مفهوم الديموقراطية في فكر مالك بن نبي

مفهوم الديموقراطية في فكر مالك بن نبي

تنطلق الدعوة إلى حوار الحضارات من ضيق الشعوب ذرعا بالمصارعات و الحروب التي عاشتها وتعيشهاكما أن التاريخ يخبرنا أن الأمم لا تبني نفسها بمعزل عن العالم. ولكن ذلك الحوار لبا يعني استيراد الأفكار و اللغات، فالفكرة في علاقاتها بالغة تخفي وراءها طبيعة اسلوب حياة يختلفان من أمة إلى أخرى لأن اللغة تعبير عن ثقافة ورؤية للعالم.

 أزمة المنهج:

يعيش العالم الإسلامي منذ بدايات عصر النهضة إلى اليوم صراعا حضاريا مع العالم الغربي كقوة تمتلك وسائل التقنية (التكنولوجيا). ولم يجد لذلك الصراع حلا وسطا يبتعد عن الانغلاق و التقوقع على الذات باسم الحفاظ على الهوية، أو الانقياد والتفسخ باسم التفتح و معايشة العصر.

وعلى ذلك تعد إشكالية التجديد من المشاغل الفكرية الكبرى في العالم الإسلامي و على رأسها الديموقراطية وعلاقاتها بالإسلام.

إن تعدَد الأصوات في ساحة  الديموقراطيين، المؤيدة منها أو المعارضة على السواء، تعاني في أغلب ظني- أزمة منهج في التعامل مع كل ما هو وافد أو دخيل على المجتمع العربي الإسلامي، فإلى وقتنا الراهن، لم تنشأ في العالم العربي الإسلامي مدارس نقدية تعتمد المعرفية في الحث و لتحليل بصورة حازمة و دقيقة.

إن القطعتين التين نعيشها على مستوى ” الذات” لغياب النقد الذاتي و القراءات الجادة لحصيلة التراكم المعرفي الذي نملكه، أو على مستوى ” الأخر” لافتقادنا المنهجية و متابعة الفكرية لكل ما يصدر عن الغرب بمختلف مدارسه، هما ما دفعتا بنا إلى دراسة فكر الأستاذ مالك بن نبي – يرحمه الله- خصوصا، هو الذي عرف الحضارة الغربية من الداخل دون أن تتزعزع روحه الإسلامية مما جعله بحق بوتقة لفكر الحضارتين الإسلامية و الغربية في أرقى صورهما الإنسانية والإبداعية، لأنه بصيرته وذكائه و منهجه العلمي استطاع أن يكسر ذلك التقليد الذي يجعل من الماضوية تمسكا بالأصالة، ومن الذوبان في حضارة الغرب تحضرا و حداثة، واستطاع بذلك أيضا أن يكشف لنا عن سبيل ثالثة لا نكون مبالغين إذا قلنا: إنها التعبير الحقيقي عن روح الآية الكريمة: ” و كذلك جعلناكم أمة وسطا” البقرة 143.

إنا مالكا في دراسته للإسلام و الديموقراطية لم يتعمد منهج المقارنة بين النصوص، أي بين نص منبعه الوحي و نص آخر نسخه العقل البشري والتجارب الإنسانية ما صلح منها و ما طلح، ولكن اهتمامه انصرف إلى وظيفتهما الاجتماعية ( السوسيولوجية) و البنائية، ولذلك تجده يرجع كل مصطلح إلى بعده ( الزمكاني)، أي إلى مرجعيته الأصلية باحثا عن روحه التي برزت أو تطورت عبر التاريخ لا يسقط في الأحكام القيمية الاعتباطية.

مالك بن نبي و الديموقراطية

يعتمد الأستاذ ابن نبي في أعمله المتعلقة بالمقارنات مع الإسلام المنهج الرياضي القائم على الاستدلال بالخلف، أي تحليل الطرف الأخر أو الفكرة المقابلة و الغوص في معانيه ومحاولة اكتشاف مواطن الخلل أو العجز مما يسهل عليه إعطاء البديل ” الإسلامي” كضرورة معرفية اثبتت نجاعتها.. وهذا ما فعله في كتابه :” الظاهرة القرآنية” في مسألتي الوحي و النبوة مثلا.

و الديموقراطية عند مالك بن نبي تتعدى إطارها اللغوي إلى بعدها النفسي و الاجتماعي، فهي لم تعد بمعنى ” حكم الشعب لذاته” أو “سلطة الشعب” اعتمادا على ما أورده توسيديد: ” إذا كانت شؤون الدولة تدار عندنا لصالح الجماهير و ليس لأقلية بعينها، فإن نظامنا قد اتخذ من الديموقراطية اسما له” 1.

إنها بم تعد- بهذا المعنى الذي فرضته ورسخته الثورة الفرنسية بدساتيرها المختلفة وقواننينها الأساسيةStatuts و نظامها الداخلي- ولو أن الثورة الفرنسية كانت تبتغي بذلك القضاء على النظام القديم.
إن فلسفة حكم الشعب لذاته من وجهة نظر التاريخ غير صحيحة لأننا لم نقرأ عن شعب سير شؤونه كما أورد الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه: ” الديموقراطية في الإسلام”. وإذا انت السلطة تعني جهة أخرى أن تخوَل الجماهير شؤونها إلى قائد، فالتاريخ أيضا يدلنا أن شعوبا كانت خاضعة لحكامها راضية عنهم بالرغم من اضطهادهم لها.

ولهذا” ينبغي عليا في الواقع أن تعيد الكرة في تحديد الديموقراطية دون ربطها مسبقا بأي مفهوم آخر كالإسلام، فننظر إليها على أعم وجوهها أي إطار عموميتها قبل أن نربط الموضوع بأي مقياس آخر” 2 .

وقد نظر الأستاذ مالك بن نبي – يرحمه الله- إلى الديموقراطية من ثلاثة وجوه:

1-      الديموقراطية كشعور نحو ” الأنا

2-       الديموقراطية كشعور نحو الأخرين

3-       الديموقراطية كمجموعة الشروط الاجتماعية و السياسية اللازمة لتكوين وتنمية هذا الشعور في الفرد.

الثقافة والسلوك

إن وعي الإنسان بذاته شرط في بناء الثقافة الديموقراطية، وقد سبق للأستاذ مالك بن نبي أن استخلص أن الثقافة بهذا المفهوم، سواء أكانت ثقافة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، نظرية في السلوك، وليست نظرية في المعرفة بالمدلول الأكاديمي ، لأنها تحرَر الإنسان من قيد ” العبودية” و الاستضعاف فترفعه بذلك عن كل دنس يصيب إنسانية الإنسان. وقد ضرب الأستاذ مالك – رحمه الله- مجموعة من الأمثلة في ذلك نقلا عن المؤرخ الفرنسي جيزو الذي قدَم في كتابه: ” تاريخ أوروبا في نهاية الإمبراطورية الرومانية إلى الثورة الفرنسية” استقراء معرفيا و تاريخيا عن أصل و حقيقة الشعور بالسلوك الديموقراطي في الحضارة الغربية، فاستنتج أن حركتي الإصلاح و النهضة هما ” أول تصريح بقيمة الإنسان الأوروبي في مجالي الروح و العقل”3. ومن خلال تتبع الحركة التاريخية لأروبا، يمكن لنا اعتبار أن تلك المخاضات طبعت في واقع اجتماعي تعبر عنه العادات و التقاليد أو الثقافة الشعبية لتلك الأمم، مما يؤهلنا للقول – كما أكد على ذلك أستاذنا مالك: إن هذا المعنى ( الوعي الديموقراطي) لا يفصل عن تاريخ أوربا ليطبق على أمم أخرى4. وهذا لا يعني أننا ننفي السنن الكونية المعبر عنها بالاطراد الاجتماعية التي من طبيعتها أن تفرز ذلك الشعور في أي بلد كان. فالأصل أن يكون ذلك الوعي منسجما و نابغا من تفاعل القيم المختلفة داخل المجتمع الواحد.

فالانتقال الذي عرفه الإنسان الفرنسي إبان الثورة الفرنسية من كونه تابعا و مملوكا Sujet إلى مواطن Citoyen بعد الإعلان عن حقوق الإنسان في دستور 1789، يعتبر في الحقيقة عن تطور الذهنية الأوروبية وتحرر شبكاتها النفسية و الاجتماعية من القيود القديمة.

إن الوعي بالذات الذي زرعته التقاليد و العقلية في نفسية الإنسان الأوربي الجديد سَهل عليه بناء منظومة ثقافية و اجتماعية عن طريق الوعي ” بالأخر” و الحوار معه. نجد ( روبسبير) الفيلسوف و الكاتب الفرنسي، الذي كان من طبقة الأقنان يجلس إلى طاولة واحدة في الفكر العالمي مع الشاعر و الأديب (ميرابو) الذي كان من طبقة الأشراف، وعليه يمكننا القول: إن الديموقراطية كسلوك نفسي و اجتماعي هي الوليد الشرعي لتفاعل ” الأنا” و ” الأخر”، أو لنقل هي الأنا الجمعي بتعبير ” فيخته” الذي يتشكل بفعل حركية التاريخ من أجل بناء منظومة ثقافية لأمة ما. و بهذا التفسير، تصبح الديموقراطية إثباتا لوجود الإنسان كإنسان، بعدما أهدرت كرامته ونفيت وظيفته الكونية فأصبح مجرد آلة تردد ” النعم”، لا تعرف المساءلة أو ال ” لا” وذلك حتى على مستوى الأدب، فهذا فيكتور هوجو في قصته المشهورة ( الرجل الذي يضحك) حيث يقول ” أورسوس” ل ” جوينيلين”: ” هناك سنة يتمسك بها الطغاة، فإنهم لا يعملون شيئا، وسنة يتمسك بها الصغار فإنهم لا يقولون شيئا، إن الفقير ليس له صديق إلا صديق واحد: الصمت، إنه لا يجوز له أن يتفوه إلا بكلمة واحد، نعم، فالاعتراف و الرضا هو كل حفه، نعم للقاضي ، نعم للطغاة”. وقد علق الأستاذ ابن نبي على هذه القصة بالقول: ” إن نعم هنا إيجابية في لفظها سلبية في معناها، لأنها تنفي ” ذات” العبد الذي يخضع لإرادة يرفضها في ” أناه” فالنعم تعطيل بذلك لقدرات ذلك الإنسان الإبداعية.

بين العبد و خالقه

وإذا كانت الشروط الثلاثة المذكورة سابقا هي التي تحقق مبدأ الديموقراطية، ف ” هل الإسلام يتضمن و يتكفل بهذه الشروط الذاتية و الموضوعية، أي هل يكون نحو ” الأنا” و نحو ” الآخرين” الشعور الذي يطابق الروح الديموقراطية كما بيناَ، وهل يوجد الظروف الاجتماعية المناسبة لتنمية هذا الشعور؟”5
وقبل الإجابة عن هذا التساؤل، تجدر الإشارة إلى أن ابن نبي – يرحمه الله- قد عمل على مواجهة مراحل مختلفة من التاريخ الأوربي و الإسلامي من خلال فعالية النصوص، كالنص القرآني و نص الحديث الشريف مثلا على الواقع الاجتماعي الإسلامي أيام الخلافة الراشدة لأنه كما يقول: نحن الآن أبعد ما نكون عن المشروع الإسلامي الذي أرسى القرآن الكريم قواعده وحسَده رسول الله صلى الله عليه و سلم و الصحابة في أبسط معانيها و قيمته في حديث لرسول الله صلى اله عليه و سلم رواه الترمذي و الإمام أحمد البخاري عن أبي هريرة حيث قال: ” كان انبي صلى الله عليه و سلم بارزا يوما للناس فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟…الخ إلى أن قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله و لا تشرك به شيئا و تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان” 6 .

والواضح أن مالك بن نبي قد أراد أن يواجه بين أمرين يتناقضان في ظاهرهما سلطة الإنسان وخضوع الإنسان لسلطة الخالق سبحانه، ولذلك فقد نجد الإسلام و الديموقراطية متناقضين من جانبهما لعملي، لأن الأول تعبير عن واجبات و فروض و الثاني تعبير عن حقوق وضمانات. فكيف نوفق أو نوحد على الأقل أدنى رابط بينهما؟

ولكن الديموقراطية عند ابن نبي- يرحمه الله- كما سبق أن اشرنا تتجاوز إطارها المعجم، كما أن الإسلام يفهم من بعده الكوني و الاجتماعي كأداة تغيير فاعلة تشكل إجابة متجددة عن تساؤلات الإنسان الخاضع لقنون التغيير و التطور لا في منظوميته القيَمة و لكن في مقارباته الاجتماعية و الثقافية.

وعليه فمسألة الديموقراطية كمجموعة من الحقوق تحتاج إلى محرك ركيزته عالم الأفكار ووسيلته عالم الأشخاص ونتيجته عالم الأشياء المعبَر عنه بالضمانات المختلفة الذاتية منها الموضوعية. وإذا كان الإسلام مبنيا أساسا على ” عالم الأفكار” مصدرها الوحي، فإنه يحتاج بالضرورة على منفَذ لتلك الآيات الكونية و الزمنية التي يتضمنها النص القرآني، ولذلك نجد القرآن الكريم يقرر شيئا أهم في اعتقاد من أية وثيقة ضمان تمنحها جهة رسمية من الجهات، ذلك التقرير هو خلافة الإنسان في الأرض من منظور أن الله رفع هذا المخلوق حيث قال: ” ولقد كرمنا بني آدم” الإسراء 70. فالتكريم هنا دليل قاطع على الثورة التي أحدثها القرآن الكريم في جوهر ” الإنسان”، وكيف كان ينظر إليه. إن التكريم الإلاهي لابن آدم يرفع هذا الأخير عن كل مدنس ويقربه من كل مقدس، ولذلك نستشف من تحليل الأستاذ مالك – يرحمه الله- أن القرآن الكريم أضفى على الإنسان تكريما رائعا، لأنه ” سوَاه ونفخ فيه من روحه” السجدة 9، ولأنه جعل له الخلافة في الأرض فقال: ” وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة…” البقرة 30، وقال: ” يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق و لا تتبع الهوى…” ص 26.

الحرية في الإسلام

إن الإنسان بشعوره بذلك التكريم يدرك حقيقة وظيفته الكونية، فلا يكون فقط مستهلكا لمجموعة من الحقوق والضمانات وإنا يصبح منتجا لها بهدف تحقيق رسالة كلفه الله بها، رسالة الخلافة.

إن المسلم بهذا التصور يملك مضادا حيويا لكل نزعة منافية لمبدأ الشعور بالخرين: ” لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: فالمسلم أحق أمة بذاته، فهو يعي إنسانية أخيه الانسان سواء أكان مسلما أو يهوديا أو نصرانيا. لأن الشبكة السوسيو- نفسية التي ينسخها القرآن الكريم إنسانية قبل أن تكون إسلامية بالمعنى التخصيصي. مبنية على الحوار و المجادلة بالتي هي أحسن، قال تعالى: ” ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن” الآية النحل 125، وقال: ” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكمالحجرات 13.

إن عملنا هذا الذي نعقد فيه حوارا هادئا مع الأخر يبعدنا شيئا فشيئا عن سلطة النفي و الرفض التي أصبحت سائدة- وللأسف الشديد- فب عالمنا الإسلامي بين مختلف التيارات. وهو أي الحوار الذي يمكننا من إبراز حقيقية الحرية الإسلامية المبنية على الوحي عكس المشروع الديموقراطي الغربي الذي تأسس على مبدأ أن يبقى الإنسان حبيس فكرة صنعها هو ولو جددها أحيانا، ولذلك نجد أن الديموقراطية بشتى أنواعها، سواء أكانت غربية أو شرقية، وبالرغم مما حققته ” للإنسان الجديد” من حقوق، لم تخلصه من سلطته على نفسه و من سلطة الأخرين عليه بطرق غير مباشرة. فلإنسان باسم الحرية يمكنه أن يصيب نفسه بالأذى و يمكن أن يخضع أيضا لسلطات قهر تلغيه كسلطة الدعاية والإشهار، أما ” القرآن الكريم فقد حرَره و لكنه رسم له منهجا يجعله لا يجيد من مساره الفطري. يقول الله سبحانه و تعالى في سورة القصص الآية 83: ” تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتقين” فالآية قانون سماوي يمنع الإنسان صراحة من الاستعباد و التطاول و الاستكبار كما فعل فرعون حينما خاطب موسى: ” قال فمن ربكما يا موسى” طه 49، أو حين خاطب السحرة الذين آمنوا بدعوة موسى ” قال آمنتم له قبل أن آذن لكم” طه 71، الشعراء 49.وكذلك نجد القرآن يرفض الذل للمسلم الذي أعزه بقوله:” و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين” المنافقون 8،   وقبوله العبودية و الاستضعاف حيث يقول: ” إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا” النساء97 .

الشورى الإسلامية

و الأمر الذي يجب الإشارة إليه – ولو بعجالة – بعد ما أثبتنا أن هناك تلاحما عضويا بين الإسلام والديموقراطية طبقا للتقنين الذي وضعه الأستاذ مالك بن نبي – رحمه الله- من وجهة نظر علم النفس وعلم الاجتماع، فكيف نستطيع عمليا و موضوعيا أن نحقق ذلك المشروع الإسلامي القائم على الشورى؟ أي هل نستطيع الحفاظ على تلك الحريات و الضمانات التي تكلفها الديموقراطيات المختلفة في إطار التصور الإسلام؟ و هنا يمكن أن نسرد مجموعة من الأمثلة:

–  إذا كانت الديموقراطية تحمي حرية الضمير فإن القرآن الكريم يقرَر ” لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي” البقرة 256. وإذا كانت تضمن حرية العمل و التنقل فإن القرآن بين قبل ذلك ” هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها و كلوا من رزقه” الملك 15. وإذا كانت الديموقراطية تتخلص في غالب الأحيان في حرية الصحافة و التعبير، فالرسول الله صلى الله عليه وسلم زرع في أصحابه روح المناقشة وإبداء الرأي، وما غزوة بدر إلا دليلا على ذلك. وهذ عمر، حينما اعتلى المنبر و أراج تحديد الصداق لييسر الزواج لكل الشباب، خالفته امرأة عجوز مستشهدة بقول الله، فلم يستطع إلا أن يقول ” أصابت امرأة وأخطأ عمر” وقصَة أبي بكر الصديق الذي قال لأصحابه: لو رأيتم فيَ اعوجاحا  قوموني، فقال له أحد الصحابة: ” و الله لو رأينا فيك اعوجاجا لقوَمناك بسيوفنا“.

أما ضمان أمن المنزل، فإن الله عز وجل أنزل فيه: ” يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا و تسلموا على أهلها” النور 27.

ونستطع مما سبق ذكره أن نقول: إن الإسلام في أفقه السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي رسم منهجا للإنسان المعاصر حتى يخرج من الدوامة التاريخية التي يعيشها لأنه لم يعد قادرا على إنتاج فكرة لا تتنافى و طبيعة ومساره نحو التقدم الاجتماعي أيضا.

إننا من خلال محاولات متواضعة كهذه ندعو الإخوان المثقلين بهم الفكرة ( المشروع الإسلامي) أن يواصلوا دس المنهج الذي بدأه أستاذنا المفكر مالك بن نبي الذي وقف حياته على مشكلات العالم الإسلامي المرتبطة أساسا بالمسلم الذي لم يعد ” حضارة” في حد ذاته و لكن قناة مستهلكة لمنتجات حضارة.

وإن هذه الأعمال و المحاولات  لا تنجح إلا أن تضع في ضمير المسلم تقويما جديدا للإنسان، أي بقدر ما تضع في ضميره قيمته و قيمة الآخرين لا يقع في هاوية العبودية أو هاوية الاستعباد”.7

الهــوامش:
1- Thucydide 0 histoire de la Guerre du Péloponnèse. Livre  II chapitre 37

2- ابن نبي ، مالك : تأملات ، دار الفكر 1986 ص 64

3- ابن نبي ، مالك ، نفس المصدر ص 66.

4-نفس المصدر ص 66.

5-نفس المرجع ص 70

6- لم يكن الحج قد فرض بعد

7-ابن نبي ، مالك ، تأملات دار الفكر ص 90


مجلة الفيصل العدد 196 

 

آخر التغريدات: