الأصول السياسية لنظريـة الحكم في الفكر الباديسي

الأصول السياسية لنظريـة الحكم في الفكر الباديسي

إن البحث في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي عبر التاريخ قد يعرض الباحث لمجموعة من الإشكاليات المعرفية والأطروحات الفكرية التي صارت من القضايا المتنازع فيها بين قادة الفكر الإسلامي في ظل التنوع الإيديولوجي والقراءات المختلفة حول طبيعة الحكم والطرق الموصلة إليه، وفلسفته، ومفهوم السلطة وأنواعها، وكذا الأصول السياسية التي يقوم عليها الحكم، وضبط الثابت والمتغير وتحديد المرجعية الفكرية وغيرها من الإشكالات، إلا أن هذا التعارك الفكري في رأينا هو نتيجة لتنوع الدلالات والتفسيرات النصية، والاجتهادات العلمية التي غذتها خصوبة النصوص الشرعية وتنوعها، كما أن التطور الحاصل في الفكر الإنساني حول مسألة الحكم أو الحاكمية هو الذي زاد من تعقيد القضية ومحاولة فرض أو تصدير نموذج معين من الأنماط السياسية الذي يحكمه مبدأ التفوق الحضاري و الفكري.

وعلى هذا الأساس فإن الفكر السياسي الإسلامي قد تعرض لمجموعة من المساومات من قبل الأطروحات السياسية للفكر الغربي، و قد نجحت هذه الأطروحات في رسم خارطة طريق لنظام الحكم في البلاد العربية خاصة بعد الحملة الاستعمارية الحديـثة ، ونتيجة للضعف الحضاري الذي شهدته هذه البلاد، وكذا التأثيرات الفكرية التي تركتها الحضارة الغربية ومنها علمنة الحياة، وصار التفكير العلماني في البلاد الإسلامية يعتمد على الإقرار ببعض الحق فيما يخص علاقة الإسلام بالسياسة أو بنظام الحكم، على حين يهدم ذلك الإقرار ويفرغه من مضمونه بما يدعو إليه من أقوال وأفكار تناقض هذا الإقرار، ومن ذلك أنهم يقرون بأن الإسلام له علاقة بالسياسة وأنه أتى بمبادئ عامة في ذلك صالحة للتطبيق، لكنهم ينقضون هذا الاعتراف بزعمهم أن الإسلام لم يأت بنظام سياسي يتعين على المسلمين إتباعه1 .

في هذا السياق لم تكن الجزائر بمنأى عن هذا الواقع بل كانت  تئن من الحركة الاستعمارية والتأثيرات الغربية ، وكان الفكر الإصلاحي التجديدي الذي قاده ابن باديس في محاولة لصياغة نظام إسلامي ومقاومة الأفكار الغربية التي استهدفت كل مقومات الأمة، وقد طرح ابن باديس مجموعة من الأفكار والمشاريع النهضوية للخروج من هذه الوهدة الحضارية التي تعيشها الجزائر، ومنها المشروع السياسي الذي يهدف إلى مقاومة السياسة الاستعمارية من جهة، ويؤسس لنظام حكم مستقبلي قائم على أسس ثابتة ومرجعية إسلامية، ولهذا حاول ابن باديس صياغة نظرية حكم مستندة إلى أصول سياسية مستمدة من التراث الإسلامي، أو بمعنى آخر محاولة إحياء النظام السياسي الإسلامي بنظرة جديدة محافظة على الأصول ومتكيفة مع الواقع، والتساؤلات المطروحة هنا، هل كان ابن باديس نظريا في هذا الطرح؟ أم انه كان يعمل لإيجاد بدائل جادة لتغيير الواقع، أم أن ذلك يدخل في سياق إحياء الفكر الإسلامي و تجديد الدين في الجانب السياسي، وهل ما طرحه حقيقة يحل أزمة نظام الحكم و يسعى لإيجاد نظام حكم راشد صالح لكل زمان ومكان، وهل كان فكر ابن باديس يدور في أفق عولمي أم في أفق قطري؟      

أولا-أهمية الفعل السياسي عند ابن باديس :

المتعارف عليه بين من درسوا شخصية ابن باديس أنه كان سياسيا محنكا وإن لم يعلنها صراحة أو يؤسس له حزبا، و لكنه طرق موضوع السياسة من الناحيتين النظريـة و العملية، فقد كتب في صحيفة الشهاب سنة 1928 مقالا فصل فيه فلسفة السياسة من حيث المفهوم والموضوع والأهمية والشروط والقيم وغيرها، وقد أكد ابن باديس أن السياسة لا تنافي السلوك الحسن، وأنها مهنة شريفة في ذاتها وهي موضوع واســـع، وأنها قد يعرض لها ما يعرض لجميع الواجبات من العلل المنافية لمكانتها وشرفها، وأخطر تلك العلل التـنكب عن خلق الإخلاص، لأن ما يعترضها من خلل وفساد يلصق بأصحابها لا بها، و من ثم كان ابن باديس حريصا على بيان أن ممارسة السياسة أمر مشروع لأنه ليس في الإسلام أدنى إشارة إلى حرمة السياسة، بل القرآن والسنة ودواوين الفقه وأعمال السلف الصالح كل ذلك مشحون بالسياسة2.

إن النصوص الباديسية حول السياسة لا تخلو منها جريدة أو مجلة كتب فيها الرجل، وشرح فيها فلسفته ورسم فيها طريق العمل وأساليبه وأخلاق الممارسة، وقد نفسر هذا الانشغال بتأثير الواقع على فكر الرجل الأمر الذي دفعه إلى الكتابة في الموضوع، و لكننا أيضا أمام واقع آخر وهو الممارسة العملية للفعل السياسي من قبله، وبهذا المعنى أراد ابن باديس أن يقرر أنه لا يمكن الفصل بين السياسة والدين، وأن هذه الأطروحة هي فلسفة النظرة العلمانية والمادية التي تحاول تحجيم النظام الإسلامي وحصره في جانب الممارسة الشعائرية فقط، ولذا فقد أكد ابن باديس من خلال تفسيره للقرآن الكريم وشرحه لمجموعة من الآيات القرآنية، وكذا عرضه لصور من تاريخ  وسير الصحابة والخلفاء خاصة نظام الحكم الراشد، والقواعد السياسية، ونمط الحكم الذي يجب على المسلمين إحياؤه وإتباعه، أو على الأقل الاستفادة من التجربة السياسية للعصر الذهبي الذي شهدته الحضارة الإسلامية.

لا يمكن فهم نظرية ابن باديس في الحكم وفق منطق تجزيئي داخل حدود ضيقة نفصلها عما قبلها وما بعدها، وعن الإطار العام لفكره، أما إذا انطلقنا في تقييم فكره في إطار عام، من خلال ما ترسمه كتاباته على مدى خمسة عشر عاما (من عام 1925 م إلى 1939م) لأن كتاباته في النهاية هي التي تعبر عن مواقفه3، وعن فلسفته في السياسة، سواء ما تعلق بالمواقف الظرفية المرتبطة بالوضع السياسي للجزائر الذي يتطلب نوعا من الحنكة والخبرة والمراوغة أحيانا لمقارعة سياسة الاحتلال وإبطال مشروعه الاستعماري، والعمل على ترسيخ مبدأ الوطن والوطنية والجنسية والشخصية، أومن جهة إيجاد مشروع سياسي أو تصور بديل يليق بالمجتمع الجزائري المسلم، والذي يتضح من خلال محاولة إحياء وتجديد النظام السياسي الإسلامي من خلال عرض وتفسير نصوص شرعية ونموذج تطبيقي لأحد الخلفاء الراشدين وهو أبو بكر الصديق في خطبته إثر توليته4، وقد أتحفنا ابن باديس بشرح هذه الخطبة و استخرج منها الأصول السياسية، التي ينبغي أن يقوم عليها نظام الحكم الإسلامي وغير الإسلامي، لأن الرجل كان يعتقد أن أصول الحكم في الإسلام صالحة لكل زمان ومكان بل هي سبيل السعادة ونجاة العالم من التعاسة .

ومن هذا المنطلق فقد طرح ابن باديس مجموعة الأصول السياسية التي كان يعتقد أنها كفيلة بتحقيق الحكم الراشد المستمد من أصول الإسلام و قواعده.

ثانيا – نظام الحكم:

إذا تتبعنا نصوص ابن باديس من خلال التفسير وبعض المقالات المرتبطة بالموضوع، فإننا لا نعثر على مصطلحات سياسية تشير إلى طبيعة الحكم الواجب نهجه أو اتخاذه، ولم يشر إلى طبيعة الدولة هل هي دينية أم مدنية؟ لأن هذا المصطلح حادث، بل هو نتاج الفلسفة الغربية التي فصلت بين ما هو ديني وما هو دنيوي، تحت مسمى العلمانية5 الجزئية أو الشاملة6، وأصبحت الدولة المدنية هي الدولة المستمدة حكمها وسيادتها وتشريعاتها وسلطتها من الشعب، والدولة الدينية هي المستمدة نمط الحكم من المصادر الدينية.

ولكن إذا فحصنا تحليل ابن باديس للفكر السياسي وبناء الدول والحكومات، فإننا نجده يحلله تحليلا علميا أكاديميا في كتاب “التفسير”، عندما يتحدث عن الملك النبوي والملك البشري7، ومن خلاله يمكن لنا أن نحدد نوعية وطبيعة النظام الذي يراه واجبا وصالحا ومناسبا لمجتمع أو أمة ما، فمن خلال خطبة أبي بكر الصديق ذكر ابن باديس أن الأمة لا تحكم إلا بالقانون الذي رضيته لنفسها وعرفت فيه فائدتها، والأمة الإسلامية في نظره لا تحكم إلا بالإسلام  الذي رضيته لنفسها، وما على الولاة إلا تنفيذ إرادة الأمة8.

وحسب ابن باديس فإن نظام الحكم قد وجد أصلا لحفظ مصالح البشر وتحقيق العدل، وتسيير شؤون المجتمع على أصول عادلة، وقد عقد مقارنة بين الملك النبوي المستمد من الوحي والملك البشري المستمد من العقل، وخلص إلى أن الملك النبوي أو الحكم المستند إلى أصول الدين وقواعده يمثل مصدر الخير، إلا أن الإشكال في تطبيق هذا الحكم، نابع من طبيعة الذين يقودون الأمة ويسوسون شؤونها في الحياة9، حيث يرى أنه من طبيعة الملك النبوي الالتزام بالحق ونصرته حيثما كان، بإقامة العدل في القول والحكم والشهادة بين جميع الناس، ومن طبيعته بث الخير بين الناس بنشر الهداية والإحسان دون تمييز بين الأجناس والألوان10، وقد أكثر ابن باديس من تعداد محاسن النظام القائم على الدين، وفي الوقت نفسه بين نقائص وعيوب النظام القائم على اجتهادات العقل والمنبثق عن طبيعة الحاكم السياسي، أو المجتمع الذي أعطاه حق هذا الحكم عن طريق الاختيار والانتخاب، يقول: ”  ومن طبيعة الملك البشري أنه لا يقيم ميزان العدل بين أبناء المملكة وغيرهم، فهو يفاضل بين هؤلاء وأولئك، ولا يرعى من العهود في الغالب إلا ما يصب في مصلحته، كما أنه يبني أمره على القوة المطلقة فتندفع مع رغباته إلى أقصى ما يمكنها أن تصل إليه، فيكون البغي والتسلط والعدوان، كما أنه تستهويه زينة الحياة الدنيا وزخارفها…”11 إلى آخر ما ذكره من مساوئ الأنظمة الوضعية التي نشاهدها ونعيشها في حياتنا اليوم.

إن تصور ابن باديس لطبيعة الحكم كان تصورا مستمدا من الإسلام، كما أن نظام الدولة عنده لا يخرج عن أصول الإسلام – كما سنرى – بل يعتبر هذه الأصول مقدسة وواجبة التطبيق في كل عصر من العصور، وصالحة لكل زمان ومكان، بل وسر نجاة العالم من الاضطراب الذي يعيشه والفوضى التي تحكمه في أنظمته ومجتمعاته.

أما موقفه من الخلافة كمنصب إسلامي عالي، فقد وضحه بجرأة وشجاعة ما جعل الكثير يتعجب ويتساءل عن حقيقة هذا الموقف، ولكن ابن باديس الرجل الذي يعتمد على العقل والتجربة ويستصحب التاريخ، لم يعترف بواقعها، لأنها انسلخت عن معناها وبقيت رمزا تقديسيا ليس من أوضاع المسلمين في شيء، بل إن المناداة بدولة إسلامية عالمية يعد ضربا من الجنون، وغير ممكن أن يتحقق في ظل الظروف الراهنة12، بل المتحقق هي الدولة الإسلامية القطرية.

وبقدر ما حاول ابن باديس إيجاد شروط وصيغة عقلانية لنظام الحكم الذي يقوم على شرائع الإسلام وأصوله، فإن أهم طرف في قضية الدولة أو الحكم هو الحاكم نفسه، الذي يتحدد من خلاله مدى تحقيق مصالح البشر وتنفيذ أحكام الإسلام وقوانينه، ولدى فقد بين بعض الشروط اللازمة التي يجب توفرها فيمن ينوب عن الأمة ويتقلد منصب الرياسة والزعامة والقيادة حسب الاصطلاحات الباديسية.

ثالثا- شروط تولي الحكم:

ضرورة إيجاد الحاكم من المسلمات والضرورات المتعينة والواجبة بالعقل والشرع، إذ لا تستقيم دنيا الناس وأحوالهم ومعاشهم وأمنهم إلا بوجود من يرعاهم وينظم شؤونهم، وهذا ما قرره الإمام ابن باديس بقوله: ” فالهيئة الحاكمة والأفراد المنظمون، والقادة المسيرون من ضروريات المجتمع الإنساني ومقررات الشرع الإسلامي”13 ومما يؤكد هذا الأمر ما تقرر في التاريخ الإسلامي و سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام حال وفاته من اختلاف الصحابة في السقيفة، فقالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير، ودفعهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وقالوا إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش، ورويت في ذلك أخبار، ” فلولا أن الإمامة واجبة لما ساغت تلك المحاورة والمناظرة عليها، وطريق وجوبها السمع والعقل”14 كما قرر ذلك الفراء أبو يعلى15.

أما شروط تولي الحكم، فان ابن باديس لم يجار أهل السياسة الشرعية في تفصيلاتهم وشروطهم والاعتبارات المتعلقة بالحاكم، بل عبر عن هذه الشروط بلغة عصرية كان يرى أنها تقوم مقام الشروط التي وضعت في كتب الأحكام السلطانية، فمن الشروط التي قررها ابن باديس:

 1-الكفاءة: وهي القدرة على تسيير شؤون الأمة وإدارة أمور الدولة، والكفاءة في رأي ابن باديس مقدمة على الخيرية، أي السلوك الحسن، فإذا اشتركا شخصان في الكفاءة والخيرية وكان أحدهما أرجح في الخيرية والآخر أرجح في الكفاءة لذلك الأمر، قدم الأرجح في الكفاءة على الأرجح في الخيرية،16 والأمثلة من التاريخ الإسلامي كثيرة، ومنها أن النبي عليه الصلاة والسلام ولى عمرو بن العاص غزوة ذات السلاسل وأمده بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة، فكانوا تحت إمرته وفي جيشه، وكلهم خير منه، كما عقد لواء أسامة بن زيد على جيش فيه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وفيه إشارة واضحة إلى أن الكفاءة مرتبطة بتحقق المصلحة المنوطة بالمسؤولية.

2 – بعد النظر: بأن يكون لديه فكر استشرافي، يحسن تقدير الأمور وعواقبها، وعدم التسرع في إصدار الأوامر والأحكام، وبناء سياسته على قاعدة المصالح والمفاسد.

3 – صدق الحدس والفراسة: ويقصد به توفر الذكاء والدهاء السياسي في إدارة شؤون الأمة وتقرير مصيرها.

3 – قوة الإدراك: بأن يكون عاقلا عالما بقواعد اللعبة السياسية ومتوقعا لما يكون حسب المعطيات المتوفرة لديه والقرائن التي بين يديه.

4- السلوك الحسن: فلا يولى على أمر الأمة  -حسب ابن باديس – إلا من كان سويا في سلوكه، ومتصفا بالأعمال الخيرية التي تدل على عدالته وحسن سيرته ، وقد عبر عن هذا بقوله ” لا يكون أحد بمجرد ولايته أمر من أمور الأمة خيرا من الأمة، وإنما تنال الخيرية بالسلوك والأعمال، ومثال ذلك أبو بكر الصديق، ولي على المسلمين لا لمجرد أنه خير منهم، بل ذلك لأعماله ومواقفه17.

5 – تحمل المسؤولية: يرى ابن باديس أن من واجب الحاكم أن يتفقد رعيته ويتعرف أحوالها، بل يباشر بنفسه بعض الأعمال أو يكلف من ينوب عنه، أي إيجاد هيئات أخرى تكون لها خبرة في تفقد أحوال الرعية دون استثناء، وقد ضرب لنا ابن باديس أمثلة من قصص الأنبياء وسيرة الخلفاء، فالمثال الأول: بسليمان عليه السلام الذي كان ملكا، ورغم عظم ملكه واتساع جيشه وكثرة أتباعه، فقد باشر التفقد بنفسه، كما أن عمر ابن الخطاب كان يقول: ” لو أن سخلة بشاطئ الفرات يأخذها الذئب ليسأل عنها عمر”18. فالشعور بالمسؤولية في رأي ابن باديس إحدى الركائز والأسس التي يحفظ بها الملك والدول، فإذا قصر الحاكم من جهته بأن وقع الخلل في حكمه فهو مدعاة لإدخال الفساد على قومه وجماعته، وأوجد السبيل لتسرب الهلاك إليهم19.

6 – التفقه في الدين: للقضاء على الاستبداد والجهل بعقائد الإسلام وحقائقه، والالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية، لتقريب الرعية إلى أصل دينها، بتطهير العقائد من الشرك والأخلاق من الفساد، والأعمال من المخالفات.

7-  التركيز على العلم: الذي يجعل الرعية منتظمة و متكاملة في سلم الرقي و الازدهار.

8- الخبرة في شؤون السياسة و التجربة في شؤون الحياة.

9- اشترط الذكورة: يرى ابن باديس بعدم جواز تولي المرأة الولاية أو الإمارة أو القضاء، واستدل على ذلك بما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام قوله: ” لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة“20، وعلل ابن باديس عدم صلاحية المرأة للولاية من ناحية خلقتها النفسية، فيقول:” فقد أعطيت من الرقة والعطف والرحمة ما أضعف فيها الحزم والصرامة الملازمين للولاية، ولأن اشتغالها بالولاية إخلال بوظيفتها الطبيعية الاجتماعية التي لا يقوم مقامها فيها سواها، وهي القيام على مملكة البيت وتدبير شؤونه، وحفظ النسل والاعتناء بالحمل والولادة وتربية الأولاد “21.

وقد ناقش ابن باديس الرأي المخالف له في ذلك ودفع شبهة تولي نساء في التاريخ للولاية، ومنها بعض النسوة المشهورات في الأمة الإسلامية ( كشجرة الدر)* في العصر الأيوبي ، وكذا بعض النساء اللائي قضين حياتهن في الملك، وازدهر الملك في عهدهن، فما معنى نفي الفلاح عمن ولوا أمرهم امرأة يتساءل الشيخ؟

والجواب عن هذا الاعتراض بالأمر الواقع، يقول فيه ابن باديس: ” ولكنه لا يرد علينا لأن الفلاح المنفي هو الفلاح في لسان الشرع، وتحصيل خير الدنيا والآخرة، ولا يلزم من ازدهار الملك أن يكون القوم في مرضاة الله، ومن لم يكن في طاعة الله فليس من المفلحين، ولو كان في أحسن حال فيما يبدوا في أمر دنياه، على أن أكثر من ولوا أمرهم من الأمم إذا قابلهم مثلهم كانت عاقبتهم أن يغلبوا…”22.

رابعا: مبدأ الشورى:

يرى ابن باديس أن مبدأ الانفراد بالحكم مبدأ غير إسلامي، فمن واجب الحاكم الالتزام بالحق والمشورة وتفادي الاستبداد والطغيان باسم الإسلام، لأن من قواعد الإسلام في الحكم العمل بمبدأ الشورى بنص القرآن وصريح السنة، لأن الشورى في الحكم يعني أن منطق الجماعة هو الحاكم، وغالبا ما تشكل هيئة الشورى من جماعة المسلمين_ حسب تعبير ابن باديس _ أو ما يطلق عليهم بأهل الحل والعقد، وفي هذا السياق ينصح ابن باديس حكام المسلمين وقادتهم بقوله: “على أئمة المسلمين وذوي القيادة فيهم إذا نزل بهم أمر هام أن يجمعوا جماعة المسلمين الذين يرجى منهم الرأي و العمل فيما نزل، فلا يجوز لهم أن يهملوا أمرهم، ولا أن يستبدوا عليهم”23 كما أن ابن باديس يربط نهضة الأمة و قوتها بالجماعة، أي أهل الشورى الذين يفكرون ويدبرون ويتشاورون مع الحاكم والقائد والزعيم لجلب المصلحة ودفع المضرة، وحسب تصور ابن باديس تظهر الجماعة كنوع من المجتمع الديني الدائم24، يقوم دوره على إشاعة الانسجام بين المذهب الاجتماعي والقانوني الإسلامي وضرورات الحياة المعاصرة من جهة، ومن جهة أخرى فإن مهام هذه الجماعة الشورية السهر على المصالح الأخلاقية و الحاجات الروحية25.

من خلال ما سبق يمكن لنا أن نؤكد أن ابن باديس يرى في مبدأ الشورى أحد الهيئات التي لا يستغني عنها أي نظام سواء كان إسلامي يستمد حكمه وتشريعاته من الإسلام أو وضعي مستند إلى القوانين الوضعية، لأن مبدأ الشورى في الحكم بمثابة المشاركة السياسية الفعلية في إدارة شؤون الدولة وتغليب منطق الجماعة على المنطق الفردي لأنها (الشورى) مظنة لتحقيق المصلحة العامة ودرأ المفسدة إن وجدت، كما أنها تعتبر معينة للحاكم في أداء مهامه في إدارة شؤون الحكم، وابن باديس لم يخرج في رأينا على ما تقرر في الفكر السياسي الإسلامي الذي طبقه الخلفاء الراشدون ومن بعدهم في العمل بمبدأ الشورى، وإنما جاء تأكيده على هذا الأمر لأن الاستبداد والاستئثار بالحكم في عصره كان هو الغالب، وخاصة في عصر الدولة المدنية الحديثة التي تختلف نظمها مع الدولة الإسلامية المستندة إلى نظام الشورى كمبدأ من مبادئ الدولة.

وانطلاقا من هذا التأصيل الباديسي للأسس التي تقوم عليها الدولة، فإن ذلك جاء في سياق ظهور أفكار تغريبية من أبناء الأمة الإسلامية تنادي بالدولة المدنية التي تعني عدم إشراك الدين في الدولة أو تدخله في نمط الحكم، بمعنى تحييد وتغييب الدين الإسلامي عن الشؤون الحياتية، وفرض النموذج الوضعي( الغربي طبعا) كنمط حكم واقعي مفروض تماشيا مع التطور الحاصل في الفكر الإنساني _حسب زعمهم_ في مجال طبيعة الأنظمة والنظريات السياسية المطروحة، وكذا الفلسفات التي تحدد منهاج الحكم وقواعد اللعبة، وابن باديس جاء مجددا للنظام الإسلامي الذي كان يعتقد أنه الأمثل في إخراج الناس والمجتمعات من الفوضى التي تعيشها.

خامسا – تحكيم الشريعة:

من المعروف أن الإسلام دين ودولة، أي تعبد وسياسة، فمن طبيعة الحكم في البلاد الإسلامية أن يتولى الحاكم الجانب السياسي، ويحكم باسم الدين الإسلامي26، لا أن يبقى الإسلام شعارا أو تراثا محفوظا أو محصورا في الشعائر التعبدية، وإنما هو منهاج حياة صالح لكل زمان ومكان، ولقد عاش ابن باديس لهذا الإسلام دعوة وتجديدا وتصحيحا وتفهيما وشرحا…عاش للقرآن والسنة النبوية وأفنى حياته في خدمتهما، وكان يرى – رحمه الله –  أن لا نجاة ولا سعادة للبشرية جمعاء إلا بتطبيق هذا الدين والامتثال لأوامره ونواهيه، واعتباره دستورا خالدا ومنهاجا للحياة، وقد أكد في نصوصه المستفيضة أن التزام الإسلام بتشريعاته وأحكامه وأخلاقه وعقائده أمر لازم، ويتأكد هذا في المسلمين الذين لا يصلح لهم إلا تحكيم شريعة الإسلام في حياتهم، لأن الأمة الإسلامية مند العصور السابقة لم تعرف إلا هذا الدين الذي ارتضاه الله لهم.

فالواجب – حسب الفلسفة الباديسية – على الحاكم أن ينفذ إرادة الأمة، ويجب على الأمة الامتثال لهذا القانون الإسلامي، لا لأن سلطة أخرى لفرد أو لجماعة فرضـته عليها27، بل هو مفروض من عند الشارع المشرع، الذي أوجب على الأمة وحكامها تطبيق وتنفيذ أحكامه في القليل والكثير.

إن العمل بالشريعة الغراء في نظر ابن باديس فريضة شرعية ومطلب أخلاقي، وهو الواجب على الحكام المسلمين الذين تولوا أمر الأمة وإدارة شؤونها، ولقد فصل إمامنا ابن باديس الإسلام تفصيلا، واستدل على أنه صالح لكل زمان ومكان، ومتكيف مع المتغيرات الحضارية، ومجيب على كل متطلبات الإنسانية ما دام دستوره دستورا إلهيا، وما دام باب الاجتهاد مفتوحا أمام قادة الفكر وعلماء الأمة، لأن الإسلام حسـب ابن باديس ” تشريع تام عام لجميع أعمال الإنسان، أعمال قلبه، وأعمال لسانه، وأعمال جوارحه، وجميع معاملاته الخاصة والعامة بين أفراده وأممه، لا تخرج كلية من كلياته ولا جزئية من جزئياته عن هذا الأصل العام المتجلي في جميع الأحكام وهو الخير والحق  والعدل والإحسان”28 .

وقد بين ابن باديس أن عدم تحكيم الشريعة بمخالفة القرآن والسنة النبوية والهدي المحمدي، وما كان عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام في تنفيذ شرع الله وتطبيق أحكامه، وتمثيل الإسلام تمثيلا عمليا ، تلك المخالفة هي سبب كل بلاء لحق بالمسلمين حتى اليوم29، وسيبقى البلاء ما دام الناس حكاما ومحكومين مستنكفين عن طريق الله رافضين أو جاحدين أو معطلين لشرع الله.

وكان ابن باديس من الذين انتقدوا القوانين الوضعية التي هي زبالات عقول البشر التي تلهث وراء الحكم الراشد، من خلال وضعهم شرائع لحفظ النظام وتنظيم الأمم والسهر على مصالحها، يقول: ” وقد وضع عقلاء الأمم شرائع في بعض  نواحي أعمال الإنسان، ولكنها بإجماع المشرعين لا تخلو من نقص واعوجاج واضطراب، فهم ما يفتئون يتبعونها بالتكميل والتقويم والتعديل على مر الأيام”30، لأن ما وصل إليه العقل البشري من القوانين التي حققت منافع دنيوية للبشرية موجود في الإسلام ضمن الكليات أو الجزئيات، وقد اعترف بهذا كبار عقلاء الأمم الغربية الذين ظهر لهم فضل الإسلام ونفعه وصوابيته، يقول ابن باديس:” فكم من عالم غير مسلم صرح بأن الحق والعدل والخير للإنسانية في هذه المسائل هو ما شرعه الإسلام على الوجه الذي شرعه الإسلام”31.

وقد ذكر ابن باديس آثار عدم تحكيم الشرع انطلاقا من القرآن الكريم، ومنها وقوع الفتنة، والفتنة تحتمل معان عدة ذكرها المفسرون منها : الكفر والقتل ، الاستدراج بالنعم، قسوة القلب عن معرفة المعروف والمنكر، الطبع على القلب حتى لا يفقه شيء، وكل هذا قد أصاب المسلمين بسبب مخالفاتهم، وأعظم أثر – حسبه – جور السلطان، فإذا جار السلطان فسد كل شيء، فسدت القلوب والعقول والأخلاق والأعمال والأموال، وانحطت الأمة في دينها ودنياها إلى أحط الدركات، ولحقها من جرائه كل شر وبلاء وهلاك، وهذا بالنسبة للحاكم المسلم الذي يدين بظواهر الإسلام، ويتساءل ابن باديس : فكيف إذا لم يكن من جنسها ولا دينها في شيء؟ وفيه إشارة إلى قادة الاحتلال الفرنسي الذين أفسدوا الدين والدنيا في الجزائر المستعمرة. وهنا يجزم المصلح الجزائري أن أعظم ما لحق الأمة الإسلامية من الشر والهلاك كله جاءها على يد السلاطين الجائرين منها ومن غيرها، وهذا ما يشهد به تاريخها في حاضرها وماضيها32، وإن كنا نعتقد أن المسؤولية مشتركة بين الحكام والمحكومين، بل إن الله تعالى ما سلط على الناس حكاما ظالمين جائرين إلا بسبب فساد العباد، والجزاء من جنس العمل، فإذا أراد الرعية أن يتخلصوا من ظلم السلطان الظالم فليتركوا الظلم33.

والحاصل أن الأمة الإسلامية في عصرنا الحاضر إما اصطبغت بصبغة يهودية أو سبكت في قالب نصراني، أما ما جاء به نبينا ودعى إليه فقد عمي عليها، وعمت عنه، المنبر وسرير الحكومات شيئان مختلفان عند المسلمين في هذا العصر، فقائد الجيش وإمام الصلاة شخصان مختلفان ، وقد كان منبر صلواتنا وسرير حكوماتنا واحدا، فمن كان يقود الجيش في المعارك كان هو نفسه يعلو الصلاة في حينها، ولأن الدين الذي بعث به محمد رسول الله ليس فيه حدود متباينة بين الدين والدنيا لأجل الأعمال المختلفة، وإنما تختلف حدود الواحد عن الآخر لأجل النية فجاء الإسلام دينا مبشرا بالحكومة، فالنبي عليه الصلاة والسلام لما نصب منبر الدين بالمدينة المنورة بنى له سرير الحكومة، وما لبث حتى أنشئت هيئات عديدة للأخلاق وتغذية الروح وترقية الصناعة والتجارة وتعلم السياسة والثقافة، والحاصل جميع شعب التمدن والحضارة34.

سادسا- طاعة ولاة الأمور:

من الأصول المقررة في الشرع الحكيم طاعة ولاة الأمر في غير معصية ويشهد لهذا الأصل نصوص القرآن والسنة النبوية الصحيحة، بل صار هذا الأمر أحد مباحث الاعتقاد، وهو مثبت في متون العقائد و شروحها، وجاء كذلك ردا على فكر الخوارج الذين يرون وجوب الخروج على الحاكم الجائر دون مراعاة جانب المصالح والمفاسد، وقد جاء تقرير هذا الأصل كأحد الأصول السياسية في فكر ابن باديس في الحكم الإسلامي لما له من مصالح دينية ودنيوية واجتماع الكلمة  ونبذ الفرقة وتحقيق الوحدة، وقد استنبط ابن باديس هذا الأصل من خطبة أبي بكر الصديق –كما سلف ذكره-  في قوله  “أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم”  يقول ابن باديس معلقا على قول أبي بكر ” فهم لا يطيعونه هو لذاته و إنما يطيعون الله باتباع الشرع الذي وضعه لهم و رضوا به لأنفسهم، وإنما هو مكلف منهم بتنفيذه عليه وعليهم، فلهذا إذا عصا وخالف لم تبق له طاعة عليهم”35.

إن طاعة ولاة الأمور في نظر ابن باديس مرتبطة بتحقق المصلحة العامة للبلاد والعباد، فهي تجب بالسمع والعقل ، أما السمع فقوله تعالى : “يأيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم“36، وأما العقل فلارتباط الطاعة بالشأن العام والمصلحة المتحققة، ولما له من حق الخلافة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان يقوم به من أعمال الناس وتدبير شؤونهم، وضبط نظامهم، ورعاية مصالحهم37.

وفي رأينا فإن ابن باديس لم يفصل هذا الأصل، ولم يرسم حدوده كاملة كما هو مفصل في كتب السياسة الشرعية، وإنما اكتفى بذكر الأصل، أما ما يتعلق بكيفية التعامل مع الحكام فإنه لم يورد إلا قضية الطاعة في غير معصية، كما أنه أطلق معصية الحاكم إذا عصى أو دعا إلى معصية دون تقييد أو تحديد.

سابعا : حق الأمة في مراقبة ومحاسبة ولاة الأمور وعزلهم:

قرر ابن باديس هذا الأصل واستنبطه من خطبة الصديق رضي الله عنه، فقد ذكر في الأصل الرابع قوله:” حق الأمة في مراقبة أولي الأمر، لأنها مصدر سلطتهم وصاحبة النظر في ولاياتهم وعزلهم”38، وفي رأينا فإن ابن باديس أراد أن يقرر أنه لا يوجد تصرف مطلق للحاكم في شؤون الأمة ومصالحها وأموالها ومصيرها، بل يحق للأمة أن تتابع وتراقب الحاكم، وقوله الأمة، لا يعني عموم الأمة في نظرنا بل خصوصها، وهم أهل الحل والعقد ، أو الجماعة كما وصفهم ابن باديس، إذ لا يعقل أن تتدخل الأمة برمتها في شؤون الحكم، وإلا صارت فوضى عواقبها وخيمة على وحدة الدولة وأمنها واستقرارها.

كما أشار ابن باديس إلى حق الأمة في مناقشة أولي الأمر ومحاسبتهم على أعمالهم، وإن لم يرشدنا إلى هيئة خاصة تقوم بهذه المهام، لكن من المؤكد أن هناك مجلس شورى أو برلمان أو هيئة عليا تشرف وتسهر على سير أمور الدولة، وبما أن هذا الأمر محل اجتهاد يبقى للأمة الحق في اختيار من يصلح للولاية ومراقبته في أدائه السياسي، ومدى موافقته لأصول الشرع وأحكامه، وتقوم بإسداء النصح والإرشاد عن طريق قنوات خاصة يقوم بها أهل الحل والعقد، أو الجماعة حسب المصطلح الباديسي.

كما أن للأمة حق عزل الوالي إذا خالف الحق وعدل عن الصواب وجار في حكمه وتعسف، فمن واجب الأمة وحقها أن تعزله، وهذا مستفاد من قول أبي بكر:” وإن رأيتموني على باطل فسددوني”، يقول ابن باديس:” حق الأمة في مناقشة أولي الأمر ومحاسبتهم على أعمالهم وحملهم على ما تراه هي لا ما يرونه هم، فالكلمة الأخيرة لها لا لهم وهذا كله من مقتضى تسديدهم وتقويمهم عندما تقتنع بأنهم على باطل، ولم يستطيعوا أن يقنعوها أنهم على حق”39.

ومن هذا المنطلق فإن الواجب على الوالي أن يلتزم بهذا العقد، وأن يمتثل لأحكام الإسلام، ويتجنب منطق الاستبداد بسم الإسلام، لأنه إذا توارث أفراد المجتمع هذه التأدية، سعدت الرعية، وسعد مجتمعها بتحقيق متطلبات الحياة والرقي والتقدم، وضمان الأمن السياسي وتوفير الرخاء الاجتماعي، وبالتالي هي خطوة في سبيل التقدم الحضاري40.

كما لا يفوتنا في هذا السياق أن نشير إلى أن ابن باديس قد استنكر بعض السلوكيات التي تقع من بعض الناس كالسجود والانحناء للملوك والسلاطين، كما يحدث في بعض البلدان ذات النظام الملكي الوراثي، وعد ذلك مخالفة صريحة للشرع ، مؤكدا أن السجود لا يكون إلا لله وحده41.

والحق أن نظرية ابن باديس في التعامل مع الحكام مستمدة من أصول الشرع، ومحكومة بضوابطه، وكان النموذج الأمثل عنده، الإقتداء بسيرة الخلفاء الراشدين، وعلى رأسهم الخليفة الأول أبو بكر الصديق، الذي تعد سياسته ودولته المثال المنشود والتطبيق الصحيح لدولة الرسول عليه الصلاة والسلام، لأنه لم يستمد هذه الفلسفة من نظريات سياسية فردية أو جماعية، بل كان مصدر تفكيره ودستور دولته القرآن الكريم، وهدي سيد المرسلين.

ثامنا- تحقيق العدالة وصيانة الحقوق:

لم يكن ابن باديس مقلدا أو داعيا إلى فكر سياسي ناتج عن اجتهادات البشر أو إفرازات الحركات التغييرية في العالم الغربي كالثورة الفرنسية التي رفعت شعار العدالة والمساواة، بل كان الرجل مستندا إلى فلسفة القرآن وتطبيقات النبي الكريم وخلفاءه الراشدين، وبالتالي فالعدالة الاجتماعية وحفظ حقوق الأفراد والجماعات مكفول في النظام الإسلامي، ولم يعرف نظام حُكمٍ دعا إلى هذه القيم وصان الحقوق والواجبات، وعمل على تحقيق العدالة بين أفراد الأمة مثل النظام الإسلامي، لأنه مستمد مبادئه من أمر الله الحكيم الخبير، ولهذا كان هذا الأمر من الأصول السياسية التي تقررت في الفكر السياسي  الإسلامي، وقد استنبط ابن باديس من خطبة الصديق ما يؤكد هذا الأصل، وذكر أن  الناس كلهم أمام القانون سواء لا فرق بينهم، وأن الحقوق حقوق الأفراد مصونة دون تناسي قاعدة حفظ التوازن بين طبقات الأمة، ومعنى ذلك أن يؤخذ من القوي دون أن يُقسى عليه لقوته فيتعدى عليه حتى يضعف وينكسر، كما أن الضعيف يعطى حقه دون أن يدلل لضعفه فيطغى وينقلب معتديا على غيره42، وهذا هو الواجب الذي قررته نصوص الشرع، وأيدته سنة الخلفاء الراشدين في دولهم، واستقر ذلك في كتب السياسة الشرعية والأحكام السلطانية، وهو ماض مستمر مصاحب لنظام الحكم الإسلامي، مادام المرجع هو القرآن الكريم والسنة النبوية وهدي الخلفاء الراشدين، أما والحال أننا نستظل بظل القوانين الوضعية فإن هذا المطلب يبقى نظريا أكثر منه واقعيا، لأن القوانين الوضعية لا تخلو من نقص واعوجاج واضطراب وقابلة للتغيير والتعديل، ولا يزال المجتمع الإنساني يلهث في طلب تحقيق العدالة وصيانة حقوق الأفراد والجماعات إلى وقتنا هذا، رغم ما وصله الفكر البشري من تقدم وتطور في مجال الأنظمة والقوانين، وإنشاء الهيئات المتخصصة في ذلك ، ويبقى الأمر محل طلب وأمل.

والخلاصة أن تصور ابن باديس للحكم تحكمه الشريعة الإسلامية الصالحة لكل زمان ومكان والمتجددة في كل آن، ويرى أن الإسلام هو جوهر وقاعدة الحكم الراشد، لأن أصول السياسة ونظام الحكم مستند وقائم عن أمر الله، فالله تعالى أعلم بمصالح العباد والبلاد، وقد أتحفنا ابن باديس بشرح خطبة أبي بكر الصديق عند توليته، وانتخب منها فلسفة الحكم الإسلامي المطردة، وفيه دلالة قطعية أن الأمة الإسلامية منذ العهود الأولى قد بلغت مبلغا عظيما في التقدم والتحضر والتمدن، في وقت كانت أمم الدنيا غارقة في ظلمات الجهل والانحطاط، وهذه الأصول وغيرها في نظر ابن باديس سر نجاة العالم من التعاسة والفوضى، وفيه إشارة واضحة إلى أن ابن باديس من خلال فلسفته وتأصيله لنظرية الحكم في الفكر الإسلامي يريد أن يقول – وقد قال في مواضع متفرقة من التفسير – إن الإسلام بنظامه وشريعته وعقيدته هو الحل المنشود، وهو نظام عالمي وليس قطري، وفيه تأكيد أن الرسالة المحمدية هي رسالة عالمية خالدة، ولكن الإشكال في المسلمين وليس في الإسلام، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فلا رقي ولا تمدن ولا تحضر ولا خروج من هذه الوهدة الحضارية، إلا بالرجوع للإسلام في عقائده الصحيحة وتشريعاته ونظامه السياسي، وإلا فالتعاسة والاضطراب والفوضى هي حياتنا ومستقبلنا، ولن  يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

 

الهوامش :

محمد مرغيت أستاذ مساعد – أ – التاريخ الحديث والمعاصر بالجامعة الإفريقية – أدرار

[1]  –  محمد شاكر الشريف، تحطيم الصنم العلماني، ط1، دار البيارق، الأردن،1421هـ/ 2000م. ص، 345.

2- ابن باديس،.”هل السياسة منافية للسلوك الحسن”، الشهاب، عدد157، الخميس صفر، 1347هـ، 16 جويلية1928، ص 11-13 و انظر : عبد الكر يم بوصفصاف، حركة محمد عبده وعبد الحميد بن باديس وأبعادها الثقافية والاجتماعية والسياسية، ج2،(دط)، الهيئة المصرية العامة للكتاب،  مصر، 2008، ص.264، 265.

3- الميلي محمد، “نماذج من فكر ابن باديس السياسي”، الثقافة، العدد14 ربيع الأول والثاني1393، أفريل، ماي 1937، ص، 22.

4- ابن باديس،” أصول الولاية في الإسلام”، الشهاب، ج 11،م13، ذي القعدة1356و/جانفي1938، ص468.

5-  العلمانية: مذهب من المذاهب الفكرية العقدية المعاصرة تحارب الدين وتناقضه، وهي في أقل أحوالها تعمل في العالم الإسلامي على تنحية الشريعة الإسلامية وعزلها عن التعامل أو التأثير في حركة المجتمع، فهي تعمل على عزل الدين عن السياسة والاقتصاد والقضاء، وعن الأخلاق والعلم وعن الحياة الجماعية كلها. محمد شاكر الشريف، مرجع سابق،ص.343. وانظر: عبد الوهاب المسيري، العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، ج1، ط1، دار الشروق، 1423هـ، 2002م، ص.219.

6- العلمانية الجزئية: تعني وجوب فصل الدين عن الدولة مع التزام الصمت بخصوص القضايا النهائية، وهي رؤية جزئية للواقع لا تتعامل مع أبعاده الكلية والنهائية (المعرفية). والعلمانية الشاملة: وهي رؤية عقلانية شاملة للعالم ذات بعد معرفي(كلي ونهائي) وتعني فصل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن الحياة في جانبيها الخاص والعام، ونزع القداسة عن الإنسان والطبيعة، بحيث يتحول العالم بأسره إلى مادة استعماليه يوظفها الأقوى لحسابه. عبد الوهاب المسيري، مرجع نفسه، ص. 219،221 ، وكذلك: محمد الحسن، ، المذاهب والأفكار المعاصرة في التصور الإسلامي، ط14، دار البشير للثقافة، مصر، 1418هـ، 1998م، ص.268. 

7- عبد الكريم بوصفصاف، مرجع سابق،ص.310 .

8- ابن باديس ، “أصول الولاية في الإسلام”، مصدر سابق، ص.470 .

9-  عبد الكريم بوصفصاف، مرجع سابق،ص.312.

10-  ابن باديس، “ملك النبوة”، الشهاب، ج2، م15، صفر1358هـ، مارس1939، ص.58.

11-  ابن باديس، “ملك النبوة” المصدر نفسه، ص.60.

12-  ابن باديس، “الخلافة أم جماعة المسلمين”، الشهاب، ج2، م14، ربيع الأول 1357هـ، ماي 1938م، ص.62.61.

13- ابن باديس، التفسير، ج2، ط1، تح، أبو عبد الرحمان محمود، دار الرشيد، الجزائر1430هـ/2009م، ص.213.

14-الفراء أبو يعلى، الأحكام السلطانية، (دط)، دار الفكر، بيروت،1414هـ/1994م، ص.23.

15- فقيه حنبلي له معرفة واسعة بالقرآن وعلومه والحديث والفتاوى والجدل والأصول والفروع، ولي القضاء ببغداد، له مصنفات كثيرة في مختلف الفنون، ولد عام 380 هـ، وتوفي عام 458 هـ من شهر رمضان. المصدر نفسه، ص-ص، 14-19.وكذلك: ابن شطي، مختصر طبقات الحنابلة، ط1، دار الكتاب العربي، بيروت، 1406هـ/1986، ص.32،33.

16- ابن باديس ، “أصول الولاية في الإسلام” ، مصدر سابق، ص. 469 .

17-  مصدر نفسه، ص. 469.

18-  ابن باديس، التفسير، ج2، مصدر سابق،ص.225.

19-  المصدر نفسه، ص.231.

20- رواه البخاري برقم 4425 و 7099.

21- ابن باديس، “ملك النبوة”، الشهاب، ج7، م15، رجب 1358هـ، أوت 1939، ص.314.

22-  نفسه، ص.314، 315.

* – تولت ملك مصر بعد وفاة زوجها الملك الصالح نجم الدين أيوب، وكانت ذات عقل وحزم، كاتبة قارئة، لها معرفة تامة بأحوال المملكة، لم يستقر أمرها إلا ثمانين يوما، ماتت مقتولة سنة 655هـ. انظر: الزركلي، الأعلام، ج3، ط15، دار العلم للملايين، بيروت، 2006، ص. 158.

23- ابن باديس،  التفسير، ج2، مصدر سابق، ص، 225.

* – يقصد ابن باديس بجماعة المسلمين، أهل العلم الذين هم المسئولون المسلمين، بما لهم من  ارث النبوة ، فقد أرشدهم ابن باديس إلى أن ينفخوا في المسلمين روح الاجتماع الشوري في كل ما يهمهم من أمر دينهم و دنياهم، حتى يقطع السبيل أمام منطق الاستبداد أو ما يسمى بالحكم الديكتاتوري الذي يعتمد على المفهوم الشمولي للحكم والاستئثار به، و فرض لغة القوة وحدها. انظر ابن باديس، التفسير، ج2، مصدر سابق، ص426.

24- ابن باديس، التفسير ج2، مصدر سابق، ص 424، 425.

25–  Ali merad, la reformisme  musulman en Algerie de 1925-1940, mouton et co paris1967 ,p376.

26- أحمد الخطيب، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وأثرها الإصلاحي في الجزائر، )دط( ، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1985،ص.236.

27- ابن باديس، “أصول الولاية في الإسلام” ، مصدر سابق، ص. 470.

28- ابن باديس، ” أصل المعرفة والسلوك “، الشهاب، ج2، م10،  شوال1352، جانفي 1934، ص. 56.

29- ابن باديس، التفسير ج1، مصدر سابق، ص 431.

30- ابن باديس، “أصل المعرفة والسلوك”، مصدر سابق ،ص. 56.

31- نفسه، ص. نفسها. وانظر: التفسير ، مصدر سابق، ص.272.

32 – ابن باديس، التفسير ص.272.

33- أنظر: ابن أبي العز الحنفي، شرح العقيدة الطحاوية،ج2، ط13، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1419هـ، 1998م،ص. 543.

34 – سليمان الندوي، “محمد رسول الوحدة، وحدة الدين و الدنيا و الجمع بينهما”، الشهاب، ج11،م9، جمادى الثانية 1352هـ، أكتوبر1933، ص443، 444 بتصرف.

35 – ابن باديس ، “أصول الولاية في الإسلام”، مصدر سابق، ص.470.

36– سورة النساء ،الاية .59.

37- ابن باديس، “الاجتماع العام للأمر الهام” ، الشهاب، ج2،م13، صفر 1356هـ، أفريا 1937م،ص.74. وانظر : ابن باديس ، التفسير، ج1، ص.431.

38- ابن باديس ،” أصول الولاية في الإسلام”، مصدر سابق، ص .469.

39 –  ابن باديس ، المصدر نفسه، ص.470.

40 –  عبد الكريم بوصفصاف، مرجع سابق، ص.335.

41 –  نفسه، ص.335 .

42 – ابن باديس ، “أصول الولاية في الإسلام”، مصدر سابق، ص471.

 

 

آخر التغريدات: