جمعية العلماء الجزائريين والملك محمد الخامس

جمعية العلماء الجزائريين والملك محمد الخامس

ليست من عادة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التقرب من الملوك والزعماء أو التزلف لهم، وإذا اقتربت منهم فإنّ ذلك من باب التعريف بنشاطها الإصلاحي والتماس النّصرة للقضية الجزائرية، أو دعم مشروع قومي بناء أو تضامن مع مظلوم. وعلى هذه الأسس السامية نسجت جمعية العلماء شبكة من العلاقات المتينة مع ملوك مسلمين كانت لهم مواقف مشرفة لدينهم وأمتهم، وأذكر هنا: محمد المنصف باي في تونس، محمد إدريس السنوسي في ليبيا ومحمد الخامس في المغرب… وسأقتصر في هذا المقال على المثال الأخير –أي ملك المغرب محمد الخامي- الذي نفته السلطة الاستعمارية في 20 أوت 1953 بسب مواقفه الوطنية، على أمل العودة في الأعداد القادمة إلى النماذج الأخرى.

الرئيس الشرفي لجمعية العلماء الجزائريين مستشار السلطان

يمثل الشيخ أبو العباس أحمد التيجاني الرئيس الشرفي لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين همزة وصل بين هذه الجمعية الإصلاحية والسلطان محمد بن يوسف (محمد الخامس). فهذه الشخصية الجزائرية التي استقرت في المغرب منذ عام 1915 جديرة بالدراسة لأنها تعتبر مفتاحا لفهم العلاقات بين النخبة الجزائرية والطبقة السياسية والفكرية في المغرب الأقصى.

ولد أحمد التيجاني عويسي في عام 1881 في عين ماضي (منطقة الأغواط). درس في مسقط رأسه ثم انتقل إلى الجزائر للدراسة في المدرسة الثعالبية على الشيخ عبد الحليم بن سماية وغيره من علماء الجزائر. وعمل بعد تخرجه قاضياً في قسنطينة والجزائر. غير أنّ سلطة الاحتلال توجست خيفة من استقامته واستقلاليته ووطنيته، فنفته إلى مسقط رأسه. ومن حسن الأقدار، أن زار وزير مغربيّ الجزائر في مهمة تزويد الإدارة المغربية بمترجمين أكفاء، فاغتنمت السلطة الفرنسية الفرصة للتخلص من الشيخ التيجاني بإبعاده من الجزائر، فسمحت له بالسفر إلى المغرب ضمن فريق المترجمين.

ولم يكتف الشيخ التيجاني بالترجمة في الإدارة الملكية، فقد اشتغل أيضا بالعمل الفكري بالتأليف والكتابة في الصحافة باسم مستعار وهو: أبو العباس أحمد الهاشمي. كما قربه إليه السلطان يوسف وكلفه بتدريس أبنائه الأمراء، منهم محمد الخامس، الذي تأثر به، وجعله مستشارا له عندما أصبح ملكا على المغرب، واختاره عدة مرات مرافقا له في رحلاته المختلفة في العالم العربي وأوروبا. كذلك انضم الشيخ أبو العباس مبكراً إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكتب في جرائدها المختلفة مقالات نفيسة خاصة سلسلته حول مواقف المستشرقين من القرآن. وزار الجزائر عدة مرات، واتصل برجال جمعية العلماء التي اختارته في عام 1951 رئيساً شرفياً لها.

احتجاج جمعية العلماء على نفي محمد الخامس

لقد مارست الإقامة العامة الفرنسية في المغرب مضايقات كثيرة على السلطان محمد الخامس نظرا لشخصيته القوية، ووطنيته الصريحة، وتواصله المثمر مع الحركة الوطنية المغربية، وتجاوبه مع مطالبها المشروعة. ورغم التهديدات المتكررة لم يرضخ السلطان المغربي للضغوطات الفرنسية، فأقدم في الأخير المقيم العام الجنرال أوغسطين غليوم بتنظيم مؤامرة غير محكمة ضده في 20 أوت 1953، بإبعاده عن العرش بنفيه إلى جزيرة كورسيكا مع أسرته، وتعيين ابن عمه محمد بن عرفة سلطانا على المغرب بمبايعة مجموعة من العلماء والأعيان خوفاً من بطش الاستعمار أو طمعا في متاع الدنيا.

أما الحركة الوطنية المغربية فقد عارضت هذا الانقلاب عن السلطة الشرعية، فعبرت عن معارضتها بكل الوسائل السلمية والعسكرية. كما تضامنت الحركات التحررية في العالم مع السلطان محمد الخامس، ومن أهمها جبهة التحرير الوطني التي قامت بعملية عسكرية كبيرة في 20 أوت 1955 في الشمال القسنطينيبقيادة العقيد زيغود يوسف للتأكيد على الوحدة المغاربية، والضغط على الحكومة الفرنسية للإفراج عن السلطان المغربي، بالإضافة إلى تحقيق أهداف إستراتيجية خاصة بالقضية الجزائرية.

أما جمعية العلماء المسلمين الجزائريين فقد ردت على مؤامرة الجنرال غليوم ومحمد بن عرفة بإصدار فتوى شرعية صريحة رفضت من خلالها التسليم بأمر الواقع، والاعتراف بشرعية الملك المنصوب بالقوة، وأكدت وفاءها الدائم للسلطان محمد الخامس. وقد بينت فتواها التي وقّعها نائب رئيسها الشيخ محمد خير الدين، بكل وضوح، أنها تؤمن “باستمرار إمامة سيدي محمد بن يوسف ولزوم طاعته لجميع المغاربة”، وتشهد “بطلان إمامة (السلطان) المفروض محمد بن عرفة”، وتؤكد “مروق العصابة القلاوية والكتانية من الدين وتبرئ الإسلام منهم لخيانتهم ونكثهم العهد ورفعهم السلاح في وجه إمامهم الشرعي”، وتستنكر“موقف الحكومة الفرنسية المخالف لتعهداتها، ويعتبرون عملها يوم اجتماع المسلمين في مناسك الحج بمكة احتقارا لعواطف جميع المسلمين ومحاربة للإسلام”.

كما أرسلت الجمعية في الداخل ممثلة في أمينها العام أحمد توفيق المدني، وقادتها في الخارج ممثلة في رئيسها الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ورئيس مكتبها بالقاهرة الشيخ الفضيل الورتلاني برقيات مساندة إلى السلطان محمد الخامس، ورسائل تنديد إلى رئيس الحكومة الفرنسية، وطالبوا الأمين العام للجامعة العربية الضغط على أصحاب

القرار في فرنسا والعالم لحل هذه الأزمة السياسية في المغرب.

ولقد لقيت مواقف جمعية العلماء بفتواها الشرعية الصريحة، وعبر برقياتها ورسائلها، ومن خلال حملتها الإعلامية في جريدة البصائر أصداء طيبة في المغرب الأقصى. وأصبحت هذه الجريدة الممنوعة تدخل خفية إلى المغرب، ويقبل عليها الناس خاصة وأنها الصحيفة العربية الوحيدة الموجودة في الساحة بعد أن أقدمت سلطة الاحتلال على مصادرة الصحف الوطنية المغربية.

وفد جمعية العلماء في حضرة الملك

استسلمت الحكومة الفرنسية لحملة التضامن الداخلية والدولية واستجابت للضغوطات المختلفة، فأطلقت سراح الملك محمد الخامس في 16 نوفمبر 1955، وأعادته إلى عرش المغرب.

وأسرعت جريدة البصائر إلى نشر خبر الإفراج عن الملك محمد الخامس وعودته إلى الحكم في المغرب وسط استقبال جماهيري كبير. فكتبت في الصفحة الأولى بعنوان عريض: ” من المنفى إلى العرش بإرادة الشعب” مدعما بالآية الكريمة: ” إن ينصركم الله فلا غالب لكم”. كما نشرت في الصفحة نفسها رسالة تهنئة من جمعية العلماء إلى الملك المغربي عبرت من خلالها عن الموجة من الفرح التي غمرت الشعب الجزائري حينما علم بالإفراج عنه.

وقد سافر وفد من جمعية العلماء يتشكل من الشيخ العربي التبسي النائب الأول لرئيس جمعية العلماء، الشيخ محمد خير الدين نائبه الثاني، الأستاذ أحمد توفيق المدني الأمين العام، والشيخ عبد اللطيف سلطاني، أمين المالية. وبقي الوفد أسبوعا كاملا اتصل خلالها بالعلماء والأحزاب السياسية المغربية وعلى رأسها حزب الاستقلال.

كما شارك الوفد الجزائري في المهرجانات التي أقيمت للاحتفال بعودة السلطان من منفاه، ومن أبرز هذه النشاطات، التجمع الشعبي في سقيفة الأودايا الأثرية في يوم 18 نوفمبر، والذي خاطب فيه الزعيم السياسي المغربي المهدي بن بركة وأحمد توفيق المدني.

وفي اليوم التالي، استقبل الملك محمد الخامس في قصره الوفود التي قدمت من الداخل والخارج لتحيته، وقد قرر الملك أن يكون وفد جمعية العلماء أول وفد يحظى بمقابلته تقديرا لجهودها الوطنية والقومية واعترافا بموقفها الشجاع تجاهه أيام محنته. وحضر أيضا المقابلة الشيخ أبو العباس أحمد التيجاني الذي قدمهم للملك فردا فردا. وشكر الملك جمعية العلماء على أعمالها الجبارة في خدمة الدين واللغة العربية، وجهودها في نشر الوعي في المغرب العربي وكفاحها الوطني إلى جانب سائر المناضلين من الحركات السياسية الجزائرية الأخرى.

وتحدث الشيخ العربي التبسي في هذا المجلس بشجاعته المعهودة مذكرا الملك بواجباته من أجل ” سعادة الدارين، العز في الدنيا والتمكين للدين”. وزار الوفد الجزائر مواقع تشهد على كفاح الشعب المغربي من أجل نيل الحرية والحصول على الاستقلال.

وبعد عودة الوفد إلى الجزائر، أرسل رسالة شكر وتقدير إلى الملك على ” ما حبا له وفدها من عطف سام إذ افتتح به سلسلة مقابلاته السامية، وقدمه على سائر الوفود، وأن هذه العناية…تدل على تقديره للجهود التي تبذلها الجمعية في سبيل الإسلام والعروبة والوطن المغربي المشترك…” كما شكر الوفد الشعب المغربي الذي التف حولهم واستقبلهم أحسن استقبال.

محمد الخامس في الشعر الإصلاحي الجزائري

حظي محمد الخامس باهتمام ثلاثة من أقطاب الحركة الإصلاحية الجزائرية: محمد البشير الإبراهيمي، محمد العيد آل خليفة ومحمد الهادي السنوسي. وقد نظم كل واحد منهم قصيدة شعرية مدح فيها الملك لخصاله الحميدة وحنكته السياسية وكفاحه في سبيل قضية بلاده الكبرى.

كانت قصيدتي الإبراهيمي أقصر هذه القصائد الثلاثة (44 بيتا) لأنها جاءت في مستهل مقال نثري طويل كتبه الإبراهيمي بعد لقائه بالسلطان محمد بن يوسف في باريس في عام 1951. وقد مدح الإبراهيمي الملك في تسعة أبيات، وهي:

إن أمير المسلمين جوهره

وصورة من خلق مصوره

ونسخة من أدب محرره

وقطعة من حكم مقرره

وقطرة من الهدى منحدره

في الدهر من جد الشراف حيدره

مناقب على المدى مدخره

لمن غدا بين الملوك مفخره

وان أتت أيامه بأخره

بينما خصص الإبراهيمي الأبيات الأخرى لمحنته مع سلطة الحماية الفرنسية في المغرب وعرض مواقفه الشجاعة، والتأكيد على جزاء الابتلاء، وانكسار الظلم أمام الحق في نهاية المعركة.

لقد شارك الأستاذ محمد الهادي السنوسي في المهرجان الذي نظم يوم 17 نوفمبر 1952 في قاعة سنيما روايال بالرباط بمناسبة ذكرى عيد العرش الفضي للسلطان محمد بن يوسف. وألقى خلاله قصيدة طويلة بعنوان ” هذا لسان بني الجزائر هاتف”. وإليك أيها القارئ بعضا من أبياتها:

قل لابن يوسف والحياة تزاحم         لله درك أيها الصمصام

أعيت صلابتك المكائد كلها             واستسلمت لثباتك الأيام

خابت مساعي الدهر في إرغامه      ملك يجل مقامه الأرغام

لم يستقر قراره مذ أبصرت             عيناه شعبا في حماه يضام

بالزجر من كل الجوانب مسه    نصب وبالتفقير وهو السام

فمضى كما تمضى السهام ميمنا             أهدافه، والفارس المقدام

انظر تجد حكم الجهالة غاشما          آثاره الأسقام والآلام

فكان من في أرضهم من وقعها في عقر دارهم هم الأيام

وأعيد بث هذه القصيدة التي نالت الجائزة الثانية التي المسابقة المنظمة في مدح السلطان المغربي في الإذاعة المغربية.

أما قصيدة الشيخ محمد العيد فهي تتضمن أيضا أبيات في مدح الملك محمد الخامس للأسباب التي ذكرها الشاعران السابقان بالإضافة إلى شكره وتقديره لحسن الاستقبال الذي خص به الوفد الجزائري الذي ترأسه الشيخ العربي التبسي.

وصف الشيخ محمد العيد المجلس الذي استقبل فيه الملك الوفد الجزائري، فقال:

وجاءتك الوفود مهنئات           بنيل مناك من دنيا ودين

فآثرت الجزائر باحتفاء       بمقدم وفدها الحر الأمين

وأدلى المغرب الأقصى إليها          ببرهان على الود الكمين

وكيف يصد عنها وهي أخت            تمت إليه بالنسب المتين

هكذا تضامنت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مع الملك محمد الخامس حينما شعرت بفضائل أخلاقه، وعدالة سياسته، وشرعية سلطته، وهكذا تعامل الملك محمد الخامس مع جمعية العلماء حينما آمن بعظمة رسالتها، وجلال أعمالها وصلابة مواقفها، وهكذا فقط يجب أن تكون العلاقات بين العلماء والأمراء، ويسود التعاون بين السياسة والعلم.

 

آخر التغريدات: