هكذا أصبح مالك بن نبي مفكراً عالمياً

هكذا أصبح مالك بن نبي مفكراً عالمياً

ليس الهدف من كتابة هذه الدراسة توضيح رؤية مالك بن نبي حول مفهوم العالمية ومناقشة آرائه في اتجاه البشرية نحو العولمة في نهاية القرن العشرين. ولا شك أن هذا الموضوع في غاية الأهمية وجدير بالبحث، وقد أشرت إليه فقط في هذا النص، وربما سأعود إليه في فرصة أخرى، وإنما كان غرضي الأساس هو محاولة إبراز معالم أساسية في مسار بن نبي ترشد كل من ينصرف إلى تناول الموضوع السابق، وتساعده على معرفة خلفياته وفهم تحاليله واستيعاب استنتاجاته، وذلك من خلال الإجابة عن الإشكاليات التالية: كيف أصبح مالك بن نبي مفكراً عالمياً؟ ما هي الملامح الكبرى لعالمية فكره؟ إلى أين وصلت الدراسات العالمية حول فكر مالك بن نبي؟

اتصاله المبكر بالآخر احتك مالك بن نبي بالأوروبيين الذين كانوا يعيشون في المجتمع الجزائري -بعد الاحتلال الفرنسي- ليستفيد من ثقافتهم ويتعرف أكثر على حضارتهم. كان أيضاً معجباً بمعلمته الفرنسية التي أدركت نبوغ تلميذها وعرفت كيف تساعده على تطوير ملكته للمطالعة وشحذ ذكائه المتدفق. فتعلم اللغة الفرنسية لغة الغالب الآني (الفرنسية). كما سمحت له بالإطلاع على العالم واكتشاف تطور الثقافة. ووجد أيضاً في مدرسين فرنسيين آخرين نفس الاهتمام والتشجيع، وأقتبس هنا نصين من كتابه “مذكرات شاهد على القرنّ” عبّر فيهما عن هذه المعاني. قال في النص الأول:”وكان هذا المعلم (السيد مارتانيثري تلاميذه بالمفردات ويطبع في نفوسهم الذوق وفن الكتابة. وكان يقرأ لنا أحياناً القطع الجيّدة التي كتبها من هم أكبر منا والذين قضوا في مدرسته أكثر من سنة. لقد طبع في نفسي هذا الأستاذ تذوّق القراءة.” (مذكرات، ص 48).

وقال كذلك في النّص الثاني: ” كان الأستاذ بوبريتي قد فتح لي آفاقاً جديدة. ولم يكن ذلك بفضل دروسه المقررة علينا كتاريخ الأزمنة القديمة والأدب الفرنسي-وإن تكن هذه قد تركت أثرا لا ينكر- إنما بفضل توجيهاته فيما نقرأ من كتب.” (مذكرات، ص 65

لقد استفاد مالك بن نبي من هؤلاء المعلمين والمدرسين الفرنسيين تملك اللغة الفرنسية والإطلاع على الثقافات العالمية من خلال لغة العصر في تلك الحقبة أي الفرنسية. بينما لم يتأثر كثيراً بأيديولوجيتهم وتوجيهاتهم الغربية. فقد كان حلم هؤلاء المعلمين هو توجيه تلاميذهم الأوروبيين والمسلمين وخاصة المتميزين منهم من خلال دروسهم وتفانيهم في عملهم التربوي نحو التعلق بالحضارة الغربية والتمسك بالقيم الجديدة التي أفرزتها الحداثة وعلى رأسها تهميش الدين وإهمال العادات والتقاليد وتكريس العلمانية.

وتؤكد العديد من البحوث العلمية ما ذهبت إليه وأشهرها كتابات عالمة الاجتماع فاني كولونا والمؤرخة إيفون تورين. ويعترف مالك بن نبي نفسه بذلك بعد أن تدارك الخطر ونجا من التربية الاستعمارية في ثيابها الإنسانية. ويعود الفضل من نجدته إلى الدروس العربية والشرعية التي كان يأخذها على أساتذته الجزائريين في المدرسة الفرنسية الإسلامية والمسجد. ويتكرر هذا الإحساس عند بن نبي فيما بعد حينما يعيش في المجتمع الغربي، ويقيم في قلب الحضارة الغربية في فرنسا. فيأخذ منها إيجابياتها ويقاوم سلبياتها. فكان بهذا السلوك وفياً لمبادئه، ولم يقع فيما وقع فيه كثير من النخبة العربية المغتربة التي ذابت في الحضارة الجديدة، ونصبت العداء لثقافتها الأصيلة بعد عودتهم من بعثاتهم العلمية الأوروبية واستلامهم مقاليد مراكز التربية والتعليم و السلطة في البلاد العربية.

عندما نقوم بجرد قائمة الكتب التي قرأها مالك بن نبي في طفولته وشبابه نتأكد جميعاً أنه اطلع على تراث الإنسانية، فأضاف إلى بعده الجزائري أبعاداً جديدة في عالمه الفكري لتشمل كل الثقافات المعروفة آنذاك، فالعبقرية كما قال بن نبي “لا تولد فقط على ضفاف السين وضفاف التاميز، إنها يمكن أن تولد أيضاً على ضفاف الغانج.”. وحينما أدرك هذه الحقيقة تحرّر ذهنه من القيود التي فرضها عليه الاستعمار. وهكذا أصبحت مصادر بحث بن نبي متنوعة من حيث الروافد الحضارية، وثرية من حيث الاختصاصات، ومتجددة من حيث الموضوع، ففكره متأصل في التراث العربي والإسلامي، ومستلهم من الفكر الغربي، لذلك كانت كتاباته عميقة الجذور وشاملة الرؤية ومتفتحة على الآخر والمختلف، ومنتشرة في الآفاق، وممتدة في المستقبل.

العالم فضاء حضاري وليس جغرافي لقد كان مالك بن نبي مولعاً بالسفر وحب المغامرات والرحلات، خاصة بعد أن قرأ روايات الكاتب الفرنسي جول فيرن، عميد أدب علم الخيال والمغامرات في العصر الحديث. كانت هوايته في صغره النظر بعد الدرس في خارطة القسم والاستمتاع بخطوط العرض والطول وأسماء المدن والبلدان. وتحققت كثير من أحلامه، فسافر إلى فرنسا عدة مرات وسيتعرف فيما بعد على عواصم عالمية عديدة بعد انطلاق شهرته.

ولما عمل مالك بن نبي مدرساً للعمال الجزائريين في مدرسة صغيرة بمدينة مرسيليا حرص على أن يحرر طلبته من القيد النفسي والزمني والمكاني، واختراق الآفاق من خلال ترسيخ مفهوم اللانهاية في أذهانهم، عوضاً عن الاكتفاء بالدروس العادية في القراءة والكتابة والحساب. فكانت البداية بشراء خريطة كبيرة للعالم كان يستعين بها على توسيع تصور تلاميذه (العمال) المكاني للوجود: القرية، المدينة، العمالة، الوطن، القارة، الكرة الأرضية، الكون. وهكذا تعلم التلامذة الأبعاد الجغرافية المختلفة، وانتقلوا من الذهنية التبعية الضيقة للوجود إلى العقلية الرحيبة والشعور بالانتماء إلى العالم اللامنتهي.

لقد استطاع مالك بن نبي أن يعولم الجزائر بحيث حوّلها إلى فضاء تصنع فيه الأفكار والقيم والأحداث، فقد فرض كلمات جزائرية في قاموس الفكر المعاصر، وروّج لشخصيات وأماكن جزائرية مغمورة فعبرت الحدود الجغرافية المحلية وانتشرت في العالم. كتابات عالمية منذ البداية كانت منطلقات بن نبي إنسانية منذ بداية مشواره الفكري فقد اهتم بقضايا ذات بعد عالمي فكتبه الأولى تكشف بداياته التي كانت منصبة على مناقشة أطروحات لمؤرخين ومستشرقين ذات الصيت العالمي. فكتابه الأول المعنون “الظاهرة القرآنية” هو مناقشة ودحض لنظرية المستشرق البريطاني مرجليوث في الشعر الجاهلي. وهي نظرية خطيرة لم تقف عند حدود أوروبا بل تجاوزتها، فتبناها مثقفون من العالم العربي وروّجوا لها، كما فعل طه حسين في كتابه “في الشعر الجاهلي.” وفرضت نفسها كإشكالية أساسية في الحياة الثقافية العربية، وقامت حولها معارك أدبية وفكرية انقسمت النخبة بين مناصر ومعارض. وهذه النظرية تقول بوهمية الشعر الجاهلي إذ أن هذا التراث القديم في نظر أصحابها ليس له صلة بالحقيقة، وإنما هو من صميم الخيال العربي. وكان الهدف من كل هذا الصخب الفكري والأيديولوجي هو السعي للتشكيك في آيات من القرآن التي ورد فيها تحد صريح للعرب للإتيان بسور أو آيات في مثل بيان القرآن.

صحيح أن الصراع كان في ذروته في مصر إلا أن بن نبي الجزائري الذي كان يعيش في بلاد مشغولة بقضايا أخرى، اقتحم هذا الميدان وهو مازال شاباً ليشارك في هذا النقاش الكبير الذي هز الثقافة العربية والإسلامية. فكتاب “الظاهرة القرآنية” هو إذن خروج من عالم أفكار ضيق إلى التموقع في عالم أفكار واسع ذي أبعاد علمية كونية. والكتاب الثاني هو “شروط النهضة الجزائرية”. وعلى الرغم من ورود كلمة جزائرية في العنوان فإن الكتاب درس إشكالية النهضة والحضارة من جوانب ومقاربات تتجاوز الجزائر بكثير. وهذا ما دفع بن نبي نفسه إلى حذف هذه الكلمة الأخيرة في الطبعات الأخرى، والاكتفاء نهائيا بعنوان “شروط النهضة”. ذلك أن بن نبي انطلق من نظرية وضعها المستشرق الألماني هرمان دي كسرلنج صاحب كتاب “البحث التحليلي لأوروبا، وهذا ما صرح به بن نبي منذ الصفحة الأولى من كتابه. كما ناقش في الكتاب نفسه النظريات الكبرى التي عالج من خلالها كبار مفكري القرنين التاسع عشر والعشرين (كارل ماركس، أزوالد شبنغلر، أرنولد توينبي…) قضايا التاريخ والحضارة والتطور ومصير الإنسان.

وهكذا نلاحظ أن بن نبي كان منذ بدايات اشتغاله بالفكر وولوجه إلى عالم الكتابة سالكاً طريق عالم أفكار أوسع، فلم يهتم فقط بقضايا محلية ويقتصر على معالجتها في أفق محدود، بل طرحها في أبعادها الإنسانية وتناولها من مقاربات شاملة. أما الكتاب الثالث: “وجهة العالم الإسلامي” فهو أيضاً عبارة عن مناقشة وتحليل لكتاب “الاتجاهات الحديثة في الفكر الإسلامي” للمستشرق الكبير هاملتون جب، أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة أكسفورد. يقول بن نبي في شأن هذا الكتاب: ” هو سند له عندي وزن كبير”.ويقول عنه في مكان آخر: “كتاب المستشرق الإنجليزي يعتبر مرشداً ثميناً لكتابي هذا في دراسة الأمراض (شبه الصبيانية) في العالم الإسلامي، ولكم أتمنى أن يتأمل موضوعاته كثيرون من المسلمين، كما تأملتها، وأن يقدروا فيه نزاهته التي سمت على كل مركب عقيدي أو سياسي.” لقد اهتم مالك بن نبي بأربع قضايا كبرى، وكلها تحمل الباحث المشتغل بها في طريق المستقبل، وان كانت مواضيعها مرتبطة بالتاريخ، وهي: التراث الإسلامي، الحضارة المعاصرة، العلوم الاجتماعية، النهوض الحضاري. فبن نبي سبح في محيط التراث الإسلامي، واستنبط منه معالم هادية، ثم توقف عند مسالك الحضارة المعاصرة وناقش عوائقها وبيّن فرصها. كما عالج المنهج الغربي في التعامل مع الوجود في جميع عناصره وأشكاله وأبعاده المختلفة. وكان غاية فكره هو استلهام من كل العناصر السابقة لتأسيس نهضة جديدة في العالم الإسلامي بكل مكوناته.

واقع الدراسات العالمية حول مالك بن نبي تفطن مالك بن نبي مبكراً إلى أهمية ترجمة كتبه من الفرنسية إلى العربية لبناء جسور التواصل مع النخبة العربية والإسلامية خاصة بعد أن اكتشف خلال إقامته في القاهرة واتصاله بالطلبة العرب والمسلمين الذين كانوا يحضرون ندوته الأسبوعية في بيته وأصبحوا فيما بعد خير سفراء لفكره. أسرع بن نبي إلى تعريبها مستعيناً ببعض مريديه كاللبناني عمر كامل مسقاوي والمغربي عبد السلام الهراس والمصري عبد الصبور شاهين. كما حرص على الولوج إلى الوسط الفكري العربي ونشر أفكاره بلا حدود، فوضع لكتبه الأولى المعربة تصديرات بأقلام مفكرين معروفين أمثال الأستاذ محمود شاكر، الدكتور محمد عبد الله دراز، والأستاذ محمد المبارك. كذلك حرص على إهداء نسخ من كتبه إلى الشخصيات المؤثرة آنذاك في عالم السياسة والثقافة في الدول العربية والإسلامية وغيرها، سواء بالمراسلة أو تسليمها لهم مباشرة خلال زياراته لهم مثل الرئيس جمال عبد الناصر والزعيم الصيني ماو تسي تونغ، معمر القذافي…الخ.

لقد تزايد الاهتمام بفكر مالك بن نبي في العالم الإسلامي وفي الغرب. وترجمت كتبه إلى العربية والفرنسية والإنجليزية وغيرها من اللغات. وأقيمت حوله عدة مؤتمرات دولية تناولت بالبحث والدراسة فكره من جوانب متعددة. وأنجزت حوله رسائل جامعية في جامعات جزائرية وليبية ومصرية ولبنانية وسورية وسعودية وفرنسية وبريطانية وأمريكية …الخ. كما نشرت حوله كتب ومقالات كثيرة بلغات متباينة في دول متعددة. ليس غرضي هنا تحليل كل ما كتب عن فكر مالك بن نبي، فذلك يحتاج إلى بحث مستقل، ولكن لا بأس أن أشير هنا إلى الأرقام التالية التي تلخص ما أحصيته من كتابات حول مالك بن نبي(باللغات العربية والفرنسية والانجليزية)، ونشرتها بالتفصيل في الطبعة الأولى (2011) من كتابي مالك بن نبي في الكتابات المعاصرة: 26 كتاب، 28 رسالة جامعية، 210 مقال وبحث، 40 محاضرة، 28 حوار وشهادة، والمجموع 332 عمل. ويتضمن كتابي في طبعته القادمة أكثر من 400 عنوانوتوصلت كل هذه الدراسات إلى القول بنجاح بن نبي في وضع نظريات أو مشروع فكري متكامل لميلاد مجتمع، وارتقائها إلى النظريات الكبرى التي وضعها عمالقة الفكر الإنساني. ولعلّ هذا ما دفع عديد من المؤسسات العلمية التي اعترفت بالقيمة العلمية لأفكار مالك بن نبي وأبعادها الإنسانية إلى ترشيحه لنيل جائزة نوبل العالمية للسلام تقديراً لإسهاماته في حل مشكلات الإنسان المعاصرة.

لم أجد خلال دراستي لفكر بن نبي من ينافسه في معالجة مشكلات الإنسان من حيث شموليتها الثقافية والدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية إلا ابن خلدون وكارل ماركس. فإذا استطاع المتأثرون بابن خلدون أن يؤسسوا الخلدونية، وتمكن المعجبون بماركس من تأسيس الماركسية، فلماذا عجز لحد الآن تلامذة بن نبي والمتأثرون بفكره -على كثرتهم- أن ينشئوا “البنابية” رغم عبقرية هذا المفكر واكتمال مشروعه الفكري؟

 

 


آخر التغريدات: