الآراء النقدية للشيخ البشير الإبراهيمي في كتابه التراث الشعبي والشعر الملحون في الجزائر

الآراء النقدية للشيخ البشير الإبراهيمي في كتابه التراث الشعبي والشعر الملحون في الجزائر

قال تعالى: { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا } صدق الله العظيم… يعد الشيخ محمد البشير الإبراهيمي مفخرة علماء الجزائر من أبرز أقطاب الحركة الإصلاحية في الجزائر، وأحد أعظم رموز نهضتنا الثقافية والأدبية، ولذلك فإن الحديث عنه يتشعب، والقلم يحتار من أين يبدأ وماذا يختار، فالرجل بحر خضم ليس له ساحل… وحياته كانت حياة خصبة حافلة سخرها لخدمة شعبه ووطنه وهو الذي قال: ” لم يتسع وقتي للتأليف والكتابة مع هذه الجهود التي تأكل الأعمار أكلا، ولكنني أتسلى بأنني ألفت للشعب رجالا، وعملت لتحرير عقوله تمهيدا لتحرير أجساده، وصححت له دينه ولغته فأصبح مسلما عربيا، وصححت له موازين إدراكه فأصبح إنسانا أبيا، وحسبي هذا مقربا من رضى الرب ورضى الشعب “.

أما ما قيل عنه فكثير جدا أذكر منه ما قاله  المرحوم أحمد توفيق المدني عندما انتخب عضوا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة خلفا للشيخ البشير الإبراهيمي : ” لم يكن أستاذي، وأخي، ورفيق جهادي، محمد البشير الإبراهيمي مجرد رجل عظيم كغيره من عظماء الرجال، بل كان الإبراهيمي أمة، كان جيلا، كان عصرا، كان من أولئك الأفذاذ القلائل، الذين أملوا إرادتهم على الحياة، فأخضعوا الأيام لمشيئتهم فكيفوها كما أرادوا، فأخرجوا بلادهم من مصير شاءه لها الظالمون، إلى مصير رسموه لها بأنفسهم” (1)، أما تلميذه الدكتور جميل صليبا فقال عنه: ” من عجيب أمر الشيخ أن الناس كانوا لا يهتمون به عند لقائه لأول مرة، حتى إذا تكلم أو احتج أو خطب ألهب النفوس حماسة وجعل القلوب تشرئب إليه للاستمتاع بفصاحة لسانه وحر بيانه. يدخل المجلس كزهرة ذابلة فإذا هو بعد الأخذ بناصية الكلام أشبه شيء بكوكب دري. ومن عجيب أمره أيضا أنه كان على تبحره في العلم لا يريد ان يؤلف كتابا ينسب إليه. سألته عن سبب ذلك, فقال: أمليت على تلاميذي كتبا كثيرة فبعضها نشر بأسمائهم وبعضها لم ينشر. وإذا كنت قد سمحت لتلاميذي ينشر بعض كتبي المغفلة فمرد ذلك إلى رغبتي في نشر العلم. إن المؤلفين الذين يحرصون على نشر الكتب بأسمائهم لا يجنون من وراء ذلك إلا العجب والغرور ” (2)

ولو تتبعنا إسهامات البشير الإبراهيمي الفكرية و الثقافية والأدبية لما اتسع لنا المجال فقد كان الإبراهيمي مصلحا مخلصا، ومربيا ناجحا، وكاتبا بليغا، وخطيبا مفوها، وصحفيا بارزا، وإلى جانب ذلك كله، كان الإبراهيمي أديبا بارعا صاحب أسلوب أدبي رفيع، كما كانت له بعض الآراء النقدية في بعض الشعراء كمحمد العيد آل خليفة الشاعر السوري عمر بهاء الدين الأميري، ولذلك ينبغي على الباحث في شخصية الإبراهيمي أن يحدد زاوية النظر ويقتصر على جانب واحد من هذه الجوانب المتعددة التي تجل عن الحصر.

ونحن في هذه الدراسة سنطرق جانبا ربما ما يزال خفيا عند الباحثين الذين تطرقوا لجوانب الإبداع الأدبي عند البشير الإبراهيمي ألا وهو رأيه في التراث الشعبي والشعر الملحون وهو جانب جديد في شخصية الإبراهيمي كان مجهولا لدى الباحثين قبل صدور هذا الكتاب الذي حققه الباحث الجزائري المعروف عثمان سعدي ونشره منذ أقل من سنتين فقط . فنحن نعرف اهتمام الإبراهيمي بالأدب الفصيح شعرا ونثرا، ولكننا لا نعرف أنه كان من المهتمين بالشعر الشعبي أيضا.

وقد دفعني للكتابة عن هذا المؤلف أمران،

أولا: حبي للأدب الشعبي عموما والشعر منه على وجه الخصوص، والذي يعود إلى سنوات عديدة مضت كنت فيها شغوفا بالشعر الملحون وكنت أواظب على المشاركة في مهرجاناته، وملتقياته التي دأبت بعض دور الثقافة والجمعيات على تنظيمها، و كونت فيها صداقات مع الكثير من الشعراء من مختلف مناطق الوطن منهم من توفي الآن ومنهم من لا يزال على قيد الحياة. خاصة في المناطق الجنوبية مثل بسكرة، والوادي، و ورقلة، والأغواط … وغيرها”.

ثانيا: إعجابي الكبير بشخصية الشيخ البشير الإبراهيمي، الذي يعد من أبرز رجال الحركة الإصلاحية في الجزائر والعالم العربي، والذي قدم حياته من أجل المحافظة على هوية الأمة ضد سياسة الاستعمار الغاشمة، وقد تعرفت على الكثير من جوانب العظمة لدى هذه الشخصية الفذة، التي لم ينجب تاريخنا الحديث مثلها، خاصة من خلال تدريسي للأدب الجزائري في الجامعة، فأنا محبلموضوع الكتاب، ومحب لمؤلفه أيضاً، وبدافع من هذا الحب قرأت هذا الكتاب، وكتبتُ هذا البحث.

* قصة الكتاب :يذكر الأستاذ عثمان سعدي أن قصة هذا الكتاب تعود إلى سنة 1952 عندما كان  طالبا بكلية الآداب جامعة القاهرة وحينها اهتم قسم اللغة العربية بالفنون الشعبية فخصص مادة لذلك يشرف عليها الأستاذ الكبير عبد الحميد يونس، مما جعل الطالب عثمان سعدي آنذاك يكتب مقالا طويلا بمجلة الآداب البيروتية عنوانه ( الفنون الشعبية في الجزائر حصل بفضله على جائزة المجلة )، كل هذا جعله يقصد الشيخ البشير الإبراهيمي ويطلب منه رأيه في الأدب الشعبي يقول عثمان سعدي فأجابني قائلا : أمشق قلمك واكتب، ثم أملى علي هذه الرسالة في القاهرة في دارته بمصر الجديدة … وبرهن أنه بحر لا قرار له في هذا الميدان، ومر نصف قرن وأنا أبحث عن المخطوط الذي سجلته، فهداني الله ووجدته بمحفوظاتي في شهر فبراير 2010 ، فسارع إلى تحقيقه ونشره في السنة نفسها التي عثر فيها على المخطوط، ويذكر عثمان سعدي أن البشير الإبراهيمي كان في هذه الرسالة يستعرض من ذاكرته العجيبة (3)، فقد أملى عليه هذه الرسالة في القاهرة بعيدا عن أي مرجع، من الذاكرة العجيبة التي عرف بها الإبراهيمي ” فقد أوتي الشيخ محمد البشير حافظة قوية لا يند عنها شيء، ويمكن تشبيهها بآلة تصوير وتسجيل، فكان لا يقرأ أو يسمع شيئا إلا وعاه وحفظه ” (4)، يقول في وصفه لهذه الذاكرة التي وهبه الله إياها ” وهبني الله حافظة خارقة وذاكرة عجيبة، تشهدان بصدق ما يحكى عن السلف وكانتا معينتين لي في تحصيل العلم في هذا السن ” (5). وهذا ما يؤكده هذا الكتاب الذي حوى معلومات دقيقة عن الشعر الملحون مع نماذج من هذا الشعر لكبار شعراء الملحون كان الإبراهيمي يحفظها عن ظهر قلب مما يعزز اهتمامه الكبير بهذا الشعر، والذي للأسف ما يزال بعضنا ينظر إليه إلى اليوم بشيء من التوجس. وسنعرف رأي الإبراهيمي من الشعر الملحن بالتفصيل عندما نستعرض محتوى الكتاب.    

* محتوى الكتاب : جاء كتاب التراث الشعبي والشعر الملحون في الجزائر أو الرسالة كما سماها الإبراهيمي في تسع وخمسين صفحة من الحجم المتوسط استهلها المحقق بمقدمة صغيرة أما الرسالة فاشتملت على قضايا هامة بعضها يتعلق بالأدب  العربي، ومراحل تطوره، ونقد لبعض شعرائه، مما لا يهمنا كثيرا في هذا البحث، والبعض الآخر يتناول آراء الإبراهيمي في الشعر الملحون، وأنواعه، وأهم خصائصه. وهذا ما سنركز عليه حديثنا، وفيما يلي عرض لأهم محتويات الكتاب :

1ـ مراحل الأدب العربي :

استهل البشير الإبراهيمي رسالته بمقدمة تمهيدية تحدث فيها عن الأطوار التي مر بها الأدب العربي مبينا أن الأدب ” كالكائنات الحية كلها تتأثر بالزمان وتنالها أطواره، فيتسع بعد الضيق أو يضيق بعد السعة ” (6) مشيرا إلى أن الأدب في العصر العباسي يختلف باختلاف البيئة فهو في بغداد ” مغاير في الكثير من الخصائص للأدب في العصر الأموي، ومن يطالع الأدب في العراق والشام يجد في كل منهما خصائص واضحة  ” (7) وقد أشار إلى هذا التباين الثعالبي في كتابه ( يتيمة الدهر ) كما يقول الإبراهيمي.

ينتقل الإبراهيمي بعد ذلك إلى الحديث عن التجديد في الأدب الأندلسي وكيف أن الشعر العربي بدأ بالسجع ثم تطور حتى تجاوز بحور الخليل وأصبحت تلك البحور لا تستوعب مذاهب القول الشعري الجديدة مما تطلب ظهور الأجزال (8) التي تفنن الأندلسيون فيها ” وابتكروا قوانين وأوزانا لم تخرج في كثير منها على لغة العرب ولا على تصاريفهم، وخرجت في بعض الزجالين إلى لغة حضرية شابوها بكثير من الألفاظ العامية للغة الأندلسيين ” (9) وهكذا ظهرت الموشحات كما يرى الإبراهيمي وانتشرت في الأندلس  بفضل جملة من العوامل منها:

ـ أنها تتسم بالسهولة والحلاوة مما حقق لها وقعا خاصا بين الناس فنالت إعجابهم  

ـ تعبيرها عن خوالج الأمة الأندلسية ومشاعرها

ـ كثرة أسباب الغناء واللهو وانتشار مجالسه

ـ انتشار أسباب الغنى والحياة المرفهة في الأندلس

ـ تشجيع الوزراء والأمراء للشعراء بل ومشاركتهم في الحياة الأدبية (10)

هذه الموشحات لم تكن تختلف كثيرا عن خصائص الشعر العربي ” ثم جفت القرائح عن اللغة العربية الفصيحة والتزام قوانينها النحوية وقوانين أوزانها العروضية. فمال الناس وأكثرهم العامة إلى الشعر بالغة العامية ” (11)  

2ـ نشأة الشعر الشعبي:

تعددت الآراء في نشأة الشعر الملحون في الجزائر فمنهم من يرجعه إلى الهلاليين الذين دخلوا المغرب العربي في القرن الخامس الهجري وهذا رأي الدكتور التلي بن الشيخ  الأستاذ محمد المرزوقي (12)، ومنهم من يرى أن  الشعر الجزائري إنما يستمد أصوله البعيدة من أشعار بربرية، وهذا الرأي ينفي انصهار الثقافة الجزائرية الأمازيغية في الثقافة العربية الإسلامية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه يلحق الشعر الجزائري بالشعر اللاتيني(13).

وفي كتابه الشعر الديني الجزائري الحديث ينفي الدكتور عبد الله الركيبي هذا الرأي الأخير ويرى ” بأن الشعر غير المعرب جاء مع الفتح الإسلامي، ثم انتشر بصورة قوية واضحة بعد مجيء الهلاليين إلى الجزائر، حاملين معهم لهجاتهم المتعددة، حيث تغلغلوا في الأوساط الشعبية، وساهموا في تعريب الجزائر بصورة جلية اعترف بها كثير من الدارسين ” (14)، أما رابح بونار فيرى أن الشعر الملحون نوعان : الشعر البدوي، وقد تفرع من الشعر الهلالي، والشعر الحضري، وقد انبثق من الموشحات والأزجال (15)   

وهذا الرأي يؤكده الشيخ البشير الإبراهيمي مما يدل على اطلاعه الواسع على الشعر الملحون ومراحل نشأته وتطوره،فيرى أن الشعر الملحون قد تطور عن شعر الموشحات في الأندلس, كما أنه ظهر أيضا على يد قبائل بني هلال عند دخولهم إلى المغرب، يقول الإبراهيمي في هذا الأمر : ” ثم دالت دولة الأندلس وخبا نجمه  يقصد شعر الموشحات[، واستعجل اللسان الناس فحابوا إلى الشعر والنفوس مشوقة إليه قولا و سماعا، كأنما جفت القرائح عن اللغة العربية الفصيحة والتزام قوانينها النحوية، وقوانين أوزانها العروضية. مال الناس وأكثرهم العامة إلى قول الشعر باللغة العامية، وقد ظهر هذا على ألسنة زعماء بني هلال الداخلين إلى المغرب في أول دخولهم ” (16) وبعد هذا يستشهد الإبراهيمي بابن خلدون ويذكر أنه أورد نماذج من هذا الشعر الملحون في مقدمته، و فيها الكثير من خصائص الشعر العربي الفصيح  

3 ـ المقارنة بين الشعر العامي والشعر الفصيح :

يعقد الإبراهيمي في كتابه مقارنة بين الشعر العامي والشعر الفصيح مبينا نقاط الاختلاف أو ما يتميز به الشعر العامي، بل إنه يخصص جانبا في كتابه للحديث عن الأدب الصحيح الفصيح كما يسميه ويذكر أهم حواضره، مثل مدينة تيهرت والقلعة الحمادية ومدينة أشير وتلمسان و المحمدية المعروفة اليوم بالمسيلة ومقاوس وبسكرة ووهران ومستغانم وبجاية، ثم يذكر من اشتهر  من الشعراء والأدباء في هذه المدن كبكر بن حماد التيهرتي، وابن خميس التلمساني، وابن رشيق القيرواني ثم يذكر آخر الأدباء في المغرب في ( القرن 10 و 11 الهجري ) وهم: المقري صاحب نفح الطيب، وصاحبه أبو الحسن اليوسي، و الوزير الأديب عبد العزيز القشتالي، وبعد هذا التاريخ لم ينشأ في المدن الجزائرية شاعر يذكر، كما يقول الإبراهيمي، أما الشعر الملحون فمن خصائصه  :

أ‌-  أنه شعر إقليمي، ” فإذا نقل إلى إقليم آخر وخفيت مراميه على أهله عز دركه. فمثلا شعر شعراء الملحون في إقليم وهران من القطر الجزائري لا يستسيغه أهل إقليم قسنطينة من القطر الجزائري أيضا ” (17)

ب‌-أن الشعر العامي في الجزائر يشتمل على كثير من أغراض الشعر الفصيح، كالمدح والهجاء والفخر، وإنما الاختلاف في العمق وقوة التأثير

ت‌-ضياع الكثير من الشعر العامي بسبب عدم التدوين، وقلة العناية به، و أغلب ما حفظ منه المديح النبوي. وما يجري مجراه من مدح المشايخ الذين تعظمهم العامة كعبد القادر الجيلالي. و هناك أيضا ما يقال في ركاب الحج، و وصف الشوق لزيارة قبر النبي (ص)، وهذا النوع من الشعر فيه مبالغات كثيرة أفسدته.   

4 ـ انحطاط الشعر الفصيح وظهور الشعر الملحون:

يرى الشيخ البشير الإبراهيمي أن الشعر العامي لم يدون بسبب نزعته الإقليمية التي تجعله حبيس الإقليم الذي ينتمي إليه الشاعر ولا يتجاوزه إلى غيره من الأقاليم، إلا قليلا ففي الإقليم الوهراني اشتهر عدد من الشعراء منهم : الشيخ الأخضر بن خلوف المستغانمي الذي عاش في القرن التاسع الهجري (ت 1024هـ)، نظم في شعر المواعظ وعيوب النفس، والشاعر مصطفى بن إبراهيم، وبوعلام السجاري، وسعيد المنداسي، وقد ” كان أطولهم نفسا، وأشهرهم ذكرا وأعمقهم أثرا وأشدهم تأثيرا  مصطفى بن إبراهيم ”  (18) كما يذكر الإبراهيمي  

أما الإقليم القسنطيني فاشتهر فيه محمد بن السنوسي إمام شعراء الديس، وبعده محمد الشلالي وآخرون ” وكلهم مشهور بالتدين الشديد والاستقامة والأخلاق الفاضلة ” (19)، واشتهر في زمان الكاتب شاعر ملأ شعره الدنيا روعة وإتقانا واتساع أفق، وهو الشيخ ابن يوسف الخالدي الجلالي ( 20)، ” ومن المحزن أن هؤلاء الشعراء الذين ذكرناهم وكثيرا غيرهم لم يدونوا شعرهم ولم يدونه الناس المحيطون بهم مع إعجابهم بهذا الشعر وشدة تأثرهم به، … ويوجد كثير من القصائد المتفرقة لشعراء معروفين مكتوبة عند كثير من الناس لم يتصد مع الأسف لجمعها بعض الأدباء، وإنها لحقيقة بالتدوين والحفظ ” (21)

5 ـ خصائص الشعر الملحون :

يرى الإبراهيمي أن الشعر الملحون يتفاوت بين إقليم وآخر فهو في الإقليم القسنطيني يمتاز بخصائص وفي الإقليم الوهراني يمتاز بخصائص أخرى.   

أ ـ خصائص شعر إقليم قسنطينة :  من خصائص الشعر القسنطيني عند الإبراهيمي استهلاله بمخاطبة الفارس أو الحمام ” فنجد طوالع القصائد متواردة على خطاب الفارس الآتي من مكان بعيد كما يتصورونه، ويكلفونه تبليغ التحية والسلام، وبث الأشواق والسفارة بينهم وبين الحبوب… والنوع الثاني يخاطبون فيه الحمام أو القمري الذي هو ذكر الحمام يكلفونه بمثل ما يكلفون الفارس في النوع الأول، لكنهم يكلفونه حمل الرسالة للمحبوب… يسلكون هذا المسلك من تكليف الحمام لتبليغ الرسائل في موضوعين من شعرهم، يقلد فيهم بعضهم بعضا ” (22).

1 ـ الموضوع الأول: السفارة بينهم وبين المحبوب

2 ـ الموضوع الثاني : السفارة بينهم وبين عبد القادر الكيلاني في بغداد والذي كثرت فيه مدائح الشعراء وكثرت في هذه الأشعار المبالغات الخارجة عن إطار العقل  (23)، وهذا الأمر يؤكده الباحث أحمد قنشوبة في كتابه البناء الفني في القصيدة الشعبية الجزائرية، فيرى أن ” هذا النوع من البدايات يتواتر كثيرا … حتى أصبح تقليدا بنائيا في مطالع قصائدهم، والظاهر أن هذا التفكير بالإضافة إلى وظيفته البنائية في القصيدة يؤدي دورا تعبيريا يفضح الجو النفسي الذي يسيطر على الشاعر”(24). ويبرز اهتمام شعراء الملحون بعنصر التخييل والتعبير عن الوجدان في هذه الصور الحسية التي تقوم على التشخيص بغية ترجمة الأجواء النفسية والشعورية للشعراء، خاصة عند شعراء البادية كمنطقة أولاد جلال  وهذا ما تنبه إليه البشير الإبراهيمي عندما وصف  شعرهم بصفة الغنائية، وقال بأنها تكثر عند شعراء منطقة قسنطينة، وتقل عند شعراء وهران، ومن هؤلاء الشعراء يذكر الإبراهيمي الشيخ محمد السماتي الجلالي، والشيخ محمد بن يوسف، وكلاهما من مدينة أولاد جلال بالجنوب الجزائري ويعطي نماذج من شعرهم في هذا المجال (25) . ويرى أن الاستهلال بسفارة الحمام والفارس تقليد يتبع فيه اللاحق السابق. إلا أنه ينبه في موضع آخر إلى أن ” الشعر الملحون بحر لا ساحل له فإن المطالع كذلك لا حصر لها ” (26)، أما من حيث المضمون ” فهؤلاء الشعراء يتغنون بالقومية العربية وينظمون في فتوحات العرب لإفريقيا الشمالية، ويذهبون فيها في الغلو والأساطير، حتى إنهم يذكرون في قصائدهم أن علي بن أبي طالب دخل إفريقيا وفتح الكثير من مدنها، ويخترعون له من المواقف مع قواد القوات الرومانية ما لا أصل له، ولاشك في أن أشعار بني هلال التي يشير إليها ابن خلدون وهي من هذا النوع، والموجود منها في كتاب تغريبة بني هلال ” (27)

ويبدو أن الإبراهيمي متبحر كثيرا في هذا الشعر مطلع على بحوره، فيذكر أن هناك بحرا يلتقي فيه الشعراء ” يعرف في اصطلاح سكان الصحراء من إقليم الجزائر وقسنطينة بالغربي، وهو بحر كالرجز عند المتقدمين… وطريقتهم فيه أن الشطر الأول يبنى على قافية وروي مخصوص والشطر الأخير يبنى على قافية وروي مخصوص أيضا، ولا يشذون عن هذا وإن طالت القصيدة ” (28)    

ب ـ خصائص شعر منطقة وهران : أما شعراء المنطقة الوهرانية فقلما نجد عندهم هذا الاستهلال بمخاطبة الفارس أو الحمام، ولذلك كان شعرهم بعيدا عن الغنائية  (29) ربما لأن شعر المنطقة الوهرانية أقرب إلى الشعر الحضري المتأثر بالشعر الأندلسي.ويذكر الإبراهيمي أن في هذا الشعر أمثال منها العميق البعيد المرامي، و فيها الكثير من خصائص الأمثال العربية مثل: الإشارة القليلة إلى المعنى الكثير، ومضارب الأمثال ومواردها، وعدم تغير الصيغ ( من المؤنث إلى المذكر ) كالأمثال العربية تماما(30).

شعر الحكم: يذكر الإبراهيمي نوعا آخر من الشعر العامي في الجزائر ” وغالب هذا الشعر منظم في بيت أو بيتين مستقلين لا يزيد عليها كالشعر القديم تماما. ولعل اقتصارهم على ذلك هو التهيئة للحفظ … وفي هذا النوع يتساوى شعراء الملحون في الأقطار المغربية كلها وهو متناقل لأنه مفهوم عند الناس كلهم ” (31) ، ويقدم البشير الإبراهيمي بيتين من هذا الشعر يتداولهما الناس في تونس والجزائر للشاعر المغربي عبد الرحمن المجدوب في وصية الضيف وهما :

شرهان والخبز مطروح     الضحك هو ايدامو (شرهان: باش )

كسدان والكبش مذبوح       لا فايدة في طعامو  (كسدان: عابس)

ويلفت الإبراهيمي الانتباه إلى مسألة الانتحال في هذا النوع من الشعر فكل من يريد لشعره الانتشار، أو أنه لا يستطيع التصريح بشعره خوفا من سلطات الاحتلال، أو عدم قبول العامة لشعرهم فيعمد إلى نسبة شعره لشاعر معروف كالمجدوب الذي يقول الإبراهيمي أنه ” أصبح مثل جحا ينسب إليه الشعراء كثيرا من أشعارهم لتحفظ وتروج ” (32)

هذه هي إذن أهم محتويات هذا الكتاب الذي نتشرف اليوم بتقديمه في هذا الملتقى، والذي يكشف عن جانب كان إلى زمن قريب غير معروف وهو اهتمام الشيخ البشير الإبراهيمي بالشعر الملحون، والمطلع على هذا الكتاب يرى أن كلامه عن هذا الشعر ينم عن معرفة عميقة بتاريخ هذا الشعر وخصائصه وأعلامه، إنه  كلام باحث معجب بهذا الشعر متبحر في قضايا ه يعرف دقائقه وجزئياته وله فيه آراء نقدية هامة يمكن أن تفيد الباحثين المختصين في الأدب الشعبي .

ـ أهم الآراء النقدية في الكتاب :  

1 ـ موقف الإبراهيمي من الشعر الملحون: قدم الإبراهيمي في كتابه آراء نقدية هامة تتعلق بالشعر الملحون يأتي في مقدمتها موقفه من هذا الشعر، فهو على الرغم من انتمائه إلى المدرسة المحافظة ذات التوجه السلفي والثقافة العربية الأصيلة، إلا أنه لا يبدو متعصبا للأدب الفصيح رافضا للأدب العامي وخاصة الشعر الملحون الذي يبدو لنا أنه معجب به مطلع على أعلامه مدرك لأهم مميزاته بل إنه يحفظ من نصوصه  الشيء الكثير ويقف منه أحيانا موقف المدافع، وكأنه بذلك يرد على الرافضين للشعر العامي، ويؤكد شرعية الاهتمام به شأنه شأن الشعر الفصيح، يقول الإبراهيمي: ” والشاعر الموهوب شاعر ، وإنما اللغة قواعد، فإذا لم يستطع سبك المعاني في القوالب الفصيحة والألفاظ الصحيحة صبها في القوالب التي يفهمها الناس”(33)، ويعني بذلك قوالب اللغة العامية ، وهذا يعني وجود علاقة بين الشعر العامي والشعر الفصيح فهما متداخلان على أكثر من صعيد، وبينهما كثير من وشائج القربى يقول الإبراهيمي ” وقد نقل ابن خلدون في مقدمة تاريخه كثيرا من تلك الأشعار بغرض الاستدلال على ما وجد في تلك الأشعار من خصائص من الشعر العربي مثل المدح والحب والحماسة والفخر وغير ذلك من المعاني التي يشتمل عليها الشعر الفصيح ]يواصل الإبراهيمي قائلا [ ، وقد قرأنا ذلك النموذج من العر فما غم علينا معنى فيه ” (34)،  وفي موضع آخر يؤكد الإبراهيمي هذه الفكرة بقوله ” الشعر العامي عندنا في الجزائر يشتمل على كثير من أغراض الشعر الفصيح وفي المواضيع التي يتناولها كالمدح والهجاء والفخر والخلاف إنما في العمق وقوة التأثير ” ( 35)ولا يقتصر التداخل بين الفصيح والعامي عند الإبراهيمي على الأغراض بل يتعداه إلى عنصر الإيقاع فليست ” هذه البحور المخترعة ولا ما نظم عليها من الشعر قاصرة على العوام بل هي شاملة للأدباء الأصليين، فكثير منهم في الأندلس كان قبل نظمه لهذه الأزجال والموشحات إماما للشعر العربي الفصيح ” (36)

إذن موقف الإبراهيمي من الشعر العامي واضح يكشف عن وعي عميق بقيمة هذا الشعر وأهميته في إثراء التراث العربي. ” وإن فيه لبدائع لا يليق بها الإهمال، وقد ضاع بعضها ولم يبق إلا القليل مما يحفظه الحفاظ ويروونه، وهذا أيضا معرض للزوال لعدم العناية به ” (37). إن الأدب العامي والفصيح وجهان لعملة واحدة، وهي التراث العربي 

2 ـ التصوير الفني في الشعر العامي : يرى الإبراهيمي أن للشعر الشعبي حظه من التصوير الفني الذي هو ملكة موجودة في كل نفس شاعرة ، وإنما التفاوت يوجد في اللغات ” واللغات العامية دائما ضيقة المدار عاجزة عن التصوير الكامل ” (38) وإن كان في الشعر الشعبي أحيانا أبياتا لا تقل روعة في التصوير عن الشعر الفصيح، ولكن الكثير منه ضاع ، ولعل تركيز الإبراهيمي على قضية ضياع الشعر الملحون ودعوته للمحافظة عليه وتدوينه يدل على إحساس بالخطر . خاصة ونحن نشهد ما يعانيه تراثنا الأدبي الجزائري حتى الفصيح منه من إهمال وتهميش، وما ينطوي عليه ذلك من إهمال للهوية الثقافية العربية في الجزائر.

والنشء إذا لم يقع بصره على أعمال أدبية منبثقة عن ذات أمته ومعبرة عن طموح وآفاق وهموم مجتمعه، ووجد الساحة الثقافية خاوية أصيب بخيبة أمل، فإذا وقع بصره على أعمال أدبية أخرى ـ مهما كان مرجعها ـ تلبي رغبة وتملأ الفراغ الذي تركه تاريخه الثقافي الغائب عن الساحة الثقافية انكب عليه جاعلا منه منطلقا يستند إليه، فتتمزق ذاته وتتشظى رؤاه، فتنمو شخصيته مهتزة فاقدة الهوية مشتتة المرجعية، وغير منتمية، ومن ثم ينشأ مجتمع ممزق الذات قابل للهزيمة.

والأمل معقود على الباحثين الشباب ليشقوا طريقا للعمل على ذواتنا لاستخراج كنوز الموروث الأدبي الجزائري بمختلف أشكاله… ، والنبش في ذخائر التراث الجزائري القديم الذي لا يزال الكثير منه مهملا من قبل الباحثين، ويحتاج إلى جهود كبيرة لبعثه، والتعريف به . خاصة إذا نظرنا للأهمية الفائقة التي يحتلها الموروث في حياة الشعوب، وبقاء الأمم، ولذلك فقد احتل مكانة واسعة في كتابات الباحثين قديما وحديثا، لكونه يمثل ذاكرة حية تعكس أصالة أي شعب من الشعوب، ولكنه عندنا في الجزائر – للأسف الشديد – لا يحظى بهذا الاهتمام، حيث نلحظ تقاعسا كبيرا من الباحثين الجزائريين الشباب خصوصا – كما يرى الدكتور عبد الملك مرتاض في كتابه ” الأدب الجزائري القديم ” – وإصرارهم على التجانف عن مدارسة التراث الوطني بحجج واهية، وعلل خاوية، وتبريرات غاوية … فقد ضللنا دهورا نغري طلابنا بالإقبال على هذا الأدب للبحث في أمره، ولمحاولة إضاءة زواياه التي كثير منها لا يبرح مظلما، ولكننا كلما كنا نوجه أحدهم إلى البحث في هذا الأدب … ذهب وغبر زمنا ثم آب إلينا ممتقع اللون، مرتعد الفرائص خائر العزيمة منهار الهمة، مناديا بالويل والثبور، ورافعا عقيرته معلنا ما ألم بهذا الأدب من دثور، وأن المصادر التي تفضي إلى موالجة هذا الأدب وملابسته غير وافرة، أو أنها عزيزة نادرة

ونقول ختاما إن جوانب الإبداع الفكري واللغوي والأدبي لدى الإبراهيمي كثيرة جدا وبعضها لم ير النور بعد، فلم تطبع إلى الآن الكثير من كتبه التي ذكرها في ترجمته, وهذا يجعلنا ندق ناقوس الخطر  وندعو للاهتمام بآثار الإبراهيمي ونحث الباحثين الشباب خاصة للاضطلاع بهذه المهمة النبيلة في مشاريعهم البحثية .   

 

هوامش الدراسة :

* جامعة ورقلة ( الجزائر)

(1)أحمد توفيق المدني، الإبراهيمي كان أمة، كان جيلا، كان عصرا، مجلة الثقافة، ع 87 مايو 1985 ، ص 39 .

(2) مقتطفات من مذكرات الدكتور جميل صليبيا عن الشيخ الإبراهيمي ،المرجع نفسه، ص 57

(3) ينظر. محمد البشير الإبراهيمي، التراث الشعبي والشعر الملحون في الجزائر، تح. عثمان سعدي، دار الأمة، الجزائر 2010، ص 5 وما بعدها

(4)  توفيق جعمات، قبسات من شخصية الإمام محمد البشير الإبراهيمي، مطبعة رويغي ـ الأغواط، 2010 ، ص 34

(5) آثار محمد البشير الإبراهيمي، جمع وتقديم الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، ج5، ص 164 .

(6) محمد البشير الإبراهيمي، التراث الشعبي والشعر الملحون في الجزائر، تح. عثمان سعدي، دار الأمة، الجزائر 2010، ص 15

(7) المصدر نفسه، ص 16

(8) يذكر الإبراهيمي بعضا ممن نبغ في الأزجال وهم : ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد، وأبو بكر بن قزمان، وعبادة بن ماء السماء، والأعمى الطليطلي.

(9) المصدر نفسه، ص 20

(10)المصدر نفسه، 20 ، 21

(11)المصدر نفسه، ص 22

(12)ينظر. التلي بن الشيخ, منطلقات التفكير في الأدب الشعبي الجزائري، المؤسسة الوطنية للكتاب 1990، ص 23، 25 .

(13)ينظر. عبد الحق زريوح، دراسات في الشعر الملحون الجزائري، دار الغرب للنشر والتوزيع، الجزائر 2008، ص10.

(14)عبد الله الركيبي، الشعر الديني الجزائري الحديث، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1981، ص 368 .

(15)ينظر. مجلة آمال، ع 4 ، 1969، ص 09 .

(16)محمد البشير الإبراهيمي، التراث الشعبي والشعر الملحون في الجزائر، ص 24

(17)المصدر نفسه، ص 24 ، 25

(18)المصدر نفسه، ص  35 .

(19)المصدر نفسه، ص 35

(20)ينظر المصدر نفسه، ص 36

(21)المصدر نفسه، ص 36

(22)المصدر نفسه، ص 37.

(23)المصدر الثاني، ص 38.

(24)أحمد قنشوبة، البناء الفني في القصيدة الشعبية الجزائرية، دار سنجاق الدين للكتاب 2010 ، ص 147

(25)ينظر القسم الخاص بالنماذج الشعرية من كتاب الإبراهيمي، ص 46 . يظفر القارئ لهذا القسم من الكتاب بنماذج رائعة من الشعر الملحون لكبار الشعراء الجزائريين مما يكشف اهتمام البشير الإبراهيمي الكبير بهذا الشعر.

(26)محمد البشير الإبراهيمي، التراث الشعبي والشعر الملحون في الجزائر، ص 51

(27)المصدر نفسه، ص 52

(28)المصدر نفسه، ص 56

(29)المصدر نفسه، ص 40

(30)ينظر المصدر نفسه، ص 41

(31)المصدر نفسه، 41.

(32)المصدر نفسه، 42.

(33)المصدر نفسه، 22

(34)المصدر نفسه، 22

(35)المصدر نفسه، 24

(36)المصدر نفسه، ص 25.

(37)المصدر نفسه، ص 25.

(38)المصدر نفسه، ص 24.

(39)محمد مرتاض، الأدب الجزائري القديم، ص 119

 

 

آخر التغريدات: