم جمعية السنة، ترأسها الشيخ الحافظي رحمه الله، وساندتهم الحكومة الجزائرية أو الولاية العامة بعبارة أدقّ، وبقدر ما وضعت من ورود ورياحين في طريقهم وضعت أشواكا وعقبات في طريق جمعية العلماء فمنعت رجالها من الوعظ في المساجد وضيقت عليهم الخناق أين حلوا وأين ارتحلوا، وصادرت الصحف التي أصدرتها الجمعية باسمها وعطلتها الواحدة تلو الأخرى: السنة – الصراط – الشريعة، حتى أصدرت قرارا: إن كل صحيفة تصدرها جمعية العلماء فهي معطلة، ومدت يدها للمعلمين المنتسبين إليها، فحالت بينهم وبين تعليم الناشئة، وشردتهم كل مشرد، فصمدت  جمعية العلماء لهذه العاصفة الهوجاء صمود الجبال، فلم تتزلزل ولم تتزحزح عن خطتها، وسارت قدما إلى الأمام، وقد ألهبت معاكسة الحكومة لها ومقاومتها نار الحماس في نفوس الشعب ففدى الجمعية بالنفس والنفيس، وضحى تضحيات كبرى في سبيلها وتمسك بها تمسك الغريق بمنقذه، واتخذها قبلته في المهمات ومعوله عند اشتداد الأزمات.

علمت الحكومة إذن أن محاربة جمعية العلماء برجال الزوايا لا تأتي بنتيجة، فأحدثت تبديلا وتغييرا في الولاية العامة، وبدلت رجالا برجال كعادتها، فسمح للجمعية بإبراز جريدة بالعربية، وكانت هي البصائر ووعدتها “وعزة ممطول معنى غريمها” بحرية المساجد وحرية تعليم العربية ونشرها، لكن لم يتحقق من هذه الوعود أي شيء، وفي سنة 1936 تأسس المؤتمر الإسلامي الجزائري العام، وقبل تأسيسه نعق دعاة التجنس والاندماج في الجزائر من المثقفين ثقافة غربية ورأوا أن لا منجاة للمسلمين مما هم فيه إلا بسلوك هذه الطريقة، وزين لهم ذلك برنامج فيوليت، وفي ذلك الحين حدث تغير كبير في حكومة  فرنسا العليا فتأسست: حكومة الواجهة الشعبية فاغتنم الأستاذ ابن باديس رحمه الله ذلك ودعا إلى تأسيس المؤتمر الإسلامي الجزائري في جريدة الدفاع “لادفانص”.

ولما تأسس المؤتمر سجل ممثلو جمعية العلماء فيه مطالب الأمة الدينية والتعليمية وقرر المؤتمر المطالبة ببرنامج فيوليت في الشؤون السياسية، فقيد ممثلو الجمعية هذا الإطلاق بأنه يقبل إذا لم يمس الشخصية  الإسلامة وكان هذا القيد كقبر لذلك البرنامج الذي فتح ثغرة في صفوف الأمة الجزائرية، فذهب وفد من المؤتمر إلى فرنسا يقدم مطالب الأمة فعاد بالأماني المعسولة وما كاد يستقر في أرض لجزائر ويجمع الأمة لإخبارها بنتيجة سفارته حتى وقع في الشباك: اغتيل الشيخ كحول واتهم به الأستاذ العقبي ممثل العلماء إذ ذاك بالعاصمة، بل حاول بعض السياسيين  إقرار التهمة في العلماء، وهكذا تحاك المكائد لهذا الشعب المسكين، وبعد لأي برّأ الله جمعية العلماء وممثلها مما قالوا، ثم قدم الأستاذ العقبي استعفاءه من الجمعية لاختلاف في الرأي بينه وبين أعضائها، هنا جاءت نذر الحرب العالمية الثانية وحاولت الحكومة أن تتخذ من رجال الجمعية أبواق دعاية فقرروا السكوت واعتصموا به.

وفي أثناء الحرب فقدت الجمعية من صفوفها الأستاذ عبد الحميد بن باديس فتوفي في إقامته الجبرية بقسنطينة، وأبعد الأستاذ الإبراهيمي إلى أفلو واشتد المرض بالأستاذ مبارك الميلي حتى قضى عليه، وأودع الأستاذ العربي التبسي بالسجن العسكري، وقد بقي من بقي من إخوانهم ثابتين متعرضين للتشريد والسجن والإبعاد، بل منهم من سجن قبل ذلك كالأستاذ فرحات بن الدراجي، نائب كاتب الجمعية، والأستاذ الأمين العمودي رئيس شباب المؤتمر، وقد كانت تلك الحركة مساندة ومعاضدة لجمعية العلماء، وما كاد رئيسها يسجن حتى تشتت، وقد اضطهد غير هؤلاء كثير من رجال الشعب والمعلمين اضطهادات متنوعة.

وما أن انتهت الحرب حتى أفرج عمن قبض عليه أثناءها وأطلق الأستاذ الإبراهيمي من معتقله وتجدد للجمعية نشاطها واندفعت في ميدان الإنشاء والتكوين، فأسست المدارس في كثير من المدن والقرى، ووجهت الأمة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا فكانت نعم الموجه وربطت الجزائر المسلمة بالعالم الإسلامي فبعثت البعثات العلمية إليه وغالب هذه البعثات من المعهد الذي خلدت به الجمعية اسم رئيسها الأول: عبد الحميد بن باديس.

وهاهي الآن تستقبل سنتها الخامسة والعشرين من سني الكفاح غير آبهة لما يقف في طريقها من عقبات مجاهدة صابرة محتسبة، وقد عودها الله النصر، والنصر مع الصبر.

هذه أشواط شاسعة المدى وأطوار واضحة الهدى، ذكرتها مجملة كحقيقة تاريخية وربما أخصها في يوم قريب برسالة مع التفصيل والتدليل، وأقسم يمينا برة أن جمعية العلماء اليوم أصبح مكانها في الأمة الجزارئية مكان العقيدة الصادقة من النفوس المؤمنة لأنها نفحة من نفحات الإسلام، وقد كتب الله للإسلام الخلود.

حمزة بوكوشة جريدة البصائر لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين العدد 317 14 رمضان 1374 الموافق لـ: 6 ماي 1955.

آخر التغريدات: