المجددون في الإسلام.. ابن باديس والإصلاح بمنهج عصري

المجددون في الإسلام.. ابن باديس والإصلاح بمنهج عصري

بقلم: مي حسين –

قامت دعوة المفكر الإسلامى ـ الجزائري عبد الحميد بن باديس (1889-1940) على فهمه الدقيق لعقيدته الإسلامية. ووضع ابن باديس لتحقيق دعوته منهجاً قائماً على أساس من وعيه العميق بطبيعة شعبه وروح عصره وواقع بيئته وظروفها. ومارس نشاطه بإلقاء الدروس في الجامع الأخضر بقسنطينة صباحاً مع الصغار ومساء مع الكبار. وخص الفتيات بوقت يفقهّن في الدين ويعدهن لتربية النشء.

يقول الباحث محمد سيد بركة في دراسته ”عبد الحميد بن باديس سلفية بمنهج عصري” انه أعاد أسلوب الإعلام الذي استخدمه المسلمون الأوائل، فكانت منابر المساجد تعلن القرارات الخطيرة في شئون الدين والدنيا. وراح يكافح وينادي بحرية الجزائر، مخاطباً أمته بالقرآن والسنة مفسراً وشارِحاً، موجهاً وواعظاً بمنهج عصري فكان يربط في شرحه بين الدين والدنيا ويتخذ من الدين أساساً لبناء المجتمع والنهوض به.

الإسلام في منظوره منهج هداية ونظام اجتماعي شامل تنتظم ضمن فصوله أمور الحياة الدنيا ومطالب الحياة الأخرى، لأن الإسلام في جوهره، وكما فهمه أئمة السلف هو سعي جاد إلى المواءمة بين الطبيعة والإنسان وبين الحياة البشرية في جوانبها المادية والحياة البشرية في جوانبها الروحية، وهو بهذا يسع الأوطان والأقوام والأجناس ويحترم الأديان ويعترف بها ويدعو إلى حسن المعاملة حتى مع المخالفين.

والإسلام الذي يراه ابن باديس طريقاً لخلاص الأمة من أوضاعها المتردية هو الذي يحارب السلبية والجمود والاستكانة والاستسلام لليأس والكسل.

عرف عنه أنه فقيه مجتهد، جامع لشروط الإمامة والفتوى، عالم بمذاهب أهل السنة والجماعة، عارف بمقتضيات الحياة، متطلع في المذهب المالكي. وفي معرفة أحوال مجتمعه، إذ لم يكن فقيهاً تقليدياً يكتفي بالتعامل مع ظاهر النصوص، إنما كان يعمل فكره ويجتهد في تحليل القضايا التي تعرض لحياة الناس وفق الظروف التي يعيشونها.

جعل الإنسان محور خطته التربوية وغايتها، ليس الإنسان المطلق الذي اهتمت به الفلسفة القديمة، المجرد عن الزمان والمكان، إنما الذي يعيش في واقعنا، ويتفاعل مع أحداث عصرنا، الإنسان الذي استخلفه الله في هذه الأرض ومكنه من استثمار قدراته، لتحقيق الازدهار العمراني والتقدم الحضاري الذي يعود عليه وعلى أمته بالخير والسعادة.

لم تنشأ الحركة الإصلاحية التي تزعمها من فراغ، بل سبقتها جهود فردية متفرقة زماناً ومكاناً، كان لها دور في تهيئة النفوس والعقول لتقبل فكرة الإصلاح والتطلع إلى حياة فكرية جديدة تساير روح العصر وتستجيب لتطلعات الأمة. وهذه الجهود كانت بمثابة إرهاصات ممهدة للحركة الإصلاحية التي قادها.

يعتبر العقل قوة روحية والأداة الرئيسية في التفكير، مهمته تكمن في الاستدلالات وبناء الأقيسة المنطقية بمقدمات صحيحة يستخرج فيها المجهول من المعلوم فتفكيره (العقل) هو نظره في معلوماته التي أدرك حقائقها، وأدرك نسب بعضها لبعض إيجاباً وسلباً وارتباط بعضها ببعض نفياً وثبوتاً، وترتيب تلك المعلومات بمقتضى ذلك الارتباط على صورة مخصوصة، ليتوصل بها إلى إدراك أمر مجهول. فالتفكير اكتشاف المجهولات من طريق المعلومات، والمفكر مكتشف مادام مفكراً.

وكان يحث الشباب على عدم التواني في طلب العلم في أى مكان وبأي لغة حتى يتم استرداد المجد الضائع. في هذا السياق يقول ابن باديس: فأرجوكم أيها الشبان أن تأخذوا العلم بأي لسان كان وعن أي شخص وجدتموه وأن تطبعوه بطابعنا لننتفع به الانتفاع المطلوب كما أخذه الأوروبيون من أجدادنا وطبعوه بطابعهم النصراني وانتفعوا به وهم إذا أنكر بعضهم اليوم فضلنا عليهم فذلك شأنهم، أما نحن فلا ننكر فضل من أسدى إلينا الخير الخالص ونعترف له بالجميل الذي لا يراد به سوى الجميل ولا علينا فيمن {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ولا يكون في صدورنا من حرج فصدورنا بالإيمان بالله والثقة به أوسع وعقولنا أرجح وديننا أرحم وأكمل.

يؤكد الباحث سعد خميسى في دراسته ”العلم والقيم الأخلاقية في فكر الشيخ عبد الحميد بن باديس” أن هذا الإمام طرح في هذا النص قضية المعاصرة، فيدرك تماماً مدى التقدم العلمي الذي بلغه الأوروبيون، ويدرك حاجتنا لهذا التقدم مع ضرورة جعله يتماشى وأصالتنا، ويتضح من هنا أن سلفية ابن باديس محدثة نهضوية يلتقي فيها مع الأفغاني ومحمد عبده.

كما تبدو في النص نزعته التفاؤلية بعودة الريادة والسيادة إلى الإسلام والمسلمين، ولكن ذلك لا يتحقق إلا بتوخي الأسباب، وعلى رأس هذه الأسباب العلم. ولبلوغ ذلك يجب إعمال العقل في تحصيل المعلومات ومواكبتها بالاكتشافات بديمومة وصيرورة لا تركن إلى الكسل والخمول لأن ذلك من أسباب الأفول لا التقدم والازدهار.

تنطلق فلسفة ابن باديس في العلم والأخلاق من القرآن، ومنه حدد مفهوم العلم باعتباره معرفة منظمة يقينية أو تقارب اليقين قدر المستطاع. كما حدد وسائل المعرفة، مركزاً على المعرفة الحسية ثم العقل الذي عده آلة العلم الرئيسية، وبه وبممارسته سلوكاً يأتي الحديث عن الأخلاق، التي مصدر حسن الأفعال فيها أو قبحها ذاتي وشرعي. لهذا على الإنسان إذا أراد أن يبلغ العلم النافع ويمارس الفضائل أن يعمل عقله ويحتكم للشرع فينال السعادة والكمال بقدر ما اجتهد واكتشف.

آخر التغريدات: