الشيخ عبد الحميد بن باديس وموقفه من التجنيس

الشيخ عبد الحميد بن باديس وموقفه من التجنيس

من المعلوم أن سياسة الإندماج ظهرت عقب نهاية الحرب العالمية الأولى وكانت النخبة التي تبنت هذه السياسة وشجعتها كوسيلة لتحقيق المساواة، وقد انقسمت جماعة النخبة إزاء هذه السياسة إلى قسمين: قسم مؤيد للإندماج بالشروط الفرنسية بزعامة ابن التهامي1، والقسم الآخر تزعمه الأمير خالد وتبنى سياسة الإندماج مع المحافظة على الأحوال الشخصية للجزائريين، ثم واصل ابن جلول وفرحات عباس في الاتجاه الأول إلى غاية عام 1938 حيث ماتت فكرة الإندماج وتجاوزها الزمن.  

في مطلع القرن العشرين رأت النخبة الجزائرية أن تجرب نوع آخر من الكفاح هو الكفاح السياسي الذي يعتمد على الأحزاب السياسية2 ونشاط الجمعيات والنوادي الثقافية، والعرائض وغيرها من الأساليب السلمية، الذي يعد بمثابة بداية الإعداد للمعركة الحاسمة التي كللت بالاستقلال.

وقد أخذ هذا الكفاح السياسي عدة اتجاهات هي:

الاتجاه الاستقلالي: ومثله جمعية نجم الشمال الإفريقي التي تطورت فيما بعد إلى حزب الشعب الجزائري 1936 ثم حركة الانتصار للحريات الديمقراطية 1946 والمنظمة السرية 1947، ثم اللجنة الثورية للوحدة والعمل مارس 1954،  ثم جبهة وجيش التحرير الوطني نوفمبر 1954، ومن مبادئ هذا الاتجاه الاستقلال3، وقد شكلت مجازر الثامن ماي منعرجا حاسما جعلت أعضاء هذا التيار يجنحون إلى العمل المسلح الذي آمنوا به كحل وحيد للتعامل مع الاستعمار. 4

الاتجاه الإندماجي: وتزعمه الأمير خالد وظهر نشاطه خلال الحرب العالمية الأولى وكان ينادي بمساواة الجزائريين مع المستوطنين الأوروبيين، ثم تطورت مطالب هذا الاتجاه إلى الإندماج والذوبان في المجتمع الأوروبي كوسيلة لتحقيق المساواة المنشودة، مع البقاء في الدرجة الثانية أو الثالثة في الحقوق.

الاتجاه الإصلاحي: ظهر بعد الحرب العالمية الأولى في نادي الترقي بزعامة الشيخ الطيب العقبي ثم توج بتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين5 بزعامة رائد النهضة الجزائرية عبد الحميد بن باديس، وقد لعبت الجمعية وشيوخها دورا هاما في الدفاع عن الهوية الجزائرية التي جسدها شعار الجمعية الثلاثي المتمثل في الجزائر وطننا والإسلام ديننا والعربية لغتنا.

وقبل التطرق إلى موقف ابن باديس من قضية تجنيس الجزائريين ومن سياسة الاندماج وجب علينا الحديث ولو بشكل مختصر عن الحالة العامة التي ظهر فيها الشيخ لنفهم صعوبة الظروف التي كان تحيط بنشاط الشيخ.

ففي المجال الإقتصادي جرد الشعب الجزائري من كل أراضيه الزراعية الخصبة وطرد إلى المناطق القاحلة والجرداء والجبال، كما اغتصبت منه ثروته الحيوانية التي كانت أساس معاشه، 6 فأصبح مجرد قن يعمل ليل نهار لدى المستوطنين، كما سدت أمامه فرص العمل التجاري والصناعي، مما انعكس سلبا على وضعيته الاجتماعية إذ تفشى الفقر المدقع والأوبئة والمجاعات الحادة.

وفي الميدان السياسي حرم من المشاركة في إدارة بلاده ومن التعبير عن رأيه وتحول إلى مجرد جالية أجنبية في بلاده وإلى قطيع الحيوانات السائبة على حد تعبير يحي بوعزيز.

ومن الناحية الثقافية حرم تماما من لغته الوطنية التي حولها المستعمر إلى لغة ثانية7 وفرض عليها الخناق وحتى اللغة الفرنسية لم يسمح للجزائريين التعمق في تعلمها لأن تعلمها سيفتح له آفاق المطالبة بحقوقه، فتفشت الأمية والجهل بشكل رهيب إذ بلغت 90 بالمئة، ولا يزال المجتمع الجزائري إلى اليوم يدفع ثمن تلك السياسة رغم الجهود المبذولة من طرف الدولة.

أما اجتماعيا فقد تعرض الشعب الجزائري إلى تمزق وتشتت فظيع جراء حرب الإبادة التي شنها الاستعمار ضده بحجة القضاء على الثورات الشعبية، فاضطر السكان إلى الهجرة نحو المدن للبحث عن لقمة العيش وكذا نحو أوروبا هروبا من جحيم الاستعمار البغيض،

وحتى الجانب الديني لم يسلم من الهيمنة ، والتدخل المباشر من جانب الإدارة الاستعمارية لإفساد الدين وتشجيع الطرقية والخرافات والأباطيل، وقد مكنت الإدارة الاستعمارية من توظيف أطر لا تمت بالصلة إلى الدين للتسلط على الجزائريين وخدمة المصالح الاستعمارية فتسلط هؤلاء على رقاب المسلمين وساهموا في تجهيل الشعب بهدف تركيعه وإخضاعه للمستعمر.

في هذه الظروف ظهر مجموعة من المشايخ الذين تشبعوا بالثقافة العربية الإسلامية وتأثروا بحركة النهضة والإصلاح التي كانت قد ظهرت في بلاد المشرق العربي وامتدت تأثيراتها إلى المغرب، فكان الشيخ عبد الحميد بن باديس أحد أولائك المشايخ الذين كرسوا حياتهم للنضال ضد المستعمر والتصدي لسياسته الرامية إلى طمس معالم الشخصية الجزائرية، وقد ظهر ابن باديس في وقت اعتقد الاستعمار مخطئا أنه نجح في إطفاء شعلة الجهاد والمقاومة من الشعب الجزائري الذي توهم أنه استسلم لقدره وأذعن وخضع إلى الأبد.8

ترتبط فكرة تجنيس الجزائريين بالجنسية الفرنسية ارتباطا وثيقا بسياسة الإندماج التي انتهجتها فرنسا في الجزائر لإسكات صوت المقاومة والنضال والمطالبة بالحقوق من طرف الجزائريين.

 إذ ظهرت الفكرة بعد الحرب العالمية الأولى التي شارك فيها الجزائريون بموجب قانون التجنيد الإجباري الذي شرعته الإدارة الاستعمارية عام 1912 رغم معارضة السكان له،9 وقد تصدى ابن باديس لسياسة التجنيس التي طرحها الاستعمار الفرنسي كمحاولة أخيرة يائسة كشعار وفلسفة لمحو المجتمع الجزائري من الوجود نهائيا، وقد وجد الاستعمار من استجاب لهذه السياسة وروج لها من أولئك الذين باعوا ضمائرهم وتنكروا لبني جلدتهم ولدينهم وقوميتهم، فأعلنها ابن باديس ثورة عليهم وعلى أسيادهم الفرنسيين ورد على الجميع بقصيدته الرائعة وبنشيده الخالد10:

شعب الجزائر مسلم         وإلى العروبة ينتسب

من قال حاد عن أصله       أو قال مات فقد كذب

أو رام إدماجا له              رام المحال من الطلب

ويذكر يحي بوعزيز أن الشيخ ابن باديس دخل المعركة السياسية من زاوية محاربة سياسة التجنيس والمؤيدين والمدافعين عنها، كما رد بكل شجاعة إقدام على أولئك الذين شككوا في تاريخ الأمة ووجودها بقوله: ( إننا نرى أن الأمة الجزائرية موجودة متكونة على أمثال ما تكونت به  سائر الأمم، وهي لا تزال حية ولن تزال، ولهذه الأمة تاريخها اللامع ووحدتها الدينية واللغوية، ولها ثقافتها وتقاليدها الحسنة والقيمة، كمثل أمم الدنيا، ولنترضى أن تكون فرنسا ولو جنسوها لأنها بعيدة كل البعد عن فرنسا، بلغتها وعاداتها وأصولها و وديانتها وحدودها، 11

وتجمع المصادر على أن الشيخ ابن باديس بدأ نشاطه السياسي مبكرا حين بدأ حواراته حتى مع أولئك الذين يختلف معهم في تكوينه الفكري والثقافي والتربوي، والذين ظهروا على الساحة السياسية إثر صدور قانون التجنيد الإجباري عام 1912، والذين قبلوا التجنيد الإجباري مقابل تحقيق المساواة بين الجزائريين المسلمين والأوروبيين، ورغم أن الشيخ يختلف مع هذه الجماعة كما سبقت الإشارة إليه إلا أنه شاطرهم في مطلب المساواة.

أما قضية التجنيس فقد رفض الشيخ قبول الجنسية الفرنسية مقابل التخلي عن الأحوال الشخصية كما جاء في إصلاحات جورج كليمونصو في فبراير 1919 12، ولم يخف إعجابه بالأمير خالد حفيد الأمير عبد القادر الذي رفض التخلي عن أحواله الشخصية مقابل الحصول على الجنسية الفرنسية13، وتعرض بالهجوم إلى دعاة التجنيس الذين قبلوا التخلي عن لغتهم ودينهم وعاداتهم وتقاليدهم مقابل الحصول على الجنسية الفرنسية وكان غاضبا وناقما منهم وخاطبهم بشدة وعنف، ولعل رده على فرحات عباس الذي نشر مقال في كتابه الشاب الجزائري الذي صدر عام 1931 يقول فيه: ( إن الجزائر أرض فرنسية ونحن فرنسيون، قانونا الشخصي إسلامي ونأمل أن تتحول الجزائر من مستعمرة إلى مقاطعة ) أبلغ رد يعبر عن رفضه بشدة تلك الأفكار التي كان يدعو لها ويروج لها دعاة التجنيس.14

كما نشر في 24 فبراير 1936 مقالا في جريدة الوفاق تحت عنوان “فرنسا أنا” يقول فيه: (…ومع ذلك سوف لن أموت من أجل الوطن الجزائري، لأن هذا الوطن غير موجود ولم أكتشفه، وقد سألت التاريخ وسألت الأحياء والأموات وزرت المقابر ولم يكلمني أحد عنه….).

ويتساءل يحي بوعزيز عن السبب الذي جعل ابن باديس يتراجع عن مبادئه ومبادئ جمعية العلماء عندما قبل المشاركة إلى جانب الشيوعيين ودعاة الإندماج من المنتخبين المحليين في المؤتمر الإسلامي15 الذي انعقد بالجزائر العاصمة في يوم 7 جوان 1936  والذي انعقد من أجل تزكية مشروع بلوم –فيوليت الإدماجي، ويخبرنا أن هدف الشيخ من وراء ذلك أن كلا من ابن باديس وابن جلول كان بحاجة إلى الآخر فكان على كل منهما التنازل عن بعض مواقفه للحصول على موافقة الآخر ودعمه، فابن جلول كان يدرك تماما أنه لا يمكن للمؤتمر أن ينجح بدون انضمام جمعية العلماء والشيخ ابن باديس بالذات نظرا للمكانة الطيبة التي كان يحظى بها، ابن باديس كان يجد صعوبة في تمرير مطالبه والدفاع عنها بسبب معارضة ورفض الإدارة الاستعمارية وخصوم الجمعية من الجزائريين، فوجد في المؤتمر فرصة سانحة لفرض مطالب الجمعية وإيصالها إلى مستويات عليا فكان لكن منهما أهدافه.

ومن جملة المطالب التي تبنتها الجمعية و التي جاءت في عريضة مطالب المؤتمرين:

 – المطالبة بالمساواة بين الجزائريين والأوروبيين.

– وفصل الدين الإسلامي عن الدولة.

– واحترام اللغة العربية وترسيمها في الإدارة والتعليم مثل اللغة الفرنسية.

– إصلاح القضاء الإسلامي، وإعادة الأوقاف الإسلامية والمساجد إلى أهلها. 16

وحسب يحي بوعزيز كانت جمعية العلماء17 ومن وراءها الشيخ ابن باديس ترى أن إدماج الجزائر في فرنسا سوف يضع الحد لهيمنة المعمرين وتسلطهم على الجزائريين وسيخفف من وطأتهم ومن الاضطهاد والذل الذي كانوا يعانون منه، مع الاحتفاظ بدينهم ولغتهم وعاداتهم وتقاليدهم. 18   

ويبدو أن الشيخ ابن باديس كان يطمح إلى الاستقلال في نضاله بلسانه وقلمه من أجل رفع الغبن والظلم على الشعب الجزائري والتخفيف من وطأة الاستعمار حيث قيل إن صحت الرواية أنه قال في اجتماع  لأعضاء حزب مصالي الحاج بعد عودته إلى الجزائر في سنة 1936 ومطالبته بالاستقلال: (وهل يمكن لمن شرع في تشييد منزله بدون سقف، وما غايتنا إلا تحقيق الاستقلال)19

ومن أشهر أقوال الشيخ عبد الحميد بن باديس في قضية الإندماج ما رد به على الإدارة الاستعمارية التي تزعم أن الجزائر فرنسية وتريد أن تجعلها فرنسية وعلى دعاة الإندماج من الجزائريين الذين انسلخوا عن قوميتهم قائلا: (إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا تريد أن تكون فرنسا، ولا تستطيع أن تكون فرنسا ولو أرادت، بل هي أمة بعيدن عن فرنسا كل البعد، في لغتها وفي أخلاقها وعنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج ولها وطن معين هو الوطن الجزائري)20.

ويذكر عبد الحميد زوزو أن لقاء جرى بين العلماء بمناسبة زيارتهم إلى باريس لتبليغ مطالب المؤتمر الإسلامي إلى الحكومة الفرنسية، مع أعضاء من نجم الشمال الإفريقي فسأل بانون آكلي الشيخ ابن باديس قائلا له: هل تقدرون الترابط الفرنسي الجزائري؟ فأجاب الشيخ أن ذلك يكون في إطار التعاون، فرد عليه بانون بأن ذلك سيجل من الجزائر فرنسية زمنا فرنسيين فهلع الشيخ ابن باديس مرددا أعوذ بالله أعوذ بالله21.

وكان ابن باديس متفطنا لمخاطر آفة التجنس بالجنسية الفرنسية حيث تجتث الإنسان من أصله، وتفصله عن أرومته، وتدمجه في مجتمع ينبذه ويلفظه، ويجرده من شخصيته ويحرمه منها.22

وفي سنة 1937 قال في مجلة الشهاب: (من الممكن أن يدوم الإتحاد بين شعبين مختلفين في الجنسية القومية إذا تناصفا وتخالصا مما ارتبطا به من الجنسية والسياسة التي قضت بها الظروف واقتضتها المصلحة المشتركة، فإذا لم يربطا بالجنسية السياسية فلا بد لهما من أمرين: إما أن يندمج أضعفهما في أقوامهما بانسلاخه من مقوماته ومميزاته فينعدم من الوجود، أو يبقى الضعيف محافظا على مقوماته ومميزاته فيؤول أمره – ولا بد- إلى الانفصال وبعد فنحن الأمر الجزائرية لنا جميع المقومات والمميزات لجنسيتنا القومية، وقد دلت تجارب الزمان والأحوال على أننا أشد محافظة على هذه الجنسية القومية وأننا ما زدنا مع الزمان إلا قوة فيها وتشبثا بأهدافها، وأنه من المستحيل إضعافنا فيها فضلا عن إدماجنا أو محونا)23.

وهي رسالة قوية تبين رفضه القاطع لهذه السياسة للإدارة الاستعمارية ودعاة التجنيس الذين أصبح الشعب الجزائري ينظر إليهم نظرة الريب والشك كما لم يتمكنوا من تحقيق مبتغاهم فكانوا منبوذين من الطرفين الجزائري والفرنسي.

وفي جانفي 1938 أصدر الشيخ ابن باديس فتوى تكفر كل مسلم قبل التجنس مع تخليه عن أحواله الشخصية24، حيث تنص الفتوى بتكفير كل مسلم جزائري أو تونسي أو مغربي يتنازل عن قانون الأحوال الشخصية الإسلامية باختياره، وبتجنس بالجنسية الفرنسية للتمتع بالحقوق المدنية، قال ابن باديس : ” ما أكثر ما سئلنا عن هذه المسألة، وطلب منا الجواب في الصحف، ومن السائلين رئيس المتجنسين الأستاذ التركي (الذي لم يجد من يفته في تونس) وكاتبنا برسالتين، فأدينا الواجب بهذه الفتوى : بسم الله الرحمن الرحيم, وصلى الله على محمد وآله : التجنس بجنسية غير إسلامية يقتضي رفض أحكام الشريعة الإسلامية ومن رفض حكما واحد من أحكام الإسلام عدَّ مرتدا عن الإسلام بالإجماع، فالمتجنس مرتد بالإجماع، والمتجنس – بحكم القانون الفرنسي – يجري تجنسه على نسله، فيكون قد جنى عليه بإخراجه من حظيرة الإسلام، وتلك الجناية من شر الظلم وأقبحه، وإثمها متجدّد عليه ما بقي له نسل في الدنيا، خارجا عن شريعة الإسلام بسبب جنايته… والعلم عند الله…” خادم العلم وأهله “عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء” 25.

كما أفتى في قضية تزوج المسلم الجزائري بالفرنسية : بالرغم من أن الإسلام يبيح الزواج بالكتابية فد أفتى ابن باديس بحرمة زواج الجزائري المسلم بالفرنسية, وعلل ذلك بكون النتيجة التي تؤدي إليها هذا الزواج هي الخروج عن حظيرة الإسلام لأن القانون الفرنسي يقضي بأن أبناءه منها يتبعون جنسية أمهم في خروج نسله عن حظيرة الإسلام. فإن كان راضيا بذلك فهو مرتد عن الإسلام, جان على أبنائه, ظالم لهم, وإن كان غير راض لهم بذلك وإنما غلبته شهوته على الزواج فهو آثم بجنايته عليهم، وظلمه لهم، لا يخلصه من إثمه هذا إلا إنقاذهم مما أوقعهم فيه.

وفي ذات الموضوع أصدر فتوى أخرى في قضية دفن أبناء المتجنسين في مقابر المسلمين : سأل أحد أهالي (ميشلي) من القبائل الكبري عن أبناء المتجنسين بالجنسية الفرنسية هل يجوز دفنهم في مقابر المسلمين ؟ فكان جواب ابن باديس كما يلي : بعد الحمد لله والصلاة والتسليم على النبي وآله : قال : “فابن المطورني، أي (المتجنس) إذا كان مكلفا، ولم يُعْلَم منه إنكار ما صنع أبوه والبراءة منه، فهو مثل أبيه لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، وإن كان صغيرا فهو مسلم على فطرة الإسلام، يدفن معنا ونصلي عليه” كتبه خادم العلم وأهله : عبد الحميد بن باديس .26

إن هذه الفتاوى تدل على أن الشيخ ابن باديس كان فقيها أصوليا مجتهدا، جامع لشروط الإمامة والفتوى، عالم بمذاهب أهل السنة والجماعة، عارف بمقتضيات الحياة، ومتطلع في المذهب المالكي، وفي معرفة أحوال مجتمعه، إذ لم يكن فقيها تقليديا يكتفي بالتعامل مع ظاهر النصوص، إنما كان يعمل فكره ويجتهد في تحليل القضايا التي تعرض لحياة الناس وفق الظروف التي يعيشونها27

خاتمة :

في النهاية تجدر الإشارة إلى أن فكرة التجنيس وسياسة الإدماج ماهما إلا تطور لمبدأ المساواة الذي ظهر خلال الحرب العالمية الأولى بزعامة الأمير خالد، إذ كان يرى  كل من ابن جلول وفرحات عباس أن الطريق إلى المساواة لا يكون إلا عبر الإدماج والإدماج لا يكون إلا بتحقيق التجنيس، إلا أن الأحداث برهنت فيما بعد على فشل هذه السياسة فشلا ذريعا فلم يتحقق لا الإدماج ولا التجنيس ولا المساواة بسبب رفض كل من الجزائريين والأوروبيين لهذه السياسة، فالأوروبيين لم يرضوا به لأنه يجعلهم يذوبون في المجتمع الجزائري باعتبارهم أقلية وذلك يفقدهم السيطرة  والسلطة والنفوذ، والجزائريين رفضوا الإدماج لأنهم فسروه بأنه تخل عن دينهم ولغتهم وعاداتهم، ومع مرور الوقت تمكن التيار الاستقلالي من فرض التوجه الاستقلالي الراديكالي الذي كان يحظى بالشعبية نظرا لمطالبه المعبرة عن آمال وطموحات الشعب والذي تطور إلى الاقتناع التام بعقم النضال السياسي السلمي ومن ثمة بداية الاستعداد للمعركة الحاسمة التي اتخذت من الكفاح الثوري الأسلوب الأنجع لافتكاك السيادة الوطنية.  

وخير ما نختم به هذه المداخلة ما قاله الفيلسوف مالك ابن نبي في ابن باديس:( ولقد قام بتلك المهمة على خير وجه الشيخ عبد الحميد ابن باديس فاستطاع أن يخلص الجزائر من تلك التقاليد الزائفة…)28.

 

الهوامش

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، قسم التاريخ والآثار-جامعة سطيف

[1] – سمية بو سعيد: الأحزاب الجزئرية والتجربة الإنتخابية 1919-1954، المجلة التاريخية للدراسات المغاربية والاجتماعية، ع2، جوان 2010، مخبر الجزائر تاريخ ومجتمع في الحديث والمعاصر، جامعة الجيلالي اليابس، سيدي بلعباس، ص 69-70.

2– محمد قنانش: ذكرياتي مع مشاهير الكفاح، دار القصبة للنشر، الجزائر، 2007، ص

3– يحي بوعزيز: موضوعات وقضايا من تارخ الجزائر والعرب،  ص ص 308-309.

4– Mahfoud Kaddache Djilali Sari: l’Algérie dans l’histoire, QPU, Alger, 1989, p65.

5– مفيدة بلهامل: الحوار في فكر الإمام ابن باديس بين معطيات الواقع واستراتيجية الأهداف، مجلة جامعة الامير عبد القادر للعلوم الإسلامية، العدد 10، 2001،  ص168 ومايليها.

6– يحي بوعزيز: المرجع نفسه، ص310.

7محمد العربي الزبيري: الغزو الثقافي في الجزائر 1962-1982، مجلة الرؤيا، يصدرها اتحاد الكتاب الجزائريين، العدد 2 السنة 1، الجزائر، 1982، ص9 ومايليها.

8يحي بوعزيز: المرجع السابق، ص ص 314.

9أبو القاسم سعد الله: الحركة الوطنية الجزائرية، ج2، ط3، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1983،  ص 367.

10 – يحي بوعزيز: المرجع السابق، ص ص 314-315.

11– يحي بوعزيز: المرجع نفسه، ص315.

12 – لمزيد من المعلومات حول هذه الإصلاحات أنظر، أبو القاسم سعد الله: المرجع السابق،   ص 271 وما يليها.

13 – Mahfoud Kaddache Djilali Sari: l’Algérie dans l’histoire, QPU, Alger, 1989, p59.

14 – يحي بوعزيز: المرجع نفسه، ص317-318.

15 – لمزيد من التفاصيل حول هذا المؤتمر ينظر، أبو القاسم سعد الله: المرجع نفسه، ص 368.

16– أبو القاسم سعد الله: المرجع نفسه ،  ص421 .

17 – حول الموضوع أنظر، بن عون بن عتو: ” الفعل الإصلاحي وإشكالية النهضة (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أنموذجا)”، المجلة التاريخية للدراسات المغاربية والاجتماعية، ع2، جوان 2010، مخبر الجزائر تاريخ ومجتمع في الحديث والمعاصر، ، ص 203 وما بعدها .

18- يحي بوعزيز: المرجع نفسه، ص ، 318.

19– عمار طالبي: آثار ابن باديس، ج1، دار الغرب الإسلامي، تونس، 2008 ص 89.

20 – محمد الصالح الصديق: الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس، من آرائه ومواقفه، دار البعث، قسنطينة، 1983، ص ص 23-24.

أنظر كذلك، مجلة الشهاب، العدد 1، ربيع الثاني 1344ه/ نوفمبر1925، ص 295.

21 – عبد الحميد زوزو: الهجرة ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية بين الحربين (1919-1939)، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1985، ص132.

22 – بوعلام بسايح : ابن باديس رجل علم وفكر ومصلح ديني، مجلة الثقافة، ع 98،  وزارة الثقافة والسياحة، الجزائر، 1887، ص 19 .

23- مجلة الشهاب، العدد 1، ربيع الثاني 1344ه/ نوفمبر1925، ص ص 326-327.

24 – Mahfoud Kaddache Djilali Sari: l’Algérie dans l’histoire, QPU, Alger, 1989, p59.

25- البصائر عدد 79 بتاريخ 20/08/1937, جمادى الثاني 1356 هـ.

26 – المصدر نفسه.

27 – أسعد السمحراني: مالك بن نبي مفكرا إصلاحيا، دار النفائس، بيروت، 1986، ص ص 114-115 .

 

 

آخر التغريدات: