الشيخ سعيد صالحي سفير جمعية العلماء في فرنسا

الشيخ سعيد صالحي سفير جمعية العلماء في فرنسا

قررت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في صيف 1936 تمديد نشاطها الإصلاحي إلى فرنسا التي يعيش فيها آلاف المهاجرين الجزائريون. وانتدبت لهذه المهمة الشيخ الفضيل الورتلاني باعتباره المسؤول الأول والشيخ سعيد صالحي نائبا له. وسأقتصر في هذا المقال على دراسة الشيخ صالحي لأنني خصصتُ بحثا كاملا للشيخ الورتلاني في مكان آخر.

نضال في باريس

وفق الرجلان في العمل الدعوي ونجحا في تأسيس نواد إصلاحية لتعليم الدين والحث على إقامة شعائره وتدريس اللغة العربية. وانتشرت الحركة في باريس وضواحيها، وكذلك في عدة مدن داخلية كمرسيليا في الجنوب، وليون في الشرق، وسان إتيان في الوسط الغربي.

لم تقتصر مهمة الشيخ الصالحي على الوعظ والإرشاد والإفتاء وفتح النوادي التهذيبية، وإنما كان يحث باستمرار المهاجرين على دعم جمعية العلماء في الجزائر حتى تحقّق مشاريعها التعليمية الطموحة (فتح المدارس وتطعيم صندوق الطلبة ودفع أجرة المعلمين).

وحسب التقرير المالي لعام 1937 المقدم في المؤتمر السابع لهذه الجمعية والمنعقد في نادي الترقي يوم 24 سبتمبر 1938، فإن الشيخ سعيد صالحي أرسل مبلغا قدره6262,70  فرنكا. وهو مبلغ تجاوز كثيرا ما قدمته في تلك السنة الشُعب الوطنية الكبرى كقسنطينة أو تلمسان أو الجزائر.

وتعاون العديد من الطلبة العرب والمسلمين الذين كانوا يزاولون دراساتهم العليا في الجامعات الفرنسية المرموقة مع المشرفين على النوادي التهذيبية، وأذكر منهم: محمد عبد الله دراز، عبد الرحمان تاج من مصر، محمد المبارك وعمر بهاء الدين الأميري من سوريا…الخ.

وربط الشيخ صالحي علاقات متينة مع هؤلاء الطلبة الذين أصبحوا بعد سنوات من أقطاب الفكر الإسلامي المعاصر، وبقي على صلة بهم، وقد زارهم خلال رحلته إلى مصر وسوريا في عام 1952، كما استقبل بعضهم في السبعينيات في الجزائر عندما كان نائبا لرئيس المجلس الإسلامي الأعلى.

مع مالك بن نبي في مرسيليا

توقف الشيخ سعيد صالحي في مارسيليا في بداية شهر جويلية 1938 وهو في طريقه إلى باريس. مكث فيها أياما قليلة واحتك خلالها بالمهاجرين الجزائريين المقيمين في هذه المدينة الكبرى، واتصل بالمثقف مالك بن نبي الذي كان حينئذ مسؤولا على نادي المؤتمر الجزائري الإسلامي للثقافة حيث ألقى الشيخ صالحي محاضرة أكد فيها أن “القضية الشعبية الجزائرية لا يمكن حلها إلا بفضل الدين اعتمادا على ما يمهده الإسلام من سبل النجدة للفرد والمجتمع

واغتنم الشيخ صالحي فرصة إقبال العمال لجمع التبرعات لصالح النادي بينهما هي -في حقيقة الأمر- موجهة لدعم القضية الفلسطينية التي ظهرت في الأفق، وبدأت تشغل بال زعماء الإصلاح والسياسة في العالم العربي والإسلامي، وهي ما تزال تشغلهم إلى يومنا الحاضر بدرجات مختلفة.

وألقى بعده الشاب النشيط مالك بن نبي – الذي لم يلمع بعد نجمه في سماء العلم والفكر- محاضرة حلّل خلالها الأزمة الحضارية التي أصابت الإنسان المسلم نتيجة عوامل داخلية لخصها في “فشل القوى الروحية التي كانت الدولاب المحرك للعالم الإسلامي وذلك بتفريط المسلمين الذين ألهاهم التكاثر والتنعم فانقلبت سيادتهم عبودية”. وهي الأفكار نفسها التي سيطوّرها بن نبي باستمرار، ثم يكشف عن نتائج تأملاته وخلاصة بحوثه بعد عشر سنوات في كتابه النفيس: ” شروط النهضة”.

وبعد هذا النشاط الفكري، غادر الشيخ صالحي مرسيليا متجها إلى باريس، فاستقبله أنصاره بحفاوة كبيرة في محطة القطار. وشارك بعد ذلك في أشغال الجمعية العامة للنوادي التهذيبية المنعقدة يوم 15 جويلة 1938برئاسة الورتلاني ومساعدة رؤساء النوادي القادمين من مناطق مختلفة، وأذكر منهم: الربيع بوشامة، سعيد البيباني، البشير العياضي، محمد وعلي بن الهاشمي.

لقد ألقى الشيخ سعيد صالحي خطابا طويلا ذكّر بمسيرة الإصلاح في فرنسا، وعدّد انجازاتها مستلهما دائما القدوة من الشيخ عبد الحميد بن باديس، “ذلك الرجل العبقري لو خلق بسوريا أو مصر لكان من أمثال فيصل وزغلول ولكنه –ويا للأسف- خلق بالجزائر التي تكاد لا تعرف قيمة الرجال والعظماء !” وما تزال هذه المشكلة مطروحة يشترك في صنعها أهل الفكر وأهل القرار معا.

احتفال باريس بختم ابن باديس للقرآن

احتفلت الجزائر المسلمة في عام 1938 بختم الشيخ عبد الحميد بن باديس لتفسير القرآن الكريم بعد خمسة وعشرين سنة، وأقيم بهذه المناسبة حفل كبير في قسنطينة، وقد حضره أقطاب الحركة الإصلاحية في الجزائر وجمهور غفير قدم من كل جهات الوطن. وقد أصدرت مجلة الشهاب عددا خاصا تضمن المداخلات والقصائد الشعرية التي ألقيت بهذه المناسبة العلمية.

وأبى الشيخ صالحي أن يمر هذا الحدث العظيم دون الاحتفال به في المهجر. وهكذا نظم الإصلاحيون مهرجانا كبيرا يوم 23 جويلية 1938. تحدث خلاله الفضيل الورتلاني عن فائدة إحياء ذكريات العلماء والعظماء لتبقى نبراسا تهتدي به الأجيال، كما أثنى على شيخه عبد الحميد بن باديس الذي دأب لمدة ربع قرن على تفسير القرآن الكريم في جامع الأخضر، ومسجد سيدي قموش…الخ.

وصوّر الشيخ صالحي مشاهد هذا الحفل الذي حضره في قسنطينة فأحسن تصويره، كما عبّر عن انبهاره بتنظيمه المحكم، وكشف إعجابه بتنافس أهل الخير على إكرام الضيوف القادمين من كل أنحاء القطر الجزائري.

تقدير، اعتراف وتكريم

عاد الشيخ صالحي إلى الجزائر في أفريل 1937 بعد أن أقام في فرنسا سبعة أشهر، وحيث ما نزل في وطنه أستقبل استقبال الأبطال من طرف أنصار الحركة الإصلاحية الذين كانوا يتابعون نشاطه في المهجر من خلال جريدة البصائر، ومن خلال ما تتداوله ألسنة المهاجرين الجزائريين أثناء زيارتهم للوطن.

قدمت له الشُعب دعوات ليشرّفها بزيارته ويُسمّعها أخبار انتصارات الحركة الإصلاحية فيما وراء البحر في عقر دار المستعمر. فألقى محاضرة في نادي الترقي بالجزائر العاصمة، بدعوة من الشيخ الطيب العقبي الذي أثنى عليه كثيرا. كما أقامت له جمعية التربية والتعليم بكلية الشعب بقسنطينة حفلة تكريم شارك فيها أقطاب الحركة الإصلاحية كابن باديس، ومبارك الميلي، والعربي التبسي.

وصف سعيد صالحي الحياة الاجتماعية والدينية قبل شروعه مع الشيخ الورتلاني في الدعوة بين صفوف المهاجرين، فقد كانت حالة الجالية الجزائرية آنذاك ” ميتة لا إحساس لها ولا شعور، ولا تعرف للدين حقيقة؛ ثم دبت فيها الحياة من جديد،فهذّبت الأخلاق وتأسست الجمعيات والنوادي، وأقبل الناس على التعلم وأداء الشعائر. وكان خطابه الذي دام ساعتين ونصف -حسب مراسل جريدة البصائر- في غاية التفاؤل بمستقبل الإسلام والعربية والوطنية في صفوف الجالية الجزائرية في المهجر.

وهذا ما أكدته الأيام وصدقته الأعوام بإقبال الناس على دينهم وانتشار المساجد والمكتبات الإسلامية واعتناق الأوروبيين للإسلام، وكذلك باحتضان المهاجرين للثورة التحريرية فأمدوها بالرجال المخلصين والمال الوفير.

ولا شك أن الشيخ سعيد صالحي كان محل إعجاب وتقدير رفاقه في النضال. ولا بأس أن أقتبس هنا مقتطفات من الشهادات التي تبرز قيمة هذا الرجل ومكانته العالية، وتكشف عن مساهماته في الساحة الإصلاحية في فرنسا.

فنبدأ بأستاذه ومسؤوله الأول: الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الذي قال فيه: “هو المدرس والإمام بمسجد قنزات وقرين الشيخ الفضيل الورتلاني في تأسيس الحركة التهذيبية الإصلاحية في باريس وبعض مدن فرنسا، وأحد أركان الإصلاح والتعليم في قبيلة بني يعلى المعروفة قديما وقريبا بانتشار معرفة الفروع الفقهية بين عامتها، وأحد أبناء المرابطين في تلك الجبال الذين أرادوا أن يرابطوا فيها رباطا شرعيا بحبس أنفسهم على نشر الهداية وتعليم الإسلام والعربية وخدمة عباد الله لوجه الله الكريم.”

كما وصفه الشيخ الورتلاني بـ “محارب الجهل”. وقال في شأنه الشيخ فرحات الدراجي مندوب الجمعية في مرسيليا أنه ” لا يقل عن زميله الشيخ الفضيل الورتلاني تدينا وإخلاصا ووطنية، فالتحق الشيخ سعيد بزميله وتعاونا على تغذية الحركة وواصلا العمل، وكان من نتيجة تلك الجهود التي بذلاها أن كثرت عدد النوادي الجزائرية بباريس، واشتدت الرغبة بتعلم اللغة العربية.”

كذلك وصفه الشاعر الربيع بوشامة بـ “المجاهد الأعظم والمضحي بنفسه في سبيل إعلاء كلمة الله ورفع شأن الوطن”. أما الشيخ محمد وعلي مندوب جمعية العلماء في مدينة سان اتيان، فإنه قال: ” الشيخ سعيد صالحي معروف بآثاره ومكارمه، و(يجب) الاغتراف من بحر علمه الزاخر، والاستنارة بضوء نصائحه الغالية الصادرة عن قلب خالص مملوء بالمحبة والعطف على المسلمين خصوصا وبني الإنسان عموما”.

وتقديرا لجهود الشيخ صالحي الإصلاحية في فرنسا انتخبه المؤتمر السادس (1937للجمعية عضوا في مكتبها الإداري، ثم نائبا لأمين المالية الشيخ مبارك الميلي في المؤتمر الثامن (1938).

في مهمة جديدة إلى فرنسا

في صيف 1947، كلفته جمعية العلماء بوصفه مراقبا عاما و “متخصصا في سياسة الوعظ والإرشاد” بإحياء نوادي التهذيب وتفعيل نشاطها، فسافر إلى فرنسا، وأقام فيها عدة أشهر. عمل خلال هذه الفترة على جمع الصفوف التي تفرقت، وقدم محاضرات في عدة مدن ” فأسمع الناس فيها كلمة الدين وصوت العربية”، واجتهد لفتح المصليات والمدارس الحرة القديمة التي لم يمسها الدمار خلال الحرب العالمية الثانية، أو تأسيس مدارس أخرى جديدة.

وصادف وجوده في فرنسا حلول شهر رمضان، فضاعف جهوده في الوعظ والإرشاد. كما صلى بالناس يوم العيد حضر الصلاة وفد من الكشافة الإسلامية الذي جاء إلى باريس ليشارك في مؤتمر الكشافة العام. وقد ساعد الشيخ صالحي في مهمته الصعبة الأستاذ عبد القادر محداد العضو الإداري لجمعية العلماء الذي زار حينئذ باريس.

غير أن زيارته لم تدم طويلا فعاد إلى الجزائر ليكمل المهمة بعده الأستاذ عبد الرحمان اليعلاوي، الذي قدم من تونس التي عاش فيها طويلا مناضلا في صفوف الحزب الدستوري التونسي. وأسفرت كل تلك الجهود بتأسيس شٌعبة رسمية لجمعية العلماء في باريس في سبتمبر 1948. وستعرف الجمعية ذروة نشاطها في الخمسينيات عندما تسند قيادة أعمالها إلى الشاعر الربيع بوشامة، تلميذ الشيخ سعيد صالحي المخلص.


آخر التغريدات: