مالك بن نبي .. فيلسوف الحضارة والنهضة

مالك بن نبي .. فيلسوف الحضارة والنهضة

هو مالك بن عمر بن الخضر بن مصطفى بن نبي. وُلِدَ في مدينة (تبسة) التابعة لولاية قسنطينة شرقي الجزائر في (ذي القعدة 1322هـ = يناير 1905م) زمن الاحتلال الفرنسي لها، وتأثر بأمه التي عملت بالحياكة، وباعت بعض أثاث البيت لتعلم أولادها[1]. كانت (تبسة) التي قضى فيها معظم طفولته أقرب إلى البداوة وذات حضور فرنسي ضعيف؛ فاستمرَّ في تلقي الدروس في المساجد مع التحاقه بمدرسة فرنسية، وقد تأثَّر بصديقٍ له دائم الاستشهاد بآيات القرآن وتفسيرها تفسيرًا اجتماعيًّا، كما تأثر بأبناء مدينته المعتصمين بالإسلام والعربية حتى لا تذوب هويتهم في هوية المستعمر.

انتقل مالك بعد حصوله على الابتدائية إلى (قسنطينة) ليكمل تعليمه، وهناك تأثر بمعلمه الفرنسي “مارتان” في تذوقه للقراءة، كما تأثر بمجلة “الشهاب” التي تصدرها جمعية العلماء المسلمين، برئاسة عبد الحميد بن باديس.

مالك بن نبي وتكوينه الفكري

طالع مالك بن نبي في تلك الفترة كتابين كان لهما أبلغ الأثر في حياته، هما “الإفلاس المعنوي هل هو للسياسة الغربية في الشرق؟” لـ”أحمد محرم” الشاعر الإسلامي المعروف، و”رسالة التوحيد” للإمام محمد عبده، وساعده هذان الكتابان على رؤية أوضاع العالم الإسلامي في تلك الفترة، كما قرأ كتاب “أم القرى” للكواكبي، وتعرَّف على تلاميذ المصلح الكبير “عبد الحميد بن باديس”، كما قرأ لعددٍ من الكُتّاب الفرنسيين، وكان يتردد –أيضًا- على إحدى البعثات التبشيرية الإنجيلية، فتعرَّف على الإنجيل، وناقش هؤلاء المبشرين في أدق الأفكار[2].

كان لهذه الثنائية الثقافية (الإسلامية والغربية) أثرها في تكوينه الفكري، وانعكاساتها الواضحة في كتاباته التي تميزت بالمزاوجة بين المصدرين: بين الانتماء لحضارة الإسلام والرغبة في التطور[3]، ثم سافر مالك في العشرين من عمره إلى باريس، ولم يلبث أن رجع إلى الجزائر بعدما عانى البطالة هناك، لكنه قرر مواصلة دراسته في فرنسا؛ فوصل باريس في (جمادى الأولى 1349هـ= سبتمبر 1930م)، واستطاع خلال فترة تواجده في فرنسا أن ينهل العلم من حقول متعددة، ويسهم في الكثير من الفعاليات العلمية والثقافية، ولكن تحطمت آماله عندما رُفِضَ طلبُه دراسةَ الحقوق بمعهد الدراسات الشرقية؛ فاتجه إلى دراسة الهندسة[4].

في هذه الفترة خاض مالك في باريس نقاشاتٍ كثيرة في العقائد مع المسيحيين، وتزوَّج في عام (1350هـ = 1931م) من امرأةٍ فرنسية أسلمت على يديه، واستطاع مالك أن يوسع شبكة علاقاته الفكرية والثقافية في باريس، فالتقى هناك شكيب أرسلان وغاندي، وصار له حضور متميز في أوساط المغاربة والجزائريين، حتى لُقِّب بزعيم الوحدة المغربية، كما استطاع أن يقيم جسور التواصل والتعارف مع أبناء دول أخرى محتلة[5].

في سنة (1354هـ = 1935م) تخرَّج مالك بن نبي مهندسًا كهربائيًّا؛ وعندما عاد إلى الجزائر لم تَرُقْ له الحياة فيها بعدما تحولت عن زراعة القمح إلى زراعة العنب الذي تُصنَع منه الخمور للفرنسيين المحتلين، فقرر العودة إلى فرنسا سنة (1358هـ = 1939م). وهناك تفرَّغ مالك بن نبي للعمل الفكري، فعمل صحفيًّا في جريدة اللوموند، وأصدر أول كتبه “الظاهرة القرآنية”، ثم “شروط النهضة” سنة (1369هـ = 1949م)، و”وجهة العالم الإسلامي” الذي عرض فيه مفهوم “القابلية للاستعمار”، و”لبَّيك”، و”فكرة الأفريقية الآسيوية”[6].

رأى مالك بن نبي في مصر -التي احتضنت في تلك الفترة قضايا التحرر والعروبة- أنها إحدى مواقع التغيير المهمة في العالم الإسلامي، فنزلها وعاش فيها الفترة (1956-1963م) فأتقن العربية، وحاضر في عدد من الجامعات والمعاهد، وأصبح منزله أشبه بمنتدى فكري يرتاده المثقفون، وأصدر أول كتاب باللغة العربية بخط يده وهو “الصراع الفكري في البلاد المستعمرة”، ثم كتاب “تأملات في المجتمع العربي”، وكتاب “ميلاد مجتمع”، و”حديث البناء الجديد”، وتم اختياره مستشارا للمؤتمر الإسلامي بالقاهرة [7].

مالك بن نبي ونشاطه الفكري

عاد مالك بن نبي إلى الجزائر سنة (1383هـ= 1963م) بعد استقلالها وتنقَّل في عدد من المناصب، تركزت جميعها في حقل التعليم، كما تركزت كتاباته في تلك الفترة على عمليات التغيير وإعادة البناء الاجتماعي في الدول الإسلامية، وأصدر عدة كتب، منها: “مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي”، و”المسلم في عالم الاقتصاد”، و”يوميات شاهد قرن”[8].

مارس مالك بن نبي أنشطةً ثقافية متعددة؛ كان منها ندوته الأسبوعية التي كان يعقدها في بيته، وكان يقصدها الشباب المثقف، ومع استمرار هذه الندوات ونجاحها، وتكريمًا لشخصية مالك حولتها الجزائر إلى ملتقى للفكر الإسلامي يُقام كل عام.

في عام (1387هـ = 1967م) استقال مالك من مناصبه، وتفرَّغ للعمل الفكري، وألقى محاضرة مهمة في سوريا عام (1392هـ = 1972م) تحت عنوان “دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين” اعتبرها الكثيرون أنها وصيته للعالم الإسلامي قبل الموت.

مالك بن نبي ومنهجه العلمي والفكري

كان مالك بن نبي مفكرًا مبدعًا، وصاحب نظرية عميقة في البناء الحضاري، وامتلكت أفكاره مكونات القوة، بتركيزها على القضايا الأساسية والمحورية في العالم الإسلامي؛ فاهتم بمشكلة الحضارة، والنهضة، والثقافة، والاستعمار، والتبعية؛ فدرسها بكل أبعادها في كل مؤلَّفاته، وأبدع فيها، وطوَّر بعض مفاهيمها، وهذا ما جعله متخصصًا في العمل الفكري، وصاحب أفكار تتجاوز الحساسيات الطائفية والمذهبية، وتتمتع بالانتشار والقبول، إضافة إلى أن أفكاره غلّبت جانب البناء على الهدم باعتبار أن ذلك هو الأصلح للأمة الإسلامية.

انطلق مالك بن نبي من فكرة محورية هي أن نهضة أي مجتمع تتم في نفس الظروف التي شهدت ميلاده، وعلى هذا فإن إعادة بناء المجتمع المسلم الحديث لا بد أن تنطلق من الفكرة الدينية كأساس لأي تغيير اجتماعي، لهذا كانت الآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، نقطة ارتكاز مهمة في منظومته الفكرية. ولمالك بن نبي مجموعة من الأفكار المهمة، التي تبين منهجه الفكري، ومنها:

فكرة الحضارة

رأى مالك بن نبي أنَّ الحضارة إنتاج بشري؛ لذا فالتخلُّف الذي يعيشه المسلمون ينبع في الأساس من داخلهم، ويعود إلى طبيعة تشكيل عقليتهم وشخصيتهم التي ترسبت فيها مفردات الثقافة السلبية، وفرق بين المجتمع الفعّال والمجتمع غير الفعّال، فاعتبر أن فاعلية المجتمع تنطلق من فاعلية الإنسان لهذا كان يقول: “إذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتاريخ، وإذا سكن سكن المجتمع والتاريخ”[9].

وشرط الفاعلية الأساسي عند مالك أن ينظر الإنسان إلى نفسه على أنه صانع التاريخ ومحرِّكه، فالتاريخ نتائج عملية، وليس مقولاتٍ نظرية، ورأى أن مشكلة المسلم أنه لا يفكر ليعمل بل يفكر ليقول ويتكلَّم، وقد أدَّى ذلك إلى ضياع الاستفادة من المال والوقت والعلم[10].

مفهوم الحضارة عند مالك بن نبي

ينبني مفهوم الحضارة عند ابن نبي على اعتقاده الراسخ بأن “مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارية، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها[11].

وانطلاقا من هذا الاعتقاد الراسخ بأهمية الحضارة وضرورة “فقه” حركتها منذ انطلاقتها الأولى إلى أفولها يحاول ابن نبي إعطاء تعريف واسع للحضارة، يتحدد عنده في ضرورة “توفر مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقسم لكل فرد من أفراده في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة إلى الشيخوخة المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه”[12].

وعلى هذا فكل ما يوفره المجتمع لأبنائه من وسائل تثقيفية وضمانات أمنية، وحقوق ضرورية تمثل جميعها أشكالا مختلفة للمساعدة التي يريد ويقدر المجتمع المتحضر على تقديمها للفرد الذي ينتمي إليه[13].

والعناصر الضرورية التي تتشكل منها كل الحضارات -حسب مالك بن نبي- هي ثلاثة: الإنسان + التراب + الوقت[14].

الأفكار الميتة والأفكار المميتة

تحدّث مالك بن نبي عن قضيتين خطيرتين: الأولى تتعلق بالأفكار التي تعوق النهضة الإسلامية، وسماها بالأفكار الميّتة والأفكار المميتة، ورأى أن الأفكار الميتة تسكن العقول ولا تدفع حاملها إلى أي مجهود أو نشاط، فهي معلومات عقيمة متوارثة، وهي أحد أسباب انحطاط الخط البياني الحضاري للأمة الإسلامية. أما الأفكار المميتة فهي الأفكار التي تقتل الإبداع في النفوس بما لها من قدرة على الإخماد وكبح جماح العقول والهمم.

وهذه الأفكار المميتة تخلق العقلية الاستسهالية، وتغيب القدرة التحليلية في فهم المشكلات المعقدة[15].

القابلية للاستعمار

أما الفكرة الثانية فهي القابلية للاستعمار (القابلية للاحتلال)، وهذا المفهوم يُعَدُّ من أشهر مفاهيم مالك التي أبدعها؛ إذ أدرك أن الأمة الإسلامية في خطر، لا لأنها تحت الهيمنة الغربية، ولكن لأنها فقدت كثيرًا من الدوافع التي رفعت من شأنها في القرون الماضية، وأصبح موقعها زمنيًّا في عهد ما قبل الحضارة؛ فالقابلية للاستعمار هي جملة خواص اجتماعية تسهِّل سيطرة الغزاة على الأمة، وتؤدي إلى استمرار الوضع المنحل للحضارة، فهناك مجتمعات تعرضت للاحتلال العسكري لكنها مجتمعات غير قابلة للاستعمار مثل احتلال ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية، وفي المقابل توجد مجتمعات لم تتعرض للاستعمار لكنها قابلة للاستعمار.

انتقد مالك فرض التسييس للنهضة الاجتماعي، والنظر المتمحور حول دور السلطة في الإصلاح الاجتماعي، ورأى أن هذين الخطأين كانا من أسباب تأجيل عمليات النهضة الاجتماعية.

يعتبر مالك بن نبي ومدرسته من أكثر المدارس الفكرية التي كان لها أثر واضح في تحديد وصنع ملامح الفكر الإسلامي الحديث، خاصة أن هذه المدرسة اهتمت أكثر من غيرها من المدارس الأخرى بدراسة مشكلات الأمة الإسلامية؛ انطلاقًا من رؤيةٍ حضاريةٍ شاملةٍ ومتكاملة؛ فقد كانت جهوده لبناء الفكر الإسلامي الحديث، وفي دراسة المشكلات الحضارية عمومًا متميزة؛ سواء من حيث المواضيع التي تناولها أو المناهج التي اعتمدها في ذلك التناول[16]؛ “وكان بذلك أول باحث حاول أن يحدد أبعاد المشكلة، ويحدد العناصر الأساسية في الإصلاح، ويبعد في البحث عن العوارض، وكان كذلك أول من أودع منهجًا محددًا في بحث مشكلة المسلمين على أساسٍ من علم النفس والاجتماع وسُنَّة التاريخ”[17].

مالك بن نبي يعد ابن خلدون العصر

من الدارسين للفكر الإسلامي الحديث من يعتبر مالك بن نبي ابنَ خلدون العصر الحديث، وأبرز مفكر عربي عُنِيَ بالفكر الحضاري منذ ابن خلدون، ومع أنه قد تمثَّل فلسفاتِ الحضارة الحديثة تمثلاً عميقًا، واستلهم في أحايين كثيرة أعمال بعض الفلاسفة الغربيين فإن ابن خلدون بالذات يظل أستاذه الأول وملهمه الأكبر[18]. ومالك نفسه لا يخفي تأثره بفكر ابن خلدون ونظرياته حول العمران البشري، بل أشار إلى ذلك في مواضع شتَّى من كتبه، كما ذكر ذلك في مذكرات حياته “شاهد القرن”[19].

هكذا ظهر “مالك بن نبي” وكأنه صدى لعلم ابن خلدون، يهمس في وعي الأمة بلغة القرن العشرين، فأظهر أمراض الأمة مع وصف أسباب نهضة المجتمعات، ووضع الاستعمار تحت المجهر؛ فحلَّل نفسيته، ورصد أساليبه الخبيثة في السيطرة على الأمم المستضعفة، وخاصة المسلمين، ووضع لهم معادلات وقوانين “الإقلاع الحضاري”..

ولكن الأمة لم تقلع حضاريًّا؛ وذلك إمّا لثقل حجم التخلف بين أفرادها ومؤسساتها، وإمّا لضعف المحرِّك المقرَّر أن يقلع بها، وإمّا لاجتماع السببين معًا. ومع ذلك فقد بقيت هذه المعادلات والقوانين “نظريات” مفيدة للمحرِّكين الذي يهتمون بانطلاق “المشروع الحضاري” للأمة[20].

وفاة مالك بن نبي

تُوُفي مالك بن نبي في الجزائر في (4 من شوال 1393هـ= 31 من أكتوبر 1973م) وهو في الثامنة والستين من عمره[21]؛ فرحمه الله رحمةً واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.


الهوامش:

[1] مالك بن نبي: مذكرات شاهد على القرن، ترجمة: مروان القنواتي ص60.

[2] مصطفى عاشور: مالك بن نبي.. فيلسوف مشكلات الحضارة، حدث في العام الهجري:www.islamonline.net

وموقع مالك بن نبي: www.binnabi.net

[3] السابق نفسه.

[4] مالك بن نبي: مذكرات شاهد القرن، الطفل والطالب 2/28.‏

[5] مصطفى عاشور: مالك بن نبي.. فيلسوف مشكلات الحضارة، مرجع سبق ذكره.

[6] مصطفى عاشور: مالك بن نبي.. فيلسوف مشكلات الحضارة، مرجع سبق ذكره.

[7] السابق نفسه.

[8] السابق نفسه.

[9] مصطفى عاشور: مالك بن نبي.. فيلسوف مشكلات الحضارة، مرجع سبق ذكره.

[10] المرجع السابق.

[11] إبراهيم رضا: مالك بن نبي وفلسفة الحضارة الإسلامية الحديثة، موقع الإسلام.

www.islamonline.net
[12]
مالك بن نبي: شروط النهضة ص 19، 20.

[13] مالك بن نبي: آفاق جزائرية ص 38.

[14] مالك بن نبي: تأملات ص 168.

[15] مصطفى عاشور: مالك بن نبي.. فيلسوف مشكلات الحضارة، مرجع سبق ذكره.

[16] إبراهيم رضا: مالك بن نبي وفلسفة الحضارة الإسلامية الحديثة، موقع الإسلام :www.islamonline.net

[17] جودت سعيد: “مذهب ابن آدم الأول” ص14، 15.

[18] فهمي جدعان: “أسس التقدم عند مفكري الإسلام” ص410.

[19] ذكر مالك بن نبي في مذكراته شاهد القرن: الطفل والطالب، “جملة من المفكرين المسلمين وغيرهم الذين كان لهم تأثير فكري في حياته” ينظر إلى مذكراته، ترجمة مروان القنواتي.

[20] خالد أبو الفتوح: مقال “نحو وعي سنني”، مجلة البيان، العدد 89.

[21] مصطفى عاشور: مالك بن نبي.. فيلسوف مشكلات الحضارة، مرجع سبق ذكره.

islamstory.com/ar/مالك-بن-نبى-فيلسوف-الحضاره-والنهضه

 

 

 

 

آخر التغريدات: