عبد الحميد بن باديس.. مربياً

عبد الحميد بن باديس.. مربياً

يُحمد لجيل الرواد في حركة الإصلاح والتجديد الإسلامي صدق انشغالهم بمقومات النهوض من الكبوة الحضارية، ووقوفهم حائط صد أمام محاولات التغريب وطمس الهوية. وإذا كان العقل المؤسسي الإسلامي يبذل اليوم وسعه للحد من جنوح العولمة لتفتيت الخصوصية وتذويب الهويات، فإن المرء لا يملك إلا النظر بعين التقدير والإعجاب لما أبان عنه رجل واحد من إرادة خلاقة وتصميم فذ لابتعاث شعب بأكمله.

إن استنطاق التجربة الإصلاحية للشيخ عبد الحميد بن باديس: (1940-1889م) يُرشدنا إلى السِّر وراء افتقار بعض الأنظمة التربوية بالعالم الإسلامي للنضج والفاعلية. ويتعلق الأمر بما يسميه البعض: “المُحرض الحضاري” الناشئ عن الحسّ بالتناقض بين الواقع القائم والمِثال الغائب!

أدرك الشيخ ابن باديس، ومنذ وقت مبكر، أن الاحتلال الفرنسي للجزائر ليس كغيره من المشاريع الاستعمارية القائمة على نهب المقدرات والثروات، بل هو مخطط إجلائي-إحلالي يهدف إلى الإبعاد القسري للجزائريين صوب الصحراء الجنوبية، لتوطين الفرنسيين وتحويل الجزائر إلى امتداد صليبي عبر البحر الأبيض المتوسط. وكل مخطط من هذا القبيل يتسم عادة بطول النفس[  ] ، وبالاستنزاف المدمِّر لجيوب المقاومة، سواء المادية منها أو المعنوية.

فلا محيد إذن عن إرساء بناء تربوي كفيل بتحصين الذات الجزائرية ضد محاولات التذويب الثقافي والسياسي. وهو ما شرع ابن باديس في تنفيذه فور استكماله لمشواره التعليمي بجامع الزيتونة عام 1912م؛ كان للبيئة العلمية التي ترعرع فيها ابن باديس، والثلة الرائدة من العلماء[  ]  الذين تتلمذ عليهم، وفي مقدمتهم رائدا الحركة الإصلاحية في تونس: “الشيخان محمد النخلي ومحمد الطاهر بن عاشور”، كان لهذه العوامل أثرها الواضح في توجيهه صوب المسلك اللائق بالحالة الجزائرية آنذاك.

حيث اتخذ لنفسه مسافة كافية لاستيعاب إكراهات العمل الإسلامي في الداخل، وترتيب الأولويات بشكل يضمن تفادي المواجهة المبكرة مع المحتل إلى حين استكمال شروطها، بادر الشيخ إلى وقف آثار الهزيمة النفسية، وتبديد مناخ الجبر والاستسلام الذي أشاعه بعض المتصوفة زعما منهم أن الاحتلال قضاء إلهي لا يُرد ولا تجدر مقاومته؛ فجعل من تفسير القرآن[  ]  والحديث مرتكزه التربوي لإنشاء جيل متحرر من ضغوط الاختراق والاحتواء.

يقول الدكتور عمار الطالبي: “كان همّه أن يُكوِّن رجالاً قرآنيين يُوجهون التاريخ ويغيرون الأمة، ولذلك جعل القرآن قاعدة أساسية ترتكز عليها تربيته وتعليمه للجيل. قال: “فإننا، والحمد لله، نُربِّي تلامذتنا على القرآن من أول يوم، ونوجه نفوسهم إلى القرآن في كل يوم” (د. عمار الطالبي: آثار ابن باديس المجلد الأول. الشركة الجزائرية. 1997م [ص:80]).

ومما يُحيل على تبصره وثاقب نظره أنه تحرّر في تعليمه لكتاب الله من أساليب المفسرين السائدة في عصره، والتي اتّسمت في الغالب بالتلبيس والتأويل الجدلي المضطرب. إذ كان تفسيره “حركياً” يستجيب لمقتضيات الواقع الجزائري، ويُمهد تلامذته لتشرُّب حقائق الدين ومبادئه وقيمه، ومن ثم لتعزيز خط الكفاح ضد سلطان الجهل والبؤس والبدع المستحكمة في النفوس والعقول.

وأبدى الشيخ ميله لطريقة أهل الأندلس[  ]  في التعليم كما بسطها ابن خلدون في مقدمته. (راجع مقدمة ابن خلدون، فصل: في تعليم الولدان واختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية في طرقه)

فضمن منهجه التعليمي علوم اللغة العربية[  ]  والمنطق والتاريخ والحساب وغيرها.

وأمام الجهد المتواصل الذي بذلته النخبة الجزائرية المفرنسة للهيمنة على الحياة الثقافية، وتشكيل الوعي الجماهيري بما يخدم أجندة المحتل، حرص الشيخ على قطع الطريق أمامها من خلال الحث على تعلم اللغات الأجنبية لمواجهة التحدي المعرفي دون التفريط في الذات والهوية والعقيدة، “كل قوم تربط بينهم المصالح لا بد لهم من التعاون، و لا يتم التعاون إلا بالتفاهم والتفاهم بالمشافهة والكتابة، فعلى القوم المترابطين بالمصلحة أن يفهموا بعضهم لغة بعض وخطه، وبقدر ما تكثر الأقوام المترابطة بالمصلحة تكثر اللغات والخطوط، ويلزم تعلمها لأن العلة هي الحاجة. فنحن اليوم وقد ربطت بيننا وبين أمم أخرى مصالح، علينا أن نعرف لغتهم وخطهم كما عليهم هم أن يعرفوا لغتنا وخطنا” (محمد الميلي: ابن باديس وعروبة الجزائر. إصدارات وزارة الثقافة، الجزائر 2007م [ص:142]).

وكان للمرأة الجزائرية نصيب من جهده التربوي المميز حين دعا إلى تعليمها وتهيئتها دينياً ومعرفياً، حتى تضطلع بدورها في التنشئة السليمة لأجيال الغد، ومما يُؤثر عنه في هذا الباب أنه أعفى البنات من أداء نفقات التعليم بالمدرسة التي أنشأها بقسنطينة حفزا للآباء على السماح بتعليم بناتهم، إن المرٍء ليعجب حقاً أمام اقتدار الشيخ في النهوض ببرنامجه التربوي الإصلاحي رغم تعدُّد المشاغل واتساع رقعة المواجهة!

ذلك أن مواظبته على التعليم المدرسي وإلقاء الدروس التربوية في المساجد لم تُثنه عن طرق ميدان العمل الصحفي والسياسي، فأنشأ جريدة (المنتقد) عام 1926م ثم (الشهاب)، كما ترأس جمعية العلماء المسلمين بالجزائر، واختط للأمة من خلالها نهج الكفاح السياسي وأساليب الاحتجاج على الاحتلال الفرنسي لبلاده لم يكن المسار في الحقيقة سهلا موطأ الأكناف ليُباشر ابن باديس مشروعه التربوي، بل كان حافلاً بصور شتّى من التضييق والمنع والتهديد بالتصفية.

 

و بُذلت من لدن الإدارة الاستعمارية وخصومه من أرباب الطرق الصوفية[  ]  والنخبة المفرنسة جهود مضنية لثنيه عن المضي في التنوير وتوحيد الصف، غير أن قدرة الشيخ على المناورة وتبديد المخاوف هيأَ له فرصة استكمال مشروعه، وكسب رهان التغيير الداخلي للفرد، ثم توفير شروط المناعة الحضارية إزاء مبادرات التغريب والغزو الفكري، لا شك أن تجربة ابن باديس تنهل بعض سماتها وخصائصها من مَعين الحركة الإصلاحية في المشرق، لكن رصد آثارها الجليلة على المستوى الثقافي والاجتماعي والسياسي، يدفعنا للجزم بأنه كان نسيجاً وحده، وعبقرية نادرة وُفقت في إحداث منعطفٍ تاريخيٍ حاسم.

آخر التغريدات: