التديّن في المجتمع الجزائري عند ابن باديس - تشخيص متجدد –

التديّن في المجتمع الجزائري عند ابن باديس – تشخيص متجدد –

بقلم: أ.د. عمار جيدل –

ما فائدة الاحتفال بذكرى تأسيس الجمعية؟يتساءل بعض الرساليين,و يقول آخرون،ما فائدة إحصاء المآثر في مثل هذه الظروف؟وما الأثر المنتظر لمثل هذه الاحتفالات في حاضر الجمعية و مستقبلها؟

إنّه سؤال عن الفعالية المطلوبة في العمل للإسلام، لهذا يفرض هذا الاحتفال الانتقال بنا من وضع التكرار  إلى وضع التأسيس لفعل دعوي متجدد أو جديد، ذلك أنّ الاحتفال تقرير لاسترداد الجمعية هيكلها التنظيمي، وهو أمر محمود ولا شك،و لكنّ الأمر الأكثر إلحاحا هو استرداد الجمعية رسالتها ودورها في صناعة وعي الأمة بدينها والتحديات التي تواجه حاضرها و ترهن مستقبلها،و يحقق هذا المسعى بتطعيم الأمة ضد الأمراض الوافدة على تنوع مصادرها وخطرها.

و لنا في تقرير العلامة عبد الحميد بن باديس لأزمة التدين في المجتمع الجزائري في عهده شاهدا إضافيا على ضرورة استصحاب تصوره لأزمة التدين في فهم حاضرنا و استثمار الوصفة التي وضعها للحل إن في كلياته وجزئياته،ذلك أن التشخيص مكرر متجدد،بحيث يلاحظ الدارس أنّ تشخيصه  -القديم- يقرر وضعنا الراهن،مما يسترعي الاستفادة من هذا التشخيص،وفي ذلك دربة على استرداد الجمعية رسالتها،فما المراد بالتدين في سياق هذه الورقة؟

يراد بالتدين –وهو غير الدين (النص)- في سياق هذه الورقة الحالة النفسية والاجتماعية وارتكزاتها المعرفية وآلياتها المنهجية في التعامل مع الدين،وهي حالة تسببطن في بعض الأحيان عناصر ذاتية  يعبّر بها المتديّن عن التزامه بالدين المتبنى،يتجلى- و خاصة في أكمل الأديان – في التصرفات الاجتماعية ووضوح الخلفية العقدية و الفكرية.([1])

و لا شك أنّ التدين غير الدين، إذ يطلق الدين على الحقائق المكوّنة له من عقائد وعبادات وشرائع وأخلاق، تلك المضامين التي تمثّل مبادئه الرئيسة، وهو المعنى الأكثر استعمالا في أدبيات تاريخ الأديان.([2])

يستصحب الباحثون في دراسة الأديان الدين بوصفة تدينا،فيخلطون في الحكم بين الدين والتديّن، تستثمر الورقة المعنى الثاني و تميزه عن الدين تمييّزا واضحا،إذ يمثّل التدين المعتد به تجربة الممارسة التي تتطابق في كثير من الأحيان مع أصول ما جاء به الدين في عقائده وعباداته وشرائعه وأخلاقه.

شخص الأستاذ عبد الحميد بن باديس حالة التديّن في عصره،و انتهى إلى خلاصة تؤكّد أن تشخيصه ما زال بيننا صالحا للاستثمار،إذ انتهى الرجل إلى الكشف عن ذات  الأمراض التي مازالت الأمة تتخبّط فيها،ولهذا تضمّن عنوان البحث التأكيد على أنّ تشخيصه متجدد،أي مكرر لأزمة ما زالت مكررة أيضا بحروفها و ألفاظها ورسومها و معالمها.

عندما احتِفلت فرنسا بالذكرى المئوية لاستعمار الجزائر،وكان الاحتفال بمثابة إعلان موت الأمة الجزائرية،في مثل ذلك الجو،أعلن عبد الحميد بن باديس(1889-1940م)-مؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين-الحرب على فرنسا الاستعمارية،تأسيسا للاستقلال الحقيقي،وفق تشخيص خاص،حتى قال رفيق دربه العلامة محمد البشير الإبراهيمي(1889-1965م)”لو تأخّر ظهور جمعية العلماء عشرين سنة أخرى لما وجدنا في الجزائر من يسمع صوتنا”([3]).

فما هو الخلل الذي  طرأ على تديّن  الأمة الإسلامية في الجزائر؟ وما هي طبيعته؟

يرى ابن باديس أن القرآن الكريم مازال بين ظاهرا ني المتعبدين،ولكنه قليل الأثر في حياتهم الاجتماعية والتربوية والفكرية،بل وحتى الدينية نفسها،لهذا تلخّصت مشكلة تديننا – بحسب تقديره – في التحوّل عن القيم الإسلامية، ومرد تلك التحولات على تنوعها،التحوّل عن أصل ما جعل له القرآن الكريم.

لا يقتضي التشخيص حال التدين في سياق هذه الورقة  الوقوف التفصيلي عند أسبابه ومظاهر الخلل فيه،بل تكفينا الإشارة إلى مجمل ما يعبّر بمجموعه عن الخلل الطارئ على الأمة.

تتلخّص الأزمة في رأي العلامة ابن باديس في تحوّل المسلمين   عن أصل ما جعل له القرآن الكريم ،فصار لا يقرأ للفهم،وهو كذلك الآن،لأنه وفق الرأي الشائع في ماضي الأيام وحاضرها لا صلة له بالحياة و النهضة والمدنية والعمران، و مفاد هذا المسلك في الفهم  أن الإسلام ليس نصا مستقلا متميّزا،بل هو سيرة المجموع والأفراد،وقد بقيت تلك المفاهيم شائعة،بل ورائجة على المستويين الرسمي والشعبي إلى يوم الناس هذا،فورثنا في حياتنا الثقافية والاجتماعية كثيرا من العبارات الدالة بنفسها على تبني هذا الطرح،كقول بعضهم “نحن مسلمون منذ القدم”، و”ممارستنا للإسلام يجب أن لا يطرأ عليها أي تغيير “، و ” لا نحتاج من يعلّمنا ديننا”،… ونحو ذلك من العبارات التي لم يع أصحابها حقيقتها،لأنهم لو وعوها لعلموا أنهم يخالفون بدائه الأشياء…لأنهم بهذا قد حكموا بأن الممارسات الشعبية ناسخة لكتاب الله وسنة نبيه،ولكان تعاملهم مع المجتمع أسوء من تعاملهم مع عالم الأشياء،لأنهم يقولون بمقالهم وحالهم أن عالم الأشياء  بحاجة مستمرة لصيانته ومراقبة درجة توافقه مع أصل ما جعل له،فكيف نقبل هذا المنطق في عالم الأشياء  ونرفضه في عالم أكثر تعقيدا يحتاج إلى الحضور النفسي والمعرفي الدائم،نظرا لوقوع نفوس البشر تحت طائلة التحريف بالترغيب والترهيب والإغراء،و…؟ وكانت هذه الممارسات سببا في شيوع التقليد المشجّع من قبل الاستعمار، بتجهيل الشعب لغته أو بتكريس الغلبة الواقعية للفكر الممالئ للاستعمار.

من هذا المنطلق، فإن المسلمين في أمس الحاجة إلى مراجعة دينهم من جهة وتديّنهم من جهة أخرى،وخاصة من جانب مراقبة درجة تمثّل الدين في الحياة بصفة عامة،و بهذه الخلفية نكون  في حاجة ملحّة لتنمية القدرات الإيمانية والمعرفية و لا يتأتى لنا التفكير في ذلك ما لم نلاحظ الفرق بين تمثّلاتها العملية للفكرة الإسلامية من جهة وأصل مضامين الفكرة نفسها من حيث هي من جهة أخرى.

يعرض أبن باديس لتجاوز هذا الخلل مجموعة متناغمة من المقترحات والحلول، حريّ بنا استثمارها في مراجعة تديننا في العصر الحاضر، و فيما يأتي موجزها:

  -تجاوز التقليد بالتأصيل من خلال دعوة المسلمين إلى تجسيد مجموعة من الشروط المعرفية والنفسية لتكريس الحل المنشود:

* يتعيّن أن يعلم الناس أن الإسلام إنما هو في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم([4])، لهذا كانا مصدرين  مهمين في الاستدراك على جهود المتقدمين والمتأخرين وتقويمها إن في مواضيع منتجاتهم الفكرية أو مناهج تناولها بصورتيها العامة والخاصة،بمعنى أنّ من خالف طبيعة النصوص الإسلامية في مضمونها الجزئي أو شموليتها- بعرض القضايا في قالب جزئي- يضيّع الحقيقة الإسلامية،و لهذا لا يمكن أن يعتد بقوله منهجيا وموضوعيا.

وإذا لم يكن للمسلم انتسابا أو امتثالا الحق في تجاوز هذين الأصلين،فمن نافلة القول التأكيد على أنّه لا يحق موضوعيا ومنهجيا -فضلا عن أنه من أبجديات الأدب الإنساني-،أن يفتي غير الملتزم بالإسلام تدينا لله تعالى،فضلا عن خوض غير المسلمين في شأن كيفية تديّن المسلمين،لأنها لا تختلف بالنظر إلى المآل عن تكريس تقليد جديد يريد القوي فرضه على الضعفاء.

*الإسلام إنما جعل لهداية البشرية وليس من قبيل الأفكار التي تحشى بها الرؤوس للتباهي والاستعراض،يؤكد هذا المعنى البند الأول في مواثيق جمعية العلماء:” الإسلام هو دين الله الذي وضعه لهداية عباده،و أرسل به جميع رسله،وكمّله على يد نبيه محمد (الذي لا نبي بعده (“-صلى الله عليه وسلم

* لا يمكن أن تتم تربية المجتمع الإسلامي الجزائري وتحقق المقصود منه وبه،إلا إذا كانت وفق ما ورد في مصادر دينه،وكل محاولة لتربيته بما يخالفه يعد جناية في حقها،لهذا لا يمكن تهذيبه بغير طريق الإسلام.

*تكريس المنهج النقدي في التعامل مع المجتمع،لأن النقد أساس الاستدراك المعرفي والاجتماعي،و ينبّه ابن باديس في هذا السياق إلى ضرورة ملازمة الأدب و حقوق الأخوة أثناء ممارسة العمل النقدي، خوفا من أن يفهم منه غير ما قصد منه،يوضّح هذه الفكرة قوله في سياق تقويم أعمال الجمعية بعد عامها الأول،يقول الشيخ:” لا يكون الإصلاح إلا بالانتقاد، فذلك وجدنا أنفسنا في خطتنا مضطرين إليه،وقد كانت منا انتقادات سياسية و اجتماعية وأدبية ودينية…إلى أن يقول:”إننا نصرح أمام الله والناس أن هؤلاء القوم (المنتقدين)إخواننا في الدين والوطن، نحب لهم ما نحب لأنفسنا، ونكره لهم ما نكره لها،وإننا إذا قلنا كلمة الحق فإننا نقولها على وجه النصح الذي فرضه الله على المسلمين،غير رازين عليهم في شخصياتهم ولا قادحين في شأن من شؤونهم الخاصة” (لأن الإنسان إنما هو بها إنسان.)

وركّز الأستاذ في تحقيق الحل المنشود على الإصلاح القرآني للفكر والغرائز والأعمال،و أكد هذا المسعى بالبرهان العملي،كما يستشف من مسلكه بيان آليات تجسيد ما يتجاوز به التدين الراهن،طمعا في الاستدراك على التدين المكتسب،بالدين في مقاصده ونصوصه،و في ذلك أجلى دليل على تجدد التشخيص،كما مر معنا.

ا – إصلاح  الفكر:

إصلاح الفكر بالقرآن الكريم مسألة دائمة الحضور في حياة المؤمنين، فلا يمكن أن يأتي زمان يستغنى فيه المسلم عن إصلاح الفكر بالقرآن الكريم،إذ كان الإنسان وما يزال سيد الكون بفكره،و هو أساس نهضته،يؤكد هذا المعنى قول ابن باديس أن التفكير المتجدد هو أساس النهضة، لهذا يمجّد الإسلام العقل ويدعو إلى بناء الحياة كلها على التفكير، وينشر دعوته بالحجة والإقناع لا بالختل  و الإكراه،و يستشهد لهذا بطلب الدليل ممن يدّعي قولا أو رأيا معيّنا،فقد ورد في القرآن الكريم في مقام الرد على المدّعين بأنه لا يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى فقال تعالى” قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين”(البقرة111)، ولكنه في ذات الوقت  يترك لأهل كل دين دينهم يفهمونه ويطبقونه كما يشاءون.

ب/ إصلاح الغرائز:

ترتبط نهضة الإنسان بنهضة غرائزه بمقاومة ما فيه من أصول شر، وإنماء ما فيه من أصول خير،و لاشك أن القرءان أهم معلّم أخلاقي عظيم، فقد تضمنت آياته ذكر أصول الخير وما ينميها، وذكر أصول الشر وما يميتها وينجيها، وكل ما يزكي النفس وما يدسيها، ببيان منافع طريقة تلك لتركب، ومضار  طرائق هذه لتجتنب،و ما تزال نهضتنا وستبقى مرهونة بإصلاح غرائزنا، وما لم تصلح تلك الغرائز و تنضبط بأصول ديننا فلا مطمع في التأسيس لنهضة تتجاوز تخلفنا،فالأمم و المجتمعات والجمعيات التي يحكمها عباد ذواتهم لا يمكن أن تقوم لهم قائمة،و لا طريق لتجاوز هذا الخلل إلا إذا تمثل الجميع مراقبة صلاح غرائزه،و ذلك بمراقبة درجة حضور الصلاح باستمرار.

د/إصلاح الأعمال :

مبنى الأعمال الفكر و الغرائز و العقائد،فمن استقام فكره و صلحت غرائزه استقامت أعماله، وإذا عوجت عادت عليها بالاعوجاج،كما أنّ إصلاح توخي إصلاح الأعمال بغير إصلاح الفكر و الغرائز ضرب خيال لا يميل إليه إلا من كان خفيف الصلة بالعلم والعمل،إنّه أشبه بمن يدخل ميدان الإصلاح بغير وسائله الأساسية،ذلك أنّ الأفكار المنبثقة من الدين أساس التحريك المتناغم مع مقاصده،و لا يتأتى السير في هذا المسلك فضلا عن نيل مقاصده ما لم نصلح أفكارنا منهجا وموضوعا،فكم كان المنهج القويم سببا في اختصار الطاقات و الأوقات وجالبا للمنافع المنتظرة منه،كما أنّ فقده-بالخضوع لمنهج غير موضوعي- كان و سيبقى سببا في نزيف الطاقات و صرف الأوقات في غير أبوابها الشرعية،و بهذا الصدد نؤكد أن إصلاح الفكر و إن كان شرطا ضروريا لإصلاح الأعمال،إلاّ أنه ليس كافيا في إحداث النقلة النوعية المتجلية في إصلاح الأعمال،ما لم تجد غرائز صالحة استؤصل مننها الشر و حلاها الإيمان بأصول الخير، والطريق الإجباري لنيل المراد العودة إلى القرآن به نصلح تفكيرنا و إليه نعود في إصلاح غرائزنا و وفقه نرسم خطة أعمالنا، وبهذا “يظهر أن القرآن الكريم كفيل بنهضة الإنسان نهضة حقيقية تبلغ به إلى بقاع السيادة والكمال”([5])،و يؤكد العلامة بن باديس هذه المعاني بالبرهان العملي التطبيقي المستل من حياة الأنموذج الذي رباه النبي صلى اله عليه وسلم.

البرهان العملي :

يستفيد من الشاهد العملي السابق و اللاحق على حدّ سواء،فالإحالة على هذا الأنموذج تأسيس لفكرة ضرورة تمحيص النماذج الراهنة بالأنموذج الأكمل الذي مثّله الصحابة الكرام رضي الله عنهم،فالبرهان العملي الذي قصد بيانه العلامة دليل دائم الحضور في حياة المسلمين،فهو المحك والمعيار التطبيقي في الحياة الإسلامية،و خاصة في الفكرة التي أشر إليها الأستاذ رحمه الله،منه هنا كانت الإحالة مستمرة لا تتأخر بفعل الزمان و المكان،ذلك أنها دائمة الحضور في حياة كل ممحص رسالي.

أكبر شاهد عملي تطبيقي على تحقق المنقلة النوعية في حياة البشر بالقرآن ما أحدثه القرآن الكريم في حياة الصحابة رضي الله عنهم،وفي ذلك لفت نظر إلى إمكان إحداث تلك النقلة  النوعية في حياتنا المعاصرة.

تحويل القرآن الكريم لأمة كانت منحطّة في أفكارها أمر لا ينكر،أمة  لا تعرف من الكون إلا البقعة التي تقلها من الغبراء، والرقعة التي تظلها من الجرداء، ولا من العلم إلا ما يناسب أميتها وبداوتها،منحطة في غرائزها،تعيش على النهب والسفك والخمر والميسر وما إليها، منحطة في عقائدها …منحطة في أعمالها…فجاءها رجل منها منشئا ومنسبا ولكنه فوق جميع الخلق عقلا وعلما وأدبا، …فأخرجها من ظلمة الجمود إلى نور التفكير، ومن ظلمة الوحشية إلى نور المدنية الراقية، ومن ظلمة الشرك إلى نور التوحيد، ومن ظلمة الفوضى إلى نور القانون؛ فلم تطو تلك الأمة عصر الصحابة حتى سادت العالم ديانة برهانية وملكا عادلا؛ولم تطو عصر أتباع التابعين حتى سادته مدنية راقية وعلما زاهرا.

فكتاب نهض بتلك الأمة –وتلك حالها-هو هو، و ،والله الذي معبود بالحق غيره أنه لا تكون لنا نهضة دينية و أدبية وعلمية واجتماعية إلا به، ذلك أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها كما إمام دار الهجرة-مالك بن أنس- رحمه الله.

آليات التجسيد:

ترجع مجموع المقترحات إلى تحسين الأداء في مستويين، أول هذه الآلية الإصلاح المعرفي و الفكري، والثاني إصلاح على مستوى تمثّل المضامين الاجتماعية والحضارية للدين.

تقوم جهودهم على تشجيع الفكر النقدي،و عدم التسليم بالتسليم بوصفه-رفض التسليم- آلية مهمة للتمييز بين الموجود والمطلوب،الموجود على مستوى التديّن-بجميع مضامينه- و وسيلة فعّالة لشحذ الهمم وتجسيد حركية الفكرة الإسلامية وما تفرضه من تنمية القدرات المعرفية والنفسية والحضارية، ذلك أنّ تجسيد الفكرة على مستوى الذات يفرض مراقبة دائمة للنفس على مستوياتها المختلفة-معرفيا واجتماعيا-مما يحرّرها ولو وقتيا من الوقوع تحت طائلة التسليم الذي هو أساس القضاء على حركية الفكرة على المستويين الاجتماعي والفكري المعرفي، ولكن ينبغي أن تكون العملية النقدية في إطار مقاصد وضوابط أخلاقية تخرج الناقد والمنقود من دائرة الاستعراض والعبثية إلى الهدائية المتوخاة من الدين.

يفرض التمكّن من آليات المراجعة وتنمية القدرات النقدية،  توفّر مجموعة من الشروط، تلك الشروط تؤكد أن تشخيصه متجدد و الحلول المقدمة متجددة أيضا،فيقصد اليوم تأخير اللغة العربية عن مقام الصدارة، و هيمن علينا التعيش بالإسلام والعيش للإسلام ولكن بغير الإسلام،مما يبين أن  أمنتا بحاجة إلى تفعيل وصفة العلاج التي وضعها العلامة  ابن باديس رحمه الله في ظل أمراض مكررة،نلخّصها فيما يأتي:

1اللغة العربية:

التمكين للغة العربية في المجتمع الجزائري،لأن تعلّم الإسلام وتصحيح موقفنا منه،يفرض تعلّم العربية،ذلك أن هذا الدين العالي لا يفهمه الجزائريون إلا بفهم لسانه العربي الذي هو لسانهم  الحضاري والديني بدون استثناء، فمن الضروري لتهذيبهم وترقيتهم وأنسنة تصرفاتهم أن يتعلموا هذا اللسان، ليس هذا فحسب بل هو الذي يحثّهم على تغذية عقولهم بلبان العلوم و المعارف على اختلاف أصنافها وأنواعها، وهو الذي يوسّع نظرهم في الأخوة الإنسانية حتى يقول لهم أن من قتل نفسا بغير نفس أو بغير فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا.

– 2العيش بالإسلام للإسلام:

يربط الشيخ عبد الحميد بن باديس العيش للإسلام بالعيش لإسعاد الإنسانية،فضلا عن المساهمة في سعادة بني دينه، فيذكر معقبا على أولئك الذين اعتبروا هذا الرأي ضيق أفق وتعصّب، متحججين بقولهم أنّ ليس الإسلام وحده دينا للبشرية، ولا الجزائر وحدها وطن الإنسان،فيقول الشيخ:” نعم إن خدمة الإنسانية …واحترامها …هو ما نقصده ونرمي إليه، نعمل على تربيتنا …ولكن هذه الدائرة الإنسانية الواسعة ليس من السهل التوصل إلى خدمتها مباشرة ونفعها دون واسطة،فوجب التفكير في الوسائل الموصلة إلى تحقيق هذه الخدمة …ثم يقول” ونحن  لما نظرنا في الإسلام وجدناه الدين الذي يحترم الإنسانية في جميع أجناسها قال تعالى:” ولقد كرّمنا بني آدم”، ويقرر التساوي والأخوة بين بني جميع تلك الأجناس، ويبيّن أنهم كانوا أجناسا للتمييز لا للتفضيل وأن التفاضل بالأعمال الصالحة فقط،فيقول:” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.

ولاشك أن النصوص القرآنية هي مربط كل تلك الشواهد، لهذا انتهى الشيخ إلى أن العيش للإنسانية لا يتم إلا بالعيش للإسلام، يؤكد هذه الفكرة قوله:” فلما عرفنا هذا وأكثر من هذا الإسلام-وهو الدين الذي فطرنا عليه الله- علمنا أنه دين الإنسانية الذي لا نجاة لها ولا سعادة إلا به،إن خدمتنا لا تكون إلا على أصوله، و إيصال النفع إليها لا يكون إلا من طريقه فإذا عشت له فإني أعيش للإنسانية لخيرها وسعادتها، في جميع أجناسها وأوطانها…فهذا معنى أعيش للإسلام…”(

والعيش للإسلام في فكر ابن باديس مظهر من مظاهر الالتزام بهدائية الإسلام، المتجلية في شقين نظري وعملي،و لا شك أن في لفت النظر إلى هذا الأمر تنبيه للاحق الذي ما زال يحاول العيش إما للإسلام ولكن بغير الإسلام،أو يحاول العيش بالإسلام ولكن لغير الإسلام،و الجمع بين الأصلين-العيش للإسلام بالإسلام- يفرض استصحاب الهدائية المبثوثة في الإسلام نصا وممارسة.

مظاهر الهدائية:

التصور النظري:

1- العيش بالإسلام في شموله،فالإسلام ليس بضاعة نتخيـّر منها ما نشاء، وليس جزئية منفصلة عن ميادين الحياة إن في كلياتها أو جزئياتها، فليس سياسة فقط ولا ذكرا فحسب ولا طلبا للآخرة فقط ، أو استسلاما لمطالب الدنيا.

2 – يتعين للعيش للإسلام بالإسلام تمحيص الأفكار و المعارف التي بمقدورها الحيلولة دون وصول مبادئ الإسلام إلى قلوب وعقول المتلقين،كما يفرض هذا المسعى منع كل ما من شأنه الحيلولة دون تمثل المتلقين لتعاليم الدين الحنيف،لهذا حفل الأستاذ بمناقشة أفكار اللحظة التاريخية المؤثرة في صياغة عقليات المتلقين وقلوبهم، والابتعاد عن القضايا الميّتة المميتة،و في ذلك لفت نظر وتربية على مواكبة الدعوة لاستحقاقات اللحظة من الناحية التربوية و المعرفية .

3- يبيّن الأستاذ أن لمعطيات الزمان حضورا كبيرا في الخطاب مضمونا وصياغة،و الموفق ينسج على وفق تلك المسالك في صياغة الخطاب الراهن،ذلك أن صياغة الخطاب تتأثر في كل زمان ومكان بالمعطى الثقافي والسياسي، سواء بالنظر إلى المضمون أو المناهج الموظّفة في صياغته،و لعله من شروط فعالية الخطاب الدعوي.

– 4 شاع بيننا في العصور المتأخرة العيش العيش بالفكرة الإسلامية بمدلولها الحزبي وهي ضرورة موضوعية أحيانا،ولكن تغلبها على هموم الأمة كان سببا في تغييب مدلولها الحضاري غير المقيّد بالمنتج الثقافي الإسلامي الزمني أو المرتبط بمكان مخصوص،وذلك من حيث كونه منهجا في الفهم والتمثّل، لا من حيث كونه فهما ونسقا جامدا لا يمكن تجاوزه.

5- تستنج من أعمال العلامة بن باديس أن جهودنا المعرفية والتربوية بحاجة إلى تمحيص دائم مستمر يستغرق كل الميادين المعرفية والاجتماعية، وهو طريق المراجعة والاستدراك العملي لفهم الناس للدين،و عمل على تمكين الفهم السليم الدين،فهم يسترعي الانتباه إلى التركيز على الأبعاد الوظيفية للدين،عوض الإغراق في الجوانب النظرية التي لا طائل منها،وهي في أحسن الأحوال مصرف طاقات و آكل أوقات.

– 6دعوة المسلمين إلى الرجوع إلى كتاب الله وتحويلهم عن التحول عنه إلى التحول إليه، ليس خطبا رنانة أو مقالات مدبجة،بل ه برنامج يستغرق كل ميادين الدعوة تعليما وتزكية و شريعة،…،وطريق تحقيق هذا المسلك مواجهة التقليد بالتأصيل في أدب جم،وذلك بمراجعة تمثلاننا للدين وفهم له بما ورد في كتاب ربنا وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام،مصداقا لقوله تعالى:”فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تومنون بالله واليوم الآخر”

التمثّل العملي لهدائية الإسلام.

الهدائية ليست كلاما يلاك ثم يرمى أو شعارات يتغنى بها أو نياشين تعلّق، أو آليات للاستعراض، إنها برنامج حياة يجسّد في كل مظاهر الحياة بجميع مضامينها الاجتماعية والفكرية والحضارية و…لهذا حمل ابن باديس  على المظاهر الدالة على نقيض القصد المدعى بالمقال أو بالحال…

1- لا يستساغ ادعاء الهدائية من من إذا خطب في شأنها كان خطيبا مفوّها، ولكنه يسهم في كم الأفواه التي تذكرها أو تذكّر بها.

2 – يظن بعضنا أن الهداية في حاجة إلى  أن تلبس الحلل الضافية من نسج أقلامنا، و حذلقات ألسنتنا، بينما لا ننيلها خرقة بالية من صنع أيدينا، و هذا مما تأباه الهداية نفسها، لأنها من حيث هي، لا تقبل كلاما لا شاهد عليه من الأفعال،إنها تأبى أن نأخذ الحق من فلان ليعطى لعبد آخر من عباد الله.

3 – الهداية ترى  في تصرفاتنا الاجتماعية،يرى أثرها في أكواخ الفقراء و المساكين من المستضعفين، ذلك أن ضياع الهداية في هذا الجانب يجعل الدنيا دائرة على المنافع التي تعد وحشا رهيبا، لهذا كان التودد  إلى أصحابها كالتودد إلى وحش جائع لا يزيده التودد عطفا بل يثير شهوته، ثم يعود ويطلب أجرة أنيابه وأظفاره([6])

4 – الهداية لها مظاهرها في السياسة والحكم، بل تسهم في تحرير أصحاب الجاه و السلطان من قيد الأطماع، لأنها ستكون سببا في تحريرهم ودفعهم للمساهمة في تحرير الآخرين.

5- الهداية هي الروح السارية في عالم الأفعال الاجتماعية، فتخرجها من دائرة العبثية إلى الغائية و المقصدية المندرجة في إطار نسق متكامل شامل لجميع مظاهر الحياة، إنها إن مكّنت من النفس أكسبت الفعل البشري إنسانية منظورة في جميع مشمولات أفعاله.

6- يسوي الإسلام في الكرامة البشرية والحقوق الإنسانية بين جميع الأجناس والألوان.” قال تعالى” و لقد كرمّنا بني آدم”(الإسراء 70)، لأننا إذا نظرنا في الإسلام وجدناه الدين الذي يحترم الإنسانية([7])

ج-  يفرض العدل فرضا تاما بين جميع الناس بلا أدنى تمييز، ويأمر بالعدل العام مع العدو والصديق،فيقول:” و لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا” ويحرم الاعتداء تحريما عاما على البغيض و الحبيب،ويأمر بالإحسان” إن الله يأمر بالعدل والإحسان”،”و قولوا للناس حسنا” ([8])

د-يدعو الإسلام إلى الإحسان العام، ويحرم الظلم بجميع وجوهه، وبأقل قليله من أي أحد على أي أحد من الناس. قال تعالى:”يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط  ولا يجرّمنّكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب إلى التقوى واتّقوا الله إنّ الله خبير بما تعملون”(المائدة6)

* شرك الفقراء مع الأغنياء في الأموال، وشرع مثل الزكاة و الصدقات وأصناف عديدة من العلاقات التعاونية بين الفقراء والأغنياء ، فكان منها القراض والمزارعة والمغارسة، مما يظهر به التعاون العادل بين العمال وأرباب الأراضي و الأموال.

* يدعو إلى رحمة الضعيف فيكفي العاجز، ويعلم الجاهل ويرشد الضال، ويعان المضطر، ويغاث الملهوف، وينصر المظلوم، ويؤخذ على يد الظالم، ويحرم الاستعباد والجبروت بجميع وجوهه، يجعل الحكم شورى ليس فيه استبداد ولو لأعدل الناس.

مظاهر الرحمة والتعاون

يستشف من قراءته لخطبة أبي بكر الصديق لفت نظر إلى ما آل إليه أمر أمتنا في الحكم،لفت نظر قصد به تربية المسلم على معرفة حقوقها السياسية والمطالبة بها، وبهذا الصدد ورد عنه في قراءة خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، التي قال فيها ” أيها الناس ، قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني ، ولئن رأيتموني على باطل فسدّدوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم، ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم”

استنبط منها مجموعة من الأصول يمكن أن نختصرها فيما يأتي:

-1 الأمة هي صاحبة الحق و السلطة في الولاية والعزل”وليت عليكم” أي باختيار الأمة ورضاها.

2- يتولى أمر الأمة أكفؤها لا خيرها سلوكا” لست بخيركم”

-3 الخيرية في الأمة تنال بالسلوك وأعمال الخير لا بالمنصب “لست بخيركم”

4- حق الأمة في مراقبة أولي الأمر، لأنها مصدر سلطتهم، وصاحبة النظر في ولايتهم وجودا وعدما.

-5 حق الوالي على الأمة بذل النصح له ومعاونته إذا رأت استقامته،فهي شريكة معه في المسؤولية “إذا رأيتموني على حق فأعينوني”، وتقويمه على فساده” وإن رأيتموني على باطل فسدّدوني”

-6 من تولى أمرا من أمور المسلمين يجب عليه أن يبيّن لهم الخطة التي تسير عليها، ليكونوا على بصيرة من أمرهم” أطيعوني ما أطعت الله فيكم”

-7 لا تحكم الأمة إلا بالقانون الذي ارتضته لنفسها،وعرفت فائدتها،وما الولاة إلى منفذون لإرادتها، فهي تطيع القانون لأنه قانونها.” أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم”

-8 الناس أمام القانون سواء، لا فرق بين قوي وضعيف أو غني وفقير..فلا يضيع حق ضعيف و لا يذهب حق قوي،مع حفظ التوازن بين الطبقات بصون الحقوق” ألا إن أقواكم  عندي الضعيف حتى آخذ الحق له،وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه”

-9 الراعي والرعية لهما مسؤولية مشتركة في صلاح المجتمع أو فساده تلك هي الخلال التي جاء بها الإسلام وطبّقها سلفنا الصالح رضي الله عنهم.

الخاتمة:

تفاصيل الورقة تؤكد أن تشخيص الأستاذ يتناول بالتحليل تدين  الإنسان بما هو إنسان،وهو بهذا الصدد تجاوز حدود الزمان والمكان،فقد غاص في أعماق تدين الإنسان،و استشف من أصول دينه علاجا لتلك الأسقام التي عادت عل تدينه بالنقص والضعف.

ركز  الأستاذ على بعث اهتمام بالقرآن الكريم،إذ هو أساس صناعة وعيها المؤسس على إصلاح تفكيره و غرائزه و أعماله بالقرآن الكريم،وقد كان لنا في تجربة الجيل الأول –الصحابة –أكبر دليل عملي على بعث النهضة بالدين،و يرى الأستاذ أن المقصود لا يتحقق ما لم تعد للسان العربي الصدارة،إذ هو الطريق الوحيد لتعلم ديننا و تعليمه، ومبعث الفعالية بعد تعلم العربية والدين أن نعيش للإسلام بالإسلام في جميع مجالات حيتانا صغيرها وكبيرها،عيش يستغرق الفعل التربوي والحضاري و الاقتصادي والاجتماعي و السياسي و…،وفي ذلك أبين أسلوب الالتزام بهدائية الإسلام.

 

الهوامش:

كلية العلوم الإسلامية –  جامعة الجزائر

[1] – انظر بحثنا  أصالة تجديد العلوم الإسلامية/مؤتمر المنيا ،مصر،2005

[2] – أنظر الدين، بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان/الدكتور محمد عبد الله دراز، 1403هـ-1983م، دار القلم، الكويت، ص 32

[3] /مجلة –مجمع اللغة العربية- القاهرة العدد21/سنة 1966ص143

[4] –  من مبادئ جمعية العلماء المسلمين الجزائريين 3- آثار عبد الحميد ابن باديس 4/49

[6] – رسائل النور 1/582

[7] – آثار ابن باديس 4/110

[8] –  آثار ابن باديس 4/112

آخر التغريدات: