جوانب من شخصية أديب الفقهاء، الرَّحالةُ الشيخ نعيم النعيمي

جوانب من شخصية أديب الفقهاء، الرَّحالةُ الشيخ نعيم النعيمي

بتاريخ 18 يونيو 1973م، فقدت السّاحة الأدبية الجزائرية مَعلمًا شامخاً من رموزها العلمية، ألا وهو الرّحالة الحافظ الأديب الشيخ نعيم النعيمي… هذا الرجل الجليل قدرُه، الفذٌ في تفكيره، باحثٌ جادّ دؤوب، انقطع إلى العلم واشتغل به، وعشق الرحلة فكانت ديدنه ومتنفسه الأرحب. أَلِفَتهُ مداشر ومدن جزائرية كثيرة وخاصّة وسط البلاد وغربها، فاسمه عالق إلى اليوم في أذهان عموم الناس، في مدينة الشلف والجلفة وتيارت وبوسعادة ومسعد والأغواط وغيرها، فهو ناشر أفكار جمعية العلماء في هذه المناطق، ورائد الإصلاح فيها.

كتب عنه الأديب أحمد رضا حوحو في جريدة البصائر ضمن سلسلته (في الميزان) مقالة خفيفة ظريفة تحت عنوان (هل هو أديب أفسده العلم ؟ أم عالم أفسده الأدب ؟)، بيّن فيها جوانب من شخصيته، التي  لا يمكن للأبعد النّائي الوقوف عليها، ولا للقريب الملاصق فهم جوانبها، فقال: ” لا تعرفه ولا يمكنك أن تعرفه إلاّ إذا عرّفته لك، لأنّ معرفته تكلفك جهودا كبيرة ودراسات دقيقة “(1).

المولد والنشأة

ينتمي الشيخ إلى منطقة ثرية برجالها وعلمائها، فقد ولد سنة 1909م في سيدي خالد من ولاية بسكرة، حفظ القرآن صغيرا على يد خاله الشيخ مصطفى ابن الصّحراوي، ثم انتسب إلى زاوية الشيخ المختار البلخيفي سنة 1919م، وهي فرع من فروع الطريقة الرحمانية، فعكف على حفظ المتون العلمية المعروفة في النحو والأدب والبلاغة والعقائد والفقه، فاستوعب معظمها في مدّة وجيزة. وأتاحت له إقامته في هذه الزاوية نوعا من التفرُّد بالنفس، فانكب على حفظ دواوين الشعر واللّغة والأدب، وتمكن من متابعة سلسلة من الدروس في التفسير والحديث والبلاغة وعلم الكلام، على يد الشيخين محمد بن العابد الجلالي، ومصطفى بن قويدر، اللذين وصفهما ” بغزارة المعرفة والتمكن البالغ من المعارف الدينية واللّغوية، مع الورع الشديد والتعبد الدائم والتعفف عن المنافع المادية “(2). ولما استنفذ ما عندهما يمّم وجهه سنة 1924م إلى أقرب مركز علمي يقصده الطلبة الجزائريون عادة، وهو جامع الزيتونة، غير أنّ إقامته فيه لم تدم طويلا إذ أجبرته ظروفه القاهرة على العودة إلى بلده.

الرحلة والاغتراب داخل الوطن

لم يكن الشيخ النعيمي من الصنف الذي يميل إلى الركون للرّاحة، أو الانزواء على الذّات، فهو ليس من النمط الذي يؤثر الخمول والدَّعة؛ لأنّ نفسه من طينة نزّاعة للتنقل، تأبى الانحباس في حيّز واحد، فبدأ برحلة وطنية من سنة 1926 إلى 1936م جال فيها وسط البلاد وغربها، كان مقصده منها الاحتكاك بالعلماء والوقوف على الكتب المنتشرة في المكتبات الخاصّة والعامّة، يجمع العتيق من المخطوطات، ويضم إلى مكتبته النوادر من المطبوعات، إضافة إلى نشاطه العلمي المعرفي الذي ينشره في المدن التي يفدُ عليها، وخاصّة بعد انتسابه إلى جمعية العلماء المسلمين، وقد عثر الشيخ محمد حسن فضلا على تقييد بخط الشيخ النعيمي يذكر فيه بعض المناطق التي زارها وممّا جاء فيه: ” لما كنّا في سنة 1931م، وجاء وقت المصيف كان من نصيبي هذه البلدان الآتية: المدية، البرواقية، قصر البخاري، الجلفة، مسعد، الأغواط، وفي كلّ بلدة منها قلت بيتا نسيتُها إلا في مسعد والأغواط، ومما قلته في مسعد قولي:

يا أيها الحبر الكريم المسعدي         هل أنت في نشرالرشاد بمسعدي ؟

وقلت في الأغواط:

قد قطعنا من السرى أشواطا          من قبل أن نقارب الأغواطا ” (3)

في المعهد الباديسي….إنما آثرت نعيمًا

اُستدعي النعيمي في سنة 1947م للالتحاق بهيئة التدريس بمعهد ابن باديس بقسنطينة، وهو معهد أنشأ على غرار جامع الزيتونة، واُختير له من الأساتذة والشيوخ ذوي الكفاءة العلمية، من الذين محّصتهم التجربة، وغذتهم المعرفة، وجلّهم خريجو جامع الزيتونة أو القرويين، كالشيخ أحمد حماني وأحمد حسين وعبد المجيد حيرش والمولود النجار والعباس بن الشيخ،وجميعهم أكثر دربة ودراية بالتعليم ووسائله، ماعدا هذا الشاب الآتي من الصحراء، فهو متعهد نفسه، لم تسعفه بأساءُ الحياة من تحصيل شهادة علمية كغيره من أساتذة المعهد. وقد أتى الشيخ البشير الإبراهيمي على ذكر هيئة التدريس في مقال له نشره بجريدة البصائر العدد 44/1948م تحت عنوان ( معهد ابن باديس ما له وما عليه) فحلاّهم بأجل العبارات، وذكر بأنّ اختيارهم يُراعى فيه ” أساس التجربة والمعرفة اليقينية بدرجة التحصيل، لا على اعتبار الشهادات الجامعية، وإن كنا نقدّرها حق قدرها ولا نستخف بها “(4) ، وخصّ الشيخ النعيمي منهم بمزيد من الثناء، بيّن فيه ما يحمله من علم كبير، وثقافة واسعة، وختمه بقوله: ” إنما آثرت نعيمًا بهذه الكلمات؛ لأنّه ليست له ( شهادة ) فجئته بهذه الشهادة “.

عود على بدء

مع قيام ثورة التحرير سنة 1954م انضم الشيخ النعيمي إليها، ونشط بين صفوفها وخاصة في الولاية الأولى، فكان صديقا لقائدها الشهيد (مصطفى بن بولعيد)، كما تعرّف على الشهيد (العربي بن مهيدي ) الذي تتلمذ على يديه وأعجب بدروسه. عمل في النضال السري مدّة ثلاث سنوات، كانت كفيلة بنفيه واعتقاله، وبعد خروجه من السجن اختفى عن الأنظار مدّة لينظم في صفوف المجاهدين أواخر سنة 1957م، وقد أصيب في بعض المعارك مما استدعى نقله إلى تونس للمعالجة، فوصلها ربيع سنة 1958م.

اسّتغل فترة إقامته بتونس ليعود إلى نشاطه الذي اعتاد عليه في المجال العلمي والثقافي، فجاب أرجاء القطر التونسي باحثا في مكتباته عن أمهات الكتب والنوادر من المخطوطات التي امتلأت بها غرفته. كانت هذه الغرفة الصغيرة منتدى ثقافيا لمسامراته الأدبية، ومزارا للطلبة والأساتذة، يستفيدون من علمه ومن كتبه المتراكمة فيها، إلى جانب ذلك كان يقيم عدة محاضرات دأب على إلقائها في مناسبات مختلفة، سجّل بعضها في مفكرته التي وقف عليها ابن عمه الأستاذ بلقاسم النعيمي فذكر من عناوينها: كيف تنتصر على العدو، القيام بالواجب، الاستعمار يلفظ أنفاسه، الثورة الجزائرية ووحدة المغرب العربي، واجبنا أمام مشكلة الساعة..وغيرها.
لم تكن إقامته بتونس تقتصر على مسامراته الأدبية ومحاضراته الفكرية فقط، بل عاد إلى مزاولة التعلّم، فجلس من جديد بين يدي شيوخ الزيتونة، فأخذ عنهم القراءات السبع، وكتب الصحاح وتحصّل على إجازاتهم في تلك العلوم.

جوانب من شخصية الشيخ النعيمي

تقاطع كبير بين الأستاذين البشير الإبراهيمي والشيخ النعيمي، إذ يشترك كلٌّ منهما مع الآخر في صفات يندر تجسّدها واجتماعها في شخص واحد، فقد جمعتهما قوة الحافظة، وسرعة البديهة، والتميّز في الأدب والشعر، وحبّ التّرحل، وإن اختلفا سنا ومنشأ وتعليما. كلٌّ منهما يحمل لصاحبه قدرا من الاحترام والإجلال، فالشيخ النعيمي يرى في الإبراهيمي أنّه واسع  المعرفة، مذخور الحكمة، فقال مخاطبا نفسه:

أيّتها النّفس النفور هيمي         بحكمة الشيخ الإبراهيمي

والأستاذ الإبراهيمي بما أوتي من حدّة الذهن ونباهة العقل، أدرك ما يحمله النعيمي من مزايا قلّ نظيرها عند من يُدانيه عمرا، فوصفه بكلمات نستشف منها جوانب العظمة في شخصيته الفكرية والعلمية، التي غاب عنّا الكثير منها لقلة المورد وندرة ما كتب عنه، ويمكن حصر هذه الجوانب اعتمادا على تحليل الأستاذ أحمد رضا حوحو لشخصيته، وملاحظات الشيخ البشير الإبراهيمي التي أبداها في حقه في النقاط التالية:

أنّه عصامي في العلم، اعتمد في تكوين ذاته على ذاته، دون أن يكون له مرشد إلاّ عزيمة شاب شغوف بالمطالعة محبّ للتعلم، مجبول على مواهب كثيرة  مُشتت لقلّة الناظم والموجه، فوصفه الإبراهيمي بقوله: ” والرجل مجموعة من المواهب لو نظّمت في الصغر ووجّهت لجاءت شهادة قاطعة على أن لا مبالغة في كل ما يروي عن أفذاذ المتقدمين “(5) .

يتميّز بقوة الذاكرة وسعة الاستيعاب وسرعة الاستحضار، وإذا كان الشيخ الإبراهيمي عُرف بتميزه بحافظة خارقة وذاكرة عجيبة، كانتا عونا له في تحصيله العلمي، فإنّ النعيمي وهب أيضا جانبا من تلك القدرات، فكان بحق كما قال فيه الإبراهيمي: “..حجة على الذكاء والاستعداد يأتيان مع القليل من التعليم العجيب “(6)، غير أنّه ” نَسَّاءٌ ، ولكن في ميادين الحياة، أمّا في ميداني العلم والأدب فإنّ ذاكرته قوية يقظة لا يشق لها غبار، ففي استطاعته أن يروي لك نادرة طالعها في كتاب يذكر لك اسمه ومؤلفه وتاريخ طبعه، ويذكر لك عدد السطر من كتاب لاحظ فيه خطأ مطبعيا لبيت من الشعر أو نصا من حكم “(7).

التوسع في معرفة اللّغة وعلومها وأشعار العرب وأيّامهم، والإلمام بالتاريخ قديمه وحديثه، “.. حفظ الأحاديث بأسانيدها ويحفظ عدة ألفيات في السير وعلوم الأثر والنحو وغيرها، ويحفظ كثيرا من متون العلم ويجيد فهمها وتفهيمها، ويحفظ جزءا غير قليل من اللّغة مع التفقه في التراكيب، ويحفظ أكثر ما يلزم الأديب حفظه من أشعار العرب قديمها وحديثها ومن رسائل البلغاء قريبا من ذلك “(8)

كان ذا نهمة مفرطة في المطالعة، يقرأ كلّ ما يقع بين يديه من كتب ومجلات، فأتاح له ذلك تحصيل كمٍ هائل من المعلومات في جميع المجالات، وخاصّة في الأدب والشعر والتاريخ والفقه، فيصعب على المستمع إليه، وهو يصول في ميادين الفنون  المختلفة في أيّ الخانات العلمية يصنفه، هل هو أديب..أم فقيه..أم نسّابة محدث ؟ فهو في حدّ ذاته – كما قال عنه أحمد رضا حوحو – إذا سألته ” إلى أي طائفة ينتمي للعلماء أو للأدباء ؟ احتار في الجواب “، وعلى الجملة فهو ” شاب في هندام الشيوخ، عالم في عقل أديب، فقيه في خيال شاعر“.
انفرد بخفة الروح وطرافة الدعابة التي يأنس بهما جليسه، فهو” حلو الفكاهة يروي لك النادرة تلو النادرة، فلا تكاد نفرق بين مخلوقاته منها ومحفوظاته، وهو مع ذلك كلّه قوي الذاكرة كثير الحفظ ينظم الشعر ولكن أراجيزه الساخرة تطغى بروعتها على الجوانب الأخرى من أدبه”(9).

نشاطه التربوي والعلمي داخل الوطن

أسّس مدرسة حرة في سيدي خالد مسقط رأسه، ثم انتقل إلى طولقة فأشرف على الوعظ والإرشاد في مسجدها
رحل إلى مدينة الشلف فأسّس مدرسة الإصلاح، التي تعد النواة الأولى لمدرسة ابن خلدون التي دعا الشيخ الإبراهيمي إلى تجديدها سنة 1944م بهذا الاسم.

كوّن النواة الأولى لمعهد تعليمي في مدينة بسكرة، وشرع في تعليم الناس والطلبة، يعينه في ذلك جلّة من الأساتذة والشيوخ كان من بينهم الشيخ الحفناوي هالي.

كان وراء فكرة إنشاء المعهد الإسلامي بمدينة بوسعادة سنة 1953م، إلا أن هذه الفكرة لم يُكتب لها الاستمرار بعد أن هُيئ المكان وجمعت الأموال، ولم ير هذا المعهد النور إلاّ بعد الاستقلال، وقد زاره رحمه الله بعد افتتاحه صحبة الأستاذ أحمد توفيق مدني.

مثَّل الجزائر سنة 1949م في المؤتمر الإسلامي الذي استضافته تونس ضمن الوفد الذي أرسلته جمعية العلماء.
شارك في المؤتمر الإسلامي المنعقد في تونس سنة 1963 ممثلا للجزائر، للبحث في مسألة بداية الشهور القمرية، وعرض فيه بحثا علميا بيّن فيه وجهة نظره في أهمية الاعتماد على الرؤية، واختير عضوا في مجمع البحوث الإسلامية ومثّل الجزائر في المؤتمر الإسلامي الدولي المنعقد سنة 1968م،كما شارك في المؤتمر الإسلامي الدولي المنعقد في مليزيا في شهر أبريل من سنة 1969 م، وقدم فيه بحثا حول موضع الصوم وعيد الفطر.

آثاره العلمية

مما يؤسف له ضياع الكثير من تراثه العلمي، لأنّه رحمه الله لم يهتم بتسجيله، أو لم يتسع وقته لذلك لانشغاله بالتدريس، فلم يبق من آثاره إلاّ القليل، وقد نقل عنه من يعرفه أنه ” تمنى في السنوات الأخيرة من عمره أن ينظم تسجيل مذكراته الشخصية، وينصرف إلى تحقيق بعض المخطوطات النادرة التي حصل عليها “(10) .

كلمة عن شعره

حبه للمطالعة واستيعابه لمعظم كتب الأدب اللّغوية والبلاغية، كان من عوامل توسع مواهبه العقلية ونبوغه الأدبي، فتفرّد في نظم الشعر وخاصة الرَّجَز منه، ولم تظفر السّاحة الأدبية في  القرن العشرين بالتميّز في تقريض الرّجز، إلاّ بشخصيتين علميتين، وهما الشيخ البشر الإبراهيمي صاحب الملحمة الرجزّية التي بلغت ستة وثلاثين ألف بيت من الرجّز السلس اللّزومي، وثانيهما الشيخ النعيمي الذي وصفه الإبراهيمي  بقوله: “.. ويقرض قطعا من الشعر كقطع الروض نقاء لغة، وصفاء ديباجة، وحلاوة صنعة، وقد أسلس له الرجز قياده فهو يأتي منه بالمطولات لزومية منسجمة سائغة في روية تشبه الارتجال، وهو ثاني اثنين من رجّاز العرب في عصرنا هذا، ولو شئت لذكرت الأول كما يقول الصاحب بن عباد..”(11) ، يقصد بالأوّل نفسه رحمه الله… والمعروف من آثار الشيخ النعيمي ما يلي:

1: نظم قطر الندى وبل الصدى، لابن هشام في النحو.

2: مقطوعات شعرية ونثرية.

3: محاضرات حول تاريخ المعركة الإصلاحية في العالم الإسلامي وفي الجزائر.

4: تعليقات مسجلة بخط يده على هوامش الكتب المطبوعة أو المخطوطة.

5: الأبحاث التي قدمها في المؤتمرات التي شارك فيها.

6: دفتر مذكراته، احتوى مواضيع متنوعة تشمل الإخبار والأدب والتاريخ والحديث والفقه وتصحيح بعض القضايا العلمية..وغير ذلك (12).


هوامش:
(1)
جريدة البصائر عدد 27 السلسلة الثانية 1954م.
(2)
الأصالة، العدد 16،ص42.
(3)
محمد الحسن فضلاء، من أعلام الإصلاح 1/159 دار هومة الجزائر 2000م.
(4)
آثار البشير الإبراهيمي 3/220، جمع وتقديم د: أحمد طالب الإبراهيمي.
(5)
المرجع السابق 2/219.
(6)
المرجع السابق 2/219.
(7)
جريدة البصائر، عدد 27 السلسلة الثانية 1954م.
  (8)
آثار البشير الإبراهيمي 2/22.
 (9)
جريدة البصائر، عدد 27 السلسلة الثانية 1954م.
 (10)
الأصالة، ص 49.
 (11)
آثار البشير الإبراهيمي 2/220.
 (12)
الأصالة، ص49.

 

 

آخر التغريدات: