أثار بن باديس ونظرته إلى العلم

أثار بن باديس ونظرته إلى العلم

بقلم: أ. مزوز –

ككل عام تحتفل الجزائر بيوم جعلت منه موعدا تحيي فيه ذكرى وفاة العلامة المصلح الشيخ عبد الحميد ابن باديس، لتجدد فيه العهد مع العلم والمعرفة، وتقاطع فيه الجهل وتعاديه وذلك في يوم السادس عشر من أفريل، بحيث تشارك في هذا الاحتفال البهيج كل شرائح المجتمع الجزائري، وخاصة النخبة المثقفة التي تنوع وتبدع في إظهار مدى تقديرها وارتبــاطها بهاته الذكرى العظيمة، فنراها تحاول بيان أهم مراحل حياة الشيخ ابن باديس، أو تحلل العوامل المساعــدة في تكوين شخصيتـه وفكره، أو تذكر يعض مواقفه المشهورة، أو تنقل ثناء العلماء عليه.. إلا أنني أردت في يوم العلم لهذه السنة أن تكون مساهمتي استثنائية، بحيث أغوص في آثار الشيخ ابن باديس –قدر المستطاع لأستخرج لآلئ ودرر من فكره ونظرته حول العلم نفسه وأهميته، وعلاقة الأمم به.

إن العلامة ابن باديس كان يعرف للعلم قدره و يدرك حقيقته وكنهه ..فنجده يصف العلم بالإمامة ، ومرة يصفه بأنه سبب الحياة أو سبب لبقائها ، و أخرى بأنه خاصية إنسانية ..فيقول :” العلم هو وحده الإمام المتبع في الحياة ..فلا نعتقد إلا عن علم أو نفعل إلا عن علم ”

ويؤكد بأسلوب القصر و الحصر على أن الحياة لا تكون –فتنفى-إلا بشريانها العلم فيقول :”لا حياة إلا بالعلم ..” .أما عن علاقة العلم بالإنسان فقد بين الشيخ ذلك في قوله : ” فمن حرم إنسانا –فردا أو جماعة – من العلم فقد حرمه من خصوصية الإنسانية ..” لـنفــهم من قوله هذا أن الإنسانية كل مركب ومن مركباتها العلم ، فمن حرمه حرم كمال إنسانيته.

ومن كان يريد منا معرفة دلالة مصطلح العلم دلالة جامعة مانعة ، فليسمع ذلك من الشيخ ابن باديس :” والعلم إدراك جازم مطابق للواقع عن بينة ، سواء أكانت تلك البينة حسا و مشاهدة ، أو كانت برهانا عقليا ، كدلالة الأثر على المؤثر و الصنعة على الصانع، فإذا لم تبلغ البينة بالإدراك رتــبة الجزم فهو ظن، هذا هو الأصل..، ويقول رحمه الله أيضا :  “ويطلق أيضا -أي العلم- على ما يكــاد يقارب الجزم و يضعف فيه احتمال النقيض جدا ، كما قال تعالى عن إخوة يوسف عليه السلام :”وما شهدنا إلا بما علمنا ومنا للغيب حافظين “فسمى القرآن إدراكهم بما شهدوا علما، لأنه إدراك كاد يبلغ الجزم لانبنائه على ظاهر الحال و إن كان ثم احتمال خلافه في الباطن، لأنه احتمال ضعيف بالنسبة لما شاهدوه ”

قال الشاعر : 

تعلم فليس المرء يولد عالما ***  وليس أخو علم كمن هو جـاهل

وقال آخر :   

تعلم فليس المرء يخلق عالما ***  وما عالم أمرا كمن هو جاهله

كذلك نجد الشيخ عبد الحميد ابن باديس، يوافق الشاعرين في الشطر الأول من البيتين فيقول :” إنما العلم بالتعلم، فلن يكون عالما إلا من كان متعلما، ومحمد الذي بعثه الله معلما، كان أيضا متعلما ، علمه الله بلسان جبريل فكان متعلما عن جبريل عن رب العالمين، ثم كان معلما للناس أجمعين ..

كما نجده رحمه الله في تفسير قوله تعالى : “وقل رب زدن علما ” يوافق الأثر القائل : اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد، ويوافق قولة إمام أهل السنة و الجماعة : مع المحبرة إلى المقبرة، فيقول شيـخنا: “يتعلم الإنسان حتى يصير عالما ويصير معلما ولكنه مهما حاز من العلم وبلغ من درجة فيه، ومهما قضى من حياته في التعلم وتوسع فيه وتكمل، فلن يزال بحاجة إلى العلم، ولن تزال أمامه فيما علمه أشياء مجهولة، يحتاج إليها، فعليه أبدا أن يتعلم و أن يطلب من الله والذي علمه ما لم يكن يعلم أن يزيده علما، فقال :((وقل رب زدن علما )).

آخر التغريدات: