الإجماع السياسي في تجربة الشيخ ابن باديس

الإجماع السياسي في تجربة الشيخ ابن باديس

إن الوضعية الاستعمارية وضعية استثنائية، مفارقة لمنطق التاريخ الحديث و المعاصر الذي يأبى التفرقة و العنصرية والتمييز وكل صنوف الإقصاء و التهميش، لأنها لا تعبِّر عن صلب المدنية والحضارة الإنسانية التي صارت ملامحها بارزة وواضحة في القرن العشرين، خاصة بعد الحرب العالمية الأولى1. و الجزائر كأمة و مجتمع كانت أيضا من جملة الأمم و المجتمعات التي كانت تتطلع إلى امتلاك قيم و مفاهيم و مبادئ الدولة المدنية الحديثة و على رأسها مفهوم الإجماع السياسي consensus ، الشرط اللازب لأي محاولة لإرساء نظام سياسي حديث. فقد كانت النخبة الجزائرية الأولى ممثلةً في الشبان الجزائريين2 أول تنظيم سعى، مع مطلع القرن العشرين، إلى اجتراح الفعل السياسي بالمعنى الذي يريد أن يتقاسم مع كل الجزائريين الإجماع السياسي الآيل إلى التشكل بوعي أو دون وعي الفاعلين و المؤسسات القائمة.

تشكلت الأمة الجزائرية الحديثة في ظل الوضعية الإستعمارية التي لا تعني فقط المقاومة السلبية، أي ضدا على الوجود الفرنسي، بقدر ما كانت أيضا بحثا عن تقاسم المجال السياسي العام في مدلوله الحديث و المعاصر. فالعرائض و الكراريس و البيانات التي تقدمت بها النخبة الوطنية في كل تعبيراتها إلى السلطة الفرنسية تندرج ضمن توجه عام و واضح هو الحق في تشكيل الإجماع السياسي الشرط الذي يشَيَّد عليه صرح النظام السياسي الحديث. و ضمن هذا المعنى الذي ينزع إلى توكيد حقيقة الأمة الجزائرية عبر إزالة الإستعمار والسعي إلى تقاسم المجال السياسي المشترك بين كل السكان الجزائريين ما جاء في وثيقة الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية التي صدرت عام 1951، ضمن وثائق متسلسلة تحت عنوان “المشكلة الجزائرية”: ” إذا كانت أطروحات الاستعمار الفرنسي، المنافية للمنطق والعقل، تنفي وجود الأمة الجزائرية، فان تحليل العناصر التي تشكل الأمة، حسب المفاهيم الحديثة، لا يمكنها إلا أن تنتهي، عند تطبيقها على الحالة الجزائرية، إلى أن الجزائر تمثل أمة. إن إقليم الجزائر و اقتصادها يعَبِّرَان عن هذه الأمة و  لا يحتاج  الأمر إلى تقديم الدليل، لأن الاقتصاد الجزائري المحاصر من قبل الاستعمار يمثل كيانا لا يني يزدهر و يتطور مع سيرورة إزالة  النزعة الاستعمارية التي تضايقه و تحاصر جوانب عديدة من قطاعاته. و يجب أن نشير إلى وجود أقلية أوروبية في الجزائر تقدر بحوالي مليون شخصا، و تَسَبَّب في وجودها كحالة استيطانية النظام الاستعماري، الذي فَرَضَ بالقوة هذه الأقلية و جعلها خارج و فوق الشعب الجزائري. ونعتقد أن الحل الوحيد لهذه المشكلة هو إزالة النظام الاستعماري ذاته كأفضل سبيل إلى إدماج هذه الأقلية في الأمة الجزائرية”3.

 

الأمة الجزائرية، حقيقة موجودة يواريها فقط الفعل الاستعماري ، و هي تتلقى دائما ما يفيد توكيد حضور الوعي السياسي لدى النخبة الإصلاحية و الوطنية الجزائرية التي لا تكف عن رد الفعل المقاوم للإدارة الاستعمارية و في ذات الوقت تستبطن المفاهيم و المقولات و الأفكار السياسية الحديثة، خاصة تلك التي تلح على العيش المشترك و التواجد معا و المساهمة في بلورة الإجماع السياسي الضامن للحد الأدنى الضروري لقيام الدولة المدنية حديثة، و لعّل هذا ما يوضحه بشكل بيّن ابن باديس في مقال له تحت عنوان “مبادؤنا، غايتنا وشعارنا :” نحن قوم مسلمون جزائريون، في نطاق مستعمرات3 الجمهورية الفرنسوية، فلأننا مسلمون نعمل على المحافظة على تقاليد ديننا التي تدعو إلى الكمال الإنساني، و نحرص على الأخوة        و السلام بين شعوب البشر، و في المحافظة على التقاليد المحافظة على أهم و أعظم أسباب سعادتنا و هنائنا، لأننا نعلم أنه لا يقْدَر الناس أن يعيشوا بلا دين، و أن الدين قوة عظيمة لا يستهان بها. (…) و لأننا جزائريون نعمل للمّ شعب الأمة الجزائرية و إحياء روح القومية في أبنائها و ترغيبهم في العلم النافع و العمل المفيد حتى ينهضوا كأمة لها الحق في الحياة، و الإنتفاع في العالم و عليها واجب الخدمة و النفع للإنسانية (…) و لأننا مستعمرة من مستعمرات الجمهورية الفرنسوية نسعى لربط أواصر المودة بيننا و بين الأمة الفرنسوية و تحسين العلائق بين الأمتين بروابط المصلحة المشتركة و المنافع المتبادلة من الجانبين، تلك الروابط التي ظهرت دلالاتها و ثمراتها في غير ما موطن الحرب و السّلم (…) فنحن ندعو فرنسا إلى ما تقتضيه مبادؤها الثلاثة التاريخية” الحرية و المساواة و الأخوة (…) و تشريكنا تشريكا صحيحا سياسيا و اقتصاديا في إدارة شؤون وطننا الجزائري (…) إننا نسعى بكل جهدنا لتحقيق هاته الأمنية التي هي حقّنا و فيها سعادة الجميع“4. و اليوم و عبر التحليل التاريخي و الدراسة التي تأخذ بالمسافة النقدية في تعاملها مع عهد الاستعمار نجد فعلا أن الوجه الاستعماري5 هو الحائل الكبير على تحييد الجزائريين للوصول إلى النواة الصلبة التي تكثف لحظة التقاء الجميع على الحد الأدنى من القيم و المبادئ        و الإطار السياسي اللائق الذي يبرز ملامح الجزائريين و الفرنسيين على تنوعهم الإثني و الديني.

     و هكذا و توكيدا لما سبق، فان النظام الاستعماري هو وضع استثنائي اقتضى شرط العمل السياسي من أجل التخلص منه.فقد حوّل كل شيء إلى سياسة بوعي أو بدون وعي ، فالأهالي المسلمون و هم يتقدمون بمطالبهم إلى الإدارة الفرنسية يمارسون السياسة في مدلولها العام ، لأن مطالبهم الاجتماعية  من دينية و لغوية هي ما يمكن أن يستخلص من حيز الدولة الفرنسية التي سبق لها و أن صادرت مقوِّمَات و إمكانات الشعب الجزائري، و عليه فان مطالبهم هي مطالب سياسية بالضرورة بحكم الوضعية الاستعمارية المتسمة بالظلم، الحيف و الإجحاف. و في التحليل النهائي يمكن القول أن السلطة الفرنسية هي نظام استعماري بالمعنى الذي يشير إلى  التنكر لمنطق الحداثة في كافة تعبيراتها السياسية، الاجتماعية، الثقافية، المدنية و العلمية، و أن النخبة الوطنية و الإصلاحية هي التي سعت إلى تعديل مسار التاريخ الحديث و المعاصر نحو منظومة كاملة من القيم و المبادئ مثل، العدالة، الحرية و المساواة و الديمقراطية  التي صارت الفكرة/الحلم الذي راود دائما رواد العمل الوطني و الإصلاحي في الجزائر الذين انخرطوا  في سيرورة تاريخية إلى فك هذه القيم و المبادئ من السلطة الفرنسية، و إعادتها إلى الحيز العام . و ليس بعيدا عن هذا المعنى ما قاله ابن باديس في الاحتفالات المخلدة للثورة الفرنسية :” بالأمس (14 جويلية)، ذكر العالم المتمدّن كلّه بالإجلال و الاحترام ذلك اليوم الذي أشرقت فيه شمس الحرية في عروس العواصم “باريس” و انبعثت كهرباؤها في أسلاك القلوب و العقول تقوّض عروش الملوك و تعلي صروح الأمم. و إذا كان هذا العيد عيد الأمة الفرنسيوية لأنه خط في التاريخ بدماء أبنائها، فإنه عيد الإنسانية جمعاء، لأنه مبدأ عتقها، عيد الأمم كلها، لأنه ينبوع شعورها و يقظتها. و إذا كان عيد الأمم كلّها، فأحقها به الأمة التي ربطتها بفرنسا روابط متينة و امتزج دمها بدمها في مواطن الموت و الشرف، تلك هي الأمة الجزائرية التي أخلصت لفرنسا إخلاصا شهد به العالم”6.

في معقولية و تاريخية الإجماع السياسي :

دراسة تاريخ الاستعمار الفرنسي لا تتحقق منه العلمية و الموضوعية إذا لم يأخذ بشقيه المستعمِر و المستعمَر على أساس أن الوضع الاستعماري كان يشمل الفرنسيين كما الأهالي المسلمين. و كل محاولة لبتر هذه الصلة بينهما يعد في حقيقة الأمر افتئات على الحقيقة التاريخية، إن على صعيد الواقعة التاريخية أو على صعيد التمثّل التاريخي، أي على مستوى التحليل التاريخي و الدراسة العلمية و النقد الموضوعي الذي يأخذ بالمسافة الزمنية بين موضوع البحث و لحظة وجود الباحث. وهكذا، فان الإلمام، إذا لم نقل محاولة امتلاك حقيقة ما كان يجري في الجزائر زمن الاحتلال يجب أن يمر  عبر تقليب الوضع الاستعماري برُمَّته على جوانبه المختلفة، و النظر إليه من كافة الزوايا  لتتسع الرؤية إلى كافة الفاعلين و الناشطين و المؤثرين في الحياة العامة من أشخاص و مؤسسات و مفاهيم.

وعليه، فان اختيارنا مقولة الإجماع السياسي كموضوع لدراسة الفكر السياسي عند ابن باديس ودوره في بلورة الوعي نحو تحقيق الحد الأدنى من التواجد الاجتماعي والجماعي للسكان الجزائريين، هو في حقيقة الأمر محاولة للإلمام و الوقوف على الشخصيات التي كانت لها نصيباً فعلياً في حياة الجزائريين العامة. فالإجماع السياسي، كما نعرض له في هذا البحث هو مفهوم تاريخي يعتمد في الجوهر و الأساس على التحليل العلمي و سياق الظاهرة الاستعمارية في كل تعبيراتها سواء تعلق الأمر بالأشياء أو الكلمات المستخدمة7، و نزيد على ذلك محاولة الغوص في اللاوعي السياسي و المجتمعي الذي لم تفصح عنه في حيه الأطراف الفاعلة من الأهالي و من الفرنسيين.

تواصلا مع ما تقدّم، نرى أن فكرة الإجماع السياسي فكرة أساسية في تجربة ابن باديس السياسية، عندما تعني السعي المتواصل إلى تحقيق أرضية مشتركة يلتقي عندها الجميع كشرط لازب، و لا بد منه من أجل تحقيق المواطنة عندما تعني الحقوق و الحريات العامة و إدارة الشأن العام. فالإجماع السياسي له شواهد من المواقع  و الأحداث، كما سنين لاحقا في حياة ابن باديس من خلال مواقفه و كتاباته و أرائه التي يتخللها، في العمق أو اللاوعي ، معاني الحيز العام، المجال السياسي، الأمة، الدولة، الحقوق، الحريات العامة، الواجب …إلى  غير ذلك من المعاني التي تقتضيها سيرورة التحوّل و التطّور نحو مراكز سياسية و قانونية و اجتماعية أفضل. و لا شك أن الإجماع السياسي من المفاهيم الإجرائية الحديثة و المعاصرة التي لا تتوقف عند حد ، بل دائما في سيرورة ترنو إلى المزيد من التأصيل و التحصين. فدعوة ابن باديس إلى التطوّر و التنمية و الارتقاء وتحسين ظروف الجزائريين لا تخرج عن الدعوة إلى اقتفاء أثر المدنية الحديثة عندما تعني النظام الجمهوري، الثورة الفرنسية، الحضارة الإنسانية، منظومة العدالة و الحرية والمساواة، فضلا على نقد الدين القائم على الذهنية الطرقية، الوراثية و الخالية من كل اجتهاد حيوي يعيد للأمة قدرتها على التعاطي مع الحياة الحديثة و المعاصرة.

ظهرت الحركة الإصلاحية الجزائرية، في سياق التطور العام الذي انتاب الرأسمالية و الدولة الحديثة، كما أن الحركة الإصلاحية الجزائرية عبّرت من ناحية أخرى عن التجاوب العام لما كان يجري في المشرق العربي من الدعوة إلى التقدم8  و الإصلاح الديني ،و كانت فكرة التطور و التقدم من المضامين التي حملتها الحركات الإصلاحية في العالمين العربي و الإسلامي ، و سعت منذ الوهلة الأولى إلى التخلص من معوّقاته و حَوَائِلِه ، أي الاستعمار الأوروبي و الوجود العثماني . فبالنسبة للتطور الذي دعت إليه الحركات الوطنية و الإصلاحية في سياق الاستعمار يمكن أن نذكر على سبيل المثال أقطار المغرب العربي، تونس، الجزائر و المغرب الأقصى، حيث كان المصلحون فيها يدعون إلى اقتفاء أثر النموذج الفرنسي في التطور ( فرنسا المتروبول)، و خطاب الأحرار فيها المعادي للإحتلال و الاستغلال الذي يعطل آليات التطور و الرقي بالمجتمعات الأهلية. أما التطور الإصلاحي الرافض للوجود العثماني، يمكن إن نذكر إقليم الشام، سوريا الكبرى، حيث تلازم عند نخبتها الإصلاحية فكرة التقدم، القومية العربية و الانسلاخ عن الخلافة العثمانية9.

و في جميع الأحوال، و رغم خصوصيات السياق التاريخي الذي ميّز بين الدعوة إلى التقدم في المشرق العربي و في المغرب العربي، إلا أن الهاجس الذي سكن دعوة التقدم و التطور هو البحث عن الإطار السياسي الأنسب الذي يمّكن من التعبير والإفصاح عن مقومات الذات الأساسية. و لا ننسى أبدا أن الحداثة بما تحمله من قِيَمٍ و مُثُلٍ و أفكار جديدة هي أيضا منهج و طريقة لكشف مقوّمات الذات الأصيلة التي تنتظر أفضل الفرص و المناسبات لكي تتشكل مع مقتضيات و إمكانات و فضاءات جديدة.أما الإصلاح المستخلص من التجربة التاريخية وكما انطوت عليه فلسفته منذ البداية ، هو إتّباع طريقة التدرج في معالجة الأوضاع الفاسدة و حل المشاكل القائمة. و بهذا المعنى، فالإصلاح لا يعيد النظر في كل ما هو قائم رغم شمولية رؤيته لحال الأمة.

في  تاريخية  الحركة الإصلاحية  و حداثتها:

اختلفت الحركة الإصلاحية العربية الحديثة  عن الحركات الإصلاحية التي شهدها تاريخ الإسلام، بأنها لم تكن قاصرة على الدين فقط بل طالت حياة جديدة في كل تجلياتها و مظاهرها و أبعادها المختلفة. فالإصلاحية العربية الحديثة هي كذلك بالمعنى الذي يشير إلى أنها جايلت الحداثة الأوروبية وحاولت أن تقتفي أثرها، فضلا عن الموضوعات التي تطرقت إليها مثل الأدب ،السياسة و الاجتماع و الاقتصاد، من أجل بلورة خطاب متكامل و رصين يبّلغ إلى قطاع واسع من الجماهير وفق الفكرة/الإشكالية التي اختزلت النهضة العربية الحديثة في : كيف يمكن التوفيق بين الإسلام و الحياة المدنية الحديثة. و كان الغائب الكبير في هذه المعادلة هو الدولة في معناها الحديث            و إثارتها من الناحية النظرية، ومن ناحية إرساء أجهزتها التنفيذية.و عليه، فالإصلاح هو دعوة إلى تجديد الذّات، فضلا عن البحث عن وسائل التجديد و على رأسها الدولة: المؤسسات و النظرية أي فقه الحديث عن السلطة و شروطها في مقتضى العصر الحديث. فقد كانت أول حركات الإصلاح العربية في العصر الحديث هي الحركة الوهابية التي احتاجت إلى أسرة آل سعود( الدولة القبلية) من أجل نشر دعوتها في ربوع الجزيرة و خارجها.لا بل، لا نبالغ إطلاقا ، إنصافا لحركة التاريخ و نواميسه، أن نقول بأن الحركة الإصلاحية الإسلامية الحديثة لها ما يقابلها و يوازيها في التجارب المتعاقبة ، ليس فقط في التاريخ العربي و الإسلامي9 ، بل في التاريخ الأوروبي نفسه . فالإصلاح la grande Réforme 10 في القرن السادس عشر، بداية عصر النهضة، هو الذي وضع العلامة الفارقة بين عصرين، عصر القرون الوسطى و النهضة الحديثة.فقد كان من الطبيعي أن تبدأ النهضة الأوروبية من المجال الذي كان يعاني التحجّر و التّزمت و النّزعة الظّلامية المتكلّسة و الملتزمة بحرفية النص المقدس، فجاء القس مارتن لوثر و أعلن مجموعة من الأطروحات، حدد بها النسق الجديد للعقيدة المسيحية المنفتحة على العالم (اللائكية) التي أعادت الحيوية للنص الديني الأول،   و تّم على  أثر ذلك تأسيس النزعة البروتستانتية التي تداعت مع سائر المجالات  و الفضاءات مثل الاقتصاد(التجارة الدولية) و السياسية(نشوء الدول القومية) و الفلسفية( العلمانية/اللائكية و النزعة النقدية)..وهكذا، أدى تحرير الدين إلى تحرير سائر المناحي و المضامير، و لم تشذ التجربة الإصلاحية الإسلامية الحديثة عن حقيقة التماس الدين من أجل إصلاح الوضع العام11. و ليس بعيدا عن هذا المعنى كتب الشيخ ابن باديس في تقرير رفعته عنه دوائر الأمن في مدينة الجزائر:” لماذا إذن، نشاط العلماء يؤذي الزوايا الطٌّرقية؟ و لماذا الإدارة توالي و تدافع عن الطرقيين؟ إن الذين لديهم إلمام بتاريخ المسيحية و النهضة الأوربية، يدركون، مثل ما تدرك جمعية العلماء، أن صفحة جديدة من فصول العصر الوسيط تجري اليوم (1938) في الجزائر. فالطرقيون يمثلون الكنيسة و السلطة الكهنوتية التي دنست الأرواح و أفسدت العقول، بما تمارسه من خزعبلات و غيبيات. والإدارة الحالية تناصر و توالي أمراء الإقطاع الجدد الذين يستغلون الكنيسة لأغراضهم. بينما الجمعية الإصلاحية، هي أفضل، من يجسد أفكار مصلحي عصر النهضة(…) و كما انتصر الإصلاح زمن النهضة الأوروبية، سوف ينتصر، لا محالة في الجزائر، و بئس المناوئين و المناهضين للحركة الإصلاحية الجزائرية.”12

و ما أثاره الشيخ ابن باديس في هذه الفقرة، لم يكن بعيدا تماما عن إشكالية الدين و الدولة التي لازمت النهضة العربية الحديثة،  استدعت بالتالي ضرورة بحث المسألة السياسية في الدين وفي الدولة أيضا.فقد تطلب الأمر، الاجتهاد في الدين الإسلامي و النظر في الحياة العامة من أجل الاهتداء إلى أفضل صيغ الحكم  و التنظيم. و مهما كان أمر مسألة العلمانية أو اللائكية، وسواء وجد مسوّغ وجود ها أم لم يجد في تاريخ العالم العربي و الإسلامي، فان الأهم من ذلك كله أن النهضة              و الوعي بالإصلاح هو الذي أثارها بصورة مباشرة في مثال على عبد الرازق (الإسلام    و أصول الحكم13)، أو بشكل غير مباشر في حالة جمال الدين الأفغاني(عداؤه المستحكم للبريطانيين و دعوته للشعوب الإسلامية إلى التخلص من الاستعمار) و الشيخ محمد عبده(علاقته بالسيد اللورد كرومر)، عندما قاما معا بالاشتغال على الدين و على السياسة و بلورا معا أيضا مجال السياسة و مجال الدين.

يتحدّث الشيخ ابن باديس باسم الأمة الجزائرية، رغم أنه لازال في بداية التأهب لكي يحتل الموقع المناسب في الحياة السياسية العامة، ترخص له الدفاع عن حقوق و حريات و مصالح أو تحقيق مقتضيات المشروع الإصلاحي في جوانبه الدينية  و الإجتماعية.و الذي سوّغ له إبداء رأيه باسم الأمة هما مقوّما اللغة العربية و الدين الإسلامي ، حيث آل على نفسه أن يعمل على إصلاحهما كأفضل طريقة للتقدم في إطار الدولة الفرنسية الديمقراطية القائمة على مبادئ الجمهورية . فلم يعد ينقص الأهالي لكي يرتقوا إلى مصاف الجزائريين الحاملين لحقوق المواطنة ، خاصة بعد مشاركتهم في الدفاع عن الوطن الأم /فرنسا إلا ما أشار إليه ابن باديس في هذه الفقرة :”أنها (الأمة الجزائرية) ضحت لأجل مصلحة فرنسا المحضة كل عزيز ، و بذلت الأنفس و الأموال في سبيل الدفاع عن كيان هذه الدولة و استماتت في مواقف الذب عن شرف فرنسا بصورة ربما لا يوجد لها نظير حتى عند الفرنسيين أنفسهم، حتى أنها كانت منذ شاءت الأقدار أن ترتبط بهذه الدولة المحافظة على جانب الهدوء و السكينة و الإخلاص حتى اليوم، بل كانت لها العضد المتين الذي لا يعتريه فشل“14

عندما يعني الإصلاح عند ابن باديس .. إمكانية التصالح و التجاوب مع المدنية الفرنسية الحديثة.

رافق الدعوة الإصلاحية الجزائرية، في نشأتها الأولى البحث عن الاجتهاد في الدين، و التطلع إلى الانخراط في الحياة السياسية و الإجتماعية.و مثّل هذا التلازم بين الإصلاح الديني و الفعل السياسي خاصية جوهرية في “الإصلاحية الجزائرية”15. فقد كتب الشيخ عبد الحميد بن باديس ما يفيد صراحة هذا الخط الثابت في فلسفةو منهج الحركة الإصلاحية:”رسمنا لأنفسنا خطة بيناها في جريدتنا المتحجّبة ( المنتقد)، كتبناها بإخلاص و صراحة مبينين ما نرمي إليه من الإصلاح و الرقي و التهذيب في كنف فرنسا” الديمقراطية”و بمساعدتها، تلك هي خطتنا التي لا نرى أفضل منها، و لا يمكننا أن نحيد قيد شبر عنها(…) عجبنا أن تعطل جريدة تنادي بمساعدة فرنسا الديمقراطية(…) هذه هي جريدتنا” الشهاب” اليوم التي سنخدم بها ما هو خير و نافع للأمة الجزائرية و حكومتها الفرنساوية. ورجاؤنا من الأمة الجزائرية أن تستمع القول و تتبع أحسنه من جميع الكاتبين، و رجاؤنا من حكومتنا الفرنساوية ورجالها الأحرار أن يتحققوا إخلاصنا كجزائريين، برهنوا في جميع المواقف على حسن نواياهم نحو  الوطن الأم16 و أننا لا نريد إلا أن نعيش مع جميع أبناء فرنسا في حرية وأخوة و مساواة17، متحابين متعاونين على ما فيه سعادة الجميع“18.

          في هذه الإفتتاحية من العدد الأول الذي وقّعته نخبة من كتّاب جريدة الشهاب19،و هي عماد الحركة الإصلاحية في منتصف العشرينيات من القرن العشرين، وردت جملة من الكلمات و المعاني التي تعبّر عن مرامي الإصلاح و ما ترومه في المجال السياسي، أي الحياة العامة. فقد أوضحت الفقرة أن ما تسعى إليه الحركة الإصلاحية هو التقدم و الرقي و تهذيب المجتمع في كنف فرنسا الديمقراطية مع الحيطة التامة التي تقتضي مراعاة قوانين و ضوابط الدولة الفرنسية20 .كما أن الفقرة تحرص على وصف الدولة التي تتعامل معها بأنها الدولة الديمقراطية، أي أن الأمر يتطلب الوعي بحقيقة الديمقراطية، مبادئ الجمهورية، السياسة، المجال العام و حقوق الإنسان و الحريات، كلها يمثل المنسوب الأدنى الذي يجب عدم النزول دونه من أجل تحقيق المطالب السياسية و الإجتماعية.

إذا كانت النخبة الإصلاحية قد استأنست في نفسها القدرة على مباشرة الإصلاح في مدلولاته العامة، فإنها التمست في ذات الوقت المساعدة من فرنسا الديمقراطية  ( فرنسا المتروبول و أنصار الحرية و العدالة و المساواة بين المسلمين الجزائريين و الفرنسيين) لكي تشغل الحيز العام، و تنخرط في العمل السياسي، الذي يفصح عن الذات الجزائرية في كل أبعادها و خصوصيتها21. فمضمار السياسة أو المجال العام لا يزال غريبا و إلى حد كبير عن الأهالي و رجال الإصلاح المتأثرين بالثقافة التقليدية العربية و الإسلامية، مع الوعي بقيمة و إمكانية الاستفادة من مظاهر العصر الحديث و منه الدولة المدنية.و لعلّ هذا ما يستخلص من نوعية المعاملة التي تلقاها المصلحون من قبل الإدارة الجزائرية (أجهزة الدولة الفرنسية في الجزائر)، عندما قامت بتعطيل جريدة المنتقد، لسان حال نخبة الإصلاح الديني في الجزائر. فقد كانت أول اعتبارات المصادرة هي اللغة التي تنشر بها الجريدة المقالات، أي اللغة العربية، والتي تعد القاسم الجوهري المُعَبِّر عن الذات الجزائرية، و يسعى المصلحون إلى بلورتها كوسيلة إعلامية من أجل تعميم الوعي بقيمة اللغة في التخاطب العصري على سائر الجزائريين، بينما  الإدارة الفرنسية اعتبرت لغة الجريدة وسيلة لإمكانية توسيع الهوة بين الفرنسيين و الأهالي نحو الانفصام التام22.

يقول في هذا المعنى، الشيخ ابن باديس:” إن الإسلام عقد اجتماعي عام، فيه كل ما يحتاج إليه الإنسان في جميع نواحي حياته لسعادته و رقيه. و قد دلت تجارب الحياة، و كثير من علماء الأمم المتمدنة على أن لا نجاة للعالم مما هو فيه إلا بإصلاح عام على مبادئ الإسلام. فالمسلم الفقيه في الإسلام غني به عن كل مذهب من مذاهب الحياة، فليس للجمعية ( جمعية العلماء)، إذا من نسبة إلا إلى الإسلام، و بالإسلام وحده تبقى سائرة في طريق سعادة الجزائر، و البلوغ بها، إن شاء الله، أرقى دراجات الكمال.”23

أخيرا و ليس آخرا، و دائما في سياق التجاوب مع المدنية الحديثة، نشير إلى أن الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، صريحة في خطاب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.فقد تفطنت إلى القوة الإجرائية التي ينطوي عليها مفهوم العلمانية على حياة و مصير الشعب الجزائري و الوجود الفرنسي أيضا، خاصة على مستوى تجاوب المفهوم مع تطلعات العالم المعاصر. فجميع نصوص الجمعية، بيانات، مذكرات و مقالات بعض الشخصيات البارزة، مثل الشيخ ابن باديس و الأمين العمودي و البشير الإبراهيمي توضح موقفهم من اللائكية و تَبَنِّيهَا كأفضل إجراء يمكن أن يلتمس لحل المسألة الأهلية و بالتالي نظام الحكم في الجزائر. و لكن، و هنا وجه المفارقة، أن القراءات و البحوث التي قُدِّمت عن الحركة الإصلاحية بصورة عامة و على وجه الخصوص جمعية العلماء، أبعدتهم عن الموقف اللائكي، لا بل جعلتهم مشروعا لمحاربة العلمانية في الجزائر !؟. و اليوم، يمكن طرح سؤال حقيقي، هو لماذا عجز البحث العلمي التاريخي بعد الاستقلال عن إعادة التفكير في حقيقة ما اضطلعت به جمعية العلماء في ضوء القراءة المنصفة و الموضوعية التي لا تفتئت على تراث العلماء و تضعه في الأبعاد التي صنعته و منها موقفها العلماني من مسألة الدين و الدولة24.

عندما يعني الإصلاح عند ابن باديس تخطي الطرقية و المذهبية

الوجه الآخر الذي حدد مضمون الحركة الإصلاحية بصورة عامة و الجزائرية على وجه الخصوص، هو التصدي للمؤسسة الطٌّرقية25، القائمة على التقليد و إعادة إنتاج نفس وتيرة الحياة الاجتماعية و الدينية الوافدة من عصور التخلف العربي، زمن أفول الحضارة الإسلامية. فالتوجه الذي سعت إليه جمعية العلماء هو البحث عن الإسلام الصحيح في خضم الصراع الذي خاضته ضد الطٌّرقية التي تناصرها الإدارة الاستعمارية من أجل تكريس” الإسلام الجزائري”. فالإسلام، كما ورد في المادة الأولى من دعوة جمعية العلماء و أصولها:” هو دين الله الذي وضعه لهداية عباده، وأرسل فيه جميع رسله، و كمّله على يد نبيه محمد الذي لا نبي من بعده”26.ثم توضح المادة الثانية، الإسلام الصحيح:” هو دين البشرية التي تثق به”.فواضح من هذه الفقرة، أن الشيخ ابن باديس واضع هذه الأصول، ضدا على الطٌّرقية و رجال الدين الرسميين، يؤكد على المعنى الإنساني و العالمي للدين الإسلامي الذي يأبى الاحتكار، و ينفلت من قيد أي سلطة، سواء أكانت سياسية أو معنوية.

كيف السبيل إلى فهم الإسلام بشكل صحيح؟ هذا ما تحاول بقية النصوص أن تجيب عليه.جاء في المادة الثالثة:”القرآن هو كتاب الإسلام”، و في المادة الرابعة: ” السّنة القَوْلِية و الفعلية الصحيحة تفسير و بيان للقرآن الكريم” و أضافت المادة الرابعة:”سلوك السلف الصالح، الصحابة و التابعين, أتباع التابعين تطبيق صحيح لهدى الإسلام، ثم أخيرا فُهُوم أئمة السلف الصالح أصدق الفُهُوم لحقائق الإسلام  و نصوص الكتاب و السّنة”.ما تريد أن تؤكده هذه المواد هو الحرص على استخلاص الصحيح من مصادر الشريعة الإسلامية، عند الفهم و عند التشريع أيضا، و من ثم تكون هذه المواد لأصول الحركة الإصلاحية هي الإطار المرجعي في مسألة الإسلام و الحياة الدينية و الاجتماعية الحديثة. و غني عن البيان، أن هذا التعريف ترمي من وراءه جمعية العلماء ليس قطع دابر المؤسسة الطٌّرقية وقادة الزوايا فحسب، بل الحسم في مسألة المنهج و الرؤية التي بهما يتم معالجة قضايا المجتمع الجزائري. فقد كان السياق التي وضعت فيه نصوص الدعوة وأصولها هو إبداء عدد من الفاعلين السياسيين و الاجتماعيين و من التنظيمات و التشكيلات الأهلية و غيرها أرائهم حول بعض المسائل المتعلقة بالتَّجَنّس، الأمة الجزائرية، المسألة الوطنية، مسألة المواطنة والحفاظ على النظام الإسلامي في قضايا الأحوال الشخصية.

ثم تنتقل، بعد ذلك نصوص الدعوة للإشارة إلى مظاهر الطٌّرقية و سبل محاربتها، لأنها من صلب الفعل الإصلاحي التي ندبت الجمعية نفسها القيام به: البدع، الاعتقاد الفاسد، الشرك. فقد حددت المادة السابعة البدعة على النحو التالي:”هي كل ما أُحْدِث على أنه عبادة و قربة، و لم يثبت عن النبي صلّى الله عليه   و سلم، وكل بدعة ضلالة”.و تضيف المادة الثانية عشر:” التوحيد أساس الدين”. أما الشرك و مظاهره فتحدده المادة الرابعة عشر هكذا:”اعتقاد تصرف أحد من الخلق مع الله في شيء ما شرك و ضلال، ومنه اعتقاد الغوث و الديوان(…) بناء القبب على القبور، وَقُد السّرج عليها و الذّبح عندها لأجلها و الاستغاثة بأهلها، ضلال من أعمال الجاهلية و مضاهاة لأعمال المشركين. فمن فعله جهلا يُعلم، و من أقره من ينسب إلى العلم فهو ضَال يُضل”.ثم تنتهي المواد المتعلقة بالطّرقية بالمادة السادسة الواضحة الدلالة و الصريحة في فحواها و تنص:” الأوضاع الطٌّرقية بدعة، لم يعرفها السلف الصالح، و مبناها كلها على الغلو في الشيخ و التحيز لأتباع الشيخ وخدمة دار الشيخ و أولاد الشيخ، إلى ما هنالك من استغلال و إذلال و إعانة لأهل الإذلال والاستغلال، و من تجميد للعقول و إقالة للهمم، و قتل للشعور و غير ذلك.”

و تعد هذه الفقرة الأخيرة إفصاحا غير موارب و صريحا لموقف العلماء من المؤسسة الطٌّرقية و وضعيتها في الجزائر27، حيث وضعتها نصوص الدعوة في مقابل الإسلام الصحيح. فإذا كانت دعوة العلماء ، دعوة سلفية ، كما جري تحديد ذلك في مطلع النصوص، فان من هذا الموقع بالذات يجب الاضطلاع بترقية الشعب نحو الإسلام الصحيح ، الذي يقتضي الانبراء للبدع والقائمين عليها ،لأن هذا يقتضي ذاك.ولأن المرحلة التي جاءت في سياقها نصوص الدعوة الإصلاحية مرحلة حاسمة، نهاية الثلاثينيات، فقد أعرب العلماء عن موقفهم من المسألة الدينية، من الناحية التاريخية، و في الواقع الراهن و ما تتطلع إليه في المستقبل28.

و هكذا، كما يتبين من الفقرات السابقة، أن الإصلاح، فلسفة شاملة، و مجردة، أي أنها تعلو على الأشخاص و لا ترتبط بمصيرهم ارتباطا عضويا، فلا تزول بزوالهم، ومن هنا مصداقية المشروع الإصلاحي.فالأصل فيه أنه دائما في طور التحقق و لا يكف عن الوضوح و الإفصاح عن معاني جديدة29، يخاطب أجيالا متلاحقة لتضيف إليه تجارب تاريخية جديدة.و لعل هذا ما يفسر لنا قدرة الإصلاح على التواصل مع الشخصيات التي تبنته جيلا عن جيل30. فقد سبقت الإشارة إلى أن أساس و ماهية الإصلاح هو الدين، الذي يوحي بالتطور نحو مظاهر و مجالات أخرى و منها السياسة. وهكذا، فالفكرة الإصلاحية سبقت تأسيس جمعية العلماء في الجزائر، لأن الفكرة هي التي قادت مجموعة من آنسوا في نفوسهم القدرة على تجاوز المؤسسة الطٌّرقية و ذهنيتها القبلية والجهوية والقائمة على الجمود ورتابة الحياة الدينية والاجتماعية. و قد أدى اتساع الحركة الإصلاحية إلى تطور أيضا في الفكر الإصلاحي، نجم عنه ظهور خلافات و اختلافات بسبب بعض المواقف الشخصية و السياسية، و هذا ما شهدته سنوات الثلاثينيات و الأربعينيات.فقد خرج الطيب العقبي، أحد أعمدة الإصلاح، من جمعية العلماء، و بقي مصلحا حرا. كما خرج الشيخ محمد السعيد الزاهري من الجمعية و التحق بحزب الشعب الجزائري من فرط حساسيته إلى العمل السياسي، و انسحب الشيح محمد العاصمي إمام ومفتي المذهب الحنفي في مدينة الجزائر، الذي أسس الجمعية الودادية لرجال الديانة الإسلامية، وهي جمعية ليست محسوبة على التيار الطّرقي و إن كانت تستمد العون و المشروعية من الإدارة الحاكمة، على أساس فهمها أن الدين مسألة تتعلق بالدولة الفرنسية.. إلى غير ذلك من الحالات التي سجلتها التجربة الإصلاحية التي انطوت على فضاء رحب لفهم الدين، و على إمكانية   الخروج عن الدائرة الإصلاحية لكن دون المبدإ31 ،لأن أصل دوائر الحركة الإصلاحية بصورة عامة دائرة مرنة و تحتمل التنقل بين الدوائر الأخرى في سيرورة من التوجه نحو التكامل و التلازم .

لم تكن جمعية العلماء ، التي كان يترأسها الشيخ ابن باديس في ثلاثينيات القرن العشرين، مؤسسة أو حركة فوق الأحزاب فقط بل في الأساس مؤسسة تجاوزت  و تخطت النظم الطرقية و روابط الزوايا التي كانت قائمة على الآصرة الجهوية  و العشائرية و القبلية .فقد ظهرت الجمعية كحركة إصلاحية في سياق تاريخي له دلالته على صعيد العالم العربي و الإسلامي ، أي الثلاثينيات من القرن العشرين ،  و من ثم فقد اختطت لنفسها طريقا وطنيا يسعى منذ البداية إلى مخاطبة الجميع و إضفاء الصفة العمومية على خطابها الديني و الاجتماعي و السياسي ، خاصة عندما أصرَّت على ضرورة استعادة الدين الإسلامي و اللغة العربية من السيادة الفرنسية و تدعيم بهما مقوِّمات الوجود الجزائري ككيان مستقل عن الوجود الفرنسي .فعلى خلاف نظم الزوايا و الطرق و شيوخها ، فان الحركة الإصلاحية و رجالاتها وجدوا أنفسهم هم أولى و أحرى من يستطيع أن يتحدّث عن الإسلام في الجزائر بالعودة إلى الأصل السلفي الذي سبق ظهور الفرق و المدارس و الطرق و المذاهب في سياق تاريخي جديد هو الدولة ذات النظام المركزي الذي يروم التقرب بخطابه إلى الجميع و ليس إلى طائفة أو جهة معية . و هكذا، فان جمعية العلماء، مشروع وطني قام على دعوة دينية في الأصل و سياسية من حيث الفعل التاريخي و الحضاري العام في سياق استعماري حاد استحث أكثر المعنى السياسي حتى في قضايا الدين و الاجتماع.

المؤتمر الإسلامي الأول…تأسيس للإجماع السياسي :

لا ريب أن المؤتمر الإسلامي حظي باهتمام الباحثين و المؤرخين و اعتبروه أحد المحطات المهمة و الرئيسة في مسار الحركة الوطنية الجزائرية، كما مثَّل لحظة قوية من أجل استعادة و امتلاك الوعي بحقيقة الوطن الجزائري، و الفعل السياسي الايجابي الذي يترك أثره على المدى المتوسط و البعيد، بمعنى أنه يرتب لما بعده.و لعّل أهم بند أثار الجدل و النقاش هو مطلب ربط الجزائر مباشرة بالمتروبول و اعتبار الجزائريين جهة تخاطبها القوانين الفرنسية ، أي العودة  إلى ما قبل الاستقلال المالي لعام 1900 .فبعد هذا التاريخ استأثر المعمرون بالجزائر ، و صارت بفعل تراكم الاستغلال و الاستعمار تعبر عن مصالحهم الاقتصادية و إرادتهم السياسية من خلال الحكومة العامة. في ذات الوقت ابتعد الجزائريون عن موضوع التشريعات الفرنسية، ومن ثم حرموا من امتيازاتها وأثارها السياسية و الإدارية و الاقتصادية ضمن إطار الدولة المدنية الحديثة.

تجربة الشيخ ابن باديس مع الإصلاح الجزائري هي تجربة تاريخية و سياسية بالمعنى الذي يشير إلى التواصل مع تطوّر الجزائر كوطن و أمة و مجتمع. فقد كانت تجربة ابن باديس تنتمي إلي الحيز الإنساني و الحضاري العام كما أنها كانت تساوق و تحايث الواقع الجزائري  المتطلّع إلى الوصول إلى ما وصلت إليه المجتمعات الحديثة. و لعّل الشاهد على ذلك أن شخصية ابن باديس أفصحت عن نفسها كشخصية تماهت عندها مطالب الأمة الجزائرية في لحظة تاريخية مؤثرة و قومية جدّا في حياة الجزائريين كما في حياة الفرنسيين أيضا.فقد كانت ثلاثينيات القرن العشرين لحظة تاريخية في كل العالم و في الجزائر32، تفاعلت معها الحركة الإصلاحية الجزائرية تفاعل من له القدرة على الانتماء إلى التاريخ الكبير في حركته المعقولة التي لا تؤثر فقط على اللحظة الرّاهنة بقدر ما تحمل تطلّعات جديدة إلى الحياة في المستقبل. و لعّل هذا ما يشير إليه بوضوح الباحث الفرنسي فاتانVatin :” فربما، كانت المرحلة التي ظهرت فيها الحركة الإصلاحية هي الحل الوطني.فقد اقتصرت النزعة المصالية على أوساط المهاجرين في فرنسا، و التي لم تكن بمقدورها أن تظهر كحل بديل. و الأمر نفسه بالنسبة لفدرالية المنتخبين، التي كانت تفتقر إلى دعم شعبي معتبر. فشخصية ابن باديس، زعيم الحركة الإصلاحية و نفوذه المعنوي و الفكري، رشَّح جمعية العلماء لأن تكون الوسيط الحقيقي و بامتياز“33.

كانت سنة 1936 حافلة بالأحداث التي ساعدت الأهالي على بلورة وعيهم السياسي نحو مزيد من التحرر، و الشعور بالذات. و لعّل أبرز مظاهر هذا الوعي الجديد هو بداية مسار فكرة الإجماع العام الذي ينطوي على المعنى السياسي عندما يشير إلى المقوّم الأساسي المؤسس للوحدة السياسية الذي تنشده أمة تروم بناء ذات متحررة. فقد تآزرت مجموعة من الأحداث و المواقف، إن على الصعيد الدولي (الأوروبي خاصة)، أو على الصعيد الجزائري الفرنسي، من أجل الإفصاح عن الوعي السياسي الجزائري. الحقيقة، أن الجزائر لم تكن بمنأى عن الحياة الدولية، خاصة في ظل الاحتلال الفرنسي لها. فقد كان لوصول الجبهة الشعبية، التي حملت كارتل اليسار،  إلى الحكم في فرنسا أثره السياسي البالغ على حياة الجزائريين الذين بدؤوا يتلقَّون تداعيات الوضع الدولي المشحون بتوترات و خلافات تقرع طبول حرب كونية وشيكة. و في هذا السياق أبْدَى الجزائريون من خلال الحركات السياسية و الاجتماعية و المواقف الحرة قدرة فائقة على التعاطي و التجاوب مع الأحداث و استثمارها نحو مزيد من الحرية و الحقوق و المساواة…

     و الحالة التي يؤكدها التحليل التاريخي هي أن لحظة الثلاثينيات من القرن العشرين كانت تكثّف فعلا سياسيا ضاغطا ساهم بقدر كبير على تكوين و تشكيل الوعي السياسي لدى الجزائريين في مستعْمَرة الجزائر و في فرنسا المتروبولية. و نحتاج في التحليل التاريخي ليس فقط ما هو واضح و بيّن، بل ما استقر عليه اللاوعي السياسي أيضا من نزوع نحو الحيز العام الذي يعَبِّر بامتياز عن السياسة و الحياة العامة. فعند الوقوف في ثلاثينيات القرن الماضي، خاصة منها 1936، على شخصية ابن باديس بشكل خاص و الحركة الإصلاحية بشكل عام نكشف من جملة ما نكشف قيمة و أهمية شخصية ابن باديس كرجل عام موضع احترام و إجماع الأهالي الذين يتوسمون فيه إمكانية الإنتقال إلى المجال العام من أجل تعديل مركزهم الاجتماعي و السياسي والتحلّي بحقوق و حريّات المواطنة التي تقتضيها الدولة المدنية الحديثة.

دشّن ابن باديس سنة 1936، بمقال له في جريدة الدفاع La Défense  ،على قدر كبير من الأهمية، يدعو فيه إلى مؤتمر (اجتماع) يحضره كل ممثلي الأهالي المسلمين و حتى أصدقاء هم من الفرنسيين ليتفقوا على جملة من المطالب تمثل الأساس/ الميثاق الذي يجب أن لا ينزلوا دونه يعتمدونه كأرضية صلبة تصمد مع الوقت و تراكم تجارب لاحقة لا تذهب هباء. فتحت عنوان “مطالبنا”، nos revendication 34 ، وضمير الجمع يعود إلى الحركة الإصلاحية و ما تقترحه على الشعب الجزائري برمته و حتى الأقلية الفرنسية في الجزائر.و كان مقال ابن باديس هو بداية لسلسلة مقالات في نفس الموضوع تقدّمت بها  شخصيات جزائرية فاعلة في الحياة العامة. انطوت مطالب ابن باديس على أمور الدين و التعليم و السياسة برسم البحث عن الإجماع العام ذي الصلة بنظام الحكم و الدولة المدنية الحديثة. و هكذا، فان “مطالبنا” هي دعوة الشيخ إلى ممثلي الأمة الجزائرية من أجل عقد مؤتمر تحضره كافة الفعاليات السياسية و الاجتماعية. و لنا أن نتوقف على ما جاء في مقال الشيخ ابن باديس مع بداية سنة 1936، و نجلو الجوانب العمومية، ذات الصّلة بفكرة الإجماع السياسي : ” حرية المسلمين في تشكيل الهيئات الإسلامية بعيداً عن أي تدخّل، و في إطار مبادئ و قوانين الجمهورية السارية“35.

واضح التزام الحركة الإصلاحية بالطابع الجمهوري و القانوني للنظام الذي تخضع له الهيئات الاجتماعية التي تعني شأن الأهالي سواء تعلق الأمر بالتعليم، القضاء أو الدين من أوقاف و مساجد. فالتعليم كما جرت عليه جمعية العلماء هو تعليم حرّ رضي بالحد الأدنى و في مستواه العادي و ليس العالي، لكنها أيضا كانت تلح على الارتقاء به إلى  التعليم العام على ما يوجد عليه التعليم الفرنسيinstruction publique،” الحرية التامة في تعليم اللغة العربية في المدارس الحرة، و تطبيق نظام المؤسسات التعليمية السارية في المتروبول على مدارسنا و مؤسساتنا الحرة“. و حرصا منه على اقتفاء النظام الرسمي للتعليم يضيف ابن باديس إنشاء المؤسسات الجامعية، على أساس أنها هي التي تبرز الطابع الرسمي و العمومي، ” و عليه، سأحرص على المطالبة بإنشاء جامعة إسلامية في مدينة الجزائر، أو إحدى المدن الكبرى، على غرار ما عند إخواننا في المشرق و في تونس و المغرب، بحيث لا تكرر نفس المقررات التي تدرسها المدارس الفرنسية-الإسلامية المعروفة بles médersas ، ذات التعليم المهني، الذي يرمي إلى إعداد و تكوين الشباب في وظائف القضاء الإسلامي و في مختلف المصالح الإدارية العامة إن في الجزائر أو في الإمبراطورية الفرنسية“36.

في هذه الفقرة إشارة واضحة إلى ضرورة الاهتمام بالتعليم العالي القادر على جمع الطلبة على اختلاف أصولهم و عقائدهم  بناءً على فلسفة الدولة الحديثة التي ترمي إلى توحيد خطابها السياسي إلى الناس كافة و ليس كما تفعل الإدارة الفرنسية التي تسعى دائما إلى فصل الأهالي عن نظام التعليم العالي و العام إلا بالقدر الذي يغطي سياستها الأهلية بواسطة إحكام القبضة التشريعية ذات الوجهين وجه نحو الأهالي و وجه آخر نحو المواطنين الفرنسيين. حرصت الحركة الإصلاحية منذ تأسيس جمعية العلماء عام 1931 على التربية و التعليم و نجحت فيه إلى حد صار معطىً شعبياً رغم الحصار المضروب عليها للوصول إلى المجال العام. لكن مع بداية ظهور الإرهاصات الأولى لإمكانية الإصلاح العام مع مطلع سنة 1936، لم يتوان ابن باديس في التقدّم بمطلب التعليم من جانبه العمومي و الرسمي37 كأفضل سبيل إلى ردم الهوّة السحيقة التي تفصل الأهالي عن الفرنسيين،خاصة و أن تجربة التعاليم العام  و العالي رتبت أثارها الإيجابية و التقدمية في المجتمعات الأوروبية و منها المجتمع الفرنسي. و في نفس السياق و الموضوع يضيف ابن باديس ” اعتقد أن إنشاء جامعة إسلامية، مسألة مهمة في الوقت الراهن، و يمكن تحقيقها و تظهر إلى حيز الواقع، إذا توفرت النوايا الصادقة من قبل السلطات الفرنسية العليا. الجامعة الإسلامية المنشودة لا تحتاج إلا إلى اعتمادات مالية تقتطع من الأوقاف التي ضمت، للأسف الشديد إلى الدومين العام (قرار القائد العام 8سبتمبر 1830، و قرار الجنرال القائد العام 8 ديسمبر 1830“37.

لا يبتعد مشروع ابن باديس ،  عن المؤسسات الجامعية التي شهدتها مدن عربية و إسلامية مثل الأزهر، الزيتونة، القراويين .. التي تهتم بشكل أساسي بتعليم الشريعة إسلامية و اللغة العربية38. فالحركة الإصلاحية الجزائرية صارت تحتاج فعلا مع الوقت إلى مؤسسة تعليمية لاستيعاب النشء في ثقافة تتخطى المذهبيات و الأصول الجنسية و الدينية و الإنتماءات الجهوية.فقد كان مفهوم الإصلاح كما اعتمدته  و تمثَّلته منذ البداية جمعية العلماء، نزعة نحو تجاوز الطرقية و الزوايا و الكتاتيب القرآنية و الوضع الاستعماري نحو الالتقاء مع متطلبات الحياة المعاصرة في كافة تجلياتها و مظاهرها. و من طبيعة التعليم العالي الحديث أن يحقق  الإجماع العلمي   و الموضوعي المنزه عن الطائفية، و المذهبية و الجهوية بل تعليم قائم على أساس من الحق لكافة أفراد الأمة و المجتمع و الدولة. 

حرص الشيخ ابن باديس على التعليم و دوره في نهضة الأهالي و ربطه بالاستقلال و الحرية، المتأتي من الوعي الذي لازم ضرورة ربط حياة الأهالي الاجتماعية بالسياسية، أو أن النضج السياسي الذي وصلت إليه جمعية العلماء من خلال تجربتها الأخلاقية، التربوية و الإجتماعية، فضلا عن الدينية و السياسية صار يقتضي ضرورة تحديد الوضع العام بمساهمة الجميع.كما أن في دعوة الشيخ ابن باديس، ما يحمل على الوعي بقيمة ما هو ديني و تربوي اجتماعي و سياسي الذي يستدعي إشراف الدولة و عنايتها حتى تضفي الشرعية و تعطي الانسجام لنشاط الهيئات الإسلامية.

المعروف أن الشيخ ابن باديس يتميّز بحسّه المدني و الحضري ، و لا يغرب على باله عندما يتحدث عن قضايا الأهالي و معاناتهم في ذات اللحظة يولي قيمة و أهمية للمدنية و الحضارة الفرنسية و الإنخراط في سياقها كأفضل سبيل إلى التقدم  و التطوّر. يقول ابن باديس في هذا المضمار في ما يشبه تعزيز إطاره المرجعي الذي يبرر مقترحاته في التعليم :” في مثل هذا اليوم من عام 1789، قام الشعب الفرنسي بدَكِّ حصن الباستيل، الذي كان مثوى الرجال الأحرار الذين عاشوا حقبة الطغيان. و بانهيار هذا السجن العتيد انهار عهد القمع و بدأ عهد الحرية، و صار ذلك اليوم عيدا وطنيا للشعب الفرنسي، الذي نحتفل اليوم بذكراه. إن ذكرى هذه المناسبة هي للإنسانية قاطبة، و ليست لسياسة معينة أو لحزب معيّن. و لعلّ هذا ما حدا بي إلى تمثيل جمعية العلماء التي نأت بنفسها عن النشاط السياسي. و في هذه المناسبة العظيمة نمجد الحرية التي تمثل وجودا طبيعيا، و تعبّر عن الحق الشرعي لكل إنسان، و يجب أن تمتد إلى كل أولائك الذين لم تصلهم بعد. إن الإنسان إنسان ما دام يتمتع بالحرية، فإذا حرم منها أو إ فتقرها نزل إلى حضيض البلادة و الحيوانية” 39

في نفس المقال” مطالبنا”، قدَّم الشيخ ابن باديس تصوُّره لتنظيم سياسي يستوعب كافة أطراف الحركة الوطنية الجزائرية، و لا يلغيها كتشكيلات و قوى سياسية و اجتماعية مستقلة، و يقوم المؤتمر بوضع أرضية مشتركة، تمثل الحد الأدنى الذي يلتزم به الجميع و لا ينزلون دونه. و خلص ابن باديس إلى الرأي التالي، ضمنه الموقف الراجح في مسألة المؤتمر الذي دعا إليه:” إن تحديد الوضع السياسي للإنسان الجزائري مسألة حيوية، يجب أن تحظى بالنقاش الواسع لكي يتم البث فيها بشكل نهائي، ليس من قِبل شخص واحد، مهما كانت قيمته و سلطته، و لا من قِبل تنظيم معين مهما كانت هيبته و نفوذه على الجماهير، و لكن، يجب أن يساهم فيها الجميع، ممثلين و قادة رأي: رجال السياسة، العلماء، منتخبون، قضاة مسلمون، أساتذة و معلمون.. فالكل مؤهل لكي يبدى رأيه في هذه المسألة العظيمة40. يجب أن يعقد المؤتمر في القريب العاجل، سواء في العاصمة، أو في مكان آخر، تناقش فيه مختلف القضايا ثم يختتم بعد ذلك بالتوافق على صيغة يُحَدد فيها و إلى الأبد الموقف السياسي الذي يعَبِّر عن ستة ملايين مسلم لا يزال مصيرهم معلقا إلى حد الآن. فهم مرة يعتبرون فرنسيين بلا حقوق التي تقتضيها الصفة الفرنسية، ومرة أخرى يعاملون كأجانب في بلدهم الجزائر.”41

واضح من هذه الفقرة، أن الشيخ ابن باديس يريد أن يتحدث بضمير جمعي، يعلو على التشكيلات و الشخصيات لكي يلتقط خطابا جديدا يدعوه إلى بحث المسألة الأهلية في إطار مؤتمر يضم كل فعاليات المجتمع الإسلامي، من أجل تحديد الوضع statut /، الذي يحدد المركز الاجتماعي و السياسي و القانوني للإنسان الأهلي، في ظل النظام الاستعماري. إن الحديث عن الأمة الجزائرية يستحث الجميع  و ليس طرفا بعينه، ثم أن المشاركة في المؤتمر تؤسس لحظة الإجماع consensus التي سوف يعَبٍّر عن توافق شرعي بين الشعب الجزائري و ممثليه الذين يعبِّرون عنه.

       و في نفس المسألة الأساسية يثير ابن باديس: إشكالية المواطنة و حق الاحتفاظ بنظام الشريعة الإسلامية:” إن ممارسة الحقوق السياسية، لا تتنافى البتة مع المحافظة و الإبقاء على النظام الإسلامي للأحوال الشخصية. فالسود، مثلا في السنغال هم مواطنون و مسلمون أيضا، و كذلك   أهالي الهند الصينية، بينما نحن لسنا لا هذا و لا ذاك..هل لأننا لسنا سودا!؟”42. و بهذه الصيغة التهكمية عبّر ابن باديس عن المفارقة التي استعصت عن الحل في الجزائر. لماذا تصرّ الإدارة الفرنسية على وجود تعارض بين الإسلام و المواطنة. و لمواجهة هذا الأمر، تطلب من الجميع ضرورة الانخراط السياسي، و بحث المسألة برمتها في إطار مؤتمر عام يعبّر عن الجماهير المسلمة و إن عَقَدَته نخبتُها فقط.و يقول ابن باديس في هذا المجال:”هناك حديث غامض حول الحقوق السياسية للأهالي، يجري في إطار جملة من المشاريع القانونية، و منها مشروعين يرميان إلى تحديد التمثيل النيابي للمسلمين في البرلمان الفرنسي: المشروع الأول و يمنح حق الانتخاب إلى النخبة فقط، و مصدر خطورة هذا المشروع أنه يؤدي إلى إبعاد النخبة عن الجمهور الذي جاءت منه و استندت عليه، بدلا من تمتين الصلة بين الناخبين و النخبة. أما المشروع الثاني، فيحاول أن يكرس مبدأ التمثيل الخاص، الذي سيفضي في كافة الأحوال إلى نتائج وخيمة. فالمشروعان لا يقدّمان إلا حلولا جزئية لمشكلة جادة و معقدّة، تحتاج إلى حسم نهائي لفائدة الحاكم و المحكوم”43.

بناء على هذا الطرح، لا يمكن   أن نستبعد شخصية الشيخ ابن باديس في أنها قد فرضت ظلالها على إمكانية عقد المؤتمر44، و أن البحث عن الإجماع كان دائما أصل الحركة الإصلاحية الواعية بحقيقة العمل السياسي و جدواه من أجل تحسين وضعية الإنسان الأهلي المادية و المعنوية45.فقد دعت الصحيفة الإصلاحية العدالة  la Justice، إلى تأسيس حزب سياسي إسلامي46، في شهر مارس 1935،ووضعت نصوصه، وفتحت صفحاتها لمختلف الآراء و الأفكار من أجل توسيع نطاق الوعي به لدى الرأي العام الإسلامي. و من جهتها دعت صحيفة الدفاع la Défense ، لسان حال الحركة الإصلاحية التي كانت تصدر باللغة الفرنسية، في شهر جويلية 1935، إلى تأسيس حزب سياسي إسلامي، و مهدت له بهذه الدعوة:”نعلم أصدقاءنا في الداخل، أن النسخة الأولى من نصوص النظام الأساسي و برنامج الحزب الإسلامي، ستعرض بحر هذا الصيف للدراسة الجادة. و أن الصحيفة على اتصال دائم مع الشخصيات التي أخذت المبادرة للشروع في صياغة العمل و عرضه على الشُّعَب التي سوف تؤسس لهذا الغرض.“47 و بداية من شهر سبتمبر شرعت في نشر الآراء في صفحة ” الركن الحر” حول إنشاء كتلة إسلامية حرة و مستقلة عن الأحزاب السياسية الفرنسية48. و ليس بعيدا عن هذا الخط، الاجتماع العام الذي عقدته جمعية العلماء، في سبتمبر 1935، و سجلت وقائعه في كتاب: سجل الاجتماع العام لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين49. وتمثلت قيمة الاجتماع في العرض الفكري الجاد و التنظير لمسار الحركة الإصلاحية في علاقتها بوضعية الأهالي المسلمين، بعد سنوات من النشاط، وتحديد ما ينبغي أن تضطلع به في المستقبل، أي نوع من استشراف التاريخ اللاحق، و التطلع إلى رص الصف و الكلمة، خاصة ما ورد في المقدمة التاريخية و الفكرية للشيح البشير الإبراهيمي50. و القول أن أصل المؤتمر يعود دائما إلى مبادرة و عمل الحركة الإصلاحية، لا ينال من مصداقية و جهد الأطراف الأخرى51، بل يمكن تفسيره أيضا تاريخيا.  فنجم شمال أفريقيا كان لا يزال تحت الحظر بعد أن جرى حله عام 1935، ونفي مصالي الحاج إلى جنيف، و لأن السلطة الاستعمارية كانت دائما تتوجس من نشاطه داخل الجزائر.كما أن فيدرالية المنتخبين لم تكن تجرؤ على الدعوة الصريحة إلى مؤتمر يحضره الجميع بدون استثناء لأنها كانت دائما تبدى الحذر من العمل الجماهيري و الشعبوي، وتخشى معاتبة الإدارة لها. وهكذا، يبقى الطرف الأهلي الذي بإمكانه أن يقوم بهذا الدور هو الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي تعززه سنوات النشاط على رأس جمعية العلماء.و لعل هذا ما حدا بصحيفة الكفاح الاجتماعي la lutte sociale، لسان حال الحزب الشيوعي الجزائري، أن تكتب عن صاحب فكرة المؤتمر: “لقد كان الشيخ ابن باديس ملهما وعبقريا عندما توخى الدعوة إلى ضرورة تحديد النظام السياسي للمسلم الجزائري، أي عرض البرنامج الإسلامي للمطالب الذي يتوافق عليه جميع ممثلي الحركات الأهلية في الجزائر.. يحيا المؤتمر الإسلامي الجزائري.“52

قراءة سياسية في ميثاق مطالب الشعب الجزائري

جاءت ” مطالب الشعب الجزائري”53 في صيغتها العامة، التي تستند على أصول ما ينبغي أن يعامل به الشعب الجزائري: العدالة و المساواة. و من ثم، فكافة المطالب تحيل إلى المجال السياسي العام، الذي يزيل أشكال التفرقة و الحالات الاستثنائية. و على رأس المطالب التي تقدمت بها اللجنة التنفيذية54 باسم المؤتمر: “إلغاء كل القوانين الاستثنائية؛ إلحاق الجزائر مباشرة بفرنسا، و وقف العمل بنظام المندوبيات المالية، و البلديات المختلطة و الحكومة العامة”.و معنى ذلك، توحيد نمط المؤسسات الجزائرية بين الفرنسيين و الجزائريين، سواء أكانت تشريعية، تنفيذية،         و قضائية و العمل بمبدإ سريان قوانين الجمهورية من حيث المكان، التي تعتبر الجزائر امتدادا لفرنسا، لأن حالة الكيل بمكيالين، أعاقت التطور العام للمجتمع الجزائري.

و ما يجدر ذكره، أن مطلب إلحاق الجزائر رأسا بفرنسا، مثَّل دائما مطلبا سعت إليه فدرالية المنتخبين55، لأنها كانت ترى أن أصل المحنة الجزائرية هو الأثر السلبي للأحكام الاستثنائية الواردة في “مدونة الأهالي” ، و التي من فرط تطبيقها الطويل على المسلمين صارت ترتب أوضاعا شاذة تزيد في الهوة بين الأهالي و الأوروبيين، بعد ما استفحل دور المعمّرين كإقطاعيين جدد في الجزائر، استولوا على المؤسسات الإدارية و الاقتصادية، و صارت الحكومة العامة تعبر عن مصالحهم و تراعي امتيازاتهم و نفوذهم.في دراسة رائدة للمؤتمر الإسلامي الأول للباحث المؤرخ كلود كولو، جاء فيها أن مطلب ” إلحاق الجزائر رأسا بفرنسا…” مثل أيضا و في جانب معين مطلب نجم شمال أفريقيا، رغم اعتراضه على نتائج المؤتمر لاحقا.فقد كان هذا الحزب محظورا طوال الإعداد للمؤتمر و أيام انعقاده، قبل أن يفرج عن زعيمه مصالي الحاج بعد وصول الجبهة الشعبية إلى سدّة الحكم ماي/جوان 1936.و من خلال قراءته لبرامج النجم و تصريحات مصالي الحاج يخلص كلود كولو أنها لا تبتعد كثيرا عن مطلب الأساسي من مطالب ميثاق الشعب الجزائري. فقد طالب النجم في برامجه فيفري 1929، سبتمبر 1935، جوان 1936، إلى إلغاء المندوبيات المالية و إحلال مكانها برلمان جزائري ينتخب عبر الاقتراع العام. و في برامج النجم، ماي 1933، و جوان 1936، طالب بإلغاء نظام البلديات المختلطة، و الأقاليم الجنوبية،و تعويضها ببلديات منتخبة عبر الاقتراع العام56.

وللتوضيح يمكن القول أن إلغاء نظام العمل بالهيئتين المنتخبتين ( البلديات المختلطة، و ذات الصلاحيات التامة )، علاوة على وقف العمل بنظام الحكومة العامة، يصب رأسا في ربط الجزائر بفرنسا، رغم غياب تحديد نوع هذا النظام السياسي الذي يبقي على العلاقة العامة مع فرنسا.إلا أن هذا التوافق بين مجمل مطالب النجم العامة و بين ما يوحي به ميثاق مطالب المؤتمر الإسلامي، يتبدد في الواقع مع مطلب دعوة الاستقلال التام للجزائر، التي حرص النجم دائما أن يكررها قبل جوان 1936 57 ، مما يحيل مطالب النجم إلى الخطاب الشَّعْبوي الغامض. بينما مفهوم ربط الجزائر ككيان تابع مباشرة إلى فرنسا المتروبول، كما توصي بذلك القوانين الفرنسية، كان واضحا عند بقية القوى السياسية و الاجتماعية الجزائرية. فقد كان يرمي هذا الربط إلى تجاوز ثنائية التعامل مع سكان الجزائر بأكثر من مكيال و تمديد القوانين الفرنسية إلى الإقليم الجزائري، كما تقتضي بذلك مؤسسات الدولة الحديثة: إدراج الجميع في مجال المواطنة و مخاطبته بتشريع واحد ليرتب أثاره الايجابية على الجميع أيضا.

أما المطلب الثالث المتعلق بالقضاء الإسلامي كخاصية للمسلمين، فورد على النحو التالي:” الاحتفاظ بنظام الأحوال الشخصية الإسلامي؛ إعادة تنظيم القضاء الإسلامي، بصورة عقلانية تتماشي مع روح الشريعة الإسلامية(تقنين الشريعة)”. فقد اختزل هذا المطلب كل الإشكالية التي أطرت و هيمنت على فكر النخبة الوطنية، في كل تشكيلاتها و تياراتها، منذ عقود من الزمن، و المتعلقة بحق المواطنة مع الاحتفاظ بنظام الإسلامي في الجوانب ذات الصلة بالأحوال الشخصية.بينما الجديد في هذا الميثاق هو ضرورة تدوين أو تقنين الشريعة الإسلامية، أي انفتاح السلطة التشريعية على الأحوال الشخصية للأهالي الجزائريين، و من ثم تحظى بأثرها القانوني العام، و يكسب صاحبها صفة الفاعل و المواطن. و بتعبير آخر، يجب أن تمر المسائل الأهلية عبر البرلمان و الهيئات المحلية المنتخبة، في صورة مشاريع قوانين لكي تحوز على حجية التنفيذ و ترتب أثرَها القانوني و السياسي. و الحقيقة، أن اللجنة التنفيذية للمؤتمر قد فكرت مليا في الموضوع، خاصة عندما تجنبت الإبقاء على التناقض السابق بين القوانين الجمهورية التي تخاطب المواطنين الفرنسيين و قانون الأهالي الذي يخاطب المسلمين. و الاحتفاظ بنظام الأحوال الشخصية لا يعني الإبقاء على القضاء الإسلامي خارج منظومة الدولة، بل إدراجها في صلب القوانين المدنية في خصوصيتها التي يتسع لها النظام الجمهوري، فضلا على إن الشريعة الإسلامية لا تتعارض مع المدنية الحديثة و آليات التشريع فيها.

و في هذا السياق جاءت الفقرة الثانية من نفس المطلب، ملحة على “فصل الدين (الكنائس)عن الدولة و تطبيق جميع القوانين المتعلقة بهذا المبدإ”. و تفصيلها ما جاء في لائحة جمعية العلماء التي تقدمت يوم 6 جوان 1936:” تسلّم المساجد للمسلمين مع تعيين مقدار من ميزانية الجزائر لها يتناسب مع أوقافها. و تتولى أمرها جمعيات دينية مؤسسة على القوانين المتعلقة بفصل الدين عن الحكومة. تؤسس كلية لتعليم الدين و لسانه العربي لتخريج موظفي المساجد أئمة و مؤذنين و قيِّيمِين و غيرهم.ينظم القضاء بوضع مجلة أحكام شرعية في يد هيئة إسلامية، يكون انتخابها تحت إشراف الجمعيات الدينية، و إدخال إصلاحات على المدارس التي يتخرج منها القضاة، و منها تدريس تلك المجلة و التحقق بالعلوم الشرعية الإسلامية، و طبع التعليم بطابعها لتكوين الرجال، يكونون من أصدق الممثلين لها.”58

ويواصل كراس المطالب تفصيل مسألة فصل الدين عن الدولة:” إعادة كل مؤسسات و دور العبادات فورا إلى الجماعة الإسلامية لكي تتصرف فيها و تضع الهيئة الدينية المكلفة بذلك؛ الاعتناء بهذه البنايات و صيانتها من ميزانية أموال الوقف.” ثم تنتهي سلسلة المطالب العامة، التي اعتبرها المؤتمر أصول يجب أن يستعيدها المجتمع الإسلامي ليحدد بها كيانه، بمسألة اللغة العربية:” إزالة كل الأحكام الاستثنائية التي تتعلق باللغة العربية، الرامية إلى اعتبارها لغة أجنية؛ حرية تعليم اللغة العربية وحرية التعبير للصحافة العربية.”و هكذا، وردت المطالب الثلاثة لتشير إلى الكيان الجزائري ذاته، برسم تحديده و السعي إلى استقلاله الذاتي وأن يعامل كامتداد للمتروبول على قدم المساواة و بنفس الحرص على الحرية و العدالة.و لعل القيمة الجوهرية التي يبرزها التحليل التاريخي للمطالب العامة ، أنها تريد أن تؤكد على بنية الدولة و النظام اللائق بالمجتمع الجزائري الآيل إلى التنظيم و التعاطي مع الشأن العام، و ليس فقط التنديد بالاستعمار و الاستغلال كما دأبت عليه النزعة الوطنية الراديكالية التي عادة ما يميع خطابها كل الحقائق الأساسية.

أما باقي المطالب فقد جاءت على هذا الترتيب: المطالب الاجتماعية؛ التعليم الإجباري لكل الأطفال من الجنسين؛ الإعداد الفوري لبرنامج بناء المدارس؛ توحيد التَّعْلِيمَيْن الأوروبي و الأهلي؛ تنمية خدمات العناية الصحية، ( المستشفيات، التمريض، إعادة النظر في نظام زيارات الممرضات)؛ إنشاء صناديق البطالة.المطالب الاقتصادية: لكل عمل أجر مساوي له، و لكل جهد ما يوازيه على سلّم الاستحقاق؛ توزيع عادل للمساعدات التي تقدّمها ميزانية الجزائر على الفلاحة، الزراعة، الصناعة، القطاع الحرفي، و كل حسب حاجته و بدون تمييز؛ إنشاء التعاونيات الزراعية و مراكز التربية للفلاحين؛ وقف مصادرة الأراضي؛ إعادة توزيع منصف للأراضي غير المستغلة على صغار الفلاحين و العمال الزراعيين. و تختم المطالب الاقتصادية بإلغاء قانون الغابات.59 و في النهاية، تأتي المطالب السياسية ملحة على: العفو العام لكل المعتقلين السياسيين؛ العمل بنظام الهيئة الانتخابية الواحدة (مشتركة بين الجميع)؛ الحق في التَّرَشّح لكل الناخبين؛ الاقتراع العلني؛ التمثيل في البرلمان60.

تلك هي المطالب التي وردت في ميثاق المؤتمر الإسلامي الأول، و هي بلا شك تفصح عن معنى مكثف لخلفية النضال السياسي الذي خاضه المناضلون الجزائريون لأكثر من عقد من الزمن، إذا لم نقل منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى. فكراس المطالب، من الناحية التاريخية هو صيغة متطورة لما بدأه حزب الجزائر الفتاة، عبر امتداداته في تنظيم فدرالية المنتخبين المسلمين أو في تعبيراته الجزئية في بقية التنظيمات و التيارات: نجم شمال أفريقيا و جمعية العلماء، الحزب الشيوعي الجزائري.

فقد غلب الطابع الإصلاحي و الاعتدالي على ميثاق مطالب الشعب الجزائري،  و عبّر عن أفضل صيغة يمكن أن تقدمه النخبة الوطنية في سياق الثلاثينيات،  التي هبت فيه من أجل تحقيق الإجماع الوطني الركن الركين لأية محاولة تأسيس النظام السياسي اللائق بالجزائريين. و كانت تقنية الوصول إلى ذلك هو اعتماد إجراء التنازل المتبادل عن بعض المواقف و السياسات، و تبني أخلاقية النبرة المعتدلة و الابتعاد قدر المستطاع عن اللهجة الثورية و الخطاب الحاد الذي غالبا ما يشذ عن المجال السياسي المتداول.

حملت الحركة الإصلاحية مشروعا تضمن محاولة استعادة مقَوِّمات الأمة الجزائرية من النظام الاستعماري.فقد كان الإسلام و اللغة العربية أهم ما برر نشاط المصلحين الجزائريين، واستطاعوا أن يعَرِّفُوا بالدين الإسلامي بالمعنى الذي يشير إلى تجاوز الإسلام الطُّرقي/الوراثي (الإسلام الجزائري)كما تريده السلطة، كما عملت على استعادة اللغة العربية إلى المجتمع المسلم كأفضل سبيل إلى تحقيق المقَوِّمات الذاتية فضلا على تعلم اللغة الفرنسية شرط الحداثة.و عليه، فقد انطوى المشروع الإصلاحي على المعنى السياسي لصلته بالدين و اللغة بالمجتمع الجزائري برمته، أي أن النشاط الإصلاحي تحلى في ماهيته بالبعد العمومي الذي يضعه بالتالي في صلب الرهان السياسي، لا بل تعاملت الإدارة الفرنسية مع جمعية العلماء كقوة سياسية أو “حزب العلماء”61.و هكذا، فقد أثارت الحركة الإصلاحية مسألة الدولة، عندما عمدت إلى الإفصاح عن الأمة الشرط اللازب لقيام الدولة المدنية الحديثة. و يمكن تقديم، على سبيل المثال لا الحصر، الشواهد التاريخية التالية:تصريح الشيخ ابن باديس من أن الجزائر ليست فرنسا62، و لا يمكنها أن تكون كذلك؛ تصور ابن باديس لمبادئ الحكم في الإسلام63 ؛ بيانه حول الجنسية القومية و الجنسية السياسية64.آراء النخبة الإصلاحية التي وردت في الصحف الصادرة باللغة الفرنسية، la Défense, la Voix du peuple, la Justice ،  اتسمت كلها بالنبرة السياسية الواضحة، و كانت أفضل من عالج المسألة الأهلية في ظل التشريعات الفرنسية.أخيرا، و ليس آخرا، المطالبة بفصل الدين الإسلامي عن الدولة/الحكومة، الذي كان مدار صراع مرير، طال كل الأطراف الأهلية، خاصة فترة الأربعينيات و الخمسينيات.

و في النهاية…

في التحليل التاريخي لا يظهر ابن باديس كمثقف و حسب، بقدر ما يظهر أيضا كفاعل سياسي، و صانعا لتاريخ الأمة. فعلى غرار العظماء الذين بوسعهم تغيير مسارات التاريخ، كان لابن باديس هذا الدور الذي ساهم به بشخصيته المعنوية (الكاريزمية)، و مصداقيته العلمية و الأخلاقية، علاوة على دوره السياسي في تحقيق الاجتماع الوطني التي كانت تحتاجه الأمة الجزائرية خلال الثلاثينيات من القرن العشرين، لحظة بداية الشعور الواعي بملامح الأمة القاعدية و مقوماتها الذاتية. ففي ذلك السياق التاريخي، انخرط ابن باديس في المجال العام الذي يتقاطع مع السياسة الاستعمارية و تطلع الجزائريين إلى الحقوق السياسية و المدنية.

من بين العوامل التي ساعدت ابن باديس و استغلها بحكمة و حنكة في بلورة حقيقة الإجماع الوطني نذكر الأمور التالية:

         ابن باديس، شخصية أجمعت الأمة على ريادته و قيادته. فقد كان مربيا، ومعلماً و إماما، و رئيسا لجمعية العلماء.كل هذه الملامح في شخصية ابن باديس أخذت البعد السياسي العام في الوضع الاستعماري.

         معنى الإصلاح في التجربة الباديسية و الحركة الإصلاحية الجزائرية بشكل عام أخذت مفهوما يتجاوز المذهبيات و الطرقية و نظم الزوايا و عقلياتها، و التساوق أكثر مع الخطاب الوطني المُوَّجَه إلى الناس كافة.

         كان المؤتمر الإسلامي (1936) الذي دعا إليه ابن باديس و ساهمت جمعية العلماء بنصيب وافر في التحضير له و إدارة جلسَاتِهِ، لحظة قوية في تاريخ الجزائريين عندما صاغوا لأول مرة “كرَّاس مطالب الشعب الجزائري“، و عَبَّروا من ثم عن لحظة تحقيق إجماع سياسي وطني للأمة الجزائرية نحو ارتياد السيادة و الاستقلال.

 

الهوامش:

[1] عالمية الحرب الكبرى، 1914-1918، تجلت في أنها شملت كل بقاع العالم تقريبا رغم بدايتها الأوروبية، و كانت مشاركة الشعوب المستعمَرَة عبر الإمبراطوريات الاستعمارية، و منها الإمبراطورية الفرنسية و العثمانية، فقد شارك عشرات الآلاف من الجزائريين في أتون هذه الحرب. و لعّل أول تداعياتها و نتائجها على الجزائريين و الجزائر هو الوعي السياسي الجديد الذي امتلكوه عن كثب بفعل الحرب و بفعل الوجود الفرنسي ذاته. كما أن للحرب الكبرى عالميتها على صعيد رسم السياسة السلمية لما بعد الحرب و قوة حضور سياسية الولايات المتحدة الأمريكية في مؤتمر فرساي و في إرساء منظمة عصبة الأمم، المؤسسة العالمية التي صار يتطلع إليها الجميع خاصة شعوب العالم المستعمر.

[1] الشبان الجزائريون هم أول تنظيم سياسي و اجتماعي عبّر عن فكرة الإجماع السياسي، في سياق توجه الدول الأوروبية الاستعمارية الرأسمالية إلى الحرب للخروج من الاحتقان الحاد الذي آلت إليه أوضاعها السياسية. ففي سياق صدور مرسوم التجنيد الإجباري، عام 1912، كان للشبان الجزائريين موقفا عبّروا فيه عن موقفهم من هذا المرسوم في بيان حمل عنوان: “التدابير التي يطالب بها المسلمون الفرنسيون في الجزائر مقابل التجنيد العسكري”. و مما جاء في هذا البيان و الدال على فكرة الإجماع السياسي:” إن ممثلي الأهالي على قناعة تامة بأن على أبناء فرنسا أن يتجاوبوا و يصرحوا بأن الأهالي على أتم الاستعداد للقيام بجميع المهام و الواجبات الوطنية حيال الدولة الفرنسية”، التي يقع عل عاتقها ” إلغاء النظام التعسفي؛ تمثيل حقيقي و تام للأهالي في المجالس الجزائرية و في المتروبول؛ التوزيع المنصف لموارد الميزانية على كافة العناصر السكّانية في الجزائر”. أنظر النص الكامل للبيان في :Cherif Benhabilès, l’Algérie vu par un indigène, imp. Fontana, Paris, 1914.

[1] le problème algérien,considérations générales, Commission centrale d’information et de documentation du Mouvement pour le Triomphe des Libertés démocratiques en Algérie, 1951, p.1

[1] يستخدم ابن باديس مصطلح  “مستعمرات” colonisation  بالمعنى الذي يَرِد في الأدبيات الرسمية الفرنسية خاصة في المتروبول، أي أراضي فرنسا ما وراء البحار، و في المدلول الذي يعنى إصلاح الأراضي و تعميرها: les colonies d’outre- mer

[1]  ابن باديس، مبادؤنا و غايتنا و شعارنا،  المنتقد ، عدد 2/7/1925

[1] أي الإستعمار في مدلوله البغيض و في معناه الاستغلالي و الإمبريالي الحائل على تنمية و تطوّر الشعوب الأهلية .

[1]  ابن باديس، عيد الحرية 14 جوليت، الشهاب، عدد 38، 15 جوليت 1926.

[1] نأخذ على سبيل المثال كلمة “اندماجية”، التي تستخدمها الإدارة الفرنسية في خطابها السياسي الموجه إلى الأهالي الرامي إلى استيعاب الأهالي المسلمين ضمن برامج و مشاريع تنموية تصهرهم في البوتقة الفرنسية كأفضل سبيل إلى تحقيق المواطنة الفرنسية ، لكن واقع الحال يُفنِّد هذا الزعم الفرنسي في المطلق، لأن أساس النزعة الاستعمارية هو رفض التواصل و الإدماج و تيسير انخراط الأهالي في الحياة العامة في جوانبها العسكرية، الإدارية و السياسية و الاقتصادية، فهناك الوظائف السيادية التي لا يجوز لغير الفرنسيين من أصل فرنسي أن يحوزوا عليها، فضلا على استقلال و انفراد المعمرين بميزانية الحكومة العامة في الجزائر .. و من ناحية أخرى نجد من جانب الأهالي المسلمين تنابذ و تراشق بكلمة “الاندماجي” إلى حد الإختلاف و السجال الضار بالحياة السياسية العامة، لأن الحقيقة هي غياب أصلا أية نزعة اندماجية في السياسة الاستعمارية، و أن ما يريده الجزائريون، إلى غاية الثلاثينيات من القرن العشرين هو فعلا الحقوق و الحريات التي يكفلها الدستور الفرنسي و قوانين الجمهورية الفرنسية و هو نوع من الإدماج الذي يجري التعامل معه بالرفض و الاستهجان بدون سبب معقول ، لكن معناه مستقر في اللاوعي السياسي.

[1]– أنظر، فهمي جدعان، أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، بيروت، ط2، 1981. و حول صلة الفكر الإسلامي الحديث بالدولة، يمكن العودة إلى درسته المتميزة:” نظريات الدولة في الفكر العربي و الإسلامي المعاصر ” في كتابه، الماضي في الحاضر، دراسات في تَشَكُّلَات و مسالك التجربة الفكرية العربية، دار الساقي، بيروت 1997، ص.129-182

[1]كانت النهضة الإصلاحية في المشرق العربي شاملة لجميع مناحي الحياة، و تولاها إصلاحيون، كل في مجاله.فالدعوة إلى الإصلاح الديني، عكف عليها الشيخ محمد عبده، في مجموعة من مؤلفاته و مواقفه ، أنظر على سبيل المثال، رسالة التوحيد، الإسلام و المدنية، و أنظر خاصة زيارته إلى الجزائر عام 1903 و صداها لدى علماء و أعيان الجزائر في:Rachid Benchaneb, le séjour du ‘sayh Abduh en Algérie (1903),Studia Islamica, LIII, 1981, Paris, p.121-135. بينما الدعوة إلى إصلاح حال السياسة و الخروج على الحكم العثماني، فقد تولاها الشيخ عبد الرحمن الكواكبي، في كتابيه المعروفين: طبائع الاستبداد، حيث عرف مظاهر الاستبداد و أنواعه و أثاره السلبية و دعا إلى التخلص منه، و أم القرى، حيث دعا فيه إلى الوحدة العربية كأفضل سبيل إلى التكامل بين الأقطار العربية.أما الدعوة الإصلاحية التي تناولت المسألة الإجتماعية، فيمكن أن ننوه بما قام به السيد قاسم أمين من أجل المرأة العربية المسلمة في كتابيه: تحرير المرأة و المرأة الجديدة. فضلا على العشرات من الشخصيات الإصلاحية و مؤلفاتهم، كلها تدلل في نهاية التحليل التاريخي أن الإصلاح هو ضد الفساد و لا يكف عن البحث عن آليات التجديد و التطور والنأي بنفسه عن الثورة و الفوضى و الطفرة.

[1]أنظر الدراسة المهمة التي قدمتها مصالح أمن ولاية الجزائر، في شكل تقرير عن تاريخ و تطور الحركة الإصلاحية الجزائرية إلى غاية اندلاع الثورة التحريرية عام 1954، مع إشارة إلى صلة الإصلاح الإسلامي و الإصلاح البروتستانتي على مستوى مطلب التغيير الديني.جاء في هذا التقرير:”يجب أن لا نعتقد بأن الحركة الإصلاحية الجزائرية ظاهرة جديدة في العالم الإسلامي، لا بل أملتها نزعة تستلهم توجهاتها من عمق الدين ذاته. و هي تندرج ضمن عقيدة ” الجهاد”، أي الكفاح من أجل الإيمان و الحرب المقدسة. و قد أفرزت حركات جديدة منها، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، موضوع تقريننا هذا”.Les Oulémas Algérien réformistes, CAOM, 4I/174, 1955, p.1, 2,3.

 

[1] – تخلو المكتبة العربية من البحوث و الدراسات الجادة عن الإصلاح الديني و النهضة الأوروبية مطلع القرن السادس عشر. فلا نكاد نعثر على دراسات عن رواد الإصلاح الديني الكبير من أمثال مارتن لوثر، يوحنا كالفن، زوينغلي، و الإنساني الكبير ارسموس. و غياب مثل هذه الدراسات، كان له الأثر السلبي في الإلمام بحقيقة “تاريخية” الحركة الإصلاحية الإسلامية الحديثة، أي اعتبار أن النهضة الإصلاحية تندرج في صلب التاريخ العالمي، و تتجاوب مع أحداثه في مستوياته الإنسانية و العامة. و نعتقد أن البحث العلمي التاريخي لا يزال يحتاج إلى الدراسات المقارنة بين الإصلاح الديني في الشرق و في الغرب في أفق تجاوز موانع الرؤية المشتركة للتاريخ.

[1] – يؤكد هذه الحقيقة، حقيقة التماس الإصلاح العام من الدين ، الشيح محمد الأمين العمودي :” نحن، بلا ريب و لا خلاف أمة دينية قبل كل شيء، و ما سبب انحطاطنا و تقهقرنا إلا انحرافنا عن الدين الصحيح و مخالفتنا لتعاليمه الصحيحة و الإعراض عن قواعده الصحيحة”. الإصلاح، ع/14، 25سبتمبر1930

[1] جاء هذا الكلام للشيخ ابن باديس في سياق تعقيبه على رسالة الاحتجاج التي تقدمت بها الجمعية الفرنسية الإسلامية ضد الإدارة الفرنسية التي حاكت خيوط جريمة اغتيال الشيخ ابن دالي، و قيدت الجريمة بشخص الطيب العقبي.A.O.M.,4I 13

[1] علي عبد الرّازق ، الإسلام و أصول الحكم، موفم للنشر، الجزائر، 1988.

[1]– ابن باديس، الشهاب، ع/5، 10 ديسمبر1925. و نعتقد أن هذه الفقرة المقتبسة عن كلام الشيخ ابن باديس تحيل عن وعي كامل إلى السلطة الفرنسية و مؤسساتها القانونية و الإدارية لتحقيق المشروع الإصلاحي في الجزائر، أي أنه يؤكد حقيقة التلازم بين مؤسسات الجمهورية الفرنسية، الحداثة و ما تطمح إليه الحركة الإصلاحية في برامجها الدينية، الثقافية، الإجتماعية و السياسية. و هذا خلاف ما ذهب إليه الأستاذ علي أومليل من أن    الإصلاح قام على منطلق إسلامي، لا يحيل إلى خارج الإسلام.و هذا ما يوضحه في هذه الفقرة” الإصلاح بهذا المعنى( =الذي يقوم على الاعتقاد بأن هناك خللا داخليا أصاب مجتمعا تغرب عن أصله، أي عن إسلامه)، ينطلق أساسا من وعي بخلل ذاتي حل بمجتمع إسلامي، فأوجب التصحيح بمنطلق إسلامي صرف. بتعبير آخر:ما دام الاعتقاد بأن الخلل الذي أصاب المجتمع الإسلامي هو خلل داخلي ناتج عن سقوطه في التحريف “التقليد”، فإن الإصلاح الذي سيقدم سوف يقوم هو أيضا على منطق إسلامي ذاتي،أي لا يحيل إلى ما هو خارج الإسلام، أي لا يقتبس من الغير شيئا يدمجه في مشروعه للإصلاح“. علي أومليل، المرجع السابق، ص 17.

[1] يمكن اشتقاق و صياغة كلمة ” الإصلاحية ” من مفهوم الإصلاح، كما نقول ” الوطنية” من الوطن، و نعني بذلك النزعة الإصلاحية أو النزعة الوطنية. و تطلق كلمة “الإصلاحية” عن التيار الذي قاد حركة الإصلاح الديني في العالم العربي و الإسلامي، مطلع القرن العشرين إلى غاية الحرب العالمية الثانية. أنظر استخدام مصطلح” الإصلاحية”، في، علي أومليل، الإصلاحية العربية و الدولة الوطنية، المركز الثقافي العربي، بيروت/الرباط،2005، ص.17.

[1]– كلمة Mère- patrie، كما تتداولها الأقلام الفرنسية التي تعبر عن الوطن الأم، مرجع كل الفرنسيين.

[1]– الشعار المثلث للثورة الفرنسيةLiberté, Egalité, fraternité:  الذي كانت تؤمن به النخبة الإصلاحية، كما النخبة الوطنية.

[1]– الشهاب، عدد1، 12 نوفمبر 1925. أما ما جاء في جريدة المنتقد، التي أحال إليها  الشيخ ابن باديس في العدد الأول، حاملا البيان الفكري و الإيديولوجي للحركة الإصلاحية بصورة عامة:” نحن قوم مسلمون جزائريون، في نطاق المستعمرات الجمهورية الفرنساوية.فلأننا مسلمون نعمل على المحافظة على تقاليد ديننا التي تدعو إلى كمال إنساني و تحرص على الأخوة و السلام بين البشر. و في المحافظة على التقاليد و المحافظة على أهم مقومات قوميتنا و أعظم أسباب سعادتنا و هنائنا لأننا نعلم أنه لا يَقْدَر الناس أن يعيشوا بلا دين، و أن الدين له مكانة عظيمة لا يستهان بها، و أن الحكومة التي تتجاهل دين شعب تسيء في سياسته، و تجلب عليه و عليها الأضرار و الأتعاب، بل ربما حصلت لها هزاهز و فتن، كما أصاب حكومة هوريو في العهد القريب” النخبة (عبد الحميد بن باديس) المنتقد، 2 جويلية 1925

[1] – يرى الباحث الجزائري علي مراد أن بداية الإصلاحية في الجزائر إقترنت بتأسيس جريد الشهاب عام 1925 التي تحلَّقَت حولها كوكبة من الكتاب و العلماء توسّموا المنهج الإصلاحي لحركة التغيير و التهذيب و التقدم،” نشأت الحركة الإصلاحية ، بداية من دعوة الشيخ ابن باديس، ثم تحولت في ظرف عقد من الزمن إلى حزب ديني حقيقي يحمل طموحات اجتماعية و سياسية واضحة تماما و قام بإعداد برنامج عمل محكم و جهاز فعاّل لنشر دعوته. و استطاع في نهاية المطاف أن يفرض نفسه على كل البلد ومنها الإدارة الفرنسية، كحركة حيوية ظافرة”.  أنظر،Ali Merad,  le réformisme musulman en Algérie 1925-1940, essai d’histoire religieuse et sociale, éd. Mouton&Co, Paris/LaHaye, 1967, p.9, 10.

[1]– و هذا ما تؤكده أيضا الرسالة المفتوحة التي تقدمت بها إدارة الشهاب إلى وزارة الداخلية تستغرب فيه توقيف جريدة ” المنتقد“:” نبدي لحضرتكم أسفنا على توقيف جريدتنا “المنتقد” التي كانت في نظرنا إلا خادمة للمصلحة العامة على المبادئ الفرنساوية الحرة، و التي ما أسسناها إلا بنوايا حسنة و مقاصد سليمة لخدمة الأمة الجزائرية بمساعدة فرنسا الديمقراطية“. الشهاب، عدد2

[1]  بيننا و بين الإدارة ، نريد المعاونة و لا نريد المعارضة ، عبد الحميد بن باديس ، البصائر ، 27 ماي 1938

[1] أنظر أيضا محاصرة الإدارة الفرنسية للغة العربية في القرارات التي اتخذتها عام 1936، “ثلاثة قرارات أصدرها م. ميشال في أسبوع واحد “، الطيب العقبي ، البصائر ، 7 أوت 1936

[1]من الخطاب الذي ألقاه ابن باديس في الاجتماع العام لجمعية العلماء، بنادي الترقي، العاصمة، يوم 27 سبتمبر 1936، أنظر، الشهاب، نوفمبر 1936.

[1] راجع تفصيل هذا الموضوع في : نورالدين ثنيو ، الحركة الإصلاحية الجزائرية و المسألة العلمانية ، الملتقى الدولي ، مخبر العقيدة ومقارنة الأديان، جامعة الأمير عبد القادر، ماي 2011.

[1]حول مناهضة العلماء للطرقية و أعمالها ، يمكن العودة إلى سلسلة من مقالات الشيخ أبي يعلى الزواوي ، نحن “الإصلاحيين” و خصومنا ، البصائر ،  24جانفي ،31 جانفي ، 7 فيفري 1936؛ كما يمكن العودة إلى سلسلة مقالات الشيخ مبارك الميلي ، الشرك و مظاهره ، البصائر ، 31 جانفي ، 7فيفري ، 28 فيفري،13 مارس ، 20 مارس ،28 مارس ، 3 أفريل ،10 أفريل ،17 أفريل ،1 ماي ، 22 ماي ،5 جوان ، 6 نوفمبر ،13 نوفمبر ،27 نوفمبر 1936.

[1]  ابن باديس، دعوة جمعية العلماء و أصولها، الشهاب، جوان 1937

[1]  في موضوع الخلاف و الاختلاف في المواقف و الوسائل بين العلماء و رجال الدين المحافظين و الطرقيّين، خاصة البيان الذي أصدره الشيخ عمر إسماعيل الراعي الأول لتأسيس جمعية العلماء ، قبل أن يظهر خلافه مع العلماء على اثر الاجتماع العام الثاني لجمعية العلماء المسلمين  ، أنظر ، عبد الرحمن إبراهيم بن العقون ، الكفاح القومي و السياسي ، ج1، 1920-1936، المؤسسة الوطنية للكتاب ، 1984، ص. 234-240

[1] – إن السلفية كتيار ديني مناهض للطرقية، و دعوة لتجاوزها، مست كل البلدان العربية، و لم تكن قاصرة فقط على الجزائر، فالمغرب الأقصى، رغم نظام الحماية، تجاوب أيضا بنفس الطريقة مع السلفية المتأتية من الوهابية، و التي تطورت إلى سلفية جديدة، كما يشرح ذلك المفكر المغربي محمد عابد الجابري:” و من هنا لعبت الوهابية في مغرب (الأقصى) النصف الثاني من القرن الثامن عشر، و النصف الأول من القرن التاسع عشر دورا ايجابيا، مهَّد السبيل للسلفية النهضوية المشرقية، سلفية الأفغاني و عبده، لتتردد لها أصداء ايجابية و قوية في المغرب و في أوساط الأنتليجانسيا المغربية التقليدية التي وظفتها لمحاربة الطرقية و الشعوذة في أفق إصلاحي تجديدي من جهة و تجنيد الرأي العام الشعبي ضد الاحتلال الأجنبي من جهة ثانية. محمد عابد الجابري، تطور الانتلجنسيا المغربية، الأصالة و التحديث في المغرب، في كتاب، الأنتليجنسيا في المغرب العربي، تحت إشراف عبد القادر جغلول، دار الحداثة بيروت، 1984، ص51.

[1]تعرض القانون الأساسي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلى عدة تعديلات كلها طالت هدف و مضمون الفلسفة الإصلاحية.فقد جاء في المادة الرابعة من القانون التأسيسي لعام 1931:”القصد من هذه الجمعية هو محاربة الآفات الإجتماعية، كالخمر و الميسر و البطالة و الجهل و كل ما يحرمه صريح الشرع و ينكره العقل و تحجره القوانين الجاري بها العمل.”

[1] مثال ذلك، شخصية ابن باديس، الذي اضطلع بدور رائد تماهت عنده الحركة الإصلاحية في الثلاثينيات من القرن العشرين، كما فرض ظلاله على الحياة الأهلية برمتها، و صارت جمعية العلماء تعرف باسمه. كل ذلك لم يوقف الحركة بعد وفاته، رغم أعاصير الحرب العالمية الثانية و تداعياتها السلبية على الجزائر، فقد واصلت جمعية العلماء مشوارها الإصلاحي بخطى حثيثة و محايثة لواقع المجتمع الجزائري ممثلة في شخصية محمد البشير الإبراهيمي.

[1]كانت الدائرة الإصلاحية دائما تتسع لمن يريد الالتحاق بها بعد الوضوح و الأثر الذي تتركه في حياة المسلمين.فقد ضمت في بداية التأسيس، قبل أن تشرع في عملها الإصلاحي، مجموعة من رجال الطرق، ومن في حكمهم، إلا أنه بعد السنة الثانية، و خاصة بعد الاجتماع العام سنة1935، تكرس المبدأ، و صارت تستقطب أطراف أخرى حتى من أهل الزوايا و الطرق، و لعل المثل البارز هو التحاق الشيخ عبد العزيز بن الهاشمي زعيم الطريقة القادرية في الجنوب، عام 1937، بجمعية العلماء و الأصداء البالغة الأثر التي تركه في الحياة الطٌّرقية و الإصلاحية على السواء. حول أثار انضمام الشيخ عبد العزيز بن الهاشمي إلى الحركة الإصلاحية ، أنظر ، “ماذا في سوف؟ بعد الاعتقال ، الضغط و الاضطهاد “، عبد الحميد بن باديس ، البصائر ، 6 ماي 1938؛ “حول كارثة  سوف الأليمة ، ثم سكوت “.. عبد الحميد بن باديس ، البصائر ،7 جويلية ، 1936؛ “سوف قبل الإصلاح و بعده”، ع.بن باديس ، البصائر، 15 جويلية 1938؛” الشيخ عبد العزيز بن الهاشمي  و الإصلاح” ، ع. بن باديس ، البصائر، 22 جويلية  1938. و يمكن إضافة أسماء إصلاحية أخرى ، جمعت بين الثقافة الفرنسية و العربية، سمح لها بتمثل قيم العالم الحديث و الرؤية الصحيحة لواقع حال المجتمع الجزائري في ظل القوانين و التشريعات الفرنسية، وكانت أفضل من تصدت لما كانت تنطوي عليه من تناقضات           و مفارقات:الشيخ أبي يعلى الزواوي صاحب كتاب “الإسلام الصحيح”،وأول رئيس للجنة الدائمة لجمعية العلماء، بعد القطيعة التي حدثت بين الإصلاحيين و الطرقيين عقب الاجتماع الثاني عام 1932، أحمد توفيق المدني، الشاب المناضل في الحركة الوطنية التونسية الحديثة، محمد بن حورة ، المدعو “أبو الحق” الذي لازم الشيخ الطيب العقبي ، وكان يكتب  باللغة الفرنسية في الصحافة الإصلاحية، مثل El Ikdam, la Voix du peuple,La Justice,La Défense,..,الصادق دندن،مدير جريدة L’Islam(1910-1914)،فضلا عن شخصيات فرنسية ،توسمت الخط الإصلاحي كأفضل حل للمسألة الأهلية و للوجود الفرنسي في الجزائر، أمثال فكتور سبيلمانVictor Spielman  ، جوغلاريت Juglaret، المعروف بمحمد الشريف صاحب مطابع همزة وصلtrait d’union ،و الكاتب الفرنسي هنري بيرنيHenri Bernier الذي دعا إلى تأسيس أول حزب إسلامي عام 1934.فقد كان لهؤلاء و غيرهم دورا بالغ الأهمية في تجاوز مسألة حق المواطنة و نظام الأحوال الشخصية الإسلامي،و توسيع صدى الحركة الإصلاحية في الجزائر و المتروبول إلى الدوائر الحكومية.

[1] نذكر على سبيل المثال بعض الأحداث التي كان لها تأثيرا قويا في العلاقات الدولية و كذا بعض الأحداث المهمة في حياة الجزائريين أيضا. ففي الجزائر بدأ عقد الثلاثينيات بالإحتفلات المئوية الكبرى المخلدة لمرور قرن كامل على الوجود الفرنسي في الجزائر، و هي نفس السنة التي صدر فيها في المغرب الظهير البربري في المغرب الرامي إلى فصل التشريع البربري عن العربي عن الفرنسي، فضلا أنها نفس السنة التي عقد فيها المؤتمر الأفخرستي eucharistique  في قارطاج بتونس. أما الأحداث الخارجية و التي كان لها وقعا مؤثرا على فرنسا و الجزائر فيمكن ذكر تداعيات الأزمة الاقتصادية الكبرى، صعود المد النازي و الفاشي، وصول كارتل اليسار في كل من اسبانيا و فرنسا إلى الحكم، و ما أعقب ذلك من حرب أهلية في اسبانيا …

[1]Jean Claude Vatin, l’Algérie politique, histoire et société, presses de la fondation nationale des sciences politiques, Paris, 1983. p.193

[1]Benbadis, nos revendications, la Défense, 3 jan. 1936.قام مدير الجريدة السيد محمد الأمين العمودي، الأمين العام السابق لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، بصياغة المطالب باللغة الفرنسية.

[1]   المرجع نفسه.

[1] المرجع نفسه.

[1]عمل النواب و الجمعيات ، في سبيل  تعليم الإسلام و لغة الإسلام ، عبد الحميد بن باديس ، البصائر ،17 جوان 1938.تعطيل التعليم و التنكيل بالمعلمين ،ماذا يراد بالقرآن في هذه الديار، عبد الحميد بن باديس ، البصائر ،24 جوان 1938؛ في سبيل التعليم الإسلامي ، المسألة مسألة أمة كلها ..و لا مسألة جمعية العلماء وحدها ، عبد الحميد بن باديس ، البصائر ،1جولية 1938. و في فقرة واضحة، يقول ابن باديس:” يريدون (الجزائريون) منك حرية العلم، فتستوي برامج التعليم الابتدائي لأبناء فرنسا الجزائريين والفرنساويين، و يلغى البرنامج الخاص بأبناء الأهالي الذي هو تلقين بلا تفكير أو حفظ بلا قواعد. و يستوي الجميع في رواتب المعلمين، و ينشط الجميع على دخول جميع فروع التعليم”. الشهاب عدد 38، 15 جويلية 1926.

[1] المرجع نفسه .

[1]حول أثر التعليم و اللغة العربية في بلورة الوعي بمؤسسة الدولة التي يعزى لها تنظيم التعليم العام، أنظر الدراسة المهمة التي قدمها شافاران، المسؤول الرئيس للبلدية المختلطة “فور ناسيونال، ضمن سلسلة البحوث الدورية عن تطور البلدان الإسلامية.Influence de l’Orient sur la presse de langue arabe en Algérie : tendances et programme des Oulémas. Exposé présenté par M.Chavarin, administrateur principal de la commune mixte de Fort-national, au cours de cycle d’études sur l’évolution des pays musulmans, (mai 1936). CAOM, 4I/12.

     في هذه الدراسة الموجهة إلى إطارات الإدارة الفرنسية، و التي ترمي في الأصل إلى الحذر من النشاط التخريبي الذي تضطلع به جمعية العلماء المسلمين، توكيد على حقيقة الإصلاح العام الذي طال ربوع العالم العربي و الإسلامي، و استطاع إن يوفر الأرضية الضرورية لمؤسسة الدولة المدنية الحديثة، رغم أنه لم يفصح عنها صراحة.فقد كان لتعليم اللغة العربية فرصة تاريخية لبناء الوعي بقيمة الدولة الوطنية، حيث شكلت قوام النظام الأساسي الذي سوف يشيد عليه كل عمل أو نشاط عام بمدلوله السياسي و القانوني.يستشهد المحاضر بفقرات من مثال الزعيم العربي عبد الرحمن عزام، تحت عنوان ” العرب: شعب المستقبل”، جاء فيه:” إن الوحدة العربية، حقيقة راهنة و واقع تاريخي  و الذين يناضلون من أجلها و يدعون إليها هم أبعد الناس عن الوهم و أقربهم إلى العلم الحديث.”و يمكن العودة أيضا، لإبراز القيمة الاعتبارية للغة العربية كلغة تداول و مقَوّم للنهضة العربية العامة.Jean Lecyrf, revue africaine ,1931

 

[1] هذه فقرة من حديث أدلى به ابن باديس إلى صحيفة الكفاح، لسان حال الحزب الشيوعي الجزائري، التي كانت تصدر باللغة الفرنسية،la lutte sociale, 23 juil. 1938. و مما له دلالة على نفس التوجه للشيخ ابن باديس حول المدنية الفرنسية، يضيف في نفس الحديث:” في هذا اليوم السعيد، عيد الثورة الفرنسية، نحتفل فيه بالحرية مع الرجال الأحرار حتى و إن لم ننل نصيبنا من هذه الحرية الغالية، فالحرية و الإنسانية غاليتان و مقدِّستان لذاتهما(…) و نحن في هذه المناسبة العظيمة مع فرنسا، فرنسا الحرية نشاهدها في وجه أبناها الأحرار الذين يريدون التطوّر مع سائر البشر وفق المبادئ التي خلّدتها الثورة الفرنسية : الحرية، الأخوة و المساواة. فأبناء فرنسا لا يفرِّقون في تطبيق هذه المبادئ بين الأجناس و الأديان و هم الأحرار الذين نرضى العيش معهم و نواصل الحياة معهم“.

[1]– وقريب من هذا المعنى، الذي لا يحتكر حقيقة الإصلاح العام و الشامل على فئة أو طرف دون أخر، بل يحاول أن يدعو الجميع إلى الاضطلاع بهذه المهمة، ذهب العمودي:” الحركة الإصلاحية في مدلولها العام، و في كل قطر و في كل زمن تديرها النخبة المتنورة من الأمة، و لا يمكن أن تقوم بها الأمة قاطبة. فلا يغرب على البال ، إن  النخبة المتنورة في القطر الجزائري تشمل على الشباب المتخرج من المدارس الفرنسية الذين أخذوا بحظ وافر من العلوم العصرية، لكنهم لا يلمون إلا بطرف زهيد من الثقافة الإسلامية ، كما أن النخبة  تشمل أيضا الشباب الذي تعلم العلوم العربية و تربى على قيم التربية الإسلامية و تخلقوا بها مع مراعاته لواجبات و مقتضيات العصر.”ثم يضيف في نفس الموقع:” فإن كان في وسع أحد أن يوفق بين فكر باديس و الزناتي  و بين مذهب العقبي و أيت قاسي، و بين الزاهري و ساطور، فلا يستحيل عليّ أنا أن أكون كفيلا بمستقبل زاهر.” محمد الأمين العمودي، الحركة الإصلاحية: سيرها، نتيجتها، مستقبلها، الإصلاح، ع/4، 3 أكتوبر 1929.

[1] La Défense ,3 janv.1936

[1] المرجع نفسه.

[1] المرجع نفسه.

[1] أنظر تداعيات دعوة الشيخ ابن باديس و التجاوب الذي حظيت به لدى الأوساط الأهلية و الفرنسية، حيث تابعت صحيفة الدفاع في نشر أراء النخبة المتعلمة في مطالب ابن باديس من عقد المؤتمر: Henri Bernier, la Défense, 10 janv.1936 ; L.Tahrat, l’union par le parti, la Défense, 17 janv.1936 …

[1] نظر كتاب المفكر المصري  محمود قاسم، حول شخصية ابن باديس الإصلاحية ، حيث تماهت حياته مع مصير الأمة الجزائرية ، ومن هنا سر قوة الفكر الإصلاحي و متانته  مع تعاقب مراحل الحركة الوطنية. محمود قاسم ،الإمام عبد الحميد بن باديس  الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية ، دار المعارف ، القاهرة، 1968.

[1]La justice, mars, 1935

  و حتى قبل هذا التاريخ دعا السيد محمد بن حورة ( أبو الحق)،  إلى تأسيس حزب مستقل يتولّى حل المسألة الأهلية” إن الحزب الذي ندعو إلى تأسيسه ، لا بد و أن يسعى إلى تربية الشعب مدنيا و تنمية شعوره بواجباته السياسية، بعيدا عن كل وصاية. رائده الوحيد هو الوصول إلى وضع أفضل، ملتمسا العقلانية و سداد التفكير في قضاياه، و أن يكون هدفه، تجديد ذهنية الجماهير و توعيتها في حقها في حياة كريمة. و ينصرف نشاط الحزب إلى إعداد خطة اقتصادية و اجتماعية و سياسية قادرة على إثارة الحيوية و الحماس الذي لا مناص منه، من أجل بعث مجتمع جديد عانى طيلة قرون من التسلط الإيديولوجي الذي ينبذه الإسلام و الأخلاق “. Aboulhak, la Défense, 3 av.1934                          

[1]La Défense ,19 juil. 1935

[1]La Défense, 25 oct. 1, 8,15 nov.1935

[1] سجل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، تقديم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، المطبعة الجزائرية الإسلامية ، قسنطينة، 1935.

[1] يعلق الباحث على مراد على هذا الاجتماع العام / المؤتمر، و أثره على القيمة الجديدة التي اكتسبها العلماء، بعد ذلك:”فقد قاد هذا الوعي الجديد جمعية العلماء لكي تصبح الناطق الحصري عن الجماهير المسلمة، و من ثم المالكة لزمام الشرعية الوطنية.” أنظر A. Merad, le réformisme musulman, Mouton, Lahaye, 1968, p.182

[1] ومن الباحثين و المؤرخين الذين أولوا الاعتبار الأول لفدرالية المنتخبين المسلمين في التفكير في المؤتمر و التحضير له و صياغة مطالبه:Ch.A.Julien, l’Afrique du nord en marche, p.p.113-117, R.Letourneau, l’évolution politique de l’Afrique du nord musulman, p.p.329-333, A.Nouschi, la naissance du nationalisme algérien, p.p.189-190

[1] La lutte sociale, 15-29 fév.1936

[1] أنظر النص العربي الكامل للمطالب في الشهاب جويلية 1936، و البصائر30 جويلية 1936، أما النص الفرنسي، فيمكن الرجوع إلى La Défense 26 juin 1936 ; El Ouma, juil. Août 1936 ; l’Entente,11 juin 1936 . و حول تغطية جمعية العلماء لوقائع المؤتمر وتداعياته السياسية ، يمكن العودة إلى محمد البشير الإبراهيمي ، المؤتمر الإسلامي الجزائري، البصائر  ،12 و 19 جوان 1936؛ محمد البشير الإبراهيمي ،من أثار المؤتمر الإسلامي : لا يبني مستقبل الأمة إلا الأمة، البصائر، 3 جويلية 1936؛تشكيل الوفد الجزائري و رحلته الميمونة إلى باريس  و مشهد تشجيعه الرائع، البصائر 24 جويلية 1936؛ وفد المؤتمر الإسلامي الجزائري  يؤم أم العواصم باريس ، و بلاغ وفد المؤتمر الإسلامي الجزائري الأول إلى رجال الصحافة، البصائر ،31جويلية 1936؛ مطالب الأمة الجزائرية  التي قررها المؤتمر و جاء الوفد إلى باريس لمطالبة الحكومة الفرنساوية بتنجيزها و الحصول عليها، الطيب العقبي ، البصائر ،31 جويلية 1936 ؛ اجتماع لم يسبق له نظير ، قلم التحرير ، البصائر ،7 أوت 1936.

[1] المعروف أن المؤتمر الإسلامي الأول عقد يومي 7 و8 جوان 1936، و تشكل على أثره المجلس المؤقت الذي عهد إليه المؤتمر تعيين أعضاء اللجنة التنفيذية(لجنة 66) التي تولت صياغة ” ميثاق مطالب الشعب الجزائري ” و قدمته ووافقت عليه في اجتماعها أيام 5، 6، 7 جويلية 1936، و بعد عشرة أيام، سافر وفد المؤتمر إلى باريس لعرضه على السيد ليون بلوم رئيس الحكومة الجديد.

 

[1] جاء في برنامج مطالب المسلمين الجزائريين، كما تقدمت به فدرالية المنتخبين، ممثلة في شخصية شيشكين إلى السيد وزير الداخلية رينيه Régnier، مع مطلع شهر جانفي 1935:” يطالب الأهالي المسلمين بالتمثيل في البرلمان؛ إلحاق الجزائر رأسا بالمترو بول، و بتمثيل واسع في الهيئات المحلية المنتخبة في الجزائر.” أنظر البرنامج الكامل في، La Justice, 1 janv.1935,

[1]Claude Collo, le congrès musulman algérien (1936-1938, revue algérienne des sciences juridiques, économiques et politiques, n°4, déc. 1974, p.100

[1] أنظر فكرة الاستقلال كما تعامل معها نجم شمال أفريقيا، في الفصل الأول من الباب الثاني من هذا البحث.

[1] أنظر الشهاب، جويلية 1936

 

[1] الغالب أن المطالب الاقتصادية كما جاءت في ميثاق المؤتمر، تعود إلى لوائح و مطالب و بيانات الشيوعيين الجزائريين، و خاصة المسألة الفلاحية التي تبرز صور و مظاهر الاستغلال الرأسمالي الحليف الطبيعي للإستعمار.

[1] عادة ما ترد هذه المطالب السياسية في تقارير و بيانات فدرالية المنتخبين و هي تمثل موقف و نصيب الفيدرالية في المؤتمر.

[1] حول الأرشيف و الوثائق  التي قيّدتها الإدارة الفرنسية في متابعتها لنشاط الحركة الإصلاحية و نشاط ابن باديس ذي الطابع السياسي و العمومي، يمكن العودة إلى: نورالدين ثنيو، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فهرس موضوعي و تحليلي للوثائق المتعلقة بجمعية العلماء في الدوريات و الأرشيف المحفوظة في مركز أرشيف ولاية قسنطينة، منشورات كلية الآداب و العلوم الإنسانية، جامعة الأمير عبد القادر، قسنطينة، 2011.

[1] يقول ابن باديس:” إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، و لا يمكن أن تكون فرنسا، و لا تريد أن تصير فرنسا، و لا تستطيع أن تصير فرنسا و لو أرادت. بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل العد في لغتها و في أخلاقها، و في عنصرها، و في دينها، لا تريد أن تندمج، و ألها وطن محدود معيّن هو الوطن الجزائري بحدوده الحالية المعروفة، و الذي يشرف على إدارته العليا السيد الوالي العام المعيّن من قبل الدولة الفرنسية” واضح أن الفقرة لا تنطوي على تناقض، بل تؤكد دائما توجه و موقف ابن باديس من الأمة الجزائرية و الدولة الفرنسية . الشهاب، أفريل 1936.

[1] ابن باديس، أصول الولاية في الإسلام، من خطبة الصدِّيق رضي الله عنه تعالى عنه، الشهاب، جانفي 1938.

[1] ابن باديس ، الجنسية القومية و الجنسية السياسية، الشهاب، فيفري 1937. و مما له دلالة قوية في مقام الفكر السياسي و فكرة الإجماع عند الشيخ ابن باديس، هذا التوضيح الذي يقدمه في نفس المقال:” تختلف الشعوب بمقوماتها و مميزاتها كما تختلف الأفراد. و لا بقاء لشعب إلا ببقاء مقوماته و مميزاته كالشأن في الأفراد. فالجنسية القومية هي مجموع تلك المقومات و تلك المميزات. و هذه المقومات و المميزات هي اللغة التي يعرب بها و يتأدب بآدابها، و العقيدة التي يبنى حياته على أساسها، و الذكريات التاريخية التي يعيش عليها و ينظر لمستقبله من خلالها، و الشعور المشترك بينه و بين من يشاركه في هذه المقومات و المميزات. و الجنسية السياسية أن يكون لشعب ما لشعب آخر من حقوق مدنية و اجتماعية و سياسية مثل ما على الآخر من واجبات اشتراكا في القيام بها لظروف و مصالح ربطت ما بينهما.” هذا في ما يتعلق بمسألة الجنسية ( الهوية) القومية (الوطنية) و الجنسية السياسية كما حددها ابن باديس دائما في سياق المؤتمر الإسلامي و النقاش الكبير الذي حام حول الأمة الجزائرية و مقوماتها و صلتها بالدولة الفرنسية. و يمكن أن نقتبس فقرة أخرى على قدر كبير من الأهمية في تحديد لفكرة الإجماع كما يرى إليها ابن باديس:” نهضت الأمة نهضتها بمؤتمرها الفخم الجليل، و قررت فيه بالإجماع “المحافظة التامة على المميزات الشخصية، و المطالبة بجميع الحقوق السياسية، و أدرك أقطاب الواجهة (الجبهة ) الشعبية أحقية هذا المطلب، و أدركوا أن لا بقاء للأمة الجزائرية مرتبطة بفرنسا إلا إذا أعطيت حقوق الجنسية الفرنسية السياسية مع بقائها على جنسيتها القومية بجميع مميزاتها، فتقدموا لمجلس الأمة الفرنسي بالقانون المعروف اليوم ببروجي (مشروع) بلوم- فيوليط، و تلقاه الذين يقدّمون مصالحهم الفردية و الاستعمارية على مصالح فرنسا الحقيقية بما هو معروف من معارضة بذية ( بذيئة) ظالمة منكرة. و تلقته الأمة الجزائرية التي ترضى بالارتباط بفرنسا في حقوقها و واجباتها و هي –الجنسية السياسية- ما دامت محترمة في جنسيتها القومية، و هي تلك المقومات و المميزات بشرط لا بد منه: و هو أن يكون التساوي تاما في جميع تلك الحقوق دون تخصيص لحق دون حق، و لا تمييز لطبقة عن طبقة (…) و أننا بكلامنا هذا نعرب عن فكر الأكثرية العظمى من الأمة الإسلامية الجزائرية“.

 

 

آخر التغريدات: