الحوار بين الحساسيات السياسية ابن باديس ودعاة الاندماج والتجنيس

الحوار بين الحساسيات السياسية ابن باديس ودعاة الاندماج والتجنيس

ما من بلد دخله الاستعمار إلا وحل به الخراب والدمار، ولما كان خراب الأوطان وجده لايجعل الاستعمار متمكنا من رقاب مستعمرية بسبب استمرار مقاومته في نفوسهم، فإنه يعتمد إلى تخريب الأفكار .لما للعامل الثقافي من أهمية في الاستبطان والتحكم في الشعوب، وهو ما جعله يقوم في الجزائر بعملين أحدهما تهديمي، والأخر إنشائي، فالتهديمي يتمثل في سياسة التجهيل التي أتبعت لتقضي على روح المقاومة في النفوس، والإنشائي يتمثل في العمل على صناعة نخبة قليلة ينشئها على عينيه ويحشو عقولها بتوجيهاته لتصير معبرة عن قيمه، طامحة إلى مثله، نابذة في الغالب قيمها وأصالتها، مما يؤدي منهجيا إلى فقدان توازنها، لأنها لا على قيمها حافظت، ولا قيمه اكتسبت..

ويؤدي من جهة أخرى إلى نشوب الصراع بينها وبين أبناء ملتها المقاومين للاستعمار وطغيانه، الداعين إلى التحرر من بطشه والنهوض بأمتهم وفقا لقيمها وأصالتها، مما يحول جانبا من الصراع عن موضعه الطبيعي، أي بين الظالم والمظلوم إلى صراع داخل الذات المظلومة مما يفقدها بعض ريحها (قوتها) وهو ما يؤدي إلى إشكالية معقدة يعيشها المجتمع ويعسر حلها، وكان طرفاها، دعاة الإندماج والتجنيس من جهة، وإبن باديس وجمعيته من جهة أخرى. واكي نفهم طبيعة الصراع ومجراه ومدى التحكم من حسمه يجب أن نشير إلى المناخ الذى نشأ فيه دعاة الإندماج والتجنيس والمواقف التي إتخذت تجاههم لنصل إلى موقف ومجهودات ابن باديس وجمعيته. ونختم الموضوع بالإشارة إلى خلاصة هذه الطائفة وما توصل إليه ابن باديس من محاوراته لهم.

دعاة الاندماج و التجنيس:

من نتائج السياسات التي اتبعتها فرنسا كالتنصير و الفرنسية لسلخ الجزائريين من دينهم و لغتهم و عروبتهم لبقائها في الجزائر إلى الأبد. و لما كان الاستعمار يستعمل جميع الوسائل، العنف و الإقناع، فرأى بأنه لابد من العمل على سياسة الإقناع، إقناع الجزائريين بالانسلاخ عن دينهم لتحطيم الحاجز الطبيعي بينهم و بينه، فيذوبون فيه و يتلاشون، فرأى أن أحسن من يقوم بهذا الدور هو الأهالي أنفسهم، و لكي تحقق فرنسا هذا التجأت إلى:

          فرض سياسة التجنيس: فرضت فرنسا على الجزائريين سياسة التجنيس بمقتضى القانون الإمبراطوري الصادر في 14 جويلية 1865م الذي نص في أحد فصوله على أنه الأهلي الجزائري”فرنسي” و نص في فصل آخر على أنه لا ينال الحقوق السياسية التي يتمتع بها الفرنسي الأصلي إلا إذا تجنس بالجنسية الفرنسية، و بين القانون أن المسلم الجزائري (الفرنسي) غير المتجنس تسري عليه أحكام الشريعة الإسلامية، و أن الجزائري المتجنس يخضع للقانون المدني الفرنسي في أحواله الشخصية.

          و في عام 1919 م صدر قانون آخر أبقى المسلم الجزائري مخيرا بين أمرين :

          إما أن يكون فرنسيا بلا حقوق.

   -و إما أن يكون متجنسا بالجنسية الفرنسية التي هي جنسيته الرسمية رغم انفه و ينسلخ عن الذاتية الإسلامية لينال(1) الحقوق الفرنسية : أي إن الجزائري إذا أراد أن ينال الحقوق القرنسية فما عليه الا أن يندمج في الذاتية الفرنسية و ذلك بتجنسه بالجنسية الفرنسية التي يتنازل بموجبها عن الأحوال الشخصية الإسلامية و يعلن خضوعه لقانون نابليون(2). و هذا أصبح بموجب قانون فيفري 1919 م من حق المسلم بمجرد التزامه بالخروج عن أحكام الشرع الإسلامي و لا سيما في الزواج و الطلاق و الميراث الحق في طلب الإحراز على الحقوق الفرنسية التي كان من أهمها الحصول على الثلث الاستعماري المحروم منه الجزائري غير المتجنس، و ذلك أن كان المتجنس موظفا، مساواة له بالموظف الأوروبي الذي كان يأخذ علاوة تعادل ثلث مرتبه مقابل عمله في المستعمرة (3).

اشتداد دعوة التجنيس:

اشتدت الدعوة إلى التجنيس بالجنسية الفرنسية عن أحكام الشريعة الإسلامية بعد مرور قرن على الاحتلال بعد الاحتفال المئوي، و ذلك في عام 1930م حيث أصبح للتجنيس دعاة متحمسون من بعض الجزائريين الذين كانوا قد تجنسوا و أرادوا تكثير عددهم فأسسوا لذلك بعض الجرائد الداعية لمبدئهم المتمثل في الحصول على الجنسية الفرنسية مقابل التخلي عن مقومات الشخصية الجزائرية العروبة و الإسلام(4). و هنا ننتقل إلى الحديث عن هذه الجماعة المسماة: دعاة الاندماج و التجنيس أو جماعة النخبة:

هم دعاة تغريب بروز إلى الوجود في الفترة التي ظهر فيها الاتجاه الإصلاحي، أي قبيل الحرب العاليمة الأولى. و سمو أنفسهم ب”النخبة” التي عرفها أحد أعضائها بأنها “ثريات الشبان المتخرجين من الجامعات الفرنسية، القادرين بأعمالهم أن يصعدوا فوق الجماهير. و أن يضعوا أنفسهم في مصاف ناشري الحضارة الحقيقيين”(5)، هذه النخبة رغم قلة عددها الذي لم يزد على 450 فردا في سنة 1907م” فإنهم كانوا يعتبرون أنفسهم أقلية ممتازة منفصلة عن أغلبية ناقصة تتكون من فلاحين جهلة و مرابطين حرفيين و علماء رجعيين(6)….”

و قد تبنت هذه النخبة أفكار الفرنسين و طريقة عيشهم و أخذوا يعملون على تغريب المجتمع و محوه من الوجود، و أضحوا يشعرون بسبب تعليمهم الفرنسي بأنهم قطعوا من بقية المجتمع الذي كان غريبا عنهم، ففقدوا لغتهم و انتماءهم الحضاري و اتجهوا نحو أمهم غير الشرعية، فرنسا، فتزوج كثيرهم ببناتها، لان الجزائريات في نظرهم أدنى منهم مرتبة و أحط قيمة و تعملوا، لغتها و عملوا أبناءهم في مدارسها فضاعوا و ضيعوا و تعقدوا بإحساسهم بأنهم فوق الجزائريين و تحت الفرنسيين”(7)و انتهى بهم الأمر إلى الدعوة للاندماج و التجنيس. و بهذا نستطيع القول بأن السياسة الفرنسية أفلحت في تكوين هذه الجماعة أقليلة م الجزائريين الذين عرفوا أنفسهم كما ذكرنا بالنخبة و هو مصطلح الذي أطلقته عليهم فرنسا تشجيعا لهم على مواصلة السير في طريق محاولة إدماج الجزائريين في فرنسا و دعوتهم إلى التجنيس بجنسيتها، فهم إذن جماعة تثقفت بالثقافة الفرنسية فانبهروا بمظاهر الحضارة و التقاليد الفرنسية فصاروا دعاة متحمسين لإدماج الجزائر في فرنسا و التجنيس بجنسيتها(8).و يجب أن نذكر هنا أن مفهوم الإدماج هذا هو الخضوع و العبودية و طمس الشخصية الأبدي من عروبة و إسلام ووطنية جزائرية و أصبح الاستعمار يعتمد في تحقيق جزء كبير من سياسته الرامية إلى محو الشخصية الجزائرية على هؤلاء الذين صاروا معول هدم لشخصية بلادهم و مستقبلها السياسي و حقها في الحرية و الاستقلال(9). و لقد أعدت فرنسا هذه الجماعة إعدادا خاصا لتلعب دور الوسيط لتقريب الشقة بين من تسميهم فرنسا ب”الجهلة و البربرة من الأهالي و بين الاستعمار، أي جعل مهمتهم تريض أبناء جلدتهم و إزالة كراهيتهم لعدوهم، فرنسا، الذي سحقهم أي جعل المجلود يذوب هياما في جلاده، و كان أمل فرنسا في هذه النخبة المسماة في الوثائق الفرنسية باسم “أنتليجنسيا” المسلمة الفرانكفونية التي أوجدتها كبديل يعوض”خدام فرنسا الأوفياء المعروفين باسم”العمائم القديمة” (vieux turbaux) و قد حدد هذا الهدف الحاكم العام الفرنسي للجزائر جول كامبو(gules canbon) (1891-1897م) – أي قبل وجود هذه النخبة- بقوله إنهم بمثابة هيئة أركان… مهمتهم لعب دور الوسيط بين السياسة الكولونيالية الفرنسية و الأهالي الجزئريين. و قد أكد على هذا الهدف صحيفة (le temps) فيما بعد عام 1904م ثم الحاكم العام الفرنسي جونار(jonnart) عام 1908 م بقوله : إن من مصلحتنا العمل على خلق نخبة مثقفة من الأهالي القادرة على الإستجابة لافكارنا التقديمية و العادلة …. إننا في حاجة الى بورجوازية محافظة تساعدنا و تسهل لنا تنفيذ مخططاتنا، و هو الذي أكده الحاكم العام موريس فيولت (mouris violette) في عام 1932م معتبرا الطلبة الجزائريين الفنكوفونيين خير وسيلة للقيام بدور التأثير في محيطهم الأصلي”(10). هذه النخبة هي التي توصلت في النهاية الى فكرة الإندماج مع فرنسا. و هكذا فإن التيار الذي ظهر على مسرح الأحداث قبل الحرب العالمية الأولى تبلور بعد ذلك في بعض المنظمات السياسية ابتداءا من عام 1930 و كانت له جرائده بالفرنسية ودعاته في المحافل السياسية (11) داخل الجزائر و خارجها.

و أنصار هذا التيار هم الذين أفلح الإستعمار الفرنسي سواء عن طريق الثقافة الفرنسية ووسائلها أو عن طريق العمل في الإدارة الإحتلال أو بواسطة التجنيد في الجيش الفرنسي في صبغتهم بالصبغة الفرنسية بحيث أصبحوا أداة في أيده لمحاربة مقومات الشخصية الجزائرية و أهمها اللغة و الثقافة، و كانت المنظمات اليسارية في فرنسا تبارك اتجاهاتهم السياسية و الثقافية، و تطلق عليهم اسم “النخبة” تشجيعا لهم على مواصلة السير في هذا الاتجاه المعادي للثقافة العربية القومية في الجزائر و الشخصية الوطنية الجزائرية (12). و هنا نتساءل ما هي تشكيلة دعاة الاندماج و التجنيس؟

تشكيلة دعاة الاندماج و التجنيس: هم بعض النواب المحليين و بعض الأعيان، و من كبار الموظفين بالجزائر و من خريجي المدرسة الفرنسية بشقيها التبشيري و الرسمي. و من أهم الحركات الداعية إلى الاندماج و التجنيس حركة اتحاد المنتخبين المسلمين أو اتحادية النواب(التي كان يرأسها فرحات عباس) و قد نشأت في عام 1930م عن طريق تجمع بين النواب الجزائريين في المجالس العمالية الثلاث. و قد أعادوا تكوين هذه الهيئة في عام 1930م – أي بعد الاحتفال المئوي مما نعتقد أنها نتيجة له- التي كان الأمير خالد قد أسسها بعد الحرب العالمية الأولى (13)، و قد بحت أصوات هؤلاء النواب في المنارة بوجوب التآخي و التضامن مع الفرنسيين لأجل الإحراز على نفس الحقوق بواسطة فرنسا وحدها و لو بتضحيتهم بالشخصية الإسلامية و في أقوالهم إمام وزير الداخلية و كتاباتهم كلها على هذا المنوال(14).

و كان من زعمائهم الدكتور محمود بن جلول و الصيدلي فرحت عباس و الدكتور الأخضري و الدكتور ربيع الزناتي و غيرهم(15).

و كانت جل مطالب هؤولاء النواب الذين تجمع بينهم الثقافة الفرنسية العالية تنصب في المطالبة بالمساواة مع الفرنسيين في الحقوق السياسية و الإجتماعية و الثقافية أي تحقيق الإدماج. و بعبارة أخرى الحصول التدريجي على الحقوق الفرنسية للجزائريين عن طريق الإدماج في فرنسا، و هما قسمان:

أحدهما: يطالب بالإدماج مع الحفاظ على الشخصية الإسلامية المتمثلة في قانون الأحوال الشخصية الإسلامي(16).(قانون الأسرة). و نلاحظ نحن أن هذا القانون كان محوا جوهريا تدور عليه الأحداث و يخطط و ينفذ الاستعمار لتدمير منذ الاحتلال إلى خروجه، و تبناه أتباعه بعد الاستقلال. و لا زال محورا إلى اليوم. و يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الاندماج هو الخطوة الأولى للوصول إلى مرحلة تقرير المصير كما يرى فرحات عباس، و هيئة المنتخبين التي تتبنى برنامج موريس فيوليت وزيرالدولة في الحكومة الجبهة الشعبية سنة 1936م الذي ينادي بإعطاء الجنسية الفرنسية لعدد محدود من الجزائريين بدون إلزامهم بالتخلي عن قانون الأسرة الإسلامي(18) و هذا يعني إعطاء هذا الإمتياز للنخبة دون العامة، و هو ما يتوافق مع ما ذكرناه قبلا من جعلهم واسطة بينهم و بين الأهالي المسحوقين و تجيب فرنسا، و هو ما يقرره رجال التبشير و الإستعمار. و مع كل هذا فإن هذا النوع حسب أحمد بن نعمان بقي مرتبطا بواقها الإجتماعي محافظا على وطنيته و عقيدته الدينية مع الإلمام بالمستوى المتاح له من اللغة العربية و قد اتخذ هؤولاء من اللغة الفرنسية وسيلة و ليس غاية في ذاتها و هي حسبه أيضا تجربة صعبة لا تنجح الا مع أقلية من أصحاب الوعي العالي و خرج من بين هذا النوع عدد معتبر من الزعماء الوطنيين و الكتاب الذين خاطبوا الإستعمار بلغته و كافحوه في المجال السياسي و الفكري و العسكري منطلقين من المبادىء الوطنية و القومية التي كان يتمسك بها المجتمع الجزائري طيلة عهد الإحتلال (19) و نحن نرى أن هذا القسم ينقسم الى نوعين أحدهما هذا الذي ذكره ، و منه  في نظرنا فرحات عباس، و ثانيهما أنه أثناء الكفاح التحريري كان ظاهره ما سبق و لكنه بعد ذلك أو حتى أثناءه ارتد على أعقابه متأثرا بالمورث الثقافي الذي تشبع به من الإستعمار زاده ذلك تطرفا الزواج بالفرنسيات الى حد ذهاب بعضه الى القول بأن الطفل الجزائري عندما يخرج من بطن أمه يجب أن تلقنه أنه بالفرنسية بحجة أن العربية سيتعلمها في الشارع.و لسنا ندري كيف يبقى شارع يتكلم العربية إذا طبقنا هذه الفلسفة التي تجعل جميع الأمهات يلقن أبناءهن بالفرنسية بمجرد خروج أطفالهن من بطونهن (20).

و ثانيهما : يتكون من جماعة صغيرة من اتحاد النواب، و على رأسها الدكتور زناتي صاحب جريدة “صوت الأهلي” التي كانت تصدر في قسنطينة بالفرنسية و عمر كندوز صاحب جريدة”صوت المتواضعين” التي كانت تصدر بالعاصمة بالفرنسية .تطرف هؤولاء في –حب فرنسا- فأصبحوا ينادون بالتجنيس الكامل للجزائريين بحيث يصبحون فرنسيين في كل شيء بما في ذلك التنازل عن الشخصية الجزائرية و قانون الأسرة الإسلامي (21) بل نجد أن بعضهم تنصر بالفعل.و بهذا كانت هذه الطائفة تنطبق عليها جميع الصفات و الأحكام التي أطلقت عليها، فقد تفرنست و حاربت لغتها القومية و احتقرت أبناء وطنها و انجذبت كلية نحو الثقافة و الحضارة الأوروبية و كادت تذوب في المجتمع الفرنسي على الرغم من أن الأوروبيين المستعمرين في الجزائر كانوا ينظرون بعين الإحتقار الى كل جزائري مهما قلدهم و مهما أظفر ولاءه لهم و مهما تبرأ من أصله. في الوقت الذي كان ينظر هؤولاء المتفرنسون بنفس النظرة الى أبناء وطنهم باعتبار محافظين متخلفين همجيين (22). و هذا في نظرنا نجاح باهر في حققه الإستعمار بسياسة الفرنسة و محاربة لغة القرآن، إذ كان الإستعمار هو الذي يطالب بالتجنيس و الإندماج الى حد اصدار قانون 1865م و قانون 1919م و الجزائريين يرفضون ، فأصبح الجزائريون أنفسهم يطالبون بما كان يطلبه الإستعمار و يريده و المعمرون يرفضون.

و كانت هذه الجماعة تنادي لفكرها عن طريق الصحافة المفرنسة التي كان بعض أفرادها يصدرونها كما ذكرنا قبلا، كما كانت تطالب بتحقيق الإدماج في المجالس العمالية التي كان أفرادها أعضاء فيها.(23) و خلاصة هذه الطائفة من دعاة الإندماج و التجنيس المطالبة بالمساواة مع الفرنسيين مقابل السكوت التام عن الدين و اللغة(24) أي التفريط في الأحوال السخصية الإسلامية و اللغة العربية و الدين الإسلامي ككل.

سبب إنحراف هذه النخبة أو الطائفة : نقصان الوعي الوطني و الإستجابة لعاطفة اللذة و السعي وراء الكسب المادي على حساب المبادىء القومية مما جعل ابن باديس يحذر منهاويبين حقيقة نفسها بقوله”الخطر كل الخطر الذي يواجه الشعب الجزائري نم هضم هذه الطبقة لحقوق لغة البلاد و لعل السبب في هذه النزعة المتركزة على غير العقل و الوعي الصحيح هو إخفاق هذه الطبقة في مساعيها، حيث أنها لم تجد أية ثمرة مادية من اللغة العربية فشاءت من ثمة أن يقتصر الأبناء على تعلم اللغة الضامنة للعيش و السير”(25) و كلام ابن باديس هنا يشمل الطائفتين. و لخطورة هذه الطائفة يجدر بنا أن نشير الى موقف الجزائريين منها عامة و سكان بلاد القبائل خاصة ثم موقف الفرنسيين شعبا و إدارة و نختم ذلك بوقف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

موقف الجزائريين من التجنيس : لقد لقيت طائفة المتجنسين معارضة شديدة من الجزائريين لانهم اعتبروها مقدمة من مقوماتها الأساسية و هي العروبة و الإسلام و الوطن، فنجد كل الفئات الإسلامية تنفر من التجنس و يعتبر المتجنس الذي أطلقوا عليه “امطورني” مرتدا.

موقف سكان بلاد القبائل من التجنيس و المتجنسين: هو الموقف نفسه الذي وقفه إخوانحم الآخرون في مختلف جهات الوطن غير أهم امتازوا عنهم بالجانب العملي مما يدل على قوة ايمانهم و شدة تمسكهم بالاسلام و يتمثل الجانب العملي في وقوع حوادث شهيرة في بلاد القبائل منها :

امتنع الطلبة من تلاوة القرآن الكريم و أداة صلاة الجنازة على الأموات المتجنسين و هو ما أراده العلامة الزواوي الشهير الشيخ السعيد أبو يعلى.

لقد رأى أحمد توفيق المدني رأي العين في العاصمة بعض العائلات اكبري المرتبطة مع بعضها البعض برباط المصادة و القرابة منذ القدم ترفض أن تزوج بناتها من أبناء الدين تجنسوا منها (26).

موقف الفرنسيين شعبا و إدارة من المتجنسين : لقد ظل المتجنسون كغيرهم ممن لم يتجنسوا محترقين و لا يتمتعون من الحقوق الفرنسية الا بأقلها، و من ذلك منعهم من المشاركة في شراء أرض الاستعمار فانها لا تحق الا للفرنسي الأوروبي فقط كما منعوا من نيل كثير من الإمتيازات الأخرى التي كانت مخصصة للفرنسي الأوروبي خاصة    دون الجزائري المتجنس، و هكذا أصبح المتجنسون طبقة ثاثة في الجزائر فلا ظلوا جزائريين و لا صاروا فرنسيين، فالجزائريين يزدانهم و لكنهم في مقابل ذلك لم يسمح لهم بأن يصيروا فرنسيين. فأصبحوا لا جزائريين و لا فرنسيين، و أصبحت الجزائر تتكون من طبقة الفرنسيين في قمة السلم، تليها طبقة المتجنسين ثم طبقة الأهالي. و لكن الضربة القاسية التي نالها التجنس كانت اثر حوادث انتخابات المقلع و هي بلدة صغيرة في بلاد القبائل أكثر أهلها متجنسون فلما وقعت الإنتخابات البلدية تقدم الأهالي بقائمة خاصة بهم، و تقدم المتجنسون بقائمة فرنسية، و بعد نتائج الإنتخابات أصبح المجلس البلدي بمقتضاها مكونا من اقلية فرنسية اوروبية و أكثرية من الاهالي بين متجنسين و غير المتجنسين، فهال الأمر الإدارة الأستعمارية و قدمت القضية الى مجلس العمالة في مدينة الجزائر، فلم يكتف هذا المجلس بالغاء الانتخابات فحسب ، بل قرر الغاء المجلس البلدي نفسه في المقلع، و علل قرراه بأن وجود أغلبية اسلامية بالمجلس البلدي حتى و لو كانت متجنسة يضر المصلحة الفرنسية و يقضي على سياسة التفوق (27). هذا هو موقف فرنسا من المتجنسين الذين أسسوا جمعية لتكثير عددهم، و المطالبة بحقوقهم، و لكنه كما يقول المثل الجزائري”العربي عربيو لو كان الكولونيل ابن داود”.

موقف جمعية العلماء من سياسة الإدماج و التجنيس و كيفية مقاومة دعاتها :تعد جمعية العلماء أهم من قاوم سياسة الإدماج و التجنيس و أرجعت كثيرا من أصحاب هذه الدعوة بشقيها و لا سيما أبن باديس. فتعد اذن جمعية العلماء هي المنظمة الوطنية التي يعود اليها الفضل الأكبر في تجنيب الجزائر من مخاطر سياسة الادماج و الفرنسية و التجنيس التي كان يدعو اليها من سبق ذكرهم و غيرهم في العشرينيات و الثلاثنيات من القرن العشرين، و يعمل الإستعمار من ناحيته على فرضها على الجزائريين بكل الوسائل وفقا لما يخدم مصلحته لا مصلحة الجزائريين، فهال أمرهم جمعية العلماء يعد تكوينها في عام 1931م(28) فشنت على التجنيس و دعاته حملة قوية بواسطة الخطابة و الندوات الدروس العامة ثم بواسطة جريدتها البصائر التي أصدرتها التي أصدرتها في عام 1935 م . و من ذلك فقد كتب رئيس تحريرها الطيب العقبي افتتاحية بعنوان “مكمن الصرعية في التجنيس و المتجنسين” ورد فيها ” التجنس-بمعناه المعروف في شمال افريقيا حرام، و الإقدام عليه غير جائز بأي وجه من الوجوه، و من استحل استبدال حكم واحد من أوضاع البشر و قوانينهم بحكم من أحكام الشرع الإسلامي فهو كافر مرتد عن دينه بإجماع المسلمين، لا يرجع الى دائرة الإسلام و حظيرة الشرع الشريف تى يرفض رفضا باتا كل حكم و كل شريعة تخالف حكم الله و شرعه المستبين”(29).

كما كتب الشيخ العربي التبسي رئيسي لجنة الافتاء بالجمعية افتتاحية في البصائر تحت عنوان “التجنيس كفر و ارتداد” ورد فيها ما يأتي :”…. فهؤولاء المبتدعون للتجنيس على علم تلك الحقيقة الإجتماعية الدينية ” من كثر سواد قوم فهم منهم”فيكون التجنيس غزوا للعقائد الاسلامية و محاولة لتكفير المتجنس بطريقة تستهوي الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة ، و أنا اتحقق كما كما يتحقق كل عاقل أن هذه المكفرات لا يفعلها  من ربي في احضان الاسلام…..التجنيس أي صيرورة المسلم من جنس غير المسلمين برفضه لاحكام الاسلام الهية و ايثاره لاحكام وضعية بشرية،حيى أنه يصير من يوم إمضائه للعقد القاضي بارتحاله من أسرة الإسلام إلى أسرة غيره

                      لاحق له في الإسلام وتشريعه … لأنه تركها مختارا راغبا في سواها كارها لها، وأين ذلك من قوله عزوجل في كتابه المحكم “فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما”(30) فهل ينطبق هذا الحكم على المتجنس؟ اللهم لا”.(31) و قد ختمت جمعية العلماء حملتها ضد التجنيس و المتجنيسين باصدارها فتوى دينية بتكفير كل من يتجنس بالجنسية الفرنسية و يتخلى عن أحكام الشيعة الإسلامية، و قد أصدرها رئيس الجمعية اين باديس و صادقت عليها لجنة الإقتناء بالجمعية و نشرتها جريدة البصائر لسان حالها. فأحدثت هذه الفتاوى صدى كبيرا في كل من تونس و الجزائر و المغرب و كانت ضربة قاضية على التجنيس و المتجنسين في أقطار المغرب العربي كله.

نص الفتاوى

” التجنيس بجنسية غير اسلامية يقتضي رفض احكام الشريعة  ومن رفض حكما واحدا من أحكام الاسلام عد مرتدا عن الإسلامبالإجماع. فالمتجنس مرتدا بالإجماع، و المتجنس-بحكم القانون الفرنسي-يجري تجنسه على نسله فيكون قد جنى عليهم باخراجهم من حظيرة الاسلام، و تلك الجناية من أشر أنواع الظلم و أقبحه، و إثمها متجدد عليه ما بقي له نسل في الدنيا خارجا عن شريعة الاسلام بسبب جنايته، فان اراد المتجنس أن يتوب فلا بد لتوبته من إقلاع كما هو الشلركط اللازم بالإجماع في كل توبة، و إقلاعه لا يكون الا برجوعه للشريعة الإسلامية و رفضه لغيرها، و لما كان القانون الفرنسي يبقى جاريا عليه رغم ما يقول هو من رجوعه، فإقلاعه لا يتحقق عندنا في ظاهر حاله-و هو الذي تجري عله الأحكام بحسبه-الا إذا فارق البلاد التي يأخذه فيها ذلك القانون الى بلاد تجري عليه فيها الشريعة الإسلامية . قد يكون صادقا في ندمه فيما بينه و بين الله و لكننا نحن في الظاهر الذي أمرنا باعتباره في إجراء الأحكام تلك الجنسية ، و لهذا تقبل توبته و لا تجري عليه أحكام المسلمين”(39).

و بعد صدور هذه الفتوى و انتشارها بين الناس فزع المتجنسون و الإستعمار فزعا كبيرا لأنها كانت بمثابة المعول الذي حطم كل آمال المتجنسين و كذلك سياسة الإستعمار في العمل على حمل الجزائريين على التجنس بالجنسية الفرنسية و التخلي عن الإسلام. و من هنا تتجلى براعة جمعية العلماء في محاربة سياسة التجنيس ثم القضاء عليها في نهاية المطاف.

و قد اتبعت الجمعية في محاربة تلك السياسة ما يأتي :

1 – أنها أصدرت فتوى دينية شرعية بتكفير كل من يتجنس بالفرنسية و يتخلى عن أحكام الشريعة الإسلامية  و بالتالي حرمناه من الصلاة عند وفاته و من دفنه في مقابرالمسلمين. و هي الفتوى السابق ذكرها.

2 – الوسيلة الثانية لمحاربة المتجنسين هي العمل على نشر الثقافة العربية الإسلامية في الجزائر و بث روح الإعتزاز بالتراث العربي الإسلامي في نفوس الجزائريين مما يجعلهم يتجهون حضاريا الى المشرق لا الى فرنسا(33).

3 – عقد المؤتمر الإسلامي سنة 1936 م  و نعتقد أنه نجح عكس جميع الذين يقولون يفشله، ذلك أنه لا يعقل أن ابن باديس كان يعتقد أن فرنسا تتنازل، كما لا يعقل أنه يرضى ببقاء فرنسا على أرضه، و نجاحه يتمثل في أنه أظهر للجميع أن فرنسا هي فرنسا فأسقط بذلك آخر ورقة في يد دعاة الإندماج و التجنيس.

4 – شرح القضية في وسائل الإعلام و الصحافة و الأندية…” و محاورة دعاة الإندماج و التجني، و نخص بالذكر هنا ما وقع بين ابن باديس و فرحات عباس، و هو يعد ضمن صلب موضوعنا.

ابن باديس و فرحات عباس : لقد كتب فرحات عباس مقالا جعل عنوانه “فرنسا هي انا”

و مما قاله فيه: إن الأمة الجزائرية مجمعة على اعتبار نفسها أمة فرنسية بحتا لا وطن لها الا الوطنالفرنسي و لا غاية لها الا الإندماج الفعلي التام في فرنسا، و لا أمل لها ف يتحقيق هذه الرغبة الا أن تمد فرنسا يدها بكل شرعة فتلغي ما يحول دون تحقيق هذا الإندماج التام بل لقد قال أحد النواب الناهبين- و النص لاإبن باديس- : أنه فتش عن القومية الجزائرية فيبطون التاريخ فلم بجد لها أثر، و فتش عنها في الحالة الحاضرة فلم يعثر لها على خبر، و اخيرا أشرقت عليه أنوار التجلي فإذا يه يصيحفرنسا هي أنا . حقا إن كل  شيء يترقى في هذا العالم و يتطور حتى التصوف، فبالأمس كان يقول أحد كبار المتصوفين :

فتشت عليك يا الله…وجدت روحي أنا الله

و اليوم يقول المتصوف في السياسة :

فتشت عليك يا فرنسا…وجدت روحي أنا فرنسا

فمن ذا الذي يستطيع بعد اليوم أن ينكر قدرة الجزائري العصري على التطور و الإختراع(34).

و هنا نشير الى عظمة ابن باديس و تسامحه مما يبين منهجه في الحوار مع الحساسيات السياسية.

عظمة ابن باديس و تسامحه :

عندما هاجم ابن باديس دعاة الإندماج و التجنيس في كلمة صريحة و بين أن “الأمة الجزائرية الإسلامية  ليست هي فرنسا و لا يمكن أن تكون فرنسا و لا تريد أن تصير فرنسا و لا تستطيع أن تصير فرنسا و لو أرادت. بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد في لغتها و في أخلاقها و في عنصرها، و في دينها، و لا تريد أن تندمج، و لها وطن محدود معين هو الوطن الجزائري بجدوده الحالية العروفة، و الذي يشرف على إدارته العليا السيد الوالي العام المعين من قبل الدولة الفرنسية”(35). أحدثت تلك الكلمة الصريحة دويا عظيما، فكتب ابن باديس مقالا آخر عنوانه “حول كلمتنا الصريحة” بين ذلك الدوي العظيم ، و ما يهمنا هنا ما ذكرناه عن فرحات عباس. يقول ابن باديس ” إن كلمتنا الصريحة قد وضعت الكثير من الرجال على لمحك، فمنهم من ظهرت نفسه در مكنون، و منهم من إنطوت جوانبه على حمإ مسنون.

و إنا لنشهد أن من أكمل الرجال الذين رأينا فيهم بهذه المناسبة، الهمة العالية، و شرف النفس، و طهارة الضمير، الأستاذ فرحات عباس الصيدلي، و العضو البلدي و العمالي بسطيف، كان هذا الرجل الأبي من أهدافنا في مقالنا (كلمة صريحة) و هو الذي آخذناه عن مقاله(فرنسا هي أنا) و قلنا له و لمن معه إنكم عندنا تسمعون لسياسة الإندماج، و تحبذون التجنيس، و ترضون ضياع حقوقنا الإسلامية مقابل حق الإنتخاب، و تريدون-خلافا للطبيعة-أن يصير جمهور المسلمين بهذه البلاد جمهورا فرنسيا بحتا لا يختلف عن الجماهير الفرنسية في شيء، إنكم عندنا تسمعون و تحبذون هذا لا تمثلوننا و لا تكلمون باسمنا ، و إنكم في واد و الأمة في واد آخر.

فالسيد فرحات عباس، لم يتألم و لم يتكدر، و سلك مسلك كبار رجال السياسة الذين يحبذون النقد و ينصاعون لكلمة الحق، فزار إدارة الشهاب، و أكد لها تقديره لجهودها، و جرت له مع صاحب الشهاب محادثة دلت على سمو أدبه و علو كعبه في عالم السياسة و التفكير.

ثم نشر مقالا في جريدة(لاديفانس) (36) الصادقة الثابتة الجسور، يبين فيه نظريته، و يشرح فيه فكرته الإجتماعية  التي بنى عليها سلوكه السياسي”(37).

و لقد بلغ الحب و التقدير و كبر النفس و الأنفة و التسامح المطلق أن ابن باديس و جمعية العلماء كانت تفكر في فرحات عباس و في غيره كواحد من أعضاءها، و لا أدل على هذا من ان فرحات عباس عندنا كتب مقاله السابق الذكر و رد عليه ابن باديس فان ذلك الرد لم يشف غليل مالك بن نبي فكتب من فرنسا مقلا ملتهبا يبين فيه خطورة ذلك المقال و آثاره الشنيعة، جعل عنوانه “و ذلك بعد عقد ندوة خاصة في بيت مالك بن نبي شارك فيها علي ابن احمد و حمودة بن الساعي و غيرها و قرىء المقال عن الطلبة الجزائريين و لا سيما الذين ينتمون الى شاكلة دعاة الإندماج و هم الذين كان يشرف على توجيههم المستشرق الفرنيس الشهير لويس ماسينيون.(1883-1962) و لما قرىء المقال، و اعجب به جماعة مالك بن نبي  أرسله الى الأمين العمودي بالجزائر لينشره في جريدته “الدفاع”. و لكن الأمين العام العمودي لم ينشره، و لما ذهب وفد المؤتمر الإسلامي الى باريس ذهب مالك بن نبي الى زيارة الوفد مع حمودة بن الساعي و اخيه صالح بن الساعي و علي بن أحمد و اين السيح صالح ين العابد، فسأل مالك الشيخ العمودي.

          “هيه ياسي العمودي…” إنك لم تنشر مقالي عن”المثقفين”-نعم إنني لم أنشره عن رواية … حتى لا أحطم مستقبل فرحات عباس في الحلبة الساسية” و جواب الشيخ العمودي غني عن التعليق حيث يعطينا فكرة دقيقة عن طبيعة العلماء و نفسياتهم الصافية النقية التي ملاْها القرآن و رعا و تقوى . عكس الذين تربوا في المنابر السياسية، وهكذا استطاعت جمعية العلماء افشال سياسة الإندماج والتجنيس، وهنا لانهضم دور الحركة الوطنية ككل التي كانت تبث في أذهان الجزائرين فكرة الإستقلال مما جعل فكرتي الإندماج والتجنيس ينتهي دورهما والدعوة إليهما في الجزائر ببداية الحرب العالمية الثانية حيث اجتازت الحركة الوطنية أنصاف الحلول وأنصاف المطالب لتقترب- ولو ظاهريا- من برنامج حزب السعب الجزائري الذي ينادي بالاستقلال وهنا نقدن ملاحظات هي:

لقد شغلت الفكرة الجزائريين فترةمن الزمن. وكان يجب أن تستغل هذه الفترة في محاربة الإستعمار الفرنسي لافي الدعاية لمشروعه، ورغم أن الفكرة فشلت كمشروع بديل عما كانت تطرحه الحركة الوطنية بشقيها الإصلاحي والسياسي وهوالإستقلال التام إلا أنها أختفت في الظاهر لتستمر في الخفاء لتتسلل إللى مراكز القرار إن على مستوى الثورة أوعلى مستوى الدولة وظلت هذه العناصر ومن تربى على شاكلتها يحاربون اللغة العربية ويكرسون الفرنسية ويعلمون بلاهوادة على إلغء قانون الأسر الإسلامي وإنتماء الجزائر الحضاري والمصيري إلى الأمة العربية والعالم الإسلامي(40)، وهذا يعني بوضوح أن ماكانت تطالب به فرنسا والجزائريون  يرفوضونه عبر فترة الإحتلال صار بعض الجزائريين أنفسهم متصوفين فيه، و هم من يسمى اليوم بالجناح الإستاصالي أو الإندماجيون الجدد، و نختلف هنا مع رابح تركي الذي ذكر من الأذلة عن الفشل الدريع الذي لقته فكرة التجنيس أنه مند الحرب العالمية الأولى حتي عام 1936 م لم يتجنس سوى 6 ألآف (41)، فنرى أن هذا العدد كبير جدا مما يذل على نجاح سياسة الفرنسية، لأن العدد لا يحسب لوقته وذاته، بل أيضا لما سينتج من أجيال بالتوالد، و ما ينشر من أفكار في وسطه الإجتماعي، و هذه هي السياسة التي يعمل لها المبشرون و المستعمرون، فهم ينظرون إلى مستقبل بعيد و ليس بالضرورة أن يجنو ثمره في التوّ، و هو ما بينه شارل دوفوكـو(1858-1961) من أنه لا يهدف إلى الأنجلة مباشرة، لأنها غير ممكنة، و لكنه يهيئ الأجيال لها .

فكرة الاندماج و التجنيس فرنسية محضة، منشأ و رعاية و توجيها، أنتجتها الفرنسة و المبشرين على السوء، و من الأدلة على هذا أنه أثناء مقابلة وفد المؤتمر الإسلامي العام الجزائري في سنة 1936 م لرجال الحكومة الفرنسية و لجنة البحث البرلمانية الفرنسية، كانت الأسئلة التي طرحها مختلف رجال الحكومة و لجنة البحث البرلمانية على أعضاء الوفد تتمحور حول رفض الجزائريين للإندماج  و تمسكهم بقانون الأسرة فمن الأسئلة التي طرحها رئيس لجنة البحث البرلمانية الفرنسية التي شكلتها فرنسا لدراسة مطالب المؤتمر الإسلامي على هيئة الوفد برئاسة ابن باديس يوم 16 أفريل 1937 م، سؤال عن مقاومة الجمعية للإندماج ، و كان جواب ابن باديس كما يأتي :

“……. أقول لكم كما أصرح دائما : إننا عرب مائة في المائة و مسلمون مائة في المائة، لا نتنازل عن شئ من ذلك…..” (42)، و هذا الجواب ضرب لفكرة الفرنسة و الإندماج و التجنيس و اللأئكية، و يزيد دور فرنسا وضوحا في القضية أن موقفها من المطالبة بالحفاظ على الشخصية الإسلامية كان دائما الرفض و التمييع (43)، و مما يؤكد هذا ما حدث بين وفد المؤتمر الإسلامي السابق ذكره و أعضاء الحكومة الفرنسية، فإن وزير الحربية على سبيل المثال م وهو من يمين الراديكال قال لأعضاء الوفد:

“بأنه لا يمكن أن يوافق على إعطاء النيابة بالبرلمان ما دمنا- الجزائريين- محافظين على الشريعة الإسلامية في حقوقنا الشخصية وصرح بأنه يكون من المعارضين إذا عرضت المسألة في البرلمان” (44)، ونختم هذا بالإشارة إلى أن م فيةليت صرح لوفد المؤتمر أثناء مقابلته لهم بأن فرنسا تحارب اللغة العربية لأنها تعرقل الاندماج التدريجي(44).

وخلاصة هذه الحركة ( الاندماج والتجنيس) أنها حركة فرنسية محضة تقوم على ثلاث دعائم:

اللائكية(رفض فائق الأسرة) لإزالة الحاجز الطبيعي الحامي للسكان من التلاشي أي عامل المقاومة الطبيعي.

الفرنسية(أي محاربة اللغة العربية) لإرتباطها بالقرآن مما يجعلها عائقا أمام التلاشي.

الإستعمارالأبدي: بالتخلي عن فكرة الوطن الجزائري والذوبان في فرنسا الإستعمارية .

أدرك ابن باديس وجمعيته هذه الخلفيات فحاوروا أصحابها وتمكنوا من إقناع كثير من أفراد هذه الطائفة بخطأ موقفها فأرجعوهم إلى جادة الصواب مما جعلهم يندمجون في الحركة الوطنية، ويساهموا بعض أقطابهم في ثورة التحرير المباركة ولكن دابر هذه الطائفة لم يقطع، مما جعل بقاياها تؤثر سلبا في تطور الأحداث بعد الإستقلال مازلنا نعاني اثارها وتأثيرها إلى الآن.

 

مراجع البحث وهوامشه :

1.       أنظر جريدة البصائر، 05 جوان 1936م. س1.ع22.

2.       رابح تركي. الشيخ عبد الحميد ابن باديس. ط.3. ش و .ن.ت. الجزائر، 1985.ص 71 .72

3.       المرجع نفسه ص 71 .72

04.05- أبوالقاسم سعد الله . الحركة الوطنية . ط. 3. ش.و.ن.ت الجزائر .1983 ج 2 ص 168.167

06-ومن أراد التوسع في هذا فليرجع إلى سعد الله . المرجع نفسه ص 170.167.

07- رابح تركي . التعليم القومي، ط 1، ش .و. ن. ت. الجزائر 1975 ص 118

08- المرجع نفسه ص 118.119.

09- عبد الله حمادي . الحركة الطلا بية الجزائرية (1871-1962) مشارب ثقافية وإيديولوجية .ط.1. الرابطة الوطنية للطلبة الجزائريين قسنطينة الجزائر .1994 م ص 43.56.

10- يمثل هذا التيار جماعة  “الإتحاد المنتخبين الجزائريين” التي تدعو إلى دمج الجزائر في فرنسا (رابح تركي. التعليم القوي، هامش ص 97).

11- المرجع تفسه ص 97.96.

12- ولكن الأمير خالد طالب بالمساواة بالإندماج، وطالب بالحفاظ على الشخصية الإسلامية (رابح تركي. الشيخ عبد الحميد ابن باديس. ص 57).

13- ابن باديس . سياسة وخز الدبابيش، ش : غزة ذي الحجة 1354هـ/ 1436 .ج12.م11.عن عمار طالبي ابن باديس حياته واثاره ط.2.دار الغرب الإسلامي . بيروت 1983 .ج.3.ص 301 .

14- رابح تركي . الشيخ عبد الاحميد ابن باديس .ص 64.

15- المرجع نفسه ص65.

16- فرحات عباس. ليل الإستعمار ص.156.154.

17- رابح التركي. الشيخ عبد الحميد بن باديس، ص.65.

18- أحمد بن النعمان التعريب، ط.1ش .و.ن.ت، الجزائر، 1981. ص.187.

19- وقد صرح بهذا مصطفى الأشرف جهارا نهارا ووقعت بينه وبين أستاذنا عبد الله شريط مساجلات الأول يكتب في جريدة المجاهد بالفرنسية وأستاذنا يرد عليه في جريدة الشعب، وذلك في سنة 1978م

20- رابح تركي، الشيخ عبد الحميد بن باديس ص.64.

21 أحمد بن نعمان، التعريب ، ص187.

22- رابح تركي، الشيخ عبد الحميد بن باديس ص65.

23- عبد الحميد بن باديس، المؤتمر الجزائري الإسلامي العام يحقق مبادئ الشهاب، الشهار غرة الربيع الثاني، 1355هـ/جويلية 1936م ص4 .م12.ص.214.

وتسجل هنا أن الشيخ عبد الحميد بن باديس لم يصنف في مقاله هذا دعاة إندماج وتجنيس ويضع هؤلاء في الطائفة الثانية. ونحن الذين أدرجنا كلامه هنا لأنه ينطبق على هذه الطائفة أكثر من إنطباقه على الطائفة الأولى، وإن كانت الطائفة الأولى قد يوجد في أفرادها من يتبنى هذا الموقف.

24- عبد الحميد ابن باديس ، مستقبل اللغة العربية في الجزائر ، مجلة شهاب 25/12/1929.

25- احمد توفيق المدني ، كتاب الاجزائر .ط2، دار الكتاب ، البليدة ، 1963م.ص 328.

26- هذه الإنتختبات وقعت في حدود الفترة 1929م و 1930م، وذلك لأن كتاب توفيق المدني الذي أورد الحديث عنها طبع في سنة 1931م

27- أحمدتوفيق المدني ، كتاب الجزائر،328.329.

28- وذلك لانهم ظهرو بقوة بعد الاحتفال السنوي كما ذكرنا قبلا .

29- الطيب القسبي  البصائر . ع 77 .عن رابح تركي، شيخ عبد الحميد بن باديس، ص 72.

30- صورة النساء 65 .

31- العربي التبسي، البصائر (14) جانفي 1938 .س 3 .ع 95. ص 1.

32- ابن باديس البصائر. 12 دي القعدة 1356هـ/14 يناير 1938 س 3. ص 2

33- رابح تركي، الشيخ عبد الحميد بن باديس ص 75.74 .

34- ابن باديس، ش: كلمة صريحة، عرة محرم 1355 هـ . أبريل 1936م، ج 1، م 12، ص 46.45

35- المصدر نفسه. ص 50.45 .

36- (LA DEFENCSE)  الدفاع .يصدرها المرحوم الأمين العمودي.

37- ابن باديس . حول كلمتنا الصريحة، ش، غرة ربيع الأول 1355هـ / جوان 1936م. ج 3.م 12.

38- و قد سبب ذالك المقال لصاحبه حسب ما استنتجناه من خلال ما ذكره الإقصاء من النجاح في الإمتحان النهائي ليصبح مهندسا في الميكانيك والكهرباء. وذلك بعد وصول المقال إلى الجهات الإستعمارية، وأهمها لويس ماسينيون الذي كان واضعا مالك بن النبي تحت رقابته والذي كان قد أصدر أمرا لحام تبسة بدرد والد مالك بن النبي من الوظيفة ليفقدها إلى وفاته (مالك بن النبي الطالب ط.1.دار الفكر بيروت. 1969.ص.231…)

39- المصدر نفسه. ص.231.

40- رابح تركي. التعليم القوي ص.119.118.

41- رابح تركي الشيخ عبد الحميد بن باديس.ص65.

42- ابن باديس، جمعية العلماء المسلمين الجزائرييين أمام لجنة البحث البرلمانية البصائر. 7ماي 1937م. س2ع66.ص2.

43،44- المصدر نفسه .ص2.1.

قائمة المصادر والمراجع

ابو القاسم سعد الله، الحركة الوطنية، 3 . ش، و، ن، ت، الجزائر، 1983م.ج2.

          أحمد بن النعمان، التعريب، ط1.ش،و،ن، ت، الجزائر. 1981.

          أحمد توفيق المدني ، كتاب الجزائر، ط2.دار الكتاب ، البليدة، 1963م.

          رابح تركي، التعليم القومي والشخصية الوطنية ط1، ش.و،ن،ت، الجزائر، 1976.

          رابخح تركي الشيخ عبد الحميد بن باديس رائد الإصلاح والتربية في الجزائر ط3ش.ون.ت.الجزائر 1985م

          عبد الله حمادي الحركة الطلابية الجزائرية (1871-1962) مشارب ثقافية وإيديولوجية، ط1الرابطة الوطنية للطلبة الجزائريين ، قسنطينة الجزائر 1994.

          عمار طالبي ، ابن باديس حياته عمار طالبي و آثاره، ط2. دار الغرب الإسلامي. بيروت1983 م ، ج3.

          فرحات عباس، ليل الإستعمار، ترجمة أبو بكر رحال، الرباط. دت.

          مالك بن نبي، الطالب، ط1. دار الفكر بيروت، 1969.

          عبد الحميد بن باديس، البصائر، 12 من ذي القعدة 1356 هـ/ 14 يناير 1938م.م.س3عبد الحميد بن باديس، الشهاب، كلمة صريحة. غرة محرم 1355هـ / أبريل 1936، ج1.م12.

          عبد الحميد بن باديس، حول كلمتنا الصريحة، الشهاب، غرة ربيع الأول 1355هـ/ جوان 1936م، ج3.م12.

          عبد الحميد بن باديس، سياسة وخز الدبابيس، الشهاب، غرة ذي الحجة، 1354هـ/ مارس 1936م.ج12.م11.

          عبد الحميد بن باديس، المؤتمر الجزائري الإسلامي العام يحقق مباديئ الشهاب، غرة ربيع الثاني 1355هـ/ جويلية 1936م ج4، م12.

          عبد الحميد بن باديس، مستقبل اللغة العربية في الجزائر، مجلة الشهاب5/12/1929.

          عبد الحميد بن باديس، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أمام نلجنة البحث البرلمانية، البصائر، 7 ماي 1937م، س2، ع66.

          العربي التبسي، البصائر، 14 جانفي 1938م. س3، ع 95

 

 

آخر التغريدات: