جمعية العلماء كما تمثلها لي الخواطر

جمعية العلماء كما تمثلها لي الخواطر

بقلم: د. عبد الحليم قابة –

جال هذا العنوان على خاطري وأنا أفكر فيما أكتب للجزائريين عامة ولأعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين خاصة بعد المؤتمر الثالث الذي مرّ بسلام، وحقق بعض –أو جلّ –ما تعلق به مما يُرام، وترددت بادئ الرأي في العنوان الذي اخترته ؛ لأنه أكبر من أن يكتب عنه مثلي، ولن يُدرك بياني عُشرَ معشارِ ما كتبه عن الشباب كما تمثله له الخواطر، إمامُ الجزائر الثاني ، الشيخ البشير الإبراهيمي -رحمه الله – وأعطانا من الخير ما أعطاه.

ولكن قوّى في نفسي سلوك هذا السبيل ، واقتحام هذا الحمى ، أمورٌ ثلاثة –بعد حسن الاقتداء بأديب العلماء- وهي :

الأول: أن الكتابة في ذلك –الآن –أولوية تُعين أعضاء هذه الجمعية ومُحبّيها على تصحيح النية ، وتقويم المسار، وتحقيق الأهداف والغايات.

الثاني: أنني سأعبّر عن زفرات كثير من أفاضل الناس من داخل الجمعية ومن خارجها، أفضى كثيرٌ منهم بها إليَّ وهم تحترق قلوبهم على هذه الجمعية ، وعلى آمالهم فيها، وعن واقع بعض شُعَبِها التي لم تكن عند حسن ظن قيادة الجمعية فيها ، ولا في المكانة التي يرجوها الناس منها .

الثالث: أن القرّاء وأنصار الحق الذي نزل من السماء ، والذي ترفع لواءَ الدعوةِ إليه جمعيةُ العلماء ، هي وغيرُها من الصادقين والأوفياء ، بأمسّ الحاجة إلى الكتابة الهادفة لتحقيق المعالي والكمالات ، ولرأب الصدع وإبعاد الجهالات ، وتقريب العاملين والراغبين إلى ميدان العطاء والتضحيات ، وليسوا بحاجة إلى كثرة التفصيلات والتفريعات ، خاصة فيما نمرّ به من ظروف عويصات.

فقلت ، مستعينا بالله ، مستلهما منه الرشد والتوفيق : – أتمثل الجمعية خير جمعية أُخرجت للناس- كما قال بعض الأفاضل – فهي تجمع خير ما عند الجمعيات ، وتحقق ما عند كل واحدة منها من الكمالات ، وتجتنب ما عسى أن يكون عند غيرها من الأخطاء والمخالفات ، دون عُجب ولا رياء ، ولا اعتقاد أنها تستأثر بالخير دون غيرها من الأفراد المخلصين ، وهيئات العاملين ، ومؤسسات الخَيِّرين .

ولست أتمثلها جمعية ضعيفة تهتمّ – فقط –بجانب صغير من اهتمامات المصلحين ، ولا جمعية تكثر فيها الأخطاء والانحرافات ، ويشيع فيها التساهل والانحلال ، ولا جمعية لا هدف لها ولا غاية ، ولكنني أتمثلها بريئةً من كل ذلك , وسالمة من مَغبّة ذلك .

– أتمثل الجمعية تشتق من اسمها –حقا وصدقا –معنى جمع الكلمة، ولمّ الشمل ، وتوحيد الصفوف ، فلا تعادي مسلمًا لأنه ليس من أعضائها ، ولا توالي فاسقا لكونه من أعضائها، بل تعمل بمبدإ إمامها الذي بيّنه في معرض الكلام على دعوته بقوله : ، « إن هذا العبد له فكرة معروفة ، وهو لن يحيد عنها، فمن قَبِلها فهو أخ في الله ، ومن ردّها فهو أخ في الله ، فالأُخوّة في الله فوق ما يُقبل وما يرُدّ » .

وهو تجسيد لقــول الله تـعــالى : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ولقول نبيّه صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:«المسلم أخو المسلم…»الحديث .

أتمثلها – في الوقت نفسه -لا تُوصِد أبوابها أمام أي مسلم حرّ أو عضو في غيرها من الجماعات والأحزاب ، طالما يلتزم مبادئها ولا يخالف قانونها، ولا يتخذ الجمعية مطية لخدمة حزبه ، أو لتحقيق مآربه الشخصية وأهدافه السياسية.

ولست أتمثلها جمعية يربط بين أفرادها رابط التعصب المقيت، واحتقار المخالف , والاعتداد بالرأي .

ولا أتمثلها ترى آراءَها ورُؤاها وأحكامها ومسالكها تنزيلاً من حكيم خبير، بحيث تُخرج مُخالفَها – فيما دون المعلوم من الدين بالضرورة –من دائرة الأُخُوّة الإسلامية العامة .

بل أتمثلها ترى نفسها وعاءً يسع كل مسلم يشهد شهادة الحق، ويعطي ولاءَه لله ولرسوله وللمؤمنين ، ولا يخالف الأمة في معلوم من الدين بالضرورة .

وترى نفسها –في الوقت نفسه –رحمة لمن ليسوا كذلكبما تدعوهم إليه من هدىً ورشاد ، يُحرّرهم من طغيان العباد ، ويُنجيهم من هول يوم المعاد ؛ لأن رسالتها هي رسالة نبيّ الإسلام الذي قال الله له : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾

– أتمثل الجمعية جمعيةَ مبادئ، ترفع –صادقة –رايةَ الحق والدين، وحُبّ اللسان العربيّ المبين ، وحُبّ الجزائرِ وسائرِ أوطان المسلمين .

ولست أتمثلها جمعية أشخاص يركبونها مَطِيةً لمغنم حائل ، أو لمجد زائل ، سيذهب اشتهاره ويبقى عاره .

وأتمثلها – في الوقت نفسه – تقرب المخلصين ، وترفع شأن الصادقين ، وتسند المهامّ لذوي الكفاءات الناجحين ، وتفتح بابها للجادّين والعاملين . و تُبعِد الأدعياء والمغرضين ، وتمقت الخونة والمنافقين ، ولا تقدم مَن حقه التأخير ، ولا تؤخر من حقه التقديم ، شعارها في كل ذلك أن أهم ما تحفظ به الأمانة أن تُسنَد الأمور إلى أهلها ، وأن يوضع الرجل المناسب في المكان المناسب –حقا وصدقا –لا كذبا وافتراءً.

ولست أتمثلها جمعية تُسنِد المهامّ إلى غير أهلها ، خوفا من سلطان الساسة أو العامة ، أو خضوعا لإحراجات تافهة يزول خاطِرها ويبقى خطرُها، أو لوساطات جاهلة أو مغرضة ، تُدرَج مع ما سمّاه القرآن”شفاعة سيئة” يكون على فاعلها والمستجيب لها كفلٌ منها، خاصة وهي – هنا- قد تفوِّت على الأمة فرصةً سانِحةً لنهضتها ، وتحرمها من الأخذ بعوامل عزّها ، و أركان مجدها.

أتمثل الجمعية رافعة راية الخوف من الله، مربية للأجيال عليه ، جاعلة إياه أولوية ًفي توجيهها وتعليمها وتذكيرها، إيمانا منها بأنه الأساسُ الذي يُبنى عليه أيُّ إصلاح ، والعاصمُ الذي يعصم الأفراد والجماعات من الآثام والتقصير والخيانات، واستفادةً من تجارب الأمم في التهرب من كل أنواع الرقابات ، والتلاعب على كل أصناف السلطات.

لذلك أتمثلها من كثرة ما يتحقق به أفرادها من هذا المعنى ، وما تمتلئ به أفئدتهم منه ، ومن إجلالٍ لله عز وجل وحبٍّ له – سبحانه -ومن كثرة ما تدعو إليه في محافلها وخطبها ومناهجها ،جديرةً بأن تسمّى “جمعية الخوف من الله”، أو”جمعية الخائفين من الله “.

ولست أتمثلها تقبل في صفوفها من لا يخاف الله، ولا يحافظ على فرائض الله ، ولا يلتزم حدود الله ، فضلا عن أن تقدمهم يتكلمون باسمها، أو يقودون جحافلها في صراعها المقدس مع من لا يخاف الله. وإني – والله – أعدّ مخالفةَ ذلك خِيانة لله ولرسوله ، وخيانة للأمة ، وخيانة للعهد ، وانحرافا خطيراً عن مسار الجمعية المستقيم ونهجها القويم.

أتمثل الجمعية جمعيةً وطنية مجاهدة، لا تعرف الخيانةُ إلى أفرادها – فضلا عن قادتها –سبيلا .

وأتمثلها رمزًا للوفاء للشهداء والمجاهدين الأصفياء، تواصل المسير في طريق جهادهم ضد المحتلين وذيولهم ومشاريعهم ومكائدهم ، وتحثُّ السير للتعجيل بإتمام مشروع الأمة والوطن الاستقلالي عن فرنسا ومن والاها ، وتعيد للأمة ولاءَها الكامل لدينها وتاريخها وأمجادها ، وتَستبدل بأوضاع فرنسا، وقوانين فرنسا ، وقيادات فرنسا ، أوضاعاً جزائرية خالصة ، وقوانينَ جزائريةً مصدرها دين الجزائر وهو الإسلام، وقياداتٍ جزائريةً صادقة في ولائها لله ولرسوله وللمؤمنين ، وفي حبها للوطن والمواطنين .

ولست أتمثلها تقبل في صفوفها خائنا من الخونة –إلا مَن تَاب وآمَنَ وعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى-فضلا عن أن تُسند لهم مهامّ قيادية ًفيها تُمَكنّهم من الخيانة المنظَّمة ، ومن سَوْق جهود المخلصين إلى نُصرة الخونة والمنافقين والمرتدين ، بالتزيين أو الإلزام ، فيستجيب القوم وهم قد لا يشعرون ، وعن مَغَبَّة ما يساقون إليه غافلون .

ولست أتمثلها تسكت –فضلا عن أن تُقرّ –مشاريع َالخيانة التي ترمي إلى تحقيق الأهدافِ التي عجزت فرنسا – بجيوشها وجبروتها –عن تحقيقها ، و مخططاتِ الكفر والفساد التي وقف جهادُ المجاهدين -باللسان والسِّنان – إبَّان فترة الاحتلال أمامَ تنفيذها ، كتغيير قانون الأسرة ، ومنع التدريس بالعربية ، وغيرهما .

أتمثل الجمعية جمعية تُفَجِّر طاقات أبناء هذه الأمة ، وتنسّق بين جهودهم ، وتوجّهها الوجهة النافعة، وتكون محورًا يرتبط به جميع المخلصين ، ويدور حوله جميع الأحرار ، ويُقويه ويتقوّى به جميع الأبرار .

فأتمثلها تدعو إلى مؤتمرات الوفاق ، وتَجمَع الفُرَقاء على لقاءات التشاور والتنظير ، وتبادر إلى طرح مشاريع كبرى تحقق الفرائض الغائبة ، وفق منهج تُرتِّبُ أَولَوِياتِه خبرةٌ بالشرع ، ودراية ٌبالواقع ، وإدراك لحاجات المجتمعات ، منتهجةً في كل ذلك نهج : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل125)

ولست أتمثلها مساهمةً في مشاريع النوم والتخدير والفُرقة باسم الإسلام والوطنية ، ولا مساهمة في تشتيت الجهود وبعثرة الطاقات ، شعارها في كل ما تأتي وما تدع قول الله تعالى(وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال46) وقولُه صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه :« سددوا وقاربوا وأبشروا».

أتمثل الجمعية جمعية وفيّة لرموزها–القدامى والمعاصرين –تحفظ لهم حقوقهم وتعرف لهم فضل سبقهم وجهادهم وتضحياتهم . تحاول أن تحمل الأجيال على أن يقتدوا بهم فيما عُرفوا به من خير وعظائم ، وأن تضعهم في مكانهم اللائق بهم ، وهو مقام القدوة والريادة في طريق النهضة والإصلاح والمعالي، دون أن ترفعهم فوق مرتبتهم البشرية، ودون نسبة العصمة إليهم ، بل تربي الأجيال على أخذ ما صفا وترك ما كدر، وعلى قبول الحق وردّ الخطأ من أي مصدر صدر، فلا خير في جيل الجمعية إذا لم ينصح ولم ينتصح، ولا خير في تابع لا يأمر بمعروف ، ولا في متبوع لا ينتهي عن منكر.

ولست أتمثلها مبالغةً في تمجيد الأشخاص، مغاليةً في وصفهم بما ليس فيهم، كما يفعل أصحاب السياسات المنحرفة والمبادئ الضالة ، الذين يُخَوِّنون الأمين ، ويُؤَمِّنون الخائن ، ويرفعون الوضيع ، ويضعون الرفيع .

بل هي جمعية تبارك جهود الرجال ، وتحفظ أقدار الرجال، ولا تتفنن في هتك الأستار عنهم ، وهي في كل ذلك تُنزِل الناس منازلَهم ، دون أن تنسب العصمة لأحد غير الأنبياء والمرسلين ، عليهم الصلاة والسلام أجمعين .

أتمثل الجمعية جمعية مُنصفة تعطي للنساء حقهن في الدعوة والنهضة والإصلاح والتربية والتوجيه.

فلا تستثني النساء خضوعا لأعراف فاسدة ، ولا تحرمهن حقَّهن في التعليم والإصلاح خوفا من فتنة موهومة ، بل تسير على مسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم – أولا-وعلى مسلك قادتها الأولين ثانيا -فتعطي هذا الجانب الخطير حقَّه من حسن التصرف والتدبير ،وهي في كل ذلك تراعي حدود الله ،وتلتزم شرع الله ،دون غلوّ ولا إجحاف ،ودون إفراط ولا تفريط.

ولست أتمثلها جمعية رجالية ليس للنساء فيها وجود، وليس لجهودهن المهمة في شُعَبها حضور ، بل تؤسس لهن المدارس والجامعات ، وتدعوهن إلى تأسيس جمعيات ، لتحقيق ما غاب عن ساحتهن من فرائض وواجبات ، وتستفيد من طاقاتهن وإبداعاتهن وعواطفهن،كما فعل المهتدون ممن كان لهم في مجال التجديد نصيب،في الغابر من التاريخ والقريب.

أتمثل الجمعية – في شُعَبِها – نموذجا لمؤسسات الطهر والعفاف ، ولتجمعات الأتقياء والصالحين ، يَحتذي حذوَها كلُّ عاقل يريد أن يؤسس مؤسسة، أو ينشئ جمعية ، مع رُقيّ في العقول والأخلاق والمناهج والأهداف ، ولذلك تراها تجعل الكمالات الخُلُقية معيارا للقرب والبعد ، وميزانا لغربلة الناس وتقديمهم لقيادة الأمة ، وليست كبعض الجمعيات المتكالبة على الدنيا ، تجمع كلَّ من هبَّ ودبَّ، وكلَّ مرجوج في المجتمع أو ممجوج .

ولستُ – أيضا – أتمثلها جمعية لا ضابط لعلاقة الرجال فيها بالنساء ، ولا لعلاقة الكبير بالصغير ، ولا للسابق باللاحق ، ولا عبرة فيها للتقوى والخلق والسبق ، ولا وزن – في أحكامها ومواقفها – للإيمان والتقوى والوفاء.

بل – كما ذكرت- أتمثلها رافعةً راية التزام حدود الله في السرِّ والعلن ، لأنها تؤمن بقوله تعالى:(وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾(الطلاق1).

وقوله – أيضا (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾(البقرة 229) ومن كان ظالما لنفسه وهو عند الله من الظالمين ، فهل يعقل أن يكون تدبيرُه سبباً في سعادة الآخَرين ، وسلامة المتَّبِعين ؟؟!.

أتمثل الجمعية جمعية رسالية ، لا تنسى أنها نشأت لتُصارع الباطل وتقاوم الاحتلال بالحق الذي أنزله الكبير المتعال .

ولذلك فهي على مسلك الأنبياء في صراع دائم مع الباطل والمبطلين ، والإجرام والمجرمين ، والفساد والمفسدين ، قديما وحديثا ، خارج البلاد وداخلها .

وهي في رفع دائم لِلِوَاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح للمسلمين .

فلا تراها ساكتةً عن استكبار أمريكا وإسرائيل وفرنسا وغيرهم من قوى الظلم والطغيان والعدوان .

ولا تراها مُقِرّةً لمشاريع التكفير والتفسيق ، ولا غاضة الطرف عن أثر الإعلام والتعليم والحُكم على أَمْنِ الأمة وإيمانها وأخلاق أجيالها . لذلك فهي في إنكار دائم – بحكمة العلماء -للمنكر كبيرِهِ وصغيرِهِ ، وفي سعيٍ حثيثٍ لإزالته أو لتقليص دائرةِ تأثيرِه وانتشاره بما تستطيع من قوة وجهد . وهي –كذلك–في جهاد مُستميت للهداية والبيان – بالقلم واللسان – ما أغناها عن السِّنان ، وقد تلجأُ إلى السِّنان إذا ما سوّلت لعدوِّ نفسُه أن يدوس شبرًا من الأوطان بالظلم والطغيان ، مؤمنة ًفي كل ذلك بقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾(الحج 78)

وبقوله –سبحانه – ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة 71)

أتمثل الجمعية جمعية توالي الله ورسوله ومَن والَى اللهَ ورسولَه والمؤمنين، وتضع يدها في يد كل قائد أو مسؤول مخلص للإسلام وللجزائر ، ولا تتوانى في إقرار الحق والثناء على فاعليه ، ومباركة جهود المخلصين التي تهدف إلى رقيِّ الوطن وصالح الأمة في عاجل أمرها وآجله .

وهي في كل ذلك تلزم القصد فلا تغالي ولا تُشطِط ، ولا تتجاوز الحد ، ولا ترفع الناس فوق أقدارهم ، كما أنها لا تُنزِلهم عن مراتبهم ، ولا تَغمِطُهم حقَّهم.

ولست أتمثلها جمعية تُطبّل مع كل مُطبّل ، وتُقرّ أيّ شيء يصدر من القادة أو الأمراء أو الأغنياء أو الوُجَهاء ، بل تَقبل وتردُّ ، وتُقِرُّ وتُنكر، وهي – في كل ذلك – تَرعى مصلحةَ الأمة ، وترجِّح –بميزان لا يخيب -بين المفاسد والمصالح ، فتقدم أرجح المصلحتين عند تعارضهما ، وتبعد أسوأ المفسدتين عند تزاحمهما ، وتجتنب إثارة الفتن ، وترعى الأولويات ، وتعلن للأجيال أنها لا ترضى بمنكر من أي وعاء صدر، وأنها إذا لم تصدع – أحيانا – بالحق فإنها تسلك مسلك « إذا لم تستطع أن تقول الحق فلا تقل الباطل»وهي – مع كل ذلك – ليست بمعزل عن حديث « الدين النصيحة»وما أجاب به صلى الله عليه وسلم من سأله عن وِجهتهابقوله « لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم».

وعن حديث « ألا وإن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر».

أتمثل الجمعية جمعية تربوية علمية تجعل التربية والتعليم من أولوياتها ، وتجعل الاهتمام بهما مسلكَها ودربَها ودَيْدَنَها، ولا تقبل أن يطغى أيُّ نشاط خيريٍّ على ذلك , لأنها تَعدّ ذلك أساسَ عملها، وعمدةَ بنائها، وأولى أولياتها ، فهي – لذلك – تخطط لتأسيس منظومات تربوية راشدة ، وتسعى لترشيد الموجود منها،وتسعى لبناء المساجد والمدارس والأندية والمراكز الثقافية ، وتشجع كلَّ عمل – رسميّ وغير رسمي – يَصبّ في هذا المصبّ ، ويقوّي تدفّقَ هذا المنبع ، ويضمن استمرار هذا المجرى .

ولست أتمثلها مشغولةً عن ذلك بصراع على كراسٍ أو مقاعد – وإن كانت تحب وتدعم الأفضل والأصدق كسائر العقلاء المتحضّرين -ولا مشغولةً بتوسيع دائرة العمل الخيري على حساب دائرة التعليم والتربية ، وإن كانت ترى العمل الخيري والانشغال به ودعم القائمين عليه ، واجباً كفائيا لا تَبرأُ ذِمّتُّها منه إلا إذا اطمأنت إلى تَحَقُّقِه.

ولست أتمثلها – أيضا -مشغولةً بشكل مفرط بالإنشاد والطرب وهي تعيش المآسي والنكبات المتوالية ، بل تأخذ من ذلك بمقدار ما يريح النفس ويقوي العزائم ، وهي تراه كالملح مع الطعام ، إذا فسد ذوقُه أو زاد عن حدِّه ، انقلب إلى ضدّه ، وصار الأَلْيَقُ ردَّه .

أتمثل الجمعية جمعية سلفية، ولكن بالمعنى الصحيح للسلفية ، وهو ما عليه أعلام الأمة وجمهور علمائها ، وهو الارتباط بالسلف والاقتداء بهم في حسن فهمهم للدين ، وحسن تعاملهم معه ، وحسن الانقياد له في جوانبه كلها ، وحسن قيادة الناس به ، شعارها في ذلك عندي : الاهتداء بحسن الاقتداء

ولست أتمثلها سلفية َالجدال في فروع الاعتقاد مع العوام الذين لا يفقهون دقائق المسائل ، ولا سلفية الاقتناعِ برأي فقهي يراه صاحبه هو السنة ، وتبديعِ كلِّ المخالفين . وليست سلفية الغفلة عن خدمة الإسلام ونصرته، وعن تزكية النفوس بهَدْيِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والاستعاضة عن ذلك كله بالوقوف عند بعض السنن والآداب المتعلقة بالصلاة وغيرها ، وشَغل الناس بمعارك طاحنة بسببها .

بل أتمثل سلفيةَ الجمعية سلفيةَ ابن باديس والإبراهيمي والتبسي.

وقبلهم سلفية الجويني والجنيد والنووي وابن تيمية وابن كثير والغزالي وابن القيم وابن العربي وابن حجر وابن عبد البر والمحاسبي ، وقبلهم سلفية أئمة الأمة ؛ مالك والشافعي وابن حنبل وأبي حنيفة ، وكذا الثوري والأوزاعي وجعفر الصادق وغيرهم كثير، وقبلهم سلفية الصحابة والتابعين ، وقبل كل ذلك وبعده نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تتلخص مهمته في كلمتين :البلاغ والبيان أي : البلاغ عن الله ، والبيان لمراد الله ، وتجتمع سُنَنُه كلُّها في لفظ جامع هو : التضحية، أي:التفاني في إيصال الخير إلى الناس ، والسعي الحثيث لإنقاذ الناس من النار .

فمن كان على هذا المسلك : مسلكِ البلاغ والبيان لكُليّات هذا الدين – أساساً –ولجزئياته –عَرَضا – ومسلكِ التضحية لهداية الضّالّين ، وإرشاد الحيارى ، وتعليم الجاهلين . فمن كان على ذلك فهو على السنة ، وعلى منهج السلف ، وأئمة الهدى ، وسيشرب من الحوض ولا يُذَاد عنه إن شاء الله . ومن لم يكن كذلك فسوف يُذاد مع المذادين ويطرد مع المطرودين ، والعياذ بالله .

أتمثل الجمعية جمعية صوفية ، ولكن بالمعنى الصحيح والمقبول للتصوّف ، وهو ما عليه أعلام الأمة وجمهور علمائها ، وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار عليه سلفنا الصالح ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا ، وهو رعاية القلوب ، والمحافظة على سر الإخلاص فيها ، ومجاهدة النفس على الكمالات والمعالي ، وإحياء فقه الخشوع والذكر، ومخالفة الهوى ، وإيثار ما يبقى على ما يفنى ، كل ذلك حقا وصدقا، لا ادعاء وتظاهرا وكلاما وانتحالا.

ولست أتمثلها تَقِرّ أو تعمل بما يفعله بعض من انتسب – زورا وبهتانا – إلى التصوف –والتصوف منه بريء -من أكل أموال الناس باسم الدين ، أو التكالب على الدنيا بإظهار الزهد فيها ، أو الإصرار على مخالفات عملية أطبقت كلمة العلماء المحققين سلفا وخلفا على إنكارها والحكم بعدم مشروعيتها ، كالدفن في المساجد والتمسح بالقبور. أو الوقوف عند بعض مظاهر عُرف بعض أفاضل هذه المدرسة بها ، مع الغفلة عن سرّ بلوغهم مرتبةَ الفضل التي جعلت الأمة تثق بهم وتحكم بعدالتهم ، وهو صفاءُ قلوبهم وتحقُّقِهم بحقيقة الإخلاص والزهد واليقين،من أمثال الحسن البصري ، وإبراهيم بن أدهم ، والحارث المحاسبي ، وابن المبارك ، والفضيل بن عياض ، ومن سار سيرَتَهم إلى يوم الناس هذا .

أتمثل الجمعية جمعية تهتم بالجزائر كلها–شرقا وغربا وشمالا وجنوبا –ولا تفرق بين أحد من أبناء هذا الوطن العزيز بناءً على جهة أوعِرق أو لون أو لغة أو قبيلة أو لباس أو شهادة أو نحو ذلك ، بل تضع نفسها في مقام الوالد مع أولاده ، ذكورا وإناثا ، كبارا وصغارا ، أغنياء وفقراء ، وتحاول أن تعطيهم حق الرعاية والإحسان والقوامة ، ما وَسِعَه جُهدُها ، وهي – في الوقت نفسه – تفتح صدرها وشُعَبها لكل من أراد خدمة الإسلام ولغة الإسلام وأمة الإسلام من خلالها ، أو بالتعاون معها ، أو بالتشاور مع قادتها ، لا تميّز عربيّا عن أمازيغيّ ، ولا شماليّا عن جنوبي ، ولا شرقيّا عن غربيّ ، كما فعلت – ولا زالت تفعل- بعضُ السياسات الماكرة أو الجماعات المشبوهة .

ولست أتمثلها تقرب من وافق عرقُه عرقَ رؤسائها أو أعضائها ، ولا من وافق انتماؤه الحزبي أو الاجتماعي انتماءَ مَن سبق إلى فتح شُعَبها،بل إني أتمثلها لا ترضى أن تتحزَّب – وإن كانت لا ترفع راية الإنكار على من تحزّب – ولا ترد أحدًا طلب وُدَّها ورضيَ مسلكها ، ولا ترضى أن تُستَغلّ للدعاية للأحزاب وإن وافقت لوائحُها مبادئَها ، بل هي ذخر تاريخيّ للجزائريين جميعا ، دون أن تُفرِّق بين أحد منهم ، إلا من عَقّها ، ورفض أن يتشرف بوَلائه لها ، وانشغل بالبحث عن أخطاء قادتها .

أتمثل الجمعية –أخيرا –جمعية يحبها كلُّ الجزائريين، بل كل المسلمين ، بل كل حرّ يحب الحق ويكره الباطل ، ويحب الخير ويكره الشر،يحبها هؤلاء جميعًا –خاصة أبناء هذا الوطن العظيم ، وإن لم ينخرطوا ضمن شُعَبها ، يُحبّها القادةُ والمقودون ، خاصةً الأوفياء منهم والخيّرون ، ولا يكرهها إلا من في قلبه مرض ، أو في عقله غَبَش ، أو في موازينه خلل ، أو كان في معارفه عنها خطأٌ أو قصور ، وهي – في كل حال ومع كل الناس – تمدّ يد الأمن والإيمان والتصالح والإحسان ، وتدعو الجميع إلى إعلان الصلح مع الله ، والصدق مع عباد الله ، وتدعو إلى تكاتف الجهود لحفظ الأوطان، وتقوية الإِيمان ، وبَسط الأَمان ، وخدمة الإسلام ، وإلى التعاون من أجل تفريج الكُرُبات، وحلّ الأزمات ، والقضاء على مظاهر تخلف الأمة ،وإلى السعي الحثيث للنجاة عند الله، والحصول على رضى الله – سبحانه وتعالى – ، وبلوغ أعلى الدرجات في جَنّة عرضُها الأرضُ والسماوات.

والله الموفّق ٍوهو يتولى الصالحين.

والحمد لله في البدء والختام ،والصلاة والسلام على خير الأنام.

آخر التغريدات: