وقفة مع العالم الذي كان أمة!

وقفة مع العالم الذي كان أمة!

مرت علينا قبل بضعة أشهر ذكرى رحيل إمام النهضة الجزائرية الحديثة، ورائد حركتها الإصلاحية المباركة، العالم المعلم الشيخ عبد الحميد بن باديس عليه رحمة الله ورضوانه– ففي يوم الثلاثاء 8 ربيع الأول 1359هـ الموافق لـ 16 أفريل 1940م انطفأ وهو في أوج العطاء- ذلك النجم الذي سطع في ليل الجزائر الحالك، فبدد ظلمات الجهل،وصقل وعي الشعب الجزائري، لكسر قيد الاستعمار والظلم…

وعند رحيله كان قد أرسى دعائم حركة إصلاحية متينة ومحترمة في الجزائر وفي العالم الإسلامي قاطبة، عملت بجد وإخلاص للحفاظ على ثوابت الشعب الجزائري الدينية واللغوية والوطنية، تحت شعار:”الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا” ولله در الشيخ الشهيد العربي بن بلقاسم التبسي الذي قال في تأبين الإمام ابن باديس هذه العبارات الخالدة: لقد كان الشيخ عبد الحميد بن باديس في جهاده وأعماله، هو الجزائر كلها فلتجتهد الجزائر بعد وفاته أن تكون هي الشيخ عبد الحميد بن باديس“.

لقد كان عبد الحميد بن باديس عالما عاملا، وفقيها مجتهدا، ومربيا مخلصا، ومصلحا مستنيرا، وسياسيا متبصرا، وإمام محدثا ومفسرا. 

ومما قاله المؤرخ الفرنسي الكبير شارل روبير أجرون في مؤلفه القيم “تاريخ الجزائر المعاصر” في وصف شخصية ابن باديس ما يلي: “كانت شخصيته من طراز الشخصيات النبوية زاهدا ثابت النظر، كان يجد نشوة حقيقية في الصلاة وتلاوة القرآن، وكان مصلحا دينيا وسياسيا، ونذر ابن باديس في سبيل عقيدته إخلاصا لا يضاهى، وحماس المعلم، وخصال الصحفي، ورجل الدعاية، إنه كان كاتبا بارعا، وكان له باع طويل في الخطابة وكانت مزاياه الخلقية وفضائله الفكرية عاملا جعله بسرعة محط أنظار إخوانه في الدين حيث احتفي به رائدا للأمة في مسقط رأسه أولا، ثم ذاع صبيته كقائد للعلماء المسلمين الجزائريين في ربوع الجزائر كافة، وصار إمام العصر لدى إخوانه المؤمنين“.

لقد أدرك الإمام ابن باديس حجم التخلف الذي كان يعاني منه الشعب الجزائري، وصعوبة التحديات الواجب رفعها للتصدي إلى مخططات استعمار شامل مصمم على البقاء في الجزائر إلى الأبد يمتلك أقوى الجيوش وأكثر وسائل العلم والثقافة تطورا، فكان الإمام ابن باديس يصل الليل بالنهار في نشاط دائب، وعمل متواصل، يمتد لكل الجبهات: يبدأ يومه بعد صلاة الفجر، ويوزع وقته على التعليم والكتابة والإمامة والخطابة والتنظيم والقيادة إلى ما بعد منتصف الليل. لذلك فإن يوما واحدا في حياة الإمام عبد الحميد بن باديس يختزل أعباء ومشاغل أسبوع أو شهر كامل في حياة غيره من الناس، وكان عارفا وراضيا بما نذر له نفسه لخدمة شعبه ووطنه فهو يقول:”إنني لست لنفسي وإنما أنا للأمة“. 
وعندما بلغ 24 سنة من عمره الحافل بجلائل الأعمال انتصب للتدريس في قسنطينة بالجامع الأخضر، فكان ذلك بمثابة الانطلاقة الحقيقية للمشروع النهضوي الكبير الذي وضعه الإمام ابن باديس لتكوين جيل قادر على أن يحرر نفسه من ظلام الجهل، ويحرر وطنه من ظلم وقيد المستعمر. 

يقول الشيخ ابن باديس:”المدرسة هي المخبر الذي ينشئ أجيالا ومنه يتخرج القادة”، ويؤكد هذه الفكرة بقوله:”لما قفلنا من الحجاز وحللنا بقسنطينة عام 1332هـ (1913م) وعزمنا على القيام بالتدريس أدخلنا في برنامجنا دروسا لتعليم اللغة العربية وآدابها والتفسير والحديث والأصول ومبادئ التاريخ والجغرافيا والحساب ورأينا تقسيم المتعلمين إلى طبقات“. 

فكان الجامع الأخضر ومدرسة التربية والتعليم التي أسسها بقسنطينة ووضع برامجها وسهر على اختيار معلميها ومنهم قادة كان لهم باع طويل في الحركة الإصلاحية والنهضة الوطنية من أمثال الشيخ الفضيل الورتلاني، والشيخ الجيلالي بن العابد، والشيخ بلقاسم الزغداني، رحمهم الله، والشيخ عمار مطاطلة، والشيخ محمد الأكحل شرفاء، حفظهم الله، …وغيرهم.

كانت هذه المؤسسات التعليمية بالشرق الجزائري إضافة إلى دار الحديث التي أسسها بتلمسان هي محاضن الطاقات ومنارات الثقافة الناهضة، وقلاع الجهاد الثقافي في وجه المسخ الفكري واللغوي الفرنسي. 

وتكميلا للجهد التعليمي وتدعيما له أنشأ الإمام عبد الحميد بن باديس صحافة وطنية متطورة باللغة العربية، وكان قد ساهم في سنة 1919 في تأسيس جريدة “النجاح” التي تعتبر من الصحف الرائدة في مجال الإصلاح مع الشيخ عبد الحفيظ الهاشمي، وكان يوقع مقالاته فيها باسم القسنطيني أو العبسي، وكان من كتابها الشيخ أحمد بوشمال، والشيخ مبارك الميلي العلامة المصلح رائد التأليف التاريخي الجزائري في العصر الحديث. ولكن جريدة “النجاح” وتحت ضغوط المستعمر وتهديداته المتواصلة انحرفت وارتمت في أحضان المستعمر الفرنسي، فغادرها ابن باديس وصحبه (بوشمال والميلي) وتولى الإمام ابن باديس تأسيس جريدة “المنتقد” في سنة 1925 وكان شعارها:” الحق فوق كل أحد، والوطن للجميع” وكانت هذه الجريدة الجريئة بلهجتها ومواضيعها ثورة عارمة على الاستعمار وانحرافات الطرقية فلم تعمر طويلا وصادرتها السلطات الاستعمارية بعد صدور 18 عددا منها. 

وبعدها أي في سنة 1926 أصدر ابن باديس أسبوعية “الشهاب” ثم تحولت في سنة 1929 إلى مجلة شهرية واستمرت الشهاب في الصدور إلى سنة 1939 حيث أوقفها الإمام ابن باديس عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية لأنه رفض أن تكون أداة في يد الإدارة الفرنسية التي وضعت الصحف تحت إشرافها المباشر بموجب قوانين الحرب، وقد كان لهذه الصحيفة دور كبير في ترسيخ ونشر الفكر الإصلاحي والدفاع عن القضية الوطنية بأسلوب يجمع بين مرونة الطرح وصلابة المبدأ. 

وقد وصل إعجاب الشيخ حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر بمجلة “الشهاب” الباديسية إلى أن أعطى اسم “الشهاب” للجريدة التي أصدرها وكتب في افتتاحية عددها الأول ما يلي:”وإنا لنرجو أن تقفو “الشهاب” المصرية الناشئة أثر (الشهاب الباديسية) وتجدد شبابها وتعيد في الناس سيرتها في خدمة دعوة القرآن وتجلية فضائل الإسلام“.

وكان الإمام عبد الحميد بن باديس عندما يتبنى موقفا يتوقع أن يسبب إحراجا لجمعية العلماء المسلمين ينشره في “الشهاب” وليس في “البصائر” لسان حال الجمعية.

وعندما تأسس نادي الترقي بالعاصمة في سنة 1927 كان ابن باديس من بين أشهر الخطباء وألمع العلماء الذين صنعوا مجد هذا النادي الذي لعب دورا في غاية الأهمية في الحياة الفكرية والثقافية والسياسية للجزائر المعاصرة، ويكفيه شرفا أنه احتضن ميلاد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في 5 ماي 1931م. 

وعندما تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لم تر النخبة المثقفة والصفوة العلمائية آنذاك من هو أجد وأقدر على تولي القيادة وتسلم رئاسة هذه الجمعية من إمام الجزائر وعالمها الرباني وفقيهها المجتهد الشيخ عبد الحميد بن باديس، فتم انتخابه رئيسا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين رغم غيابه عن حضور المؤتمر التأسيسي. 

وقد عرف الإمام ابن باديس بمواقفه الحاسمة في وطنيتها المعتزة بإسلامها، فقد طلب من سكان قسنطينة في سنة 1937 عدم المشاركة في احتفالات الذكرى المئوية التي نظمها المستعمر الفرنسي بمناسبة احتلال قسنطينة، ونظم في نفس السنة أي في ليلة المولد النبوي من سنة 1937م نشيده الخالد:

شعب الجزائر مسلم       وإلى العروبة ينتسب

وهو بمثابة برنامج كامل لرفض الاندماج، والثورة على الاستعمار، ورفض عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية كتابة برقية مساندة لفرنسا ضد عدوتها ألمانيا. 

وأصدر فتاوى تكفر المسلم الجزائري الذي يتجنس بالجنسية الفرنسية، وفتوى تحرم زواج الجزائري بالفرنسية، وفتوى تقول بعدم جواز الصلاة ودفن ابن المتجنس الذي يرضى بصنيع والده ولا ينكره في مقابر المسلمين.

وكان الإمام ابن باديس الفقيه الأصولي يعمل بمقتضى فقه المآلات أو فقه التوقع الذي يسد الذرائع أمام المفاسد التي يمكن أن يحدثها التجنس والزواج بالفرنسيات على إخماد الشعور الوطني في الجزائريين والرضا ببقاء المستعمر. 

كما ساهم ابن باديس في إنشاء الفرق الكشفية والمسرحية والرياضية لتحقيق نهضة شاملة خاصة في أوساط الشباب الذين يعقد عليهم الرجاء لتحرير الوطن. 

وقد أكرمه الله بتحقيق رجائه في استقلال الجزائر وأصبح تاريخ رحيله (16 أفريل) يوما وطنيا لذكرى العلم عند كل الجزائريين. 

 

 

آخر التغريدات: