بين عظيمين: الإمام الإبراهيمي والأستاذ شيبان

بين عظيمين: الإمام الإبراهيمي والأستاذ شيبان

لما رأيت أول مرة هذه الصورة النادرة التي جمعت الإمام محمد البشير الإبراهيمي والشيخ عبد الرحمان شيبان تمنيت في تلك اللحظة أن أجلس ساعات مع هذا الأخير أستمع فيها إلى قصته مع الشيخ الإبراهيمي. غير أن هذه الأمنية لم تتحقق في تلك الفترة لسبب بسيط وهو أن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. وبقيت رغبتي قوية في التعرف أكثر عن هذه العلاقة المتينة بين هذين العظيمين، فقمت ببعض “الحفريات” في هذا المجال، وتتبعت أثارها بين 1947 و2005، فكان من ثمار هذه الجهود، المقال التالي.

بدايات

بدأت العلاقات بين الإبراهيمي وشيبان حينما أصبح هذا الأخير رئيسا لجمعية الطلبة الزيتونيين الجزائريين بتونس. وقد راسله الإبراهيمي في جوان 1947 يخبره بتحضيرات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لفتح معهد إسلامي بقسنطينة يحمل اسم الإمام عبد الحميد بن باديس في أكتوبر من العام نفسه، ويطلب إليه الاتصال بمدير جامع الزيتونة -آنذاك- الشيخ محمد الطاهر بن عاشور للاعتراف بهذه المؤسسة الجديدة كفرع من فروع الزيتونة.

وتفطن الشيخ شيبان إلى حيلة لإقناع الشيخ ابن عاشور بقبول هذا الطلب، فنظم في نادي الطلبة حفلة تكريم على شرف هذا العالم الجليل بحضور العلماء والوجهاء والطلبة، وفي نهاية الحفل كشف شيبان عن مضمون رسالة الإبراهيمي، فأكبر الشيخ ابن عاشور هذه المبادرة العلمية وقبل ربط هذا المعهد الذي يحمل اسم تلميذه النجيب عبد الحميد بن باديس بجامع الزيتونة العامر. وأسرع الطالب شيبان إلى نشر الاعتراف في الجريدتين المسائيتين: “النهضة” و”الزهرة” مضمرا ضمن تغطية الحدث بعنوان عريض: ” جمعية الطلبة الزيتونيين الجزائريين تحتفل برئيسها الشرفي: فضيلة مدير الجامعة الزيتونية”. وهكذا وجدت سلطة الحماية الفرنسية -التي لا تقبل بمثل هذه القرارات- نفسها أمام أمر الواقع.

وأعجب الإمام الإبراهيمي بالطالب عبد الرحمان شيبان لما قدمه من انجازات في رحاب جمعية الطلبة الزيتونيين، وبكتاباته في الصحافة التونسية، ونشاطاته في الساحة الثقافية إلى غاية رجوعه إلى الجزائر بعد نيله لشهادتي التحصيل والعالمية.

وشاءت الأقدار أن يزور الشيخ الإبراهيمي في تلك الفترة قرية الشرفة فينزل ضيفا على أسرة آل شيبان. واستأذن الإبراهيمي الحاج البشير شيبان أن يسمح لابنه عبد الرحمان بالتدريس في معهد عبد الحميد بن باديس بقسنطينة، فوافق الوالد على ذلك. وهكذا أصبح أستاذا للأدب العربي في هذا المعهد ومحررا في جريدة البصائر، لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

شيبان مكلف بالمهمات الدقيقة

كان الشيخ الإبراهيمي يكلف الشيخ شيبان بمهمات عديدة. ولعل أولها مهمة ربط معهد عبد الحميد بن باديس بجامع الزيتونة بتونس كما أشرت إلى ذلك في بداية هذا المقال. أما المهمة الثانية فهي تتمثل بالاتصال بالنخبة الوطنية بشقيها العربي والفرنسي لربط صلة مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. فكان كثير من المثقفين الجزائريين خريجي الجامعات والمدارس الأوروبية تتثاقل أقدامهم في سيرها نحو هذه الجمعية التي تبدو لهم منظمة دينية تقليدية لا صلة لها بالقضايا المعاصرة، كما كان منهم من يتردد في الانضمام إليها لأسباب مختلفة على الرغم من اقتناعهم برسالتها الإصلاحية ودورها الفعال في بناء الوعي الوطني وتبصير القلوب وتحرير العقول.

ولم يجد الشيخ الإبراهيمي في جمعية العلماء أفضل من الأستاذ شيبان صاحب الهندام الأنيق، المتفتح على الثقافة الجديدة والمطلع على الأدب المعاصر والمرن في معاملاته ليكون جسرا بين العلماء والمثقفين المتألقين. وهكذا كلف الإبراهيمي الشيخ شيبان بالاتصال بالمفكر مالك بن نبي “ومساعدته بما تيسر في شؤونه الخاصة المادية والأدبية”، ومرافقته خلال محاضراته في نادي ابن باديس بقسنطينة.

وكانت لهذه العلاقة الفضل في إنقاذ فصلين من كتاب ” العفن” الذي كاد أن يحرقه بن نبي في لحظة ضعف بشري جراء المضايقات الاستعمارية فأخذهما شيبان منه واحتفظ بهما إلا أن عاد صاحبهما من فرنسا فأعادهما له. كما اقترح عليه الشيخان شيبان وإبراهيم مزهودي التدريس بمعهد ابن باديس غير أن بن نبي اعتذر لانشغاله بالهجرة إلى المشرق العربي.

شكل السيد شريف بلقاسم وزير الإرشاد القومي بعد الاستقلال لجنة وطنية لإدماج المعلمين الأحرار في إطار الوظيف العمومي برئاسة الشيخ محمد البشر الإبراهيمي، وعضوية نخبة من العلماء. وكان الأستاذ شيبان العضو في المجلس الوطني التأسيسي ومقرر لحنة التربية الوطنية من أبرز أعضائها. وتوجت أعمالهم بإصدار الرئيس بن بله مرسوما في 19 مارس 1964 يقضي بإدماج المعلمين الأحرار في سلك التعليم الرسمي في مراحله الثلاث حسب مؤهلات كل معلم.

شيبان يؤازر الشيخ الإبراهيمي في محنته

بمناسبة الذكرى الرابعة والعشرين لوفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس، أصدر الإمام الإبراهيمي بيانا في 16 أفريل 1964 انتقد فيه بشدة سياسة الرئيس أحمد بن بله التي انحرفت في نظره عن المنهج الإسلامي بفرض الإيديولوجية الاشتراكية على الشعب الجزائري، وابتعدت عن رسالة ثورة أول نوفمبر 1954. فقد قال بشكل صريح: » إن بلادنا تنزلق أكثر فأكثر نحو حرب أهلية لا يمكن تفاديها، ونحن أمام أزمة أخلاقية لم يسبق لها مثيل، إن أولئك الذين يحكموننا لا يقدرون بأن شعبنا يتيم فَقَدَ كل شيء الوحدة والإسلام، والازدهار، وأن الأسس النظرية لأفعالهم يجب أن تكون مستمدة من عقيدتنا العربية الإسلامية وليس من عقائد أجنبية. «

فأسرعت الحكومة الجزائرية إلى وضع الإبراهيمي تحت الإقامة الجبرية بحجة أن خطابه لا يساعد على إعادة بناء أركان الدولة وتعزيز الاستقرار ودفع عجلة التنمية في البلاد. ونظرا للمناخ السياسي الحاد الذي تميزت به تلك المرحلة من صراع شديد بين السلطة الحاكمة والمعارضة السياسية والمسلحة، اختار كثير من أصدقاء الإبراهيمي وتلامذته الصمت باستثناء ثلة قليلة ومنهم الأستاذ عبد الرحمان شيبان الذي آزره في محنته بكل شجاعة. فاتصل بالرئيس الجزائري من أجل تصحيح المغالطات التي تروج لها بعض الجهات المعادية للتيار الإصلاحي. يروي الأستاذ شيبان في هذا السياق مخاطبا أحمد بن بله مباشرة: ” إني عضو في اتحادية جبهة التحرير لولاية سطيف، ومنسق نوابها في المجلس الوطني التأسيسي، فلا أرضى أبدا أن اعمل في نظام يذكر فيه الإبراهيمي بسوء من جهة، ومن جهة فإني أربأ بكم -يا حضرة الرئيس – أن تعتمدوا في التنديد بالشيخ الإبراهيمي على روايات كاذبة مغرضة سيستغربها ويستنكرها نبهاء العرب والمسلمين الذين يعرفون حقيقة جهاد الإبراهيمي في دعوة الجزائريين والعرب والمسلمين إلى الزّج بأنفسهم في أتون الثورة التحريرية المقدسة…”

ولم يكم غريبا أن يوفق الشيخ شيبان في الإصلاح بينهما، نظرا حنكته السياسية ومقدراته القيادية، ولما يحظى من تقدير كبير لدى أصحاب القرار. وقد تجسد هذا التوفيق في زيارة الرئيس بن بلة دار الإمام الإبراهيمي رفقة الشيخ شيبان بمناسبة عيد الأضحى، فتسامحا الرجلان بعد حوار مثمر، وتعهد بن بله على صيانة الدين الإسلامي والمحافظة على القيم الأخلاقية وتكريس الوحدة الوطنية.

شيبان وإحياء ذكرى الإبراهيمي

توفي الشيخ محمد البشير الإبراهيمي يوم 20 ماي 1965، وكان يوما مشهودا في تاريخ الجزائر المعاصر. وحرص الأستاذ عبد الرحمان شيبان على إحياء الذكرى الأولى لوفاته وفاء للصداقة والتزاما بالعهد. وهكذا تشكلت لجنة الاحتفال بهذه المناسبة برئاسة الأستاذ شيبان.

وقد نجحت هذه اللجنة بفضل حيوة وفعالية رئيسها وإخلاصه للمشروع ودأبه على تنزيله على أرض الواقع، فانعقد حفل بهيج في قاعة ابن خلدون بالجزائر يوم السبت 21 ماي 1966 ، وحضره العديد من الوزراء وسفراء الدول العربية والإسلامية والعلماء وطلبة العلم القادمين من كل أنحاء الوطن.

وقدمت بهذه المناسبة مداخلات وقصائد شعرية تناولت مسار الشيخ الإبراهيمي ودرست آراءه الإصلاحية ومواقفه الوطنية والقومية. وألقى الأستاذ عبد الرحمان شيبان خطابا افتتاحيا أبرز فيه ملامح العبقرية عند الإبراهيمي، فهو ” قائد من قادة الثورة الإصلاحية السلفية” و” إمام في العربية وبلاغتها” و”فيلسوف في ميدان التربية والتعليم” و”خطيب مصقع”. وهو كذلك ” محدث بارع لطيف” و” ديوان لأيام العرب وآدابهم وتقاليدهم”. وهو أيضا ” وطني صادق الوطنية، كرس حياته لخدمة وطنه، داعيا قومه للثورة والجهاد من أجل التحرر والإنعتاق”.

واستمر الشيخ عبد الرحمان شيبان في إحياء ذكرى الإبراهيمي بقلمه ولسانه، وكان آخر عمله في هذا المجال تنظيم ملتقى دولي في ماي 2005 باعتباره رئيسا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وقد شارك فيه نخبة من العلماء الجزائريين (أبو القاسم سعد الله، عبد الرزاق قسوم، محمد الهادي الحسني، عبد الملك مرتاض…)، والأجانب (يوسف القرضاوي، محمد سعيد رمضان البوطي، محمد عمارة، عبد السلام الهراس، محمد المختار السلامي…).

كما ساهم الأستاذ عبد الرحمان شيبان في التعريف بتراث الشيخ الإبراهيمي حينما كان مفتشا عاما في وزارة التربية ببرمجة نصوص من كتاباته في المقررات الدراسية، بالإضافة إلى العديد من المقالات التي كتبها حول حياة  الرئيس الثاني لجمعية العلماء وفكره الإصلاحي وإبداعاته الأدبية ومواقفه تجاه القضايا الوطنية والإسلامية.

لقد كشفت هذه الصفحات من سجل العلاقات بين الإمام محمد البشير الإبراهيمي والشيخ عبد الرحمان شيبان عن أبعاد نفسية وقدرات قيادية عالية لدى الأول، ووفاء بعهد الصداقة لدى الثاني في أشكال مختلفة، علاوة عن علمهما الغزير ونضالهم المستمر. كما تؤكد على أنه لا منفعة لعلم مفصول عن الحياة، ولا معنى للدعوة بلا قدوة، ولا أمل في المستقبل بلا تواصل الأجيال واستوداع التجارب.


آخر التغريدات: