عقيدة الإمام عبد الحميد بن باديس السلفية وبيان موقفه من الأشعرية

عقيدة الإمام عبد الحميد بن باديس السلفية وبيان موقفه من الأشعرية

بقلم: أبي عبد الله محمد حاج عيسى الجزائري –

إن الشيخ العلامة ابن باديس كان رائد النهضة العلمية في الجزائر بلا مدافع ومجدد الدين فيها بلا منازع، وقد أحيى فيها الدعوة السلفية الحقة بكل مدعماتها وأصولها كما يعلمه من اطلع على سيرته وأدمن النظر في آثاره ، وسار رحمه الله على طريقة لم يكن له بد من سلوكها، أثَّرت على نتائج دعوته وجهاده إيجابا وسلبا حيث ظهرت بعض معالم دعوته ظهورا لا يمتري فيه ممتر كموقفه من أهل التصوف وعُبَّاد القبور، بينما انطمست معالم أخرى حتى ظُنَّ أنه كان سالكا سبيلا غيرها، ومن هذه الثانية موقفه من العقيدة الأشعرية، فإن كثيرا ممن ينتسب إلى الدعوة الإصلاحية لم يزل أشعريا وهو غير شاعر بمخالفته للشيخ رحمه الله، ومن نظر إلى حال هؤلاء ربما ظن أن هذا من ميراث ابن باديس وآثار دعوته، والذي أعتقده اعتقادا جازما أن العلامة ابن باديس رحمه الله تعالى الداعية ورافع لواء الإصلاح؛ كان سلفي العقيدة والمنهج والسلوك، مجانبا للبدع الكلامية الأشعرية وللبدع الصوفية العلمية والعملية ، ومخالفا لأهل التقليد والجمود في الفقه ، وسائرا في الدعوة إلى الله على منهاج النبوة ، على أني لا أدعي له العصمة من الخطأ وهذا أمر معلوم عند كل من ينتهج الطريق السني السلفي.

وقد بذلت الوسع في هذا البحث أن أبين مخالفة ابن باديس للعقيدة الأشعرية ومفارقته لأهلها في المنهج العام وفي تفاصيل العقائد، مع بيان تأثير ذلك على الأمة في عصره وبعده.

المطلب الأول : منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند ابن باديس

إن مما تقرر عند الأشاعرة أن العقائد أمور عقلية يجب بناؤها على العقل ، وقد يقولون إنما نعني بذلك أبواب التوحيد والصفات والقدر والنبوات دون ما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر فإنه سمعي لا عقلي(1)، وإذا تعرضوا لمسألة النظر والتقليد أوجبوا النظر في الأدلة العقلية، وعَدُّوا اعتماد القرآن والسنة تقليدا(2). وأول شيء يخالف الشيخ ابن باديس به الخطة الأشعرية هو هدمه لهذا الأصل، وجعله العقيدة بكل أبوابها مستقاة من نصوص الكتاب والسنة الصحيحة، ودعوته الناس إلى أخذ العقيدة منهما مع التقيد بفهم السلف الصالح ، وفيما يأتي توضيح لهذا المنهج العام في هذا الاستدلال، من خلال نصوصه الصريحة الواردة في هذا المعنى.

الفرع الأول : الاعتماد على القرآن

أما نصوص الشيخ ابن باديس رحمه الله تعالى الدالة على وجوب الرجوع إلى القرآن لأخذ العقيدة الصحيحة فكثيرة جدا، منها هذا النص الذي يرد فيه على المتأخرين الذين هجروا القرآن ودلائل القرآن في العقائد وغيرها، فقال(1/142): ” أدلة العقائد مبسوطة كلها في القرآن العظيم بغاية البيان ونهاية التيسير …فحق على أهل العلم أن يقوموا بتعليم العامة لعقائدها الدينية ، وأدلة تلك العقائد من القرآن العظيم، إذ يجب على كل مكلف أن يكون في كل عقيدة من عقائده الدينية على علم، ولن يجد العامي الأدلة لعقائده سهلة قريبة إلا في كتاب الله ، فهو الذي يجب على أهل العلم أن يرجعوا في تعليم العقائد للمسلمين إليه ، أما الإعراض عن أدلة القرآن، والذهاب مع أدلة المتكلمين الصعبة ذات العبارة الاصطلاحية، فإنه من الهجر لكتاب الله وتصعيب طريقة العلم على عباده وهم في أشد الحاجة إليه، وقد كان من نتيجته ما نراه اليوم في عامة المسلمين من الجهل بعقائد الإسلام وحقائقه”.

    وقال في موضع آخر بوجوب أخذ العقائد من القرآن، لأن القرآن قد أغنى عن غيره في هذا الباب(4/59):” ويجب أن تؤخذ هي وأدلتها من آيات القرآن فإنها وافية بذلك كله، وأما إهمال آيات القرآن المشتملة على العقائد وأدلتها والذهاب مع تلك الأدلة الجافة فإنه استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير”. وهذا الكلام شاف كاف بنفسه غير محتاج إلى التدليل والتذييل ولا إلى كثير من الشرح والتعليل والله وحده الهادي إلى قصد السبيل.

الفرع الثاني : الاعتماد على السنة الصحيحة

للشيخ رحمه الله تعالى أيضا نصوص كثيرة تبين منـزلة السنة النبوية وأنها معتمدة في العقيدة، وإن كانت من أخبار الآحاد المفيدة للظن الراجح عنده كما في الآثار (1/320) وهو مذهب جمهور أهل العلم(3). ويدل على ذلك ما يأتي:

-قال رحمه الله وهو يشرح المنهج المثالي لتدريس العقائد وغيرها(1/320):” فعلى كل مؤمن أن يسلك هذا السلوك، فيحضر مجالس العلم التي تذكره بآيات الله ، وأحاديث رسوله ما يصحح عقيدته ويزكي نفسه ويقوم عمله”.   

-وقال في موضع مبينا منـزلة السنة عموما من القرآن(1/251) :” وعلَّمنا القرآن أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو المبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، وأن عليهم أن يأخذوا ما أتاهم وينتهوا عما نهاهم عنه، فكانت سنته العملية والقولية تالية للقرآن، فهجرناها كما هجرناه وعاملناها بما عاملناه”.

-وبين رحمه الله تعالى أنه ينبغي التبين من صحة الأخبار لتبنى عليها العقائد والأحكام، فقال (1/143):” لا نعتمد في إثبات العقائد والأحكام على ما ينسب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من الحديث الضعيف، لأنه ليس لنا به علم”. وهذا متضمن الإقرار بحجيتها إذا ما صحت، وفيه دلالة على أن المقصود بالحديث الحديث المروي من طريق الآحاد لأنه هو الذي يبحث عن صحته وعن ثبوته، لا الحديث المتواتر ، وقال في هذا المعنى أيضا (1/143):” أحوال ما بعد الموت كلها من الغيب فلا نقول فيها إلا ما كان لنا به علم بما جاء في القرآن العظيم أو ثبت في الحديث الصحيح، وقد كثرت في تفاصيلها الأخبار من الروايات مما ليس بثابت، فلا يجوز الالتفات إلى شيء من ذلك، ومثل هذا كل ما كان من عالم الغيب مثل الملائكة والجن والعرش والكرسي واللوح والقلم وأشراط الساعة، وما لم يصل إلى علم البشر”.

-وكتابه المشهور الذي سماه “العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية”، من دلائل ذلك أيضا ، إذ هذا الكتاب الذي أملاه على طلبته يعتبر ترجمة عملية لمنهج الشيخ في أخذ وتلقين العقيدة الإسلامية، وقد يكون أبلغ من مجرد التصريح.

وللشيخ رحمه الله تعالى كلمة في مبادئ الأصول قد يفهم منها أنه يخص حجية أخبار الآحاد بالأحكام الفقهية دون العقائد، إذ قال في مبادئ الأصول (49):” فكل حديث صحيح أو حسن ، فإنه صالح للاستدلال به في الأحكام”. ولا شك أن هذا الفهم غير مراد، فقد بين كما سبق بلفظ صريح أنه يحتج بالحديث الصحيح في العقائد والأحكام وأكد ذلك عمليا في كتابه العقائد الإسلامية، وهو في هذا الموضع لم ينف وإنما سكت كما سكت عن ذكر السلوك والأخلاق مما يرجح أن سكوته كان لانصراف الخاطر إلى مسائل الفقه دون غيرها عند الكلام عن مسائل الحجية في أصول الفقه والله أعلم. ثم إنه قد صرح في افتتاحية جريدة السنة بالعموم فقال (5/94):”فأخذنا على أنفسنا دعوة الناس إلى السنة النبوية المحمدية وتخصيصها بالتقدم والأحجية ، فكانت دعوتنا -علِم الله- من أول يوم إليها ، والحث على التمسك والرجوع إليها ، ونحن اليوم على ما كنا سائرون، وإلى الغاية التي سعينا إليها قاصدون ، وقد زدنا من فضل الله أن أسسنا هذه الصحيفة الزكية ، وأسميناها السنة النبوية المحمدية لتنشر على الناس ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في سيرته العظمى وسلوكه القويم وهديه العظيم ، الذي كان مثالا ناطقا لهدي القرآن ، وتطبيقا لكل ما دعا القرآن إليه بالأقوال والأفعال والأحوال، مما هو المثل الأعلى في الكمال ، والحجة الكبرى عند جميع أهل الإسلام، فالأئمة كلهم يرجعون إليها ، والمذاهب كلها تنطوي تحت لوائها وتستنير بضوئها، وفيها وحدها ما يرفع أخلاقنا من وهدة الانحطاط ويطهر عقيدتنا من الزيغ والفساد ويبعث عقولنا على النظر والتفكير ويدفعنا إلى كل صالح”. والقاعدة عند العلماء أن المجمل والمحتمل من الكلام يرد إلى المفصل الذي لا لبس فيه.

الفرع الثالث : تعظيم السلف والالتزام بفهومهم 

إن الأشاعرة وإن كانوا لا يجترؤون على المجاهرة بذم السلف وتضليلهم إلا أنهم في الواقع واقعون فيه ، ومما يدل على ذلك قولهم:” عقيدة السلف أسلم وعقيدة الخلف أعلم وأحكم”(4)، وهم يقصدون أن مذهب التفويض أسلم ومذهب التأويل أعلم وأحكم ، وحقيقة هذا القول هو تجهيل السلف بالعقائد -كما هو دائر بين اتهام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالكتمان أو الجهل بما بلغ وقال-، ويدل على ذلك قولهم :” نحن في الأصول ( أي أصول الدين وعقائده) على مذهب الأشعري وفي الفروع على مذهب مالك أو الشافعي”(5)، ومهما كان تفسيرهم لهذه الكلمة فإنها تعني أن مالكا أو الشافعي ومن كان في زمنهم أو قبلهم لم تكن لهم أصول أو لا يدرون ما الأصول ( أي العقائد).

    والشيخ ابن باديس رحمه الله تعالى قد وضع في دستور الجمعية أربعة مواد ينصر فيها مذهب السلف في كل ميدان ويؤكد على التزام هديهم وفهمهم، فقال في المادة الخامسة :” سُلُوك السلف الصالح – الصحابة والتابعين وأتباع التابعين – تطبيق صحيح لهدي الإسلام”، وقال في المادة السادسة :” فهوم أئمة السلف الصالح أصدق الفهوم لحقائق الإسلام ونصوص الكتاب السنة “. وقال في المادة العاشرة :” أفضل أمته بعده هم السلف الصالح لكمال اتباعهم له”. وقال في السابعة عشر:” ندعو إلى ما دعا إليه الإسلام ، وما بيناه من الأحكام بالكتاب والسنة وهدي السلف الصالح من الأئمة مع الرحمة والإحسان دون عداوة أو عدوان”الآثار (5/154-155). ومن هذه النصوص يتضح أن الدعوة إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة ليست دعوة مطلقة تفتح الباب على مصراعيه لأهل العصور المتأخرة أن يفهموا منها ما شاءوا، بل هذا الرجوع مقيد بفهم السلف الصالح والأئمة المتقدمين فما أجمعوا عليه فهو حجة قاطعة، وما اختلفوا فيه لم يجز للمتأخرين أن يخرجوا عن أقوالهم فيه لأن الحق موجود في واحد من أقوالهم. 

وقال الشيخ رحمه الله تعالى في وصية نافعة وكلمة جامعة(3/222) :” اعلموا جعلكم الله من وعاة العلم، ورزقكم حلاوة الإدراك والفهم، وجملكم بعزة الاتباع وجنبكم ذلة الابتداع، أن الواجب على كل مسلم في كل مكان وزمان أن يعتقد عقدا يتشربه قلبه وتسكن له نفسه وينشرح له صدره ، ويلهج به لسانه ، وتنبني عليه أعماله ، أن دين الله تعالى من عقائد الإيمان وقواعد الإسلام وطرائق الإحسان إنما هو في القرآن والسنة الثابتة الصحيحة وعمل السلف الصالح من الصحابة والتابعين ، وأن كل ما خرج عن هذه الأصول ولم يحض لديها بالقبول –قولا كان  أو عقدا أو احتمالا فإنه باطل من أصله –  مردود على صاحبه كائنا من كان في كل زمان ومكان ، فاحفظوها واعملوا بها تهتدوا وترشدوا إن شاء الله تعالى”. 

ومن المواضع التي بين فيها أصل الرجوع إلى الكتاب والسنة مقرونا بضابطه وهو التقيد بفهم العلماء السابقين قوله رحمه الله (1/252):” لا نجاة للناس من هذا التيه الذي نحن فيه والعذاب المنوع الذي نذوقه ونقاسيه إلا بالرجوع إلى القرآن، إلى علمه وهديه في بناء العقائد والأحكام والآداب عليه والتفقه فيه، والسنة النبوية شرحه وبيانه ، والاستعانة على ذلك بإخلاص القصد وصحة الفهم والاعتضاد بأنظار العلماء الراسخين والاهتداء بهديهم في الفهم عن رب العالمين”.

وإذا كان هذا هو موقفه من مذهب السلف ، فقد صرح من جهة أخرى بتضليل كل ما أحدث على خلاف ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال في مجال العبادات وشدد في العبارة، فقال رحمه الله (3/155):” فكل قول يراد به إثبات معنى ديني لم نجده في كلام أهل ذلك العصر، نكون في سعة من رده وطرحه وإماتته وإعدامه ، كما وسعهم عدمه ولا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم. وكذلك كل فعل ديني لم نجده عندهم وكذلك كل عقيدة، فلا نقول في ديننا إلا ما قالوا، ولا نعتقد فيه إلا ما اعتقدوا ولا نعمل فيه إلا ما عملوا ، ونسكت عما سكتوا …ونرى كل فتنة بين الفرق الإسلامية ناشئة عن مخالفة هذا الأصل”. وللشيخ نصوص أخرى في هذا المعني منها ما يأتي ذكره في المطلب التالي .

وقد انتقد الشيخ الوضع التعليمي بصورة عامة في زمانه لانحرافه عما كان عليه السلف الصالح شكلا ومضمونا، وقد حاول الإصلاح حسب ما قدر عليه، واقترح على غيره في عدة مناسبات تغيير هذه المناهج ولكن الأمر لم يكن بالهين ولا بالسهل، فإن ما أفسد خلال قرون لا يمكن إصلاحه في أشهر أو بضع سنوات، قال الشيخ رحمه الله تعالى بعد تصوير موجز لحال التعليم في عصر النبوة والسلف الصالح(4/76):” هذا هو التعليم الديني السني السلفي، فأين منه تعليمنا نحن اليوم وقبل اليوم منذ قرون وقرون؟ فقد حصلنا على شهادة العالمية من جامع الزيتونة ونحن لم ندرس آية واحدة من كتاب الله ولم يكن عندنا أي شوق أو أدنى رغبة في ذلك، ومن أين يكون لنا هذا ونحن لم نسمع من شيوخنا يوما منزلة القرآن من تعلم الدين والتفقه فيه ولا منزلة السنة النبوية من ذلك . هذا جامع الزيتونة فدع عنك الحديث عن غيره مما هو دونه بمديد مراحل، فالعلماء إلا قليلا منهم أجانب أو كالأجانب من الكتاب والسنة من العلم بهما والتفقه فيهما، ومن فطن منهم لهذا الفساد التعليمي الذي باعد بينهم وبين العلم بالدين وحملهم وزرهم ووزر من في رعايتهم، لا يستطيع إذا كانت له همة ورغبة أن يتدارك ذلك إلا في نفسه، أما تعليمه لغيره فإنه لا يستطيع أن يخرج فيه عن المعتاد الذي توارثه الآباء والأجداد رغم ما يعلم ما فيه من فساد وإفساد”.

المطلب الثاني : تضليل ابن باديس طريقة المتكلمين عموما والأشعرية خصوصا

ومن الأمور التي ينبغي الوقوف عندها ونحن نبين عقيدة الشيخ ونوضح مخالفته للعقيدة الأشعرية؛ بيان موقفه من طريقة المتكلمين عموما والأشعرية خصوصا ، حيث أنه صرح بتضليل المنهج الكلامي في تلقي العقائد وتعليمها، وصرح في بعض المواضع أيضا بتخطئة العقيدة الأشعرية وأعلام الأشاعرة، وبيان ذلك في الفرعين الآتيين :

الفرع الأول : تضليل طريقة المتكلمين

رغم قله المواضع التي تطرق فيها ابن باديس لموضوع علم الكلام فإنه قد نقده نقدا شاملا أتى على بنائه من القواعد ، حيث انطلق من عقيدة كمال الدين التي من فروعها اعتقاد كفاية الشرع وإغنائه عن مسالك المتكلمين الملتوية، وقد اعتبر الشيخ هذا المنهج من مظاهر الهجر لكتاب الله تعالى واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير فقال (1/250): ” نحن معشر المسلمين قد كان منا للقرآن الكريم هجر كثير في الزمن الطويل، وإن كنا به مؤمنين. بسط القرآن عقائد الإيمان كلها بأدلتها العقلية القريبة، فهجرناها وقلنا تلك أدلة سمعية لا تحصل اليقين، فأخذنا في الطرائق الكلامية المعقدة وإشكالاتها المتعددة واصطلاحاتها المحدثة، مما يصعب أمرها على الطلبة فضلا عن العامة “. ويستحق هذا الوصف من ابتغى الهدى فيه وأحسن الظن فيه ، أما من صرح بتقديم القواعد العقلية وآراء الرجال على نصوص الكتاب والسنة فذلك وصفه بوصف شر من ذلك وقال (1/251):”شر الهاجرين للقرآن هم الذين يضعون من عند أنفسهم ما يعارضونه به، ويصرفون وجوه الناس إليهم وإلى ما وضعوه عنه، لأنهم جمعوا بين صدهم وهجرهم في أنفسهم وصد غيرهم فكان شرهم متعديا وبلاؤهم متجاوزا، وشرُّ الشرِّ وأعظم البلاء ما كان كذلك. ثم أرجع ابن باديس رحمه الله ضلال الأمة وجهلها بحقائق العقيدة الإسلامية بالدرجة الأولى إلى علم الكلام، فقال (1/142):” أما الإعراض عن أدلة القرآن والذهاب مع أدلة المتكلمين الصعبة ذات العبارات الاصطلاحية ، فإنه من الهجر لكتاب الله وتصعيب طريق العلم إلى عباده، وهم في أشد الحاجة إليه ، وقد كان من نتيجته ما نراه اليوم في عامة المسلمين من الجهل بعقائد الإسلام وحقائقه”. وإنما قلت بالدرجة الأولى لأن أسباب الجهل بالعقيدة وانحرافها في عامة الناس كثيرة، ولكن علم الكلام من الأسباب الذاتية المفسدة لعقائد العلماء والطلبة؛ الذين يفترض فيهم أن يصلحوا العامة.

ورغم وضوح وجلاء مفاسد علم الكلام، فإنه لم يعدم أنصارا يدافعون عنه ويروجونه ، من شبه هؤلاء المدافعين عن هذا العلم قولهم :” إن علم الكلام علم به يقتدر على جواب شبهات الفلاسفة والملاحدة ، والانتصار للعقائد الإسلامية بالحجج العقلية “، ولابن باديس رحمه الله كلام جميل جدا، فيه تبديد لهذه الشبهة الرائجة، حيث قرر أن في القرآن جوابا عن كل شبهة يوردها الضالون، وهذا يعنى أنه أغنى عن علم الكلام من كل وجه، وأنه لم يُخِل بهذا الجانب الذي تذرعوا به، فقال(1/260):” إذا تتبعت آيات القرآن وجدتها قد أتت بالعدد الوافر من شبه الضالين واعتراضاتهم ونقضتها بالحق الواضح والبيان الكاشف في أوجز لفظ وأقربه وأبلغه، وهذا قسم عظيم جليل من علوم القرآن يتحتم على رجال الدعوة والإرشاد أن يكون لهم به فضل عناية ومزيد دراية وخبرة، ولا نحسب شبهة ترِد على الإسلام إلا في القرآن العظيم ردها بهذا الوعد الصادق من هذه الآية الكريمة فعلينا عند ورود كل شبهة من كل ذي ضلالة أن نفزع إلى آي القرآن، ولا إخالنا إذا أخلصنا القصد وأحسنا النظر إلا واجديها وكيف لا نجدها في آيات ربنا التي هي الحق وأحسن تفسيرا”.

الفرع الثاني : التصريح بضلال الأشاعرة

إن التصريح بتضليل الأشاعرة دليل أخص من دليل ذم الكلام وأهله، لأنه يدفع كل احتمال عن انتساب الشيخ إلى العقيدة السلفية، لأنه بالإمكان أن يُتأوَّل كلامه السابق، كما فعل المتأخرون من الشافعية بكلام الشافعي وغيره، حيث حملوه على محامل ظنوها لا تشمل مذهب الأشعرية.

ومن نصوص ابن باديس رحمه الله في هذا السياق، قوله(1/257): ” قلوبنا معرّضة لخطرات الوسواس بل للأوهام والشكوك، فالذي يثبتها ويدفع عنها الاضطراب ويربطها باليقين هو القرآن العظيم، ولقد ذهب قوم مع تشكيكات الفلاسفة وفروضهم ومماحكات المتكلمين ومناقضاتهم ، فما ازدادوا إلا شكا وما ازدادت قلوبهم إلا مرضا، حتى رجع كثير منهم في أواخر أيامهم إلى عقائد القرآن وأدلة القرآن فشفوا بعد ما كادوا كإمام الحرمين والفخر الرازي”. ولا شك أن هذا النص صريح في أن ما كان عليه الجويني قبل ندمه ضلال ، وأن ما كان عليه الرازي قبل توبته باطل . وإمام الحرمين الجويني والفخر الرازي يعتبران من كبار الأئمة في المذهب الأشعري كل واحد منهما يمثل رأس مرحلة من مراحل تطور المذهب، ومما قاله الأول في آخر أيامه أو عند موته:” لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل للجويني، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي أو قال: على عقيدة عجائز أهل نيسابور”(6). ومما قاله الرازي :

“نهايـة إقدام العقول عقــال     وأكثر سعي العالمين ضـلال

وأرواحنا في وحشة من جسومنا     وحاصل دنيانا أذى ووبــال

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا     سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

ثم قال لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلا ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن اقرأ في الإثبات (الرحمن على العرش استوى) واقرأ في النفي ( ليس كمثله شيء ) …ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي”(7).

وأصرح من هذا حكمه الكلي على تأويلات الأشعرية بأنها من الخطأ الضار، إذ قال في ترجمته للشيخ محمد رشيد رضا (3/85):” دعاه شغفه بكتاب الإحياء إلى اقتناء شرحه الجليل للإمام المرتضي الحسيني، فلما طالعه ورأى طريقته الأثرية في تخريج أحاديث الإحياء فتح له باب الاشتغال بعلوم الحديث وكتب السنة، وتخلص مما في كتاب الإحياء من الخطأ الضار وهو قليل، ولاسيما عقيدة الجبر والتأويلات الأشعرية والصوفية والغلو في الزهد وبعض العبادات المبتدعة”. والشخص لا يصف بالضرر شيئا يعتقده وينصره ، والأمر نفسه يقال عن عقيدة الجبر لأنها عقيدة أشعرية أيضا.

المطلب الثالث : ثناء ابن باديس على أئمة الدعوة السلفية المتأخرين

أما ثناؤه على السلف الصالح والقرون الثلاثة المفضلة ودعوة الناس للالتزام بفهمهم ومنهجهم فقد مضى بيانه ، والذي أردنا بيانه في هذا المطلب هو ثناؤه على أئمة الدعوة السلفية المتأخرين، وإن بعض المخالفين في العقيدة قد يشاركنا في الثناء المجمل على السلف دون رموز السلفية المتأخرين، لأن كلام هؤلاء أصرح في بيان باطلهم، وفضح مخالفتهم للمنهج النبوي.

الفرع الأول : دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية

مما هو معلوم أن شيخ الإسلام ابن تيمية يعتبر أحد أكبر المجددين للدعوة السلفية في العصور المتأخرة ، ونظرا لكثرة تآليفه ولشهرته التي طبقت الأرض أصبح من تأخر من المجددين ربما يُنسب إليه ، ومن قل اطلاعه وقصر باعه من الناس يظن أنه هو مؤسس المدرسة السلفية، وليس الأمر كذلك كما هو معلوم، وما هو إلا حلقة بارزة من حلقات التواصل والتجديد في هذا الدين، لأنه لا يجوز أن تخلو الأرض من أهل السنة ولا من قائم لله بالحجة ، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:” لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك”(متفق عليه)، وقال r :” إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها”(أبو داود وصححه الحاكم)، ولأنه لو صح ذلك لكان هو أيضا من المحدِثِين في دين الله والحق والمعروف عنه خلافه، وابن باديس رحمه الله قد أشاد بدعوة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى التوحيد ودافع عنه لما أصبح بعض المتأخرين يزعمون أنه هو محدثُها فقال (1/205): ” وقد أوصل الجهل بكتاب الله بعض أدعياء العلم إلى أن جعلوا الدعوة إلى توحيد الله ونبذ ضروب الشرك طريقة خاصة بابن تيمية على معنى أنها بدعة حصلت بعد انعقاد الإجماع”.

وقد اتفقت كلمة من عرف دعوة الشيخ عن قرب على أنه كان متأثرا بشيخ الإسلام ابن تيمية(8)، على أن المراد بالتأثر اعتماد مصنفاته والاستفادة منها في نصرة الحق، لا بمعنى الانتماء إليه ونصرته كشخص كما يفهمه بعض الناس أو يريدون إفهام غيرهم ذلك، ولقد كان من مذهب الشيخ ابن باديس رحمه الله أن الذي يستحق أن يتبع ويقتدى به هو المقتفي لآثار السلف دون غيره حيث قال في شرح كلمة مجاهد (أئمة نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا )(1/320): ” يعني أن الذين يقتدي بهم الناس من بعدهم هم الذين كانوا يقتدون بسلفهم الصالح من قبلهم، فالذين أحدثوا في الدين ما لم يعرفه السلف الصالح، ولم يقتدوا بمن قبلهم فليسوا أهلا لأن يقتدي بهم من بعدهم ، فكل من اخترع وابتدع في الدين ما لم يعرفه السلف فهو ساقط عن رتبة الإمامة فيه”.

الفرع الثاني : دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب

قال الشيخ رحمه الله معرفا بالدعوة الوهابية(9) وبشيخها وقائدها الأول ابن عبد الوهاب (5/32):” قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدعوة دينية فتبعه عليها قوم فلقبوا بالوهابيين، ولم يدع إلى مذهب مستقل في الفقه ، فإن أتباع النجديين كانوا قبله ولا زالوا إلى الآن بعده حنبليين ، يدرسون الفقه في كتب الحنابلة ، ولم يدع إلى مذهب مستقل في العقائد، فإن أتباعه كانوا ولا زالوا إلى الآن سنيين سلفيين أهل إثبات وتنـزيه، يؤمنون بالقدر ويثبتون الكسب والاختيار، ويصدقون بالرؤية ويثبتون الشفاعة، ويترضون عن جميع السلف، ولا يكفرون بالكبيرة ، ويثبتون الكرامة.

وإنما كانت غاية ابن عبد الوهاب تطهير الدين من كل ما أحدث فيه المحدثون من البدع ، في الأقوال والأعمال والعقائد، والرجوع بالمسلمين إلى الصراط السوي من دينهم القويم بعد انحرافهم الكثير و زيغهم المبين”. فانظر إلى إنصافه ووصفه لأتباع الشيخ ابن عبد الوهاب وللحنابلة بأنهم أهل إثبات وتنـزيه، وأين هو من وصف الأشعرية لأهل السنة عموما وللحنابلة خصوصا بأنهم مجسمة ومشبهة وحشوية؟ وانظر كيف وصفهم بأنهم:” سنيون سلفيون”! وإن وصفا كهذا لا يصدر إلا من موافق لأهل الحق إن شاء الله تعالى. أما عن تلقيب أهل السنة بالوهابية ، فلم يكن مقرا له حيث قال رحمه الله تعالى :”وأصبحت الجماعة الداعية إلى الله يدعون من الداعين إلى أنفسهم (الوهابيين)”.

وربما كان أدلة موافقته أنه قال ذلك بعد أن اتهم بالوهابية، فلم ينكر الموافقة بل انتقل ليهاجم الخصوم ويدافع عن الوهابيين بالكلام الذي ذكرنا، ثم قال (5/103):” لا والله ما كنت أملك يومئذ كتابا واحدا لابن عبد الوهاب، ولا أعرف من ترجمة حياته إلا القليل، ووالله ما اشتريت كتابا من كتبه إلى اليوم، وإنما هي أفيكات قوم يهرفون بما لا يعرفون، ويحاولون إطفاء نور الله ما لا يستطيعون، وسنعرض عنهم اليوم وهم يدعوننا وهابيين، كما أعرضنا عنهم بالأمس وهم يدعوننا عبداويين، ولنا أسوة بمواقف أمثالنا مع أمثالهم من الماضين..” (10).

وقال في موضع آخر في الرد على مبطل من خصوم الدعوة (5/282-283):” ثم يرمي الجمعية بأنها تنشر المذهب الوهابي، أَفَتَعُدُّ الدعوة إلى الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، وطرحِ البدع والضلالات واجتنابِ المرديات والمهلكات نشرا للوهابية، أم أن نشر العلم والتهذيب وحرية الضمير وإجلال العقل واستعمال الفكر واستخدام الجوارح نشر للوهابية ؟ إذا فالعالم المتمدن كله وهابي ! فأئمة الإسلام كلهم وهابيون ! ما ضرنا إذا دعونا إلى ما دعا إليه جميع أئمة الإسلام”.

ولما كانت تهمة الوهابية قد شملت الشيخ رحمه وجميع إخوانه العاملين معه وقد كانت تذرعت بها السلطة الفرنسية الغاشمة لتوقيف نشاط الشيخ الطيب العقبي رحمه الله ، حيث جاء في منشور التوقيف الذي أصدره “ميشال” الوالي الفرنسي آنذاك ما يلي :” إن القصد العام من هذه الدعاية [ يقصد دعوة الشيخ العقبي ] هو نشر تعاليم والأصول الوهابية بين الأوساط الجزائرية بدعوى الرجوع بهم إلى أصول الدين الصحيح، وتطهير الإسلام من الخرافات القديمة التي يستغلها أصحاب الطرق واتباعهم”(البصائر السنة الأولى العدد31ص4).

لأجل هذا وذاك رأيت أن أنقل في هذا الموضع شيئا من كلام محمد البشير الإبراهيمي حول هذه التهمة ، قال رحمه الله (1/123 الآثار):” ويقولون عنا إننا وهابيون كلمة كثر تردادها في هذه الأيام الأخيرة حتى أنست ما قبلها من كلمات: عبداويين وإباضيين وخوارج، فنحن بحمد الله ثابتون في مكان واحد وهو مستقر الحق ، ولكن القوم يصبغوننا في كل يوم بصبغة ويسموننا في كل لحظة بسمة، وهم يتخذون من هذه الأسماء المختلفة أدوات لتنفير العامة منا وإبعادها عنا وأسلحة يقاتلوننا بها، وكلما كلت أداة جاءوا بأداة ومن طبيعة هذه الأسلحة الكلال وعدم الغناء ، وقد كان آخر طراز من هذه الأسلحة المغلولة التي عرضوها في هذه الأيام كلمة وهابي ، ولعلهم حشدوا لها ما لم يحشدوا لغيرها وحفلوا بها ما لم يحفلوا بسواها … ولا دافع لهم إلى الحشد إلا أنهم موتورون لهذه الوهابية التي هدمت أنصابهم ومحت بدعهم فيما وقع تحت سلطانها من أرض الله ، وقد ضج مبتدعة الحجاز فضج هؤلاء لضجيجهم والبدعة رحم ماسة”. ثم بين أن دعوتهم ودعوة الوهابيين دعوةٌ واحدة وقال (1/124الآثار):” ونحن في الجزائر وهم في الجزيرة ، ونحن نعمل في طريق الإصلاح الأقلام وهم يعملون فيها الأقدام ، وهم يعملون في الأضرحة المعاول ونحن نعمل في بانيها المقاول”.

الفرع الثالث : دعوة السلطان المغربي محمد بن عبد الله وابنه سليمان(11).

نشر الشيخ عبد الحميد بن باديس خطبة للسلطان السلفي سليمان المذكور وقدم لها مقدمة ضمنها تزكية هذا السلطان وطلب من خطباء الجزائر أن يخطبوا بها ، وعنونها بقوله “لا تخلوا الأرض من قائم لله بالحجة” ثم قال (4/183):” من المعلوم عند أهل العلم أن مما حفظ الله به دينه وأبقى به حجته؛ أن لا تنقطع الدعوة إلى الله في هذه الأمة والقيام على الحق والإعلان بالسنن، والرد على المنحرفين والمتغالين والزائغين والمبتدعين، وأن أهل هذه الطائفة معروفة مواقفهم في كل جيل، محفوظ آثارهم عند العلماء، غير أن غلبة الجهل وكثرة أهل الضلال قد تحول دون بلوغ صوتهم إلى جميع الناس، فترى أنصار الباطل كلما ظهر داع من دعاة الحق في ناحية اعترضوه بسكوت من سكت من قبله؛ وأوهموا أتباعهم المغرورين بهم أن هذا الداعي جاء بدين جديد ، فيكون من أعظم ما يرد به عليهم ويبصر أولئك المغترين بهم نشر ما تقدم من كلام دعاة الحق وأنصار الهدى في سالف الزمان ، ولهذا ننشر فيما يلي خطبة جليلة لمولانا السلطان سليمان ابن سيدي محمد بن عبد الله، أحد مفاخر ملوك المسلمين في القرن الثاني عشر في القطر الشقيق المغرب الأقصى ، وقد كان هذا الإمام عاملا بعلمه آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر داعيا للسنة محاربا للبدعة، معلما للأمة ما علمه الله ، منفذا فيها لأحكام الله ، وقد نشر هذه الخطبة في رسالة خاصة إخواننا المصلحون في المغرب ورجوا من الخطباء أن يخطبوا بها كما كان أمر صاحبها رحمه الله تعالى أن يخطب بها في زمانه ، فنقلناها من تلك الرسالة ونحن نرجو من خطباء الجزائر أن يخطبوا بها على الناس إن كانوا لهم ناصحين”.

الفرع الرابع : دعوة الشيخ محمد رشيد رضا

أما ثناء الشيخ عبد الحميد بن باديس على محمد رشيد رضا فأمر مشهور ، وقد وصفه بمجتهد العصر وحجة الإسلام، وقال عنه (3/82):” لقد كان الأستاذ نسيج وحده في هذا العصر فقها في الدين وعلما بأسرار التشريع وإحاطة بعلوم الكتاب والسنة ، ذا منزلة كاملة في معرفة أحوال الزمان وسير العمران والاجتماع، وكفى دليلا على ذلك ما أصدره من أجزاء التفسير وما أودعه مجلة المنار في مجلداتها التي نيفت على الثلاثين، وما أصدره من غيرها مثل الوحي المحمدي الذي كان أحب كتبه إلي”.

وقال عن تخلصه مما نشأ عليه(3/85) :” دعاه شغفه بكتاب الإحياء إلى اقتناء شرحه الجليل للإمام المرتضي الحسيني، فلما طالعه ورأى طريقته الأثرية في تخريج أحاديث الإحياء، فتح له باب الاشتغال بعلوم الحديث وكتب السنة، وتخلص مما في كتاب الإحياء من الخطأ الضار وهو قليل، ولاسيما عقيدة الجبر والتأويلات الأشعرية والصوفية والغلو في الزهد وبعض العبادات المبتدعة…”.

المطلب الرابع : مخالفة ابن باديس للأشعرية في مسائل التوحيد

من أوضح المسائل التي خالف فيها الأشعرية مذهب أهل السنة المسائل المتعلقة بالتوحيد الذي هو عنوان الرسالة المحمدية وشعار الجماعة السلفية، وذلك من حيث تفسيره وتقسيمه ودلائل إثباته، التي يتعلق بها معرفة أول واجب، ومعنى النظر وقضية حكم العقل، وقد خالفهم الشيخ رحمه الله في كل ذلك، وبيانه فيما يأتي:

الفرع الأول : وجود الله تعالى

مما هو معلوم أن مُنطلق العقائد الأشعرية هو إثبات وجود الخالق سبحانه وتعالى اعتمادا على دليل الحدوث(12)، والبحث في ما يجوز على ذاته العلية وما يجب لها وما يستحيل ، وهذا أمر قد جرَّد منه ابن باديس كتابه العقائد وتخطَّاه إلى غيره ، حيث ابتدأه بالكلام عن الإسلام وأركانه وعن معنى الإيمان ، ثم لما تطرق لركن الإيمان بالله، قال : “هو الموجود الحق لذاته ، الذي لا يقبل وجوده العدم ، فهو القديم(13) الذي لا بداية له والباقي الذي لا نهاية لوجوده، لقوله تعالى 🙁 أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) (إبراهيم10) …وقوله تعالى 🙁أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ. أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ. أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ) (الطور35-37)، وقوله تعالى : (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (الحديد:3)” (14). فهذا التجريد لم يكن عفويا ولكن كان مقصودا ونابعا عن عقيدة وقناعة سبق أن نقلنا عن الشيخ ما يثبتها، وهذا الشيخ العلامة البشير الإبراهيمي يقول مادحا هذا الكتاب متهكما بهذه المسائل المشار إليها:” فجاءت عقيدة مثلى يتعلمها الطالب فيأتي منه مسلم سلفي ، موحد لربه بدلائل القرآن كأحسن ما يكون المسلم السلفي ، ويستدل على ما يعتقد في ربه بآية من كلام ربه ، لا بقول السنوسي في عقيدته الصغرى : أما برهان وجوده تعالى فحدوث العالم”(مقدمة العقائد19-20). وزيادة على هذا الذي ذكرت فإن ابن باديس قد بين أن وجود الخالق أمر فطري، فلا يحتاج إلى كثرة اشتغال به، فقال(1/63): “الاعتراف بوجود خالق للكون يكاد يكون غريزة مركوزة في الفطرة، ويكاد لا يكون لمنكريه عنادا نسبة عددية بين البشر “.

الفرع الثاني : أول واجب

وإنما يبدأ الأشاعرة بالبحث في وجود الله لأنهم قد قرَّروا أن أوَّل واجب هو المعرفة ومنهم من قال أول واجب النظر الصحيح المفضي إلى العلم بحدوث العالم ، ومنهم من قال أول واجب هو القصد إلى النظر الصحيح (15).

وابن باديس رحمه الله قد ضرب هذه الأقوال كلها عرض الحائط وصرح في كتابه العقائد بخلافها فقال(28) : “أول واجب على المكلف من مسلم بلغ أو كافر يريد الدخول في الإسلام أن يعلم أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله”، وهذا مذهب أهل السنة وقد ذكره مقرونا بأدلته من السنة النبوية الصحيحة، واشترط لقبول النطق بالشهادة الفهم لمعناها مع التصديق التام والاعتقاد الجازم(30-31). ومعنى لا إله إلا الله نفي استحقاق العبادة عن كل أحد سوى الله تعالى ، هذا هو معناها عنده وقد قال في تفسير الإله(1/95):” الإله هو المعبود، والعبادة نهاية الذل والخضوع، مع الشعور بالضعف والافتقار، وإظهار الانقياد والامتثال ودوام التضرع والسؤال”.

وقد بين رحمه الله في موضع أن توحيد الألوهية هو أصل الدين وأساسه(1/95):” هذا هو أساس الدين كله، وهو الأصل الذي لا تكون النجاة ولا تقبل الأعمال إلا به، وما أرسل الله رسولا إلا داعيا إليه ومذكرا بحججه ، وقد كانت أفضل كلمة قالها الأنبياء هي كلمة لا إله إلا الله ، وهي كلمته الصريحة فيه “. ولما كان كذلك فإنه لا ينبغي أن يتقدم عليه شيء من الواجبات.

الفرع الثالث : معنى النظر عند أهل السنة

وتأكيدا لمخالفته للأشعرية في منهجهم وعقيدتهم ، قرَّر صحة الإيمان قبل حصول ما اشترطه الأشعرية من النظر العقلي (16)، فقال في العقائد (32):” من حصل له اليقين بإخبار الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كفاه ذلك اليقين”. ثم فسر النظر المأمور به في الشرع وبيَّن حكمه بقوله :” يجب على المؤمن مع تصديقه وجزمه أن ينظر في آيات الله ويستعمل عقله للفهم، كما تجب عليه جميع الواجبات في الإسلام لقوله تعالى : (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (يونس:101)..النظر الواجب على المكلف هو النظر على الطريقة التي جاء بها القرآن، كما في الآيات المتقدمة لقوله تعالى:(وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ) (التوبة:6). وجه الدلالة من الآية المذكورة أن دعوة الكفار إلى الإسلام تكون بكلام الله تعالى وأن محل النظر الذي أمر به هو القرآن ، ومعنى النظر الذي جعله الأشعرية واجبا في الإيمان أو شرطا في صحته؛ هو النظر في الأدلة العقلية التي رتبها أئمتهم ، لا هذا الذي ذكر ربنا عز وجل في كتابه ، فليتنبه !!

الفرع الرابع : تقسيم التوحيد

والذي يبين بجلاء بعد الشيخ عن معتقد الأشعرية وفهمهُ للعقيدة السلفية الفهم السليم قولُه رحمه الله تعالى في بيان التوحيد وأقسامه (العقائد66):” التوحيد هو اعتقاد وحدانية الله وإفراده بالعبادة ، والأول هو التوحيد العلمي والثاني هو التوحيد العملي ، ولا يكون المسلم مسلما إلا بهما”. ومعلوم أن التوحيد عند الأشاعرة لا يجاوز معاني الربوبية، حيث فسروا الإله بالقادر على الخلق والاختراع (17).

ثم قال (67-68):” ومن توحيده تعالى توحيده في ربوبيته وهو العلم بأن لا خالق غيره ولا مدبر للكون ولا متصرف فيه سواه …ومن توحيده تعالى توحيده في ألوهيته ، وهو العلم بأنه تعالى هو المستحق للعبادة وحده دون سواه ، والقصد والتوجه والقيام بالعبادات كلها إليه…ووحدانيته تعالى في ربوبيته تستلزم وحدانيته تعالى في ألوهيته، فالمنفرد بالخلق والرزق والعطاء والمنع ودفع الضر وجلب النفع هو الذي يجب أن يفرد بالعبادة، التي هي غاية الخضوع والذل مع الفقر والحاجة للعزيز الغني القادر المنعم”.   

وأما قول الشيخ رحمه الله في موضع(65):” وهو واحد في ذاته وصفاته وأفعاله”. وهي تشبه العبارة التي يورد كثير من الأشاعرة في تعريف التوحيد، فإنه لا يدلُّ على موافقته لهم في الاعتقاد، لأن العبارة في حد ذاتها ظاهرها صحيح، وهو فقد فسَّرها بتفسير جار على الطريقة السلفية، ومخالف تماما للتفسير الباطل الذي يذكره الأشاعرة، حيث قال(65-66):”فلا ثاني له ولا نظير له ولا شريك له في ذاته ، ولا ثاني له ولا نظير له ولا شريك له في أسمائه، ولا ثاني له ولا نظير له ولا شريك له في صفاته ، ولا ثاني له ولا نظير له ولا شريك له في أفعاله”. وهذا كله حق ينبغي اعتقاده في الله تعالى ، بينما هم يدخلون في تفسيرها معان كثيرة باطلة؛ من ذلك أنهم جعلوا من توحيد الذات نفي التجزؤ والتركيب، الذي يستلزم عندهم نفي الصفات الذاتية كالوجه واليدين، وجعلوا من توحيد الصفات عدم تعددها، فنفوا بذلك الصفات الفعلية الاختيارية المتجددة كالكلام والإرادة والغضب والرضا ونحوها، وكذلك قد أنكر العلماء على الأشاعرة هذه العبارة، الذين أوردوها في مقام تعريف التوحيد، وهي لا تؤدي كل معانيه، حيث أهمل فيها ذكر توحيد الألوهية ، والشيخ ابن باديس إنما أوردها في باب الصفات، وقد بيَّن بيانا واضحا أن التوحيد قسمان كما سبق نقله، الخلاصة أن إيراد هذه العبارة بالتفسير الذي ذكر، إن دلَّ على شيء فهو يدل على دقة فهم الشيخ رحمه الله وتمييزه للحق من الباطل.

الفرع الخامس : مسألة التحسين والتقبيح

من الأمور التي تميَّز بها الأشاعرة قولهم الشاذ في مسألة التحسين والتقبيح، حيث زعموا أن العقل لا يدرك الأحكام، وأن الأشياء لا توصف بحسن ولا قبح قبل ورود الشرع، مع أنهم يقولون في الوقت نفسه:” ومعرفة الإله إنما تجب بالعقل بعد ورود السمع”(18). وما أداهم إلى قولهم الأول الغريب إلا غلوهم في مخالفة المعتزلة.

    فالمعتزلة قالوا إن العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها، لتعلق الحكم بأوصاف ذاتية في الأشياء وليس الشرع عند وروده إلا مجرد كاشف للحكم الثابت قبله ، وزعموا تبعا لذلك أن الثواب والعقاب كلاهما مرتب على مجرد حكم العقل، وأن التكليف واقع ولو قبل ورود الشرع ، والأشاعرة إذ عارضوا المعتزلة في طرفي القضية، فقد خالفوا أهل السنة والفطر السليمة في الجهة الأولى(19) حيث زعموا أن العقل لا يدرك حسنا ولا قبحا بإطلاق، وأن الأحكام ما هي إلا أوصاف اعتبارية يضفيها الشرع على الأشياء والأفعال، ووافقوا أهل الحق في الجهة الثانية(20) حيث قالوا إن التكليف لا يثبت إلا بعد ورود الشرع.

وفي كلام ابن باديس رحمه الله ما يردُّ القول الشاذ الذي انفرد به الأشعرية، حيث قال رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى : (كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ) (الإسراء:38) (1/147):” عرَّف تعالى عباده في هذه الآية بمنطوقها ومفهومها …أن ما أمرهم به هو الحسن المحبوب، وأن ما نهاهم عنه هو المبغوض القبيح ، فعلموا من ذلك أن أوامر الشرع ونواهيه هي على مقتضى العقل الصحيح والفطرة السليمة، وأنه تعالى لا يأمر بقبيح ولا ينهى عن حسن”. فبيَّن أن الأمر لا يكون إلا بالحسن وأن النهي لا يكون إلا عن القبيح، فأثبت الوصف ثم بين أن الحكم الشرعي لا يأتي إلا على وفقه، ومصدر ذلك الوصف بالحسن والقبح هو مقتضى العقل والفطر السليمة، وهذا هو الذي يخالف فيه الأشاعرة.

وأما قضية معرفة الله تعالى التي جعلوا وجوبها بالعقل بعد ورود السمع فخطأ أيضا، من جهة تأخير إيجاب التوحيد إلى ورود السمع، والحق أن التوحيد واجب بالفطرة وعليه دلائل كثيرة، ولكن المؤاخذة على مخالفته هي التي لا تثبت إلا بعد مجيء الرسل ، وقد بيَّن الشيخ رحمه الله تعالى في موضع أن دلائل وجود الله تعالى ووحدانيته وقيوميته، وآثار رحمته ماثلة في الكون وبادية للعيان، وداعية إلى الشكر هادية للإيمان، وأن العقول كثيرا ما تكون مغلولة بالأهواء ومحجوبة بالغفلة فيقع أصحابها في الكفر، لذلك اصطفى الله من الناس رجالا يذكِّرونهم ويقيمون عليهم الحجة التي بها يستحقون الثواب والعقاب(1/34). وهذا هو قول أهل الحق.

    وأما الشطر الثاني من القضية الأصلية، وهو أنه لا يثبت التكليف إلا بمجيء الرسل، فقد وافق فيه الأشعرية أهل السنة لتمسكهم بالدلائل الشرعية في هذا الباب، كقوله تعالى: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (الإسراء:15)(انظر تقرير ابن باديس لهذا الأصل (1/372-373،376)).

المطلب الخامس : مخالفة ابن باديس للأشعرية في مسائل الأسماء والصفات

من أظهر المسائل التي اختلف فيها الأشاعرة، وخالفوا فيها أهل السنة مسائل الأسماء والصفات، خالفوهم في التأصيل والتفصيل، حيث سلكوا في الجملة مسلك التأويل المبني على معارضة المنقول بالمعقول ، أو مسلك التفويض الذي يسميه كثير من أهل السنة مسلك التجهيل، والشيخ رحمه الله قد كان مباينا لهم في كل ذلك كما سيأتي توضيحه.

الفرع الأول : بيان القاعدة الكلية للإثبات والتنـزيه

قال الشيخ رحمه الله تعالى في كتابه العقائد:” عقيدة الإثبات والتنـزيه، نثبت له تعالى ما أثبت لنفسه على لسان رسوله من ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله، وننتهي عند ذلك ولا نزيد عليه وننـزهه في ذلك عن مماثلة أو مشابهة شيء من مخلوقاته، لقوله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ) (آل عمران 28) (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ) (المائدة 116)”. وقال الشيخ محمد الصالح رمضان في التعليق على هذه القاعدة (62-63):” روينا البيتين التاليين عن أستاذنا الإمام وقت الدرس ولا ندريهما لمن؟ وهما: 

فنحن معشر فريق السنة       السالكين في طريق الجنـة

نقول بالإثبات والتنـزيه      من غير تعطيل و لا  تشبيه

وزاد عليهما معلقا فقال : المعطلون هم الذين ينفون الصفات الإلهية والمشبهون هم الذين يشبهونها بصفات المخلوقات وكلاهما ضلال ، أما السنيون فهم يثبتونها له تعالى وينزهونها عن التشبيه بالمخلوقات والتعطيل تعطيل اللفظ عن دلالة معناه الحقيقي أو الخروج به إلى معنى آخر، والتشبيه تشبيه الله بمخلوقاته ، فنحن نثبت لله ما أثبت الله لنفسه من أقوال أو أفعال أو صفات ، ولا نشبهه في شيء من ذلك بالمخلوقات ، ولا غرابة في إثبات شيء مع عدم تكييفه، فالإنسان يثبت أن بين جنبيه نفسا ولكن لا يستطيع تكييفها كذلك نثبت صفات الله بلا كيف “.

    وأما من قد يتوهم أن الشيخ كان مفوضا فيقال له هذا مردود من عدة أوجه الأول: أنه في النص السابق صرح بأنه يثبت الصفات بلا كيف ولا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم من اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا  أثبت الصفات قاله ابن تيمية كما في المجموع(5/41)، الثاني أنه نص على نفي التعطيل والتفويض في حقيقته تعطيل للصفات وتجهيل لصاحب الرسالة ولأصحابه، الثالث : أن المفوضة يجعلون الصفات من المتشابة الذي يرد علمه إلى الله وقد تكلم ابن باديس عن المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله وحصر ذلك في بضع عشرة كلمة مشيرا إلى الأحرف المقطعة في أوائل السور، ولم يشر إلى آيات الصفات انظر (1/360-362).

الفرع الثاني : مخالفته للأشعرية في الصفات السبع

قد ذكر ابن باديس رحمه الله تعالى في كتابه بعض صفات المولى عز وجل على سبيل التمثيل لا الحصر، فخالف الأشعرية المتأخرين خاصة في عدة أمور منها : عدم اقتصاره على الصفات السبع حيث زاد عليها صفتي الاستواء والنـزول، وعدم تسميتها بصفات المعاني كما اصطلحوا على ذلك، ولا إردافها بالصفات المعنوية المستلزمة لها (كونه حيا كونه سميعا كونه مريدا …الخ) (21)، وكذلك قد ذكر أدلتها كلها من القرآن، ولم يقل إنها هي الصفات العقلية دون غيرها، بل لم يتعرض لحكم العقل فيها ولا في غيرها، ثم إنه في تفسيرها لم يذكر العبارات التي تحدد مراد الأشاعرة بإثبات الصفات المتعلقة بالمشيئة منها، أعني الإرادة والكلام والسمع والبصر، فإنهم يثبتونها على أنها صفات ذاتية قديمة، ويصرحون أنها لا تتعدد ولا تتجدد، فالكلام عندهم معنى واحد قديم، وكذلك الإرادة والسمع والبصر(22)، وهذا مخالف لاعتقاد أهل السنة والجماعة .

    ولا أستبعد أن يكون من مصادره التي استفاد منها في شرح هذه الصفات كتاب شرح أم البراهين للسنوسي الأشعري، وذلك لظهور بعض الموافقة له في العبارات على أنه خلَّصها من الاعتقادات الأشعرية والألفاظ المعقدة-انظر شرح أم البراهين 34-37-، ويكون هذا دليلا آخر على مخالفته للعقيدة الأشعرية في الصفات ، وعلى أن مخالفته كانت عن علم ودراية.

وهذه أمثلة تبين هذا الذي ذكرت :

-قال السنوسي :” والكلام الذي ليس بحرف ولا صوت يتعلق بما يتعلق به العلم من المتعلقات”. ولا يخفى ما في كلام السنوسي من انحراف من جهة نفي الحرف والصوت عن كلام الله عز وجل ، وذلك أنهم إنما أثبتوا صفة الكلام على أنها صفة ذاتية والكلام عندهم هو الكلام النفسي الذي لا يسمع، لأنه ليس بصوت ولا بحرف، وقد حذف الشيخ ابن باديس رحمه الله تعالى هذه العبارة الباطلة، فقال في العقائد(65):” ومن صفاته تعالى الكلام الذي يدل على جميع المعلومات”.

-قال السنوسي :” والعلم المتعلق بجميع الواجبات والجائزات والمستحيلات”. ثم قال في الشرح :” العلم هو صفة ينكشف بها ما تتعلق به انكشافا لا يحتمل النقيض بوجه من الوجوه، فمعنى قولنا المتعلق بجميع الواجبات إلى آخره : أن جميع هذه الأمور منكشفة لعلمه تعالى ومتضحة له تعالى أزلا وأبدا بلا تأمل ولا استدلال اتضاحا، لا يمكن أن يكون في نفس الأمر على خلاف ما علمه جل وعز “.

فقال ابن باديس (65):” ومن صفاته العلم الذي تنكشف له جميع المعلومات من الواجبات والجائزات والمستحيلات، فيعلمها على ما هي عليه من الحالات وتستوي عنده الجليات والخفيات”، فحذف الشيخ هنا كلمات أوردها السنوسي لا ينبغي أن تطلق في حق الباري سبحانه، مثل قول السنوسي :” بلا تأمل ولا استدلال “.

الفرع الثالث : إثبات الصفات الفعلية الاختيارية

قد ألمحت في النقطة السابقة إلى تعطيل الأشعرية للصفات الفعلية الاختيارية (المتعلقة بالمشيئة )، وينبغي أن يعلم أن هذا الأمر – أعني التعطيل – محل وفاق بين المتقدمين والمتأخرين منهم ، فهم يثبتون الصفات الاختيارية على أنها صفات ذاتية قديمة، إذا كانت لازمة كالكلام والإرادة؛ فيقولون هو كلام واحد قائم بالذات لا يتجدد ولا يتعلق بمشيئة، ويجعلون ما كان منها متعديا كالخلق والرزق أفعالا متعلقة بغيره سبحانه؛ فيقولون الخلق هو المخلوق والرزق هو المرزوق … (23). إلا أنهم يختلفون في التصريح بتأويل بعضها كالاستواء والنزول، فالمتقدمون لا يصرحون بالتأويل، فيقولون نثبت الاستواء من غير استقرار ولا كيف ولا تحيز ولا… ونثبت النزول من غير انتقال ولا حركة ولا زوال(24)، وأما المتأخرون فيصرحون بتأويلات هي بعينها تأويلات المعتزلة، فيقولون استوى بمعنى استولى ، وأن النزول هو نزول الرحمة أو نزول الملائكة (25).

    والشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله تعالى مباين لهم في هذا الباب مباينة واضحة سواء المتقدمين أو المتأخرين، فقد قال في العقائد(62) :” ونثبت الاستواء والنـزول ونحوها ونؤمن بحقيقتها على ما يليق به تعالى بلا كيف وبأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد”. وأظن الشيخ محمد الصالح رمضان لم يصب في تصرفه في الأصل ونقله الكلام عن هاتين الصفتين من موضعه إلى موضع الكلام عن الإثبات والتنـزيه السابق ، حيث أوهم كثيرا من القراء أن ابن باديس لا يثبت إلا الصفات السبع على ما هو مشهور عند الأشاعرة ، قال في التعليق :« قوله ( نثبت الاستواء والنزول إلى قوله غير مراد ) كان في الفصل بعد صفة الكلام ..من غير استشهاد عليه بالآيات والأحاديث ، وأرجو ألا يكون هذا من التحكم وسوء التصرف”.

ومن الصفات التي تكلم فيها الشيخ من هذا الجنس صفتا المحبة والبغض، وقد أثبتها على طريقة أهل السنة والجماعة، فأثبتها على أنها صفات فعلية متجددة تتعلق بحال العبد وتتبعه، بخلاف الأشاعرة الذين يقولون لا يزال محبا للطائع ولا يزال مبغضا للعاصي ، وأثبتها على ظاهرها من غير تحريف لها أو تخصيص لها ببعض آثارها، كما يفعله الأشاعرة الذين يتأولون المحبة بأنها إرادة الإنعام، كما يتأولون البغض بأنه إرادة الانتقام، فقال الشيخ رحمه الله (1/201):” إن هذا القبول الذي سيجعل لمن أحبه الله في الأرض ..هو نوع الوُد المذكور في الآية وبيَّن أن أهل القبول في الأرض محبوبون في أهل السماء قبل أهل الأرض، وبيَّن أن سبب ذلك القبول هو محبة الله لهم فمن أحبهم حببهم لعباده، ولما كان سبب ذلك القبول محبة الله لهم بين صلى الله عليه وآله وسلم أن بغض الله سبب في بغض الخلق لهم، إذ ما تسبب عن أحد الضدين يتسبب عن الآخر ضده”. فأثبت الصفة مع بيان أثرها، وقال رحمه الله أيضا (1/212):”إن الحب من الله والبغض كسائر أفعاله لا تقع إلا على وجه الحق والعدل والسداد، وهذا أمر واجب لأفعال الرب الحكيم، فالمؤمنون أحبهم ونصرهم لإيمانهم وأعداؤهم أبغضهم وخذلهم لخيانتهم وكفرهم”. فأثبت أنها من صفات الأفعال وأنها ترتبط بحال العبد طاعة ومعصية، ومثله في الدلالة على هذا المعنى قوله :” فإذا أعدمت منهم الأمانة فخانوا الله والرسول وخانوا أمانتهم، وفشت فيهم الفواحش والمناكر استوجبوا غضب الله وبغضه ونقمته، وحرموا نصرته ودفاعه وكانوا هم الظالمين “.

الفرع الرابع : مسائل متعلقة بصفة الكلام

ومن المسائل التي لها تعلق بالعقيدة في كلام الله عز وجل ، مسائل أصولية مشهورة انفرد الأشعرية فيها بمذاهب خارجة عن إجماع الأمة وعن المعقول، ومن ذلك إنكارهم أن للأمر صيغة، وأن صيغة اِفعل لا تدل على الأمر إلا بقرينة، لأن الأمر معنى قائم بالنفس، وأنه إذا ثبت أن للأمر صيغة فهي لا تدل على الوجوب أو الندب إلا بقرينة، أعنى أن مذهبهم فيها الوقف، وقولهم أنه ليس للعموم صيغة وأن العام بعد التخصيص لا يحتج به.

    وقد خالفهم ابن باديس رحمه الله في كل هذا، فقال:” صيغة الأمر إذا جاءت للطلب محمولة على الوجوب إلا لقرينة أو دليل”(مبادئ الأصول:32). وجعل فصلا لصيغ العموم، وقال:” ويجب أن يحمل على عمومه لظهوره في العموم حتى يثبت ما يخصصه ببعض أفراده، فيخرج منه ما اقتضى الدليل المخصص إخراجه، ويبقى على عمومه فيما عداه”(مبادئ الأصول:38).

الفرع الخامس : من فروع إثبات الإرادة صفة فعلية اختيارية

كما سبق فإن من أصول ضلال الأشاعرة في الصفات نفيهم للفعل الاختياري، ومن فروع هذا الأصل اعتقادهم بأن الإرادة إرادة واحدة قديمة ، ولهذا الاعتقاد الأثر الواضح في باب القدر كما سيأتي.

وفي كلام ابن باديس دلائل كثيرة على مفارقتهم في هذه العقيدة الباطلة، ومن ذلك قوله في باب النسخ من مبادئ الأصول(45) :” وكل دليل منهما رفع به الشرع حكما ثابتا بدليل سابق فهو الناسخ، فكل رفع لحكم ثابت بدليل متقدم جملة بدليل متأخر لولاه لاستمر الحكم فهو النسخ”. فهذا يقتضي أنه أراد في الوقت الأول غير ما أراد في الوقت الثاني وهذا معنى إثبات الإرادة على أنها صفة متجددة أو فعلية اختيارية.

     ولقد كان من لوازم مذهب الأشاعرة إنكار النسخ لأن الإرادة عندهم ليست إلا معنى واحدا قائما بالذات كما سبق لا يتجدد كما لا يتعدد، ولما كانوا مضطرين إلى إثباته لورود النصوص الصريحة به ولكي لا يناقضوا عقيدتهم المذكورة فقد اخترعوا للنسخ تعريفا موافقا لها فقالوا بأن النسخ بيان متأخر وليس رفعا لحكم ثابت (26).

المطلب السادس : مخالفة ابن باديس للأشعرية في مسائل القدر والحكمة والتعليل

إن مسائل القضاء والقدر لا تكاد تنفك عن مسائل التوحيد والصفات ، فمن نفى الصفات نفى القدر تبعا لذلك، لأن القدر هو علم الله وقدرته ومشيئته وخلقه، والقدرية النفاة جعلوا للعبد مشيئة مطلقة وقدرة مطلقة وجعلوه خالقا لأفعاله(27)، وكذلك الجبرية أثبتوا بعض الصفات (كالخلق والإرادة ) على أنها قديمة أزلية من جهة وجعلوا من التوحيد أن لا يوصف بها أحد غيره من جهة أخرى، فتلائم ذلك مع عقيدة الجبر فجعلوا إرادة الله تعالى واحدة قديمة فمن خُلق للنار فهو لها لا يقدر على الإيمان والطاعة ومن خُلق للجنة فهو لها ولا يقدر على الكفر والعصيان، كما التزموا بعد ذلك نفي الحكمة والتعليل وتفسير الظلم بالتصرف في ملك غيره(28)، وغير ذلك من الضلالات . ومن فرقِ الجبريةِ الأشعرية الذين راموا التوسط بين قول أهل السنة والجماعة وبين الجبرية فوافقونا في الظاهر ووافقوهم في الحقائق (انظر مجموع الفتاوى 8/229-230).

الفرع الأول : إثبات الاختيار الحقيقي للعبد

الأشاعرة لا يثبتون للعبد اختيارا إلا اختيارا مجازيا لا تأثير له يسمونه كسبا (29)، لأن الله تعالى عند الجبرية هو وحده الفاعل الخالق القادر الذي يؤثر وصاحب الإرادة النافذة. والشيخ ابن باديس رحمه الله تعالى قد أثبت للعبد اختيارا حقيقيا يؤثر ولا يخرج به عن مشيئة الله تعالى كما هي عقيدة أهل السنة، فقال(70):” ومن توحيده تعالى في ربوبيته اعتقاد أن العبد لا يخرج في جميع تصرفاته عن مشيئته، غير أن له اختيارا يجده بالضرورة من نفسه، ومشيئة يجدها كذلك فيما يمكنه من أفعاله كان بها مكلفا، ثم لا يخرج بها عن مشيئة الله”. وأُذكر هنا بأن ابن باديس قد عدَّ عقيدة الجبر من الخطأ الضار الموجود في كتاب الإحياء، وسبق نقل ذلك من لفظه.

وقال في التفسير (1/376):” لا حجة لمن مات على كفره بما سبق في علم الله فيه: قامت حجة الله على خلقه بما ركب فيهم من عقل وما مكنهم من اختيار، وما نصب لهم من آيات ومشاهدات، وما أرسل إليهم من رسل بآيات بينات، وهذه كلها أمور معلومة لديهم ضرورة لا يستطيعون أن ينكروا شيئا منها”.

الفرع الثاني : إثبات القدرة قبل الفعل

إن الأشاعرة لا يثبتون القدرة للعبد إلا مع الفعل أو عند القيام به، أما قبل الفعل ( الطاعة أو المعصية ) فهم يقولون إن العبد غير قادر عليها(30)، أما أهل السنة والجماعة فيثبتون للعبد قدرتين قدرة الأهلية تكون قبل الفعل وهي مناط التكليف، وقدرة التنفيذ وهي التي تكون مع الفعل.

والشيخ رحمه الله تعالى قد صرح بإثبات قدرة الإنسان على الفعل وإن لم يعمل به، فقال(76):” لا يحتج بالقدر على الذنوب لأن حجة الله قائمة على الخلق بالتمكن والاختيار والدلالة الفطرية والدلالة الشرعية”.والشاهد هو قوله : بالتمكن. والأشاعرة يقولون الكافر لم يكن  بإمكانه أن يؤمن أبدا، وقال رحمه الله (1/242):” إن الله تعالى إنما يحاسب عباده على ما عملوه وكسبوه واكتسبوه بما عندهم من التمكن من الفعل والترك وما عندهم من الاختيار ، لا على علمه منهم قبل أن يفعلوه، فلهذا يمتحنون لتظهر حقائقهم ويقع جزاؤهم على ما كسبت أيديهم باختيارهم، ولا حجة لهم في تقدم علمه تعالى بما يكون منهم ، لأن تقدم العلم لم يكن ملجئا لهم على أعمالهم”.

الفرع الثالث : المنع من التكليف بما لا يطاق 

ومما فرَّعه الأشاعرة على ما سبق من أن الإنسان لا قدرة له إلا مع الفعل أنه يجوز تكليفه بما لا يطاق ، باعتبار أن التكليف يسبق الفعل، ومن كلِّف بالإيمان ثم لم يؤمن فقد كلِّف بما لا يطاق عندهم، ويقولون لو كانت له قدرة لآمن(31)، وهذا كله مرتب على أصل الجبر وتفسيرهم المحدث للإرادة.

وابن باديس رحمه الله يقول في مبادئ الأصول(23):” المحكوم فيه هو فعل المكلَّف الظاهر والباطن ولم يكلف الله العباد إلا بما في مقدورهم ولا حرج عليهم فيه فلا تكليف بغير المقدور “. مراده بالمقدور هو القدرة الشرعية المصححة للفعل التي هي مناط الأمر والنهي والثواب والعقاب وهذه القدرة تتقدم الفعل فقد توجد ويوجد معها الفعل وقد توجد وينتفي معها الفعل.

الفرع الرابع : إثبات الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى وأحكامه

ويتبع قول الأشاعرة السابق سؤال مفاده: أن العبد ما دام غير قادر فكيف يكلَّف ؟ أو ما الحكمة من تكليفه بما لا يطاق؟ (أي لماذا يكلف الكافر بالإيمان وهو غير قادر عليه ولماذا ينهى المؤمن على الكفر وهو غير قادر عليه ) فكان جوابهم:”أن الله تعالى فعال لما يريد، وليس للأمر والنهي حكمة مطلوبة ولا علة مقصودة ، وتعالى الله عن الأغراض كما تنـزَّه عن الأعراض”(32).

والشيخ رحمه الله تعالى قد أثبت العلل وأثبت الحكمة في أفعال الله تعالى وأحكامه ومن نصوصه في ذلك قوله في مبادئ الأصول (24):” ثم الخطاب التكليفي إن كان مما تتوقف عليه مصلحة كل فرد توقفا مباشرا توجه لكل فرد وسمي الخطاب خطابا عينيا …وإن كان مما تتوقف عليه مصلحة المجموع”. ومنها قوله في المبادئ (45):”حكمة النسخ مراعاة المصلحة وتدريب الأمة على تلقي الأحكام ، والتنبيه على اعتبار المصالح في التشريع “. وقال أيضا (1/164):” الله حكم عدل حكيم خبير ، فما من حكم من أحكامه الشرعية إلا وله حكمته ، وما من حكم من أحكامه القدرية إلا وله سببه وعلته ، لا لوجوب أو إيجاب عليه ، ولكن بمحض مشيئته ومقتضى عدله وحكمته”. وليس من شرط ثبوت الحكمة الوقوف عليها ومعرفتها بل قد تكون ظاهرة ومعلومة وقد تكون خفية وهذا ما قرره الشيخ رحمه الله إذ قال في العقائد (76):”وقد تدرك حكمة القدر ولو بعد حين وقد تخفى”.

الفرع الخامس : التفريق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية

كما سبق فإن من أصول ضلال الأشاعرة في باب القدر اعتقادهم بأن الإرادة إرادة واحدة قديمة، إضافة إلى عدم تفريقهم بين الإرادة الكونية والشرعية وكذلك عدم التفريق بين الإرادة والمحبة.

أما عقيدة ابن باديس في الإرادة فسبق بيانها، وأما التفريق بين الإرادة الكونية والشرعية كما هو قول أهل السنة فقد نص عليه في مواضع منها قوله (1/96):” القضاء يكون بمعنى الإرادة ، وهذا هو القضاء الكوني القدري الذي لا يتخلف متعلقه فما قضاه الله لابد من كونه ، ويكون القضاء بمعنى الأمر والحكم، وهذا هو القضاء الشرعي الذي يمتثله الموفقون ويخالفه المخذولون”. ومن فروع هذا التفريق عند أهل السنة أنه ليس كل ما أراده كونا يكون قد أراده شرعا أو أحبه ، وفي هذا المعنى يقول رحمه الله تعالى عن الشر (1/406):” وتصح نسبة هذا القسم إلى الله تعالى من حيث الخلق والحكمة، ونسبة أعماله إليه من حيث التقدير والتكوين لا من حيث الرضى والتكليف ، فالله لا يرضى بالشر ولا يكلف به “.

الفرع السادس : تفريقه بين هداية الدلالة وهداية التوفيق

من أعظم مظاهر ضلال الأشعرية عدم تفريقهم بين الهداية العامة هداية الدلالة والهداية الخاصة هداية التوفيق ، فهم يقولون من هداه الله اهتدى ومن لم يهتد فالله أضله ولم يهده -بإطلاق – ولو هداه لاهتدى (33).

قال الشيخ رحمه الله مخالفا لهم (1/55):” الهداية ونوعها ، قد دل الله الخلق برسوله وبكتابه على ما فيه كمالهم وسعادتهم ومرضاة خالقهم ، وهذه هي هداية الدلالة ، وهي من فضل الله العام للناس أجمعين ، وبها وبما يجده كل عاقل في نفسه من التمكن والاختيار قامت الحجة على العباد، ثم يسر من شاء –  وهو الحكيم العدل –إلى العمل بما دل عليه من أسباب السعادة والكمال ، وهذه هي دلالة التوفيق وهي من فضل الله الخاص بمن قبلوا دلالته وأقبلوا على ما أتاهم من عنده فآمنوا برسوله والنور الذي أنزل معه، كما قال تعالى 🙁وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ) (محمد 17) وأما الذين أعرضوا عن ذكره وزاغوا عما دلَّهم عليه فأولئك يخذلهم ويحرمهم من ذلك التيسير كما قال تعالى: ( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) (الصف5) فالمقبلون على الله القابلون لما أتاهم من عنده هدوا دلالة وتوفيقا والذين أعرضوا قامت عليهم الحجة بالدلالة وحرموا من التوفيق جزاء إعراضهم”.

المطلب السابع : مخالفة ابن باديس للأشعرية في مسائل الإيمان والكفر والنبوات

ومن القضايا الاعتقادية المهمة التي كانت محل خلاف بين الأشاعرة وأهل السنة مسائل الإيمان والكفر التي تسمى أيضا مسائل الأسماء والأحكام، حيث جنح الأشاعرة إلى مذهب غلاة المرجئة المخرجين للأعمال من مسمى الإيمان، ولما بقيت مسألة متعلقة بالنبوة خالف الأشاعرة فيها أهل السنة ضممتها إلى مسائل الإيمان، وفيما يأتي توضيح مخالفة الشيخ رحمه الله لهم في كل ذلك وموافقته لأهل الحق والله الموفق. 

الفرع الأول : معنى الإيمان

من المعلوم أن الإيمان عند الأشاعرة المتأخرين هو مجرد التصديق القلبي ، ولا يدخلون فيه الأعمال إلا على سبيل المجاز ، وأما الأشعري ذاته فله في هذه المسألة قولان، قول كقول أهل السنة وهو الذي ذكره في الإبانة والمقالات(34)، وقول آخر وافق فيه الجهمية -من أن الإيمان هو التصديق -ذكره في كتبه الأخرى ونصره الباقلاني وغيره من أئمة المذهب وأكثر المتأخرين، وهذا الأخير هو الذي يستقيم مع عقيدة الجبر التي يتبناها هؤلاء (35).

والشيخ ابن باديس رحمه الله قد بين عقيدته السلفية في هذا الباب بعبارات صريحة واضحة، فقال في العقائد (44): “ويجيء لفظ الإيمان في لسان الشرع مرادا به التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره حلوه ومره …ويجيء الإيمان في لسان الشرع أيضا مرادا به الأعمال الظاهرة من الأقوال والأفعال المبنية على التصديق واليقين”. ثم قال أيضا في العقائد (48):” الإيمان في الوضع الشرعي هو قول باللسان وعمل بالقلب وعمل بالجوارح، فمن استكمل ذلك استكمل الإيمان ومن لم يستكمله لم يستكمل الإيمان”(36). وقال في موضع آخر (1/228) عن العلم والعمل إنهما ركنا الإيمان.    

الفرع الثاني : زيادة الإيمان ونقصانه

مما هو متقرر عند جمهور الأشاعرة أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ، لأنه مجرد التصديق القلبي (37)، وعند أهل السنة الإيمان بقسميه يزيد وينقص ، الإيمان القلبي الذي هو أصل الإيمان والإيمان الكامل الموجب للوعد المطلق .

وعن القسم الأول يقول ابن باديس رحمه الله في العقائد (50):” التصديق الذي هو الجزء الأصلي يقوى ويضعف يقوى بالنظر في الآيات الكونية والآيات السمعية والتقرب بالعبادات الشرعية ويضعف بضد ذلك”. على أن في عبارة التصديق تجوز ، لأن في القلب قول وعمل ، ومن العمل القلبي المحبة والتعظيم والإخلاص ومن أهل العلم السلفيين من يطلق هذه العبارة ويريد بها قول القلب وعمله معا(انظر فتح الباري لابن رجب 1/88).

وقال في القسم الثاني كما في العقائد(49):” الإيمان يزيد وينقص ، يزيد بزيادة الأعمال، وينقص بنقصانها”. وقال أيضا كما سبق نقله :”فمن استكمل ذلك استكمل الإيمان ومن لم يستكمله لم يستكمل الإيمان”، وهذا الكلام في غاية الصراحة والوضوح ولا يحتاج إلى مزيد شرح.

الفرع الثالث : القول بتفاوت العلوم والظنون

ومن الأمور التي قعّدها الأشاعرة في مذهبهم أن العلم أو اليقين منزلة واحدة لا تتفاوت ، فمن آمن لا يمكن أن يزيد إيمانه لأنه علم ، ولا يمكن أن ينقص لأن نقصانه كفر ، وكذلك جعلوا الظن مرتبة واحدة فلا يجوز أن يزيد أو ينقص. وهذا مشهور عندهم لذلك أنكروا تفاوت الواجبات والمحرمات وربما أنكروا الترجيح بين الأدلة ، وصرحوا بتصويب المجتهدين في الظنيات وغيرها من اللوازم الباطلة (38).

    أما الشيخ ابن باديس رحمه الله تعالى فقد قال بالتفاوت وخالفهم في هذا الأصل وفي فروعه فقال(1/142) :” إن كل دليل يكون ظنيا بمفرده يصير يقينا إذا عرض على كليات الشرع ومقاصده وشهدت له بالصواب”، وقرر في موضع آخر(1/306) أن العمومات إذا تعددت وتكاثرت أفادت القطع.   

الفرع الرابع : معنى الكفر

والكفر عند الأشاعرة بناء على قولهم في الإيمان هو التكذيب، وليس شيء من الأقوال والأعمال والاعتقادات كفرا إلا إذا دل على التكذيب ، والغلاة منهم الذين جعلوا الإيمان المعرفة – وهي غير التصديق – يقولون إن الكفر هو الجهل(39). ولابن باديس رحمه الله تعالى نصوص كثيرة تفيد مخالفة هذا الاعتقاد الباطل منها قوله(1/212-213) :”وكذلك الكفر والنفاق وكذلك الشرك، وإنما يخرج المرء عن أصل الإسلام بما كان في أصل العقيدة لا بما كان من الأعمال إلا عملا دل دلالة ظاهرة على فساد في العقيدة وانحلالها”.

وقسم في كتابه “العقائد” أسباب الكفر إلى ما يرجع إلى التصديق بالقلب واللسان وإلى ما يرجع إلى العمل القلبي الذي هو ركن فيه فقال (53-54):” ومن عدم من إيمانه اليقين خرج عن دائرة المؤمنين وكان من جملة الكافرين ولو نطق بالشهادتين وعمل أعمال المؤمنين …من عدم منه النطق إباية وعنادا لم يكن من المؤمنين وكان من الكافرين لقوله تعالى: ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً) (النمل 14). من لم يخضع قلبه لما عرفه من عقائد الإسلام لم تفده تلك المعرفة ولم يكن بها من المسلمين لقوله تعالى 🙁الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة 146)”، وقال في موضع (1/34)عن الناس أنهم يكفرون كفر جحود وعناد أو كفر عصيان وطغيان.

وأما قوله رحمه الله (1/176):”والكفر قسمان اعتقادي وهو الذي يضاد الإيمان، وكفر عملي وهو لا يضاد الإيمان، ومنه كفر تارك الصلاة غير المستحل للترك وكفر من لم يحكم بما أنزل الله”. فلا يعني أنه لا يكفر بشيء من الأعمال كيف وقد قال كما سبق نقله:” إلا عملا دل دلالة ظاهرة على فساد في العقيدة وانحلالها”. ومن الأعمال المكفرة السجود للأصنام وإهانة المصحف والاستهزاء بشعائر الدين وسب الله تعالى ورسوله، وكان الشيخ ابن باديس رحمه الله يرى أن من تجنس بالجنسية الفرنسية كفر كفرا أكبر –وهذا من الأعمال -فكان مما قاله فيه(3/308):”التجنس بجنسية غير إسلامية يقتضي رفض أحكام الشريعة ، ومن رفض حكما واحدا من أحكام الإسلام عُدَّ مرتدا عن الإسلام بالإجماع فالمتجنس مرتد بالإجماع”.

    وينبغي أن يعلم أنه اعتبر رفض أحكام الشريعة علة للحكم وليس شرطا فيه، فإن بين القولين فرقا مؤثرا قد يخفى على بعض الناس فيخرجون من مسمى الكفر أكثر أفعاله الصريحة فيه كسب الله تعالى والسجود للصنم ونحو ذلك.

الفرع الخامس : دلائل النبوة ومعنى إعجاز القرآن

من المواضع التي اختلف فيها أهل السنة مع الأشاعرة دلائل النبوة ، حيث حصرها الأشاعرة في المعجزات التي هي عندهم الخوارق التي يحدثها الله على يد النبي وهي عند أهل السنة لا تنحصر في ذلك(40)، واختلفوا أيضا في حقيقة المعجزة وكيف التفريق بينها وبين الكرامة وبينها وبين السحر ، فقال الأشاعرة المعجزة هي أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي (لإخراج الكرامة ) مع عدم المعارضة (لإخراج السحر )، ولم يذكروا أنه شيء يعجز عن مثله الإنس والجن وهو الحد الصحيح عند أهل السنة ، بل صرحوا بخلافه وقالوا:” إن ما يكون سحرا يصح أن يكون معجزة، وما كان معجزة جاز أن يأتي به الساحر، وإنما الفرق في إعدام المعارضة وصرف الناس عنها لا في جنس العمل”، وهذا ما يسمى بعقيدة الصرفة (41).

وفي كلام ابن باديس ما ينقض هذا الاعتقاد وذاك، إذ قال في العقائد(87):” لما أرسل الله الرسل لهداية خلقه وإقامة حجته أيدهم بالبينات وهي كل ما تبين به الحق من كمال سيرتهم في قومهم ووضوح بيانهم وقوة حجتهم وأيدهم بالآيات المعجزات الخارقة للعادة المعجوز عن معارضتها فكانوا يدعون الخلق بالبراهين”. فصرح هنا بعدم انحصار دلائل النبوة في المعجزة الخارقة للعادة، حيث جعل من البينات أو دلائل النبوة كل ما أبان عن الحق ومنها كمال السيرة، وقال أيضا (1/234):” القرآن أعجز العرب ببلاغته حتى عرفوا وعرف العلماء بلسانهم المرتاضين ببيانهم أنه ليس مثله من طوق البشر”. وهذا أيضا واضح في أن الإعجاز سببه الخروج عن قدرة البشر وليس هو صرف الله تعالى للناس عنه كما يذكره الأشاعرة، وأما عبارة “المعجوز عن معارضتها” في كلامه السابق فهي عبارة في ذاتها صحيحة، ولكن الأشاعرة يفسرون هذا العجز عن المعارضة التفسير الباطل المشار إليه وقولهم الذي يجعل المعجزة أمرا عاديا ممكنا لكل أحد سوى أن الله لم يكذب الرسول وأعجز غيره من الناس عن الإتيان بمثله.

    ومن الأشاعرة من يذكر أن من شرط المعجزة الاستشهاد بها والتحدي بأن يؤتى بمثلها ثم وقوعها على وفق المدعى، وهذان الشرطان لو التزمها المرء لأخرج من مسمى المعجزة كل معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللهم إلا القرآن ، فلا أخبار الغيب التي حدثت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تدخل ولا الإسراء والمعراج ولا غيرها من الأمور التي حدثت وخلت عن التحدي والوقوع بعده (انظر النبوات 1/451،498،605).

     وإن الشيخ ابن باديس لم يبال بهذه الشروط في موضع تحدث فيه عن المعجزات ومن ذلك قوله في موضع(1/135):”ومنها أن من معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم إخباره بأمور غيبية لم يكن شيء مما يدل عليها أو يقتضي وقوعها يوم أخبر بهذا فوقعت كما أخبر”.

المطلب الثامن : آثار مخالفة ابن باديس للعقيدة والمنهج الأشعري على المجتمع الجزائري

كما سبق في المقدمة فإن قضية مخالفة الشيخ للعقيدة الأشعرية أمر قد خفي عن كثير من الناس، وبالتالي فإن أثر هذه المخالفة قد يكون خفيا أيضا، ولكن عند إمعان النظر فإننا نجد آثارا كثيرة منها ما نتج عن مخالفة العقائد الأشعرية ومنها ما نتج عن مخالفة المنهج الكلامي ككل، وفيما يأتي محاولة لإبراز هذه الآثار، عن طريق إظهار الفرق بين حالتين وواقعين واقع كان قبل عصر الشيخ ابن باديس رحمه الله في الجزائر، وواقع آخر ظهر في عصره وربما امتد إلى ما بعد وفاته وإلى يومنا هذا.

الفرع الأول : تصحيح مفهوم التوحيد

من الأمور التي كانت سائدة في الجزائر وعامة في الناس فشو مظاهر الشرك القولية والعملية والاعتقادية، ومن الأمور التي ساعدت على فشو هذه المظاهر بل وجعلتها هي مظهر التدين وعلامة الالتزام بالشرع أن المنتسبين للعلم هم أول الواقعين في ذلك والمحرضين عليه، أو على الأقل الساكتين والمقرين له، لأن العلم الذي كانوا يتلقونه في العقيدة ونحوها لم يكن فيه بيان لحقيقة التوحيد التي تجعل الناس يعرفونه ويعرفون ما يضاده، فالتوحيد عندهم كان يؤخذ من كتب المتكلمين وكتب المتكلمين خالية تماما عن شرح العبادات الواجبة لله تعالى أو توضيح المظاهر الشركية ونواقض الإسلام ، إذ كل ما فيها التركيز على قضية وجود الله ونفي الحدوث والتشبيه عنه إلى غير ذلك من المسائل العقلية التي لا تثمر في غالبها إيمانا ولا وتوحيدا، وحتى أنه وُجد مجموع لأحد القضاة الجزائريين المتأخرين نسخ فيه أمورا متناقضة حيث ذكر فيه أسانيده إلى البخاري رحمه الله، ثم نسخ العقيدة السنوسية، وبعدها مباشرة كتب بعض الطلاسم لدفع العين وما يسمى بالتابعة ، فكان ذلك عندي أكبر برهان على صحة ما ذكره علماء الإصلاح، من أن شيوع العقائد الكلامية والعقيدة الأشعرية خصوصا كان من أعظم أسباب انتشار مظاهر الشرك؛ في هذه البلاد وغيرها من بلاد المسلمين(42).

ولكن بفضل الله تعالى وبفضل الدعوة المباركة، التي كان ابن باديس رحمه الله قائدها وشيخها قد أعيد إلى الطلبة الذي تعلموا في مدرسة ابن باديس مفهوم التوحيد الصحيح ، وانتشر في أكثر الأمة تبعا لذلك العلم الصحيح بالعقائد وبمظاهر الشرك المردية ، وهذا أمر محسوس لا يحتاج إلى أن يقام عليه برهان.

الفرع الثاني : محاربة عقيدة الإرجاء

ومن أشواك العقيدة الأشعرية التي جنتها الأمة عقيدة الإرجاء التي صدعت التوحيد وحللت الأخلاق ، حيث أن الأشاعرة كما هو معلوم يجعلون الإيمان كاملا بمجرد التصديق ويخرجون الأعمال من مسمى الإيمان، ولا شك أن هذا الاعتقاد له تأثيره على الخاصة فكيف بالعامة إذا وصل إليهم وشاع بينهم وغلب عليهم، أما الخاصة فإنهم لما فشا فيهم الإرجاء عطلوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسكتوا عن بيان الحق حيث لا يجوز السكوت ، واكتفوا بالإنكار القلبي لما يقرون أنه منكر، وربما نجدهم يتورعون عن تكفير المرتدين الرافضين لشرائع الدين أو المجاهرين بالدعوة إلى مظاهر الشرك، ومناقضة دعوة الإسلام من سحرة ومشعوذين وزنادقة مرتدين، والعامة تبع لخاصتهم في إقرار ما يقرونه واتباع ما سكتوا عنه، ويزيدون على ذلك بتحللهم من الشرائع العملية، وانغماسهم في أوحال المعاصي اعتمادا منهم على أن الإيمان في القلب، بل ربما وقعوا في الكفر عمدا اتكالا منهم على الإيمان هو مجرد التصديق القلبي(43).

    والشيخ ابن باديس جاهر بمخالفة العقيدة الأشعرية، ونصرته لاعتقاد السلف بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وبث ذلك في طلبته وأكد عليه في دروسه، فحيي بذلك ما كان غائبا في الأمة كفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(44)، وصدع الشيخ بتكفير من خالف عقائد الإسلام الصريحة كعقائد التجانية وكقضية التجنس بالجنسية الفرنسية التي كانت من مظاهر الرضا بحكم الكفار، وقد كان لذلك الأثر البالغ في نفوس الجزائريين وغير الجزائريين، وتحطمت بها خطة الإدماج التي سعت إليها فرنسا، وتحمل الناس واجب الدعوة والنصيحة فحييت بذلك الضمائر فعادت جموع من الأمة إلى المحافظة على شعائر الدين وقواعده وتركت مظاهر الفسق وأنواع الرذائل، ويمكن أن يقال أنه بمحاربة فكر الإرجاء وتطبيقاته العملية تمكن الشيخ من المحافظة على بقاء الإسلام في هذه البلاد.

الفرع الثالث : إبطال عقيدة الجبر

ومن العقائد الباطلة التي ورثها عموم الناس عن المدرسة الأشعرية عقيدة الجبر والتواكل، التي انسجمت مع الفكر الصوفي الذي ساد أيضا في العصور المتأخرة ، وعلى كل لا يخفى الارتباط بين عقيدة الجبر والإرجاء خاصة من حيث الأثر الذي هو ترك العمل، بل الجبر أشر من جهة العموم لترك جميع الأعمال، العبادية منها والعادية ، وتأثير هذه العقيدة الفاسدة على الناس له مظاهر منها القديم الذي يختص به العامة في الغالب كالاحتجاج بالقدر على المعاصي وترك العبادات والاحتجاج به على الخمول والتواكل وترك الكسب الحلال، ومنها الجديد الذي اختص به المتأخرون وشارك فيه العامة الخاصة كترك الجهاد ومقاومة المستعمرين بدعوى الرضا بالقضاء وكذا الرضا بكل مظاهر الدون والتخلف وعدم محاولة التغيير بزعم أنه قدر محتوم، ولقد وجد هذا المعتقد الفاسد رواجا كبيرا جعل المجددين في بداية القرن يشتكون منه ويردون على أهله.

وتصريح ابن باديس بمخالفة هذه العقيدة الباطلة وفروعها القاتلة كان له الأثر الواضح في بعث الروح الجهادية، التي كان لها الفضل في تحرير الجزائر فيما بعد، كما كان لها الأثر في بث روح العمل والتضحية في سبيل الدين والدعوة إليه، ونبذ التواكل والتماوت الصوفي الذي كان مسيطرا على نفوس الناس، وذلك بالنهضة العلمية التي قامت بالمال والرجال وجلائل الأعمال، وكان منها البعثات التي كانت توجه إلى الخارج من أجل التكوين في شتى المجالات الدينية والدنيوية.

وإن في نشر التفريق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية دواء ناجع لمرض الرضا بالحال المزري، وفي نشر التفريق بين الهداية العامة والهداية الخاصة إفحام للمحتج بالقدر على المعاصي والانحراف (انظر العقائد (76)).

الفرع الرابع : تصفية العلوم الشرعية وربط الناس بالكتاب والسنة

إن مما هو معلوم أن العلوم الشرعية الآلية والمقصودة قد تغيرت معالمها في العصور المتأخرة التي تسمى عصور الانحطاط ، حيث ظهرت فيها انحرافات كثيرة على مستوى المضمون وعلى مستوى الشكل ، أما المضمون فبما أدخل فيها من مسائل كلامية وآراء محدثة ومسائل افتراضية والمناقشات اللفظية التي تكون على حساب ما وضع له ذلك العلم، تجد ذلك في العقيدة كما تجده في الأصول كما تجده في التفسير وفي غيرها من العلوم ، فانحرف الجانب النظري فيها وتعطل فيها الأثر العملي المرجو منها تبعا لذلك ، وقد سبق شرح وجه ذلك في مجال الاعتقاد، ونزيد على ذلك علم أصول الفقه الذي هو علمي آلي كان ينبغي أن يكون علما محركا للأمة عبر العصور، وعلما محافظا على الاجتهاد وباعثا للروح في جسد الفقه الإسلامي، حتى يبقى مواكبا لأحداث ونوازل كل عصر ، ولكنه حدث له ما جعله عقيما لغلبة علم الكلام عليه أكثر من غيره بعد الاعتقاد، فأضحى علما نظريا يشرع فيه الطالب وهو مقلد وينتهي منه وحاله لم تتغير، فهو دائما عاجز عن استثماره في المسائل القديمة، فضلا عن النوازل الحادثة.

     وأثر خروج ابن باديس عن هذا المعهود، ومخالفته للطرائق الكلامية يمكن إظهاره من خلال بعض العلوم التي علمنا أنه درَّسها وألف فيها، كالعقيدة والتفسير، وأما العقيدة فقد علمنا كيف أنه أرجعها إلى دلائل الكتاب والسنة وخالف منهج المتكلمين في المنهج والمسائل، وكتابه العقائد الإسلامية شاهد على ذلك، وكذلك منهجه في التفسير، كما علمناه أيضا من خلال تلك النصوص المستخرجة منه، ولقد كان له التأثير الواضح على محيطه العلمي بل وعلى العامة أيضا ، وهذه شهادة الإبراهيمي رحمه الله بذلك في مقدمة العقائد (12):”والإمام رضي الله عنه كان منذ طلبه للعلم بتونس قبل ذلك، وهو في مقتبل الشباب، ينكر بذوقه ما كان يبني عليه مشائخه من تربية تلامذتهم على طريقة المتكلمين في العقائد الإسلامية ويتمنى أن يخرج تلامذته على الطريقة القرآنية السلفية في العقائد يوم يصبح معلما ، وقد بلغه أمنيته فأخرج للأمة الجزائرية أجيالا على هذه الطريقة السلفية قاموا بحمل الأمانة من بعده ، ووراءهم أجيال أخرى من العوام الذين سعدوا بحضور دروسه ومجالسه العلمية ، وقد تربت هذه الأجيال على هداية القرآن فهجرت ضلال العقائد وبدع العبادات فطهرت نفوسها من بقايا الجاهلية التي هي من آثار الطرائق القديمة في التعليم وقضت الطريقة القرآنية على العادات والتقاليد المستحكمة في النفوس وأتت على سلطانها ، وقد راجت هذه الطريقة وشاعت حتى بين العوام وإن كانوا لا يحسنون الاستدلال بالقرآن …فأصبح العامي لا يقبل من العالم كلاما في الدين إلا إذا استدل عليه بآية قرآنية، وأصبح العامي إذا سمع الاستدلال بالقرآن والحديث هش وشاعت في شمائله علامة القبول، وهذه أمارة على عودة سلطان القرآن على النفوس  يرجى منها كل خير . ختم الشيخ القرآن كله درسا على هذه الطريقة في خمس وعشرين سنة، ولو أنه رزق تلاميذ حراصا على تلقف كل ما كان يقوله وينزل عليه الآيات من المعاني لو صل إلى خير كثير”.

ولقد ورث الشيخ المنهج السلفي في تلقي العقائد لتلاميذه فهذا تلميذه الشيخ محمد الصالح رمضان يقول في تقديمه لها(18):”وقد حذا فيها الإمام حذو السلفية الرشيدة من اعتماد كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قبل تفسيرات المذاهب المختلفة وتأويلات أصحابها في مرحلة الاختلاط، والاستشهاد بما عند الأقدمين من أصحاب الأديان والفلسفات والمذاهب الأخرى”. وقبلهما قد نبه تلميذه الأكبر الشيخ مبارك الميلي في رسالة الشرك ومظاهره على آفات علم الكلام(46-47)، بل وتأليف هذه الرسالة ما هو إلا ثمرة استقامة الفكر والمنهج ومخالفة المنهج الأشعري العقيم.

ثم إن كتاب العقائد لم يقف تأثيره على تلاميذه بل تعدى ذلك إلى غيرهم واستمر إلى يومنا هذا ، وهذا شيء من شهادة الشيخ محمد الصالح رمضان في مقدمة العقائد(8):”تلقيت هذه الدروس عن أستاذنا الإمام مباشرة في حلق دراسية مسجدية بالجامع الأخضر بقسنطينة …وسط جمع من الطلاب يقارب أحيانا المائة في أول عهدي بالدراسة العربية الإسلامية ، ولما احتجنا هذه الدروس للتعليم الديني بوزارة الأوقاف لنقدمها إلى تلاميذ معاهدنا الإسلامية في فاتح هذه السنة الدراسية (63-64) عكفت على تبيضها والتعليق عليها بما لا يتنافى والروح السائدة فيها”. ولاشك أن جعل الكتاب من مقررات الدراسة في تلك المعاهد التي استمرت قرابة خمسة عشرة سنة مما ساهم في نشر الفكر السليم والاعتقاد الصحيح في الأوساط الدينية، وقد أعيد طبعه مرارا، ولا يزال الكتاب مطلوبا مما يبين حجم انتشاره بين الناس من العامة والخاصة.

الفرع الخامس : تمهيد الأرضية للنهضة العلمية التي نعيشها الآن

لقد كان لمنهج الشيخ في معالجة القضايا الاعتقادية آثار كثيرة كما ذكرنا منها ما ظهر في زمنه ومنها ما تأخر أو دام إلى عصرنا هذا، ومن الآثار التي تأخرت كون الشيخ رحمه الله تعالى هو الممهد الفعلي لحركة الجهاد التي طردت المستعمر كما صرح بذلك كثير ممن كتب عن سيرته ، بل جعل محمود قاسم عنوان كتابه دالا على هذا المعنى إذ قال:” الإمام عبد الحميد بن باديس القائد الروحي لحرب التحرير الجزائرية”، وكذلك من الأمور التي ينبغي الاعتراف بها وعدم التنكر لها أن الشيخ هو الذي مهد الأرضية في الجزائر لبناء الحركة العلمية السلفية المعاصرة التي نعيش هذه الأيام –أدامها الله تعالى وحفظها من كيد شانئيها – حيث أن الشيخ وإن لم يبث في الناس أو في خاصة طلبته علما كثيرا يؤهلهم لأن يكونوا من العلماء الكبار، فإنه قد بث فيهم ما سمي بالعقلية الصحيحة ونحن نسميه المنهج الصحيح، ولم يكن ذلك من مظاهر القصور في دعوته، ولكنه قد وضع خطة مبنية على سنة التدرج هدفها العاجل هو إيجاد جيل ينشأ على فكرة صحيحة ولو مع علم قليل(45)، ولقد كان المعتبر في تحديد هذا الهدف عدة عوامل منها؛ الإمكانات الدعوية المتاحة يومها، مقارنة مع الواقع المرير الذي عاشته الجزائر.

ولقد كان لهذه العقلية التي تلقاها الناس من الشيخ رحمه وأتباعه الأثر الواضح إلى يوم الناس هذا ، ويكفيه أن توصل إلى إقناع الجماهير بأنه ثمة إسلام ذاتي يؤخذ من الكتاب والسنة، وثمة إسلام وراثي قد دخلته البدع والخرافات التي ليس منه(4/123)، الأمر الذي جعلهم ومن بعدهم يتقبلون مظاهر النهضة العلمية السلفية، التي كان أبرز مناراتها الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، والعلماء الربانيين الذي درسوا فيها منذ افتتاحها.

المطلب التاسع : محنة المجددين مع المقلدين

وتتميما لبحث عقيدة ابن باديس وفي سياق الدفاع عن منهج أهل العلم في هذه الديار اليوم وقبل اليوم رأيت أن أبين أن العقيدة السلفية هي العقيدة الأصيلة والأولى التي كان عليها أهل المغرب العربي، وأن من رفع شعار السلفية فيها لم يأت بدين جديد، وإنما الذي خالفها وخرج عنها هو المحدث في الدين والمفرق للجماعة والمخالف لما كان عليه المغاربة الأولون، وتوضيح ذلك في الفرعين الآتيين :

الفرع الأول : متى انتشرت الأشعرية في المغرب

إن من الكلمات التي يمضغها الجاهلون بالدين والجاهلون بالتاريخ أنهم أشاعرة وأن أهل المغرب كانوا ولا يزالون أشاعرة، وإنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، ونحن نعلم أن هذه الحجة هي حجة أهل الشرك والإلحاد وأنه لا وزن لها عند أهل العلم ولا عند أهل العقل ومع ذلك نتنزل لمناقشتها فنقول لهم إن المسلمين الفاتحين ما كانوا أشاعرة، وإن الفقهاء الأوليين المعادين لعلم الكلام ما كانوا أشاعرة، وإنما تمكنت الأشعرية على يد من سموا أنفسهم بالموحدين، أما قبل ذلك فإن أهل المغرب كان جمهورهم (46) سلفيين لا يعرفون بدعة الكلام ولا بدعة التأويل والجبر ونفي الحكمة والتعليل، وفيما يلي شهادة الشيخ المؤرخ المبارك الميلي بذلك:

“… وانقسم أهل السنة (47)إلى سلفيين يؤمنون بآيات وأحاديث الصفات كما جاءت ولا يعتمدون على الكلام وإلى أشاعرة يعتمدون على الكلام ويؤولون بعض آيات وأحاديث الصفات . وكان أهل المغرب سلفيين حتى رحل ابن تومرت إلى المشرق وعزم على إحداث انقلاب بالمغرب سياسي علمي ديني، فأخذ بطريقة الأشعري ونصرها وسَمَّي المرابطين السلفيين “مجسمين”، وتم انقلابه على يد عبد المؤمن، فتم انتصار الأشاعرة بالمغرب ، واحتجبت السلفية بسقوط دولة صنهاجة، فلم ينصرها بعدهم إلا أفراد قليلون من أهل العلم في أزمنة مختلفة ولشيخ قسنطينة في القرن الثاني عشر عبد القادر الراشدي أبيات في الانتصار للسلفيين طالعها :

خبـرا عني المـؤول أني       كافر بالذي قضته العقول”تاريخ الجزائر (2/711).

الفرع الثاني : رد المصلحين على شبهة المقلدين

إن مما يردده هؤلاء الذين يبغون التنفير من الدعوات الإصلاحية أن أصحابها قد جاءوا بدين جديد لم يعرفه آباؤهم ولا أجدادهم، وقد رأيت أن أنقل جواب علماء الإصلاح السلفيين الجزائريين عن هذه الشبهة. 

1-قال الشيخ عبد الحميد بن باديس تحت عنوان : “لا تخلو الأرض من قائم لله بالحجة ” ما يلي (4/183):” من المعلوم عند أهل العلم أن مما حفظ الله به دينه وأبقى به حجته أن لا تنقطع الدعوة إلى الله في هذه الأمة والقيام على الحق والإعلان بالسنن والرد على المنحرفين والمتغالين والزائغين والمبتدعين، وأن أهل هذه الطائفة معروفة مواقفهم في كل جيل، محفوظ آثارهم عند العلماء. غير أن غلبة الجهل وكثرة أهل الضلال قد تحول دون بلوغ صوتهم إلى جميع الناس، فترى أنصار الباطل كلما ظهر داع من دعاة الحق في ناحية اعترضوه بسكوت من سكت من قبله؛ وأوهموا أتباعهم المغرورين بهم أن هذا الداعي جاء بدين جديد”.

وقال رحمه الله (5/109):” كلما قام دعاة الإصلاح بالإنكار على البدع الفاشية والضلالات الرائجة بينوا قبحها وضررها بالبراهين الساطعة ، وأفحموا أهلها بالأدلة القاطعة صاح المتعايشون عليها من أتباعهم المغترين بهم ، لو كان ما نحن عليه باطلا لأنكره العلماء المتقدمون قبل أن ينكره هؤلاء العصريون؛ لكن المتقدمين رحمهم الله رأوه وسكتوا عليه ورضوا به ومضى على ذلك الزمن الطويل، وعاش عليه الجيل بعد الجيل، وقالوا مثل ما قال الأولون:( مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ)(المؤمنون24)، (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)(الزخرف23)، ولما كان هذا قد يغر الجاهل وشبه الجاهل فيحتسب أن الأمر كما ذكروا ، وأن العلماء المتقدمين سكتوا وما أنكروا أردنا أن ننقل لقراء السنة بعضا من إنكار أهل العلم على هؤلاء المتسمين بالفقراء الداعين لطريقة الزهد المتمسكين بالبدعة ليعرفوا سنة العلماء في الرد عليهم والتقبيح لحالهم ، والتحذير من ضلالهم فيعلموا أن العلماء الإصلاحيين المعاصرين ما جاءوا إلا بما يفرضه عليهم الدين من نصح المسلمين وإرشاد الضالين والذب عن سنة خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم”.

2-قال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي(1/173): ” إن حجة الإسلام قائمة وميزانه منصوب ، وآدابه متمثلة في سيرة الصحابة والتابعين ، وإننا لا نعرف في الإسلام بعد قرونه الثلاثة الفاضلة ميزة لقديم على محدث ولا لميت على حي ، وإنما هو الهدى أو الضلال والاتباع أو الابتداع وليست التركة التي ورثناها الإسلام عبارة عن أسماء تطفوا بالشهرة وترسب بالخمول ويقتتل الناس حولها كالأعلام أو يفتنون بها كالأصنام ، وإنما ورثنا الحكمة الأبدية والأعمال الناشئة عن الإرادة والعلم المبني على الدليل “.

3-قال الشيخ الطيب العقبي:” يقولون إني جئتهم بما لم يأتهم به آباؤهم وعلماؤهم الأقدمون ، وأنا أقول لهم: راجعوا القرآن وكتب الدين واقرؤوا لعلكم تعقلون …وأما ما أردتموه من حملي على سلوك طرائقكم القديمة وتمسكي بعوائدكم وسيرة من مضى من مشايخكم ، فلي فيمن هم أقدم منهم من رجال السلف أسوة حسنة ، والرجوع إليهم هم خير من الرجوع إلى آبائكم الأقدمين”(الشهاب المجلد الأول ص239،253).

“يقولون إن سيدي فلان كان يفعل كذا وكذا ، وسيدي فلان ما قال كذا وكذا ، وسيدي فلان ما كان ينهانا عن كذا وكذا ، فلماذا تخالفهم أنت في كذا وكذا وتقول لنا غير ما سمعناه ورأيناه منهم ؟ وأنا أقول لهم: الشريعة حجة على كل أحد وليس فعل أحد ولا قوله فضلا عن سكوته حجة على الشريعة” الشهاب المجلد الأول ص272).

4-قال الشيخ العربي التبسي: “وهذه الطائفة التي تعد نفسها سعيدة بالنسبة إلى السلف وأرجو أن تكون ممن عناهم حديث مسلم ( لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة ) الحديث . فقد وُفقوا لتقليد السلف في إنكار الزيادة في الدين ، وإنكار ما أحدثه المحدثون وما اخترعه المبطلون ، ويرون أنه لا أسوة إلا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، أو من أمرنا بالإتساء به ، فلما شاركوا السلف وتابعوهم في هذه المزية الإسلامية نسبوا أنفسهم إليهم ، ولم يدع أحد منهم أنه يدانيهم فيما خصهم الله به من الهداية التي لا مطمع فيها لسواهم ». وقال أيضا :« أما السلفيون الذين نجاهم الله مما كدتم لهم فهم قوم ما أتوا بجديد، ولا أحدثوا تحريفا ، ولا زعموا لأنفسهم شيئا مما زعمه شيخكم ، وإنما هم قوم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر في حدود الكتاب والسنة ، وما نقمتم منهم إلا أن آمنوا بالله وكفروا بكم”مقالات في الدعوة (1/109،115).

5-وقال الشيخ المبارك الميلي: “إن أهل زماننا قد رضوا حالتهم وسخطوا على نصحائهم مقالتهم، وقالوا قد جاؤونا بعلم جديد، وقد سبقهم علماء أجلاء لم نسمع منهم نكرانا لهذا الأمر، فإن كان بين هؤلاء الساخطين ومن شدا شيئا من العلم زادهم جهالة بتأويل النصوص الشرعية وبصرف أقوالهم وأعمالهم الدالة على فساد اعتقادهم إلى ما يوافق الإسلام، وإن كان خلاف مرادهم، ثم زعم لهم أن ما يرشدهم إليه المصلحون ضلالة ابتدعها ابن تيمية …

لا لم نأت بعلم جديد في نظر الدين، ولكنه جديد في آذان المستمعين، ومن تقدمنا من العلماء بعضهم مثلنا فطعن فيهم وحيل بينهم وبين العامة، وبعضهم أسروا الإنكار لمن وثقوا به بامتثاله، ومنهم من كتم لغلبة يأسه ومحافظته على نفسه، ومنهم من لم يكن يدري هذا الشأن، وإنما اشتهر بمسائل الفروع، ثم العلماء الثقات حجة فيما يأثرون لا فيما يفعلون ويقرون ولا يكون الفعل والتقرير حجة إلا من المعصوم، فأما تأويل النصوص فأكثره تحريف للكلم عن مواضعه، وغض من مهابة ظواهرها وعظم مواقعها في النفوس، وأما صرف أقوال العامة وأفعالها إلى غير ما أرادت منها فتغرير بها وإغراء لها على الباطل، وأما ابن تيمية فلم يبتدع ضلالة وإنما أحيا السنة ودعا إلى الهدى واجتهد في النصح، وليست الدعوة إلى التوحيد بمذهب خاص ولكنه دين الله العام” الشرك ومظاهره (57).

الخاتمة

وفي الختام أقول هذا ما تيسر جمعه لبيان هذه الحقيقة التي ينبغي أن يعيها ويلتزمها كل من انتسب إلى الشيخ وإلى دعوته ، ليس لأن الإمام مقلَّد في هذا الأمر، ولكن لأن حقيقة العقيدة السلفية مباينة تماما للعقيدة الأشعرية ، فإنه من متناقض القول الانتساب إلى الشيخ ابن باديس أو الدعوة الإصلاحية السلفية مع البقاء على العقيدة الأشعرية والدعوة إليها. وربما رأى بعض الناس في كلامه شيئا لا يقره ، فلذلك محامل وأعذار مثله مثل كلامه الموجه للإدارة الاستعمارية الذي ينبغي أن يعد من قبيل المداراة التي اقتضاها الظرف وأداه إليها اجتهاده ، وكذلك في باب العقيدة التي نحن بصدد الحديث عنها فالعذر عند من ظفر له بخطأ قائمٌ ، إذ الرجل لم ينشأ في وسط سلفي ولم يتخرج من معاهد سلفية، ولكن مَنَّ الله عليه بالهداية من طرق هو أعلم بها ، وإن وجود بعض الخطأ في كلامه أمر لا يسقط الرجل ولا يغض منه شيئا، خاصة أنه من حيث المنهج الكلي كما سبق سلفي ولا مرية في ذلك، وكذلك من حيث التفصيل قد قرر العقائد التي وقع فيها الاختلاف تقريرا موافقا لعقيدة أهل السنة والجماعة ، ومعلوم أن كثيرا من الناس قديما وحديثا قد تبنوا العقيدة السلفية والدعوة إليها، وقد زلوا في دقائق العقائد لعدم بلوغ الدليل أو لاجتهاد خاطئ أو تقليدا لبعض أهل الكلام، فلم يكن ذلك قادحا فيهم، قال الذهبي رحمه الله في السير(14/374):” ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه وتوخيه لاتباع الحق أهدرناه وبدعناه لقل من يسلم من الأئمة معنا رحم الله الجميع بمنه وكرمه”. وقال ابن القيم في أعلام الموقعين(3/283):”ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان ، وقد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يتبع فيها ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته في قلوب المسلمين”، وكما قال الشاعر:

من ذا الذي ما ساء قـط    ومن لـه الحسنى فقـط

   ولو انتقدت بني الزمـا    ن وجدت أكثرهم سقط

أقول هذا وقد تبين مما سبق أن ابن باديس رحمه الله تعالى قد خالف الأشعرية في الدقيق والجليل فرحمه الله تعالى رحمة واسعة ، وتجدر الإشارة إلى أن هذا الجمع لم أقصد به تقصي كلام الشيخ في العقيدة ولكن قصدت بيان مخالفة ابن باديس رحمه الله تعالى للعقيدة الأشعرية وإلا فباب الاعتقاد فيه من المسائل ما هو أوسع من هذه المسطورة في هذا البحث، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

ملاحظة (هذا البحث صدر عن دار الإمام مالك بالجزائر عام 2003 م.

 

الهوامش

1/ الأدلة السمعية أو الأدلة النقلية هي الكتاب والسنة وإجماع السلف ، وقال أبو منصور البغدادي في كتابه أصول الدين (14):« أما المعلوم بالنظر والاستدلال من جهة العقول كالعلم بحدوث العالم وقدم صانعه وتوحيده وصفاته وعدله وحكمته ، وجواز ورود التكليف منه على عباده وصحة نبوة رسله بالاستدلال عليها بمعجزاتهم ونحو ذلك من المعارف العقلية …وأما المعلوم بالشرع فكالعلم بالحلال والحرام والواجب والمسنون والمكروه وسائر أحكام الفقه ».

2/ وقد اختلفوا في حكم إيمان المقلد فذهب بعضهم إلى تكفيره وذهب آخرون إلى تفسيقه ونقل عن الأشعري أنه تراجع عن التكفير في فراش الموت ، انظر شرح أم البراهين (25) وقد صرح بعض غلاة متأخريهم كالسنوسي والصاوي بأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، انظر شرح أم البراهين (78) وحاشية الصاوي على الجلالين (3/10).

3/ اختلف الأصوليون في خبر الواحد الثابت هل يفيد القطع أم الظن ؟ فقيل يفيد القطع وقيل يفيد الظن وهو مذهب الجمهور، والمحققون منهم يقولون إن الأصل فيه أنه يفيد الظن ولكنه يرتقي إلى إفادة القطع إذا احتفت به القرائن ، وهذا الأخير هو الصحيح واختاره من الأصوليين الجويني والآمدي وشيخ الإسلام ابن تيمية، انظر البرهان (1/374) الإحكام للآمدي (2/48) مجموع الفتاوى (18/48) وتقسيم العلم المستفاد من الأخبار إلى قطع(أو علم) وظن (أو ظن غالب) ليس أمرا محدثا فقد نص عليه الشافعي رحمه الله تعالى في الرسالة وسمى القطع الحق في الظاهر والباطن وسمى الظن الحق في الظاهر ، وقد صرح بأن الأصل في أخبار الآحاد أنها تفيد الظن انظر الرسالة (460-461، 478-479،599) والذي يجري على أصوله وقواعده أنه يجوز ارتقاؤه إلى إفادة القطع كما بينته في التوضيح والتصحيح للمنقول عن الأمام الشافعي في علم الأصول (265-266).

4/ انظر مجموع الفتاوى (5/9-10) وقد نقل هذا القول أحمد بن عبد الرحمن القاضي صاحب مذهب التفويض في نصوص الصفات (442-443) عن البدر ابن جماعة في إيضاح الدليل (93) وعن السعد التفتازاني في شرح المقاصد (4/50) وعن الدردير في شرح الخريدة (42-43).

5/ ومن ذلك قول ابن عاشر في نظمه

وبعد العون من الله المجيــد     في نظم أبيات للأمي تفيد

في عقد الأشعري وفقه مالك     وفي طريقة الجنيد السالك

6/ انظر تلبيس إبليس لابن الجوزي (104) مجموع الفتاوى (4/73) (5/11) الدرء (8/47).

7/ انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (4/72) ودرء تعارض العقل والنقل (1/160).

8/ انظر الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد الإصلاح الإسلامي والتربية في الجزائر للدكتور رابح تركي (192) وعبد الحميد بن باديس مفسرا تأليف حسن عبد الرحمن سلوادي (177) وحركة عبد الحميد بن باديس ودورها في يقظة الجزائر للدكتور فهمي سعد (71).

9/ هذه التسمية في الواقع من نبز أعداء الدعوة لأهل التوحيد بالألقاب المنفرة والموهمة للناس بأن ما جاء به الشيخ وأتباعه في نجد دين جديد، ولقد كان الجدال في أول الأمر شديدا حول حقيقة دعوة ابن عبد الوهاب، لكن لما ظهرت كتابات المصلحين من المصريين والشاميين والهنود والمغاربة التي وضحت أصول دعوته وناصرتها خف الأمر.

10/ قال الشيخ أحمد حماني رحمه الله في كتابه صراع بين السنة والبدعة (1/50):” أول صوت ارتفع بالإصلاح والإنكار على البدعة والمبتدعين ووجوب الرجوع إلى كتاب الله والتمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبذ كل ابتداع ومقاومة أصحابه، جاء من الجزيرة العربية وأعلنه في الناس الإمام محمد بن عبد الوهاب أثناء القرن الثامن عشر (1694-1765) وقد وجدت دعوته أمامها المقاومة الشديدة حتى انضم إليها الأمير محمد بن سعود وجرد سيفه لنصرتها والقضاء على معارضيها فانتصرت …وكانت مبنية على الدين وتوحيد الله سبحانه في ألوهيته وربوبيته ومحو كل آثار الشرك الذي هو الظلم العظيم، والقضاء على الأوثان والأنصاب التي نصبت لتعبد من دون الله أو تتخذ للتقرب بها إلى الله، ومنها القباب والقبور في المساجد والمشاهد “.

11/ ويقول الدكتور محمد عابد الجابري في مقال : الأصالة والتحديث في المغرب ( نشر في مجلة الثقافة عدد77 / سبتمبر أكتوبر 1983 ص 59-60) :” هكذا أصبحت الوهابية أساسا لإيديولوجيا الإصلاح في المغرب في النصف الثاني من القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر، لقد ظهرت الملامح الأولى للوهابية في المغرب في الاتجاه الديني السلفي الذي عرف به السلطان محمد بن عبد الله (1757-1790) الذي كان ينهى عن قراءة كتب التوحيد المؤسسة على القواعد الكلامية المحررة على مذهب الأشعرية …وكان يحض الناس على مذهب السلف من الاكتفاء بالاعتقاد المأخوذ من ظاهر الكتاب والسنة بلا تأويل ، وكان يقول عن نفسه أنه مالكي مذهبا حنبلي اعتقادا. ومن أعماله في هذا الاتجاه هدمه لزاوية أبي الجعد وتشريده لأهلها ونقله لشيخها منفيا إلى مراكش ، وإصداره لمنشور يحدد المواد التي يجب الاقتصار على تدريسها في المساجد؛ القرويين وغيرها ، والمراجع التي يجب اعتمادها دون غيرها في الفقه والنحو والأدب والسيرة والحديث والتفسير ، وقد ورد في ختام هذا المنشور ما يلي : من أراد أن يخوض في علم الكلام والمنطق وعلوم الفلسفة وكتب غلاة الصوفية وكتب القصص فليتعاط ذلك في داره مع أصحابه الذين لا يدرون أنهم لا يدرون، ومن تعاطى ما ذكرناه في المساجد ونالته العقوبة فلا يلومن إلا نفسه … وسواء كان السلطان محمد بن عبد الله متأثرا في آرائه ومواقفه تلك بالدعوة الوهابية التي كان الحجاج المغاربة ومنهم الفقهاء ينقلون أخبارها ومضامينها إلى المغرب كما يؤكد ذلك جوليان أو أن ذلك كان من اجتهاده الخاص كما يميل إلى القول به بعض كتاب التاريخ الوطني في المغرب ، فإن الإجماع حاصل على أن الوهابية كانت بصورة علنية إيديولوجية الدولة في عهد ابنه السلطان سليمان (1792-1822) ، وقد خلف أخاه اليزيد (1790-1792) الذي رحب رسميا بالوهابية وطبق تعاليمها وراسل القائم بها في الحجاز آنذاك الأمير عبد الله بن سعود …”.

12/ رسالة إلى أهل الثغر (82) تمهيد الأوائل للباقلاني (43-45) الإرشاد للجويني (12-17).

13/ اختلف الناس في إطلاق لفظ القديم وغيره من الألفاظ التي لم يرد بها النص أو الإجماع – وكانت صحيحة المعنى كالذات والموجود والشيء ونحوها – على الله تعالى على ثلاثة أقوال : فمنهم من قال إن ذلك جائز بإطلاق ما دام المعنى صحيحا وهو قول عامة المتكلمين ، ومنهم من قال إن ذلك غير جائز باعتبار أن أسماء الله تعالى توقيفية ولأن هذه الألفاظ لا تؤدي المعاني الصحيحة على وجه الكمال فلفظ القديم لا ينطبق تماما على المعنى المراد إثباته إذا القديم في اللغة المتقدم على غيره ، والله تعالى إضافة إلى كونه متقدما على غيره فهو لم يسبق بعدم ، ومنهم من فرق بين إطلاقها على أنها أسماء وصفات فمنع من ذلك لأنها توقيفية وبين إطلاقها من باب الإخبار وعند الاحتياج للتعبير عن تلك المعاني فجوز ذلك وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم انظر العقيدة الطحاوية مع شرح ابن أبي العز (112-113) الحجة في بيان المحجة (1/93) مجموع الفتاوى لابن تيمية (9/300-301) بدائع الفوائد لابن القيم (1/162) لوامع الأنوار البهية للسفاريني (1/38) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (2/75-76).

14/ العقائد الإسلامية لابن باديس (59-60).

15/ انظر الإرشاد للجويني (7) شرح أم البراهين للسنوسي (26) موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود (3/934).

16/ يقول الرازي :« المشهور عند النظار أن العلم بالصانع إنما يحصل بالنظر والاستدلال وهو ترتيب الأقيسة العقلية» انظر نقض تأسيس التقديس لابن تيمية (2/473) والإرشاد للجويني (7).

17/ انظر أصول الدين لأبي منصور البغدادي (123) الاعتقاد للبيهقي (20).

18/ انظر الإرشاد للجويني (10) ومجموع الفتاوى (11/676-677).

19/ قضية التحسين والتقبيح فيها ثلاثة أقوال : الأول قول من يجعل الحسن والقبح ذاتيان في الأشياء والأفعال ويجعل الشرع مجرد كاشف لتلك الصفات وهذا قول المعتزلة والماتريدية ، والثاني قول من يجعل الأشياء والأفعال كلها خالية عن صفات هي أحكام أو علل للأحكام وجعلوا الأحكام والعلل أمورا شرعية اعتبارية محضة وهذا قول الأشاعرة والثالث وهو قول أهل السنة أن من الأشياء ما يكون قبحه أو حسنه ذاتيا بالنظر إلى ما يشتمله من مصلحة ومفسدة وهذا يعلم بالعقل كالعدل والظلم والصدق والكذب والإيمان والكفر ، ومن الأشياء ما يصير حسنا بأمر الشرع به ويصير قبيحا بنهي الشرع عنه انظر المسألة في المجموع لابن تيمية (8/432-436) (17/198-205) الماتريدية لأحمد بن عوض الحربي (151-154) المعتزلة لعواد بن عبد الله المعتق (163-167) وموقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود (3/1320).

20/ أما الشق الثاني من القضية وهو ثبوت التكليف والمؤاخذة لمجرد إدراك العقل ففيه ثلاثة أقوال أيضا : الأول القول بثبوت التكليف بالعقل قبل ورود الشرع بإطلاق وهو قول المعتزلة ، الثاني : وهو القول بثبوت التكليف والمؤاخذة بالعقل قبل ورود الشرع في الأصول دون الفروع وهذا قول الماتريدية ، والثالث وهو القول بعدم ثبوت التكليف بمجرد حكم العقل بل لابد من ورود الشرع لثبوته وهذا موضع اتفاق بين أهل السنة والأشاعرة، انظر المسألة في درء التعارض لابن تيمية (9/38-39) بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (1/247-248) مدارج السالكين لابن القيم (3/490) الماتريدية لأحمد بن عوض (147-150) الروضة البهية فيما بين الأشاعرة والماتريدية لحسن بن عبد المحسن أبو عذبة (93) المعتزلة لعواد المعتق (163-167).

21/ وتسمى صفات الأحوال، والحال وقد عرفها الجويني في الإرشاد (37):» صفة لموجود غير متصفة بالوجود ولا بالعدم «  والأشاعرة المتقدمون مختلفون في إثباتها وممن نفاها الباقلاني في رسالة الحرة المسماة بالإنصاف.

22/ انظر تمهيد الأوائل للباقلاني (299) الإرشاد للجويني (42،45-58).

23/ انظر الإبانة للأشعري (76-77، 122-123) تمهيد الأوائل للباقلاني (47) مجموع الفتاوى (5/410) و(8/19-20).

24/ انظر الإبانة (97،102) رسالة إلى أهل الثغر (128-129).

25/ انظر الإرشاد إلى قواطع الأدلة للجويني (67-70).

26/ انظر البرهان للجويني (2/842-846) والمحصول لابن العربي (144) والبحر المحيط للزركشي (4/64-66) .

27/ أما مراتب إثبات القدر التي يذكرها أهل السنة ردا على القدرية النفاة وهي العلم والكتابة والخلق والمشيئة، فقد أثبتها الشيخ في كتابه العقائد صراحة فقال في باب القدر (73-74):» وقدر الله تعالى هو تعلق علمه وإرادته أزلا بالكائنات كلها قبل وجودها فلا حادث إلا وقد قدره الله تعالى ، أي وسبق به علمه وتقدمت به إرادته ……وكما سبق قدر الله للأشياء قبل أن يخلقها ، كذلك كتبها في اللوح المحفوظ قبل خلقها « ، وقال قبل ذلك في شرح معاني الربوبية (70):» ومن توحيده تعالى في ربوبيته اعتقاد أن العبد لا يخلق أفعال نفسه…ومن توحيده تعالى في ربوبيته اعتقاد أن العبد لا يخرج في جميع تصرفاته عن مشيئة الله «.      

28/ انظر رسالة إلى أهل الثغر (143) والأقوال الأخرى سيأتي توثيقها في موضعها .

29/ وقد اختلفوا في تفسير هذا الكسب اختلافا كبيرا وتحيروا فيه حتى جاء الرازي فباح بالحقيقة ونفى الفعل وصرح بالجبر، انظر موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود (3/1338).

30/ انظر الإبانة للأشعري (45) ورسالة أهل الثغر (146،148،150) وتمهيد الأوائل للباقلاني (325) الإرشاد للجويني (91).

31/ انظر الإبانة (138) رسالة إلى أهل الثغر (136) الإرشاد للجويني (94) والمجموع (8/469).

32/ انظر الإبانة للأشعري (137-138) وتمهيد الأوائل للباقلاني (51-52) الإرشاد للجويني (104) .

33/ انظر الإبانة للأشعري (152-154) وفي الإرشاد للجويني (105) :» ثم الموفق لا يعصي إذ لا قدرة له على المعصية وكذلك القول في نقيض ذلك «.

34/ الإبانة للأشعري (49) المقالات للأشعري (1/347).

35/ تمهيد الأوائل للباقلاني (389) ولنظر الإرشاد للجويني (158) ومجموع الفتاوى (7/509،550) (13/47).

36/ ويلاحظ هنا إثبات الشيخ ابن باديس الوضع الشرعي خلافا للباقلاني كما في البرهان للجويني (1/134)، وكثير من الأشاعرة -ونسبه الشيرازي في التبصرة (195)إلى جميعهم- الذين يقولون بأن الأسماء بقيت على وضعها اللغوي وإنما ضم إليها الشرع أفعالا واشترط لها شروطا، وقد خالف ابن باديس بقية الأشاعرة في ترجيحه للحقائق الشرعية على الحقائق اللغوية –انظر الفتح المأمول (86-87) – حيث ذهبوا إلى اعتبار الألفاظ المحتملة للمعاني الشرعية واللغوية ومن الألفاظ المجملة على اختلاف بينهم ينظر في البحر المحيط للزركشي (3/474)، ومن حجج المرجئة والأشاعرة منهم في مسألة الإيمان التمسك بالمعنى اللغوي الذي حسبوه مجرد التصديق وإنكار الاصطلاح الشرعي انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (7/298).

37/ انظر الإرشاد للجويني (159) ومنهم من قال أن التصديق يزيد وينقص ، انظر مجموع الفتاوى (7/395).

38/ انظر المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين لمحمد لعروسي (44-62).

39/ انظر رسالة إلى أهل الثغر (147) وتمهيد الأوائل للباقلاني (394) قال ابن تيمية (13/47) :« وأما جهم فكان يقول إن الإيمان مجرد تصديق القلب وإن لم يكلم به ، وهذا القول لا يعرف عن أحد من علماء الأمة وأئمتها ، بل أحمد ووكيع وغيرهما كفروا  من قال بهذا القول، ولكن هو الذي نصره الأشعري وأكثر أصحابه ، ولكن قالوا مع ذلك  إن كل من حكم الشرع بكفره حكمنا بكفره، واستدللنا بتكفير الشارع  له على خلو قلبه من المعرفة ».

40/ شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية (88،104،165) . موقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود (3/1378) الماتريدية لأحمد بن عوض الحربي (379).

41/ تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل للباقلاني (171،178-179) شرح أم البراهين للسنوسي (57-58) وانظر النبوات لابن تيمية (1/486) والماتريدية لأحمد الحربي (388).

42/ تاريخ نجد لابن غنام الأحسائي (373) مجالس التذكير لابن باديس (250) رسالة الشرك ومظاهره للميلي (47) الانحرافات العقدية والعلمية في القرنيين الثالث والرابع عشر وأثرهما في حياة الأمة (1/263-270).

43/ الانحرافات العقدية والعلمية للزهراني (1/123-140).

44/ انظر حركة عبد الحميد بن باديس ودورها في يقظة الجزائر لفهمي سعد (84).

45/ انظر الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد الإصلاح والتربية في الجزائر لرابح تركي (204-205).

46/ إنما قلت جمهورهم لأنه قد ثبت انتحال المذهب الأشعري من طرف أفراد معدودين في الأندلس والقيروان قبل ظهور ابن تومرت وتغلبه انظر كتاب المهدي ابن تومرت لعبد المجيد النجار (431-432).

47/ هذا الإطلاق فيه نظر فإن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة والجماعة عند الإطلاق ، وإنما عدهم بعض العلماء من أهل السنة في مقابلة أصحاب البدع الغليظة جدا كالمعتزلة والشيعة والخوارج والجهمية.

آخر التغريدات: