جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وثورة التحرير المجيدة

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وثورة التحرير المجيدة

جمعية العلماء المسلمين ومَن… للمسلمين ســواكِ اليوم منشـــودُ 

خاب الرجا في سواك اليوم فاضطلعي…بالعبء مُذ فَرَّ دجَال ورعدِيـــدُ

أمانة الشعب شُدَّت بعاتقكم…. فمـــــــا لغيركم تُلقى المـــقاليـــــدُ

سيروا ولا تهنوا فالشعب يرقبكم…وجاهدوا فلــــواء النصر معقـــــــودُ

تلخص هذه الأبيات التي ألقاء شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا بمناسبة افتتاح دار الطلبة بقسنطينة/اكتوبر1953م، الواقع الجزائري بدقة، وترسم الملامح الحقيقية لما صار إليه حال البلاد قبيل اندلاع ثورة التحرير المجيدة عام 1954م، بعد أن انفرط عقد الحركة الوطنية، ودخل مكونها الحزبي والنضالي في لعبة الإدارة الاستعمارية، وغرقت أغلب هذه الأحزاب في مسألة الانتخابات التي كانت الإدارة الاستعمارية تديرها بتمكن واقتدار، أما قضية الجزائر واستقلالها فلم تعد مسألة تشغل بال هذه الطبقة السياسية، بينما جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كانت تتحرك خارج هذا السياق الذي صنعته العقلية الاستعمارية بامتياز، وإذا كانت جمعية العلماء شذت عن هذه القاعدة، فإن مشروعها الإصلاحي الفاعل هو من حوّل أنظار الشعب الجزائري عن تلك الكتل السياسية التي استفرغت من محتواها السياسي والنضالي لتصبح أداة طيّعة تخدم المشروع الاستعماري الذي بدا في تلك اللحظات التاريخية، ممسكاً بزمام البلاد والعباد، ولم يكن يتصور للحظة أن الجيل الجديد يمكنه أن يقارع السياسة الاستعمارية، وينتفض عبر التراب الجزائري كله معلناً ثورته المجيدة التي كانت حدثاً دولياً كبيراً جعل الإدارة الاستعمارية تعيد النظر في سياستها التي انتهجتها في الجزائر، فالشعب الذي استكان وخضع طويلاً للاستعمار، عرف طريقه إلى الحرية والكرامة والاستقلال.

1- فكرة الثورة في خطاب جمعية العلماء:

لم تختر جمعية العلماء المجال السياسي في نضالها، بل كان مشروعها يقوم على هدف عظيم، وهو السعي نحو بناء جيل جديد، يؤمن بانتمائه الحضاري، ويجتهد انطلاقاً من محتوى هذا الانتماء إلى تحرير بلاده من الاستعمار، ومن ثم بناء كيانه السياسي الذي طمست معالمه دولة الاستعمار، لقد كان في استطاعة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إنشاء حزب سياسيّ، يمارس السياسة بمفهومها الدارج في سياسة الإدارة الاستعمارية، لكنها اختارت الطريق الأطول والأجدر بحركة إصلاحية.

لم تكن الثورة هدفاً خالصاً من أهداف جمعية العلماء المسلمين، لكنها كمفهوم أصيل كانت مبثوثة في أدبيات وأفكار رجال الجمعية فهذا شيخ الجمعية وإمامها المؤسس -الشيخ عبد الحميد ابن باديس- في خطبة له أمام ثلة من العلماء يُشَرِّحُ حالة البلاد وسياسة الاستعمار ويبث أفكاراً ثورية ناقدة، يقول رحمه الله: “أيها العلماء حياكم الله وأمدكم بعونه ونصره وبعد: فلا شك أنه أصبح من المعلوم لدى كل واحد منكم، أن العدو الاستعماري الصليبي، قد اغتصب أرضنا ودفع شعبنا إلى السكن في الكهوف، ومغاور الجبال، وأصبح شغله الشاغل أضعاف الشخصية الجزائريـة، سياسيا في طريق القضاء على وجودها، لتحل محلها الشخصية الفرنسية، من أجل هذا أسرع الاستعمار الخطى، إلى حشد عشرات الآلاف من الرجال والنساء من مختلف الجنسيات الأوروبية، ومنحهم الجنسية الفرنسية، ثم أسكنهم العمالات الثلاث (الجزائر – قسنطينة – وهران) من التراب الجزائري، وأقطعهم الأراضي الخصبة، التي انتزعها من ملاكها، ثم عبد لهم الطريق، وأعانهم بالأموال من أجل بناء المساكن وتفجير المياه، وواصل سيره هذا في مخططه، فأصدر القوانين المتعاقبة للقضاء على الشعب الجزائري، بسهولـة ويسر، حتى لا تقوم مقاومة من داخل البلاد، ولا تذاع جرائم الاستعمار خارجها، وقد رأيت من المفيد، أن أقدم إلى جمعكم المحترم بعضا من هذه القوانين الخطيرة، لتدرسوها وتمعنوا النظر فيها وفي نتائجها، ولتعرفوا ما يبيته لكم عدوكم” ويواصل الشيخ خطبته التي تتضح فيها الأبعاد الثورية، في خطاب جمعية العلماء فيقول: “والآن أيها العلماء، قد شاء الله أن يهيئكم ويدخركم لهذا الظرف، لتتحملوا مسؤوليتكم بكل شجاعـة وتضحية، وأن يومكم هذا لشبيه بذلك اليوم الذي وقف فيه البطل المجاهد، طارق بن زياد خطيبا في جيش المجاهدين على ربوة جبل طارق، بعد أن أحرق سفنهم، التي حملتهم إلى الجهاد في الأندلس، وقال قولته المشهورة: “أيها الناس أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو من أمامكم وليس لكم غير الموت أو النصر” ويضيف الشيخ الإمام قائلاً: “وأنا أقول لكم في هذا اليوم، لم يبق لنا إلاّ أحد الأمرين، لا ثالث لهما: إما الموت أو الشهادة في سبيل الله، منتظرين النصر الذي وعد الله به عباده المؤمنين، أو الاستسلام ومد أيدينا إلى الأغلال، وإحناء رؤوسنا، أمام الأعداء، فتكون النتيجـة لا قدر الله أن تجري علينا، ما جرى ببلاد الأندلس”، ويقول أيضاً –رحمه الله-: “أنا أُحارب الاستعمار لأنّي أُعلِّم وأُهذب، فمتى انتشر التعليم والتهذيب في أرض أجدبت على الاستعمار وشعر في النهاية بسوء المصير”، وفي كلمة واضحة وصريحة يقول الشيخ: “إنّ الاستقلال حق طبيعي لكل أمّة من أمم الدنيا، وقد استقلت أمم كانت دوننا في القوة والعلم والمنعة والحضارة… وستصبح البلاد الجزائرية مستقلة استقلالاً واسعاً تعتمد عليها فرنسا اعتماد الحر على الجر”، ونقل عنه أنه قال مرة بصريحة العبارة كلمة في صميم الدعوة إلى الثورة وتواترت هذه العبارات ونقلها الكثيرون، يقول –رحمه الله-: “والله لو وجدتُ عشرة من عقلاء الأمة الجزائرية يوافقوني على إعلان الثورة لأعلنتها”.

لقد أظهر الشيخ عبد الحميد بن باديس مقدرة فذة، في استيعاب سياسة الاستعمار، وفهم مراميها، وإعطاء الردود الكفيلة بمحاربة هذه السياسة الخبيثة، فكيف يدعي مدع، أن جمعية العلماء لم تكن تتعاطى السياسة، وأنها كانت مهادنة للإدارة الاستعمارية، وإذا كان هذا الخطاب – المتسم بهذه القوة والصرامة- لا يحمل أبعاداً ثورية، ودعوة للثورة، فكيف تكون الدعوة إلى الثورة إذن؟. ليس هذا النص وحده الذي يبرز فكرة الثورة في خطاب جمعية العلماء بل هناك نصوص أقوى وأكثر وضوحاً في إبراز فكرة الثورة.

2- جمعية العلماء وثورة التحرير:

عندما قامت ثورة التحرير كان الشيخ محمد البشير الإبراهيمي أول من احتضنها وأيدها من زعماء الحركة الوطنية، ذلك أنّ الشيخ كان قد تنبّأ بهذه الثورة بعد أحداث الثامن من ماي عام 1945م عندما قال: “إنّها فورة ستعقبها ثورة “، وقال في خطاب ألقاه في باريس بمناسبة نيل ليبيا الاستقلال عام 1951: “إنّ الجزائر ستقوم قريباً بما يدهشكم من تضحيات وبطولات في سبيل نيل استقلالها، وإبراز شخصيتها العربيّة الإسلاميّةنقله ممثّل العراق لدى الأمّم المتّحدة، وقال في خطاب –أيضاً- أمام الوفود العربية عام 1952 بباريس: “وإنّ بعد اللّسان لخطيباً صامتاً هو السّنان، وإنّنا لرجال وإنّنا لأبناء رجال وإنّنا لأحفاد رجال.. وإنّ فينا لقطرات من دماء أولئك الجدود، وإنّ فينا لبقايا مدّخرة سيجلّيها الله إلى حين”.

ولا يحسم ذلك اللغط المثار حول موقف جمعية العلماء من ثورة التحرير إلاّ البيانات التي أصدرها، الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والفضيل الورتلاني، فقد بادر الرجلان في اليوم الثاني من اندلاع الثورة بإصدار بيان يوضح موقف الجمعية من ثورة الشعب الجزائري، في يوم 2 نوفمبر أصدر الشيخان الإبراهيمي والفضيل الورتيلاني بالقاهرة بياناً بعنوان: “مبادئ الثورة في الجزائر” نشر في الصحافة المصرية، جاء فيه: ” ثمّ قرأنا اليوم في الجرائد بعضَ تفصيل ما أجملته الإذاعات، فخفقت القلوب لذكرى الجهاد الّذي لو قُسِّمت فرائضه لكان للجزائر منه حظّان بالفرض والتّعصيب، واهتزّت النّفوس طرباً لهذه البداية الّتي سيكون لها ما بعدها، ثمّ طرقنا الأسى لأن تكون تلك الشجاعة الّتي هي مضرب المثل لا يظاهرها سلاح، وتلك الجموع الّتي هي روق الأمل لا يقودها سلاح، إنّ اللّحن الّذي يشجي الجزائري هو قعقعة الحديد في معمعة الوغى، وإنّ الرائحة الّتي تعطر مشامه هي رائحة هذه المادّة الّتي يسمّنوها البارود “.

ثم صدر البيان الثاني يوم 3 نوفمبر1954م أمضاه الأستاذ الفضيل الوتلاني بعنوان: “إلى الثائرين الأبطال من أبناء الجزائر اليوم حياة أو موت بقاء أو فناء” جاء فيه: “حياكم الله أيها الثائرون الأبطال، وبارك في جهادكم وأمدكم بنصره وتوفيقه. وكتب ميتكم في الشهداء الأبرار، وحيكم في عباده الأحرار.

لقد أثبتم بثورتكم المقدسة هذه عدة حقائق. الأولى أنكم سفهتم دعوى فرنسا المفترية التي تزعم أن الجزائر راضية مطمئنة فأريتموها أن الرضى بالاستعمار كفر، وأن الاطمئنان لحكمه ذل. وأن الثورة على ظلمها فرض. الثانية أنكم شددتم عضد إخوانكم المجاهدين في تونس ومراكش. وقويتم آمالهم في النصر، وثبتم عزائمهم في النضال… الثالثة أنكم وصلتم بثورتكم هذه حلقات الجهاد ضد المعتدين الظالمين. الذي كان طبيعة دائمة في الجزائر منذ كان. وكشفتم عن حقيقة الرائعة في أباء الضيم والموت في سبيل العزة، وجلوتم عن نفسيته الجبارة ما علق بها في السنين الأخيرة من صداء الفتور. الرابعة أنكم بيضتم وجوها، وأقررتم عيونا، وسررتم نفوسا، مملوءة بحبكم معجبة بصفحاتكم القديمة في الجهاد رائية لحالتكم الحاضرة. أيها المجاهدون الأحرار، إن فرنسا لم تترك لا دينا ولا دنيا إلى أن يقول: اعلموا أن الجهاد للخلاص من هذا الاستعباد. قد أصبح اليوم واجبا عاما مقدسا، فرضه عليكم دينكم، وفرضته قوميتكم. وفرضته رجولتكم. وفرضهُ ظلم الاستعمار الغاشم الذي شملكم، ثم فرضته أخيرا مصلحة بقائكم. لأنكم اليوم أمام أمرين، إما الحياة أو الموت. إما بقاء كريم أو فناء شريف”.

وفي 15 نوفمبر صدر بيان آخر عنهما عنوانه: “نداء إلى الشّعب الجزائري المجاهد نعيذكم بالله أن تتراجعوا” وجاء: ” حيّاكم الله وأحياكم، وأحيا بكم الجزائر، وجعل منكم نوراً يمشي من بين يديها ومن خلفها، هذا هو الصّوت الّذي يُسمع الآذان الصمّ، هذا هو الدّواء الّذي يفتح الأعين المغمّضة، هذه هي اللّغة الّتي تنفذ معانيها إلى الأذهان البليدة، وهذا هو المنطلق الّذي يقوِّم القلوب الغلف، وهذا هو الشعاع الّذي يخترق الحجب والأوهام “. وجاء فيه: “إنّكم كتبتم البسملة بالدّماء في صفحة الجهاد الطّويلة العريضة، فاملأوها بآيات البطولة الّتي هي شعاركم في التّاريخ، وهي إرث العروبة والإسلام فيكم … أيّها الإخوة الأحرار، هلّموا إلى الكفاح المسلّح، إنّنا كلّما ذكرنا ما فعلت فرنسا بالدّين الإسلامي في الجزائر، وذكرنا فظائعها في معاملة المسلمين- لا لشيء إلاّ لأنّهم مسلمون -، كلّما ذكرنا ذلك احتقرنا أنفسنا واحتقرنا المسلمين وخجلنا من الله أن يرانا ويراهم مقصّرين في الجهاد لإعلاء كلمته، وكلّما استعرضنا الواجبات وجدنا أوجبها وألزمها في أعناقنا إنّما هو الكفاح المسلّح”. 

في كتابه الموسوم بـعبد الناصر وثورة الجزائر” ذكر فتحي الذيب وثيقة تسمى بـميثاق جبهة تحرير الجزائر” مؤرخة في 17 فيفري 1955م، وقد حملت هذه الوثيقة إمضاء الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، والداعية الكبير الورتلاني، وأحمد بن بلة، وحسين لحول، ومحمد خيضر، وحسين آيت أحمد، وأحمد مزغنة، والشاذلي المكي، ومحمد يزيد، وأحمد بيوض. وهذه الوثيقة تخرص أفواه الذين تطاولوا ليس على وطنية جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، بل على تاريخ الجزائر كله، وعلى نضال فئة من أخلص أبناء الجزائر، وستكشف الأيام المزيد من الأدلة التي تثبت دور جمعية العلماء في ثورة تحرير هذه البلاد من نير الاستعمار الفرنسي الغاشم.

3- دور جمعية العلماء في التعريف بقضية الجزائر في العالم الإسلامي:

خرج الشيخ الإبراهيمي من الجزائر عام 1952م قبل انطلاق الثورة بسنتين، حاملاً على كاهله قضية بلاده، وكلما حط الرحال ببلد إلا وقضية الجزائر همه الأول، فلا يتحدث إلا عن وضع الجزائر، معرفاً وشارحاً ومبيناً حقيقة الاستعمار الفرنسي وما فعله في هذه البلاد، ومبشراً بثورة الشعب الجزائري التي دوخت العالم وأعطت مثالاً متفرداً في مقاومة المحتل الغاصب، فكانت رحلة الشيخ رحلة موفقة أيما توفيق فقد تعرّف العالم العربي والإسلامي عن الشعب ثورة الجزائري، “فما كادت أوّلُ رصاصةٍ تُطلق حتّى هبّ الوطن العربي والعالم الإسلامي يُساندها ويُؤيّدها، مُتأكّدًا مِن استمرارها وانتصارها بفضل ما عُرف عن الجزائر والجزائريِّين مِن صمودٍ وتصميم، وقد تولى بيان ذلك وتوضيحَه إمامُهم الإبراهيميّ؛ الّذي كان بحقٍّ يُعِد للثّورة، ويُمَهِّدُ و يُهَيِّئُ لها الأسباب، فلم يترك فرصة إلاّ وعرّف بقضية الجزائر، ففي القاهرة التي كانت قبلة حركات التحرر الوطني، كان للشيخ نشاطاً ملحوظاً سواء في مكتب جمعية العلماء، أو في الجمعيات التي كانت تنشط في تلك الفترة التاريخية، كجمعية الشبان المسلمين، وقبل ذلك في حركة الإخوان المسلمين، ومكتب المغرب العربي، ومن مصر سافر الشيخ إلى أقطار العالم الإسلامي كبغداد والشام والحجاز وباكستان، وقد كان يتواصل مع الشخصيات الثورية التي كانت تقيم في مصر من أجل توحيد الجهود، ودعم الثورة في الداخل والخارج، كما كان على اتّصالٍ دائمٍ برجال الجمعيّة في الجزائر.

ومع كل هذا النشاط كان الشيخ يردد قائلا: “وقد فعلتُ ما أَوْجَبَهُ اللهُ علي، على عجزي وبُعْدي، وواللهِ لو كنتُ أستطيعُ حَمْلَ السِّلاحِ لما بقيتُ هنا لحظةً، ومنذُ قامت الثّورةُ وأنا أتقلى على الجمر، وأبذلُ كلّ جُهدي من طرقٍ خاصّةٍ في إِعطاء الرّأي وتحريض المؤمنين على القتال”.

 

 

آخر التغريدات: