التشكيل اللغوي في شعر الأمير عبد القادر الجزائري

التشكيل اللغوي في شعر الأمير عبد القادر الجزائري

لقد أحرزت الحداثة في معركتها مكسباً نظرياً ضخماً في ميدان نقد الشعر, فرأته فناً لغوياً (بنية لغوية معرفية جمالية معاً) تتحدّد فنيَته بكيفية استخدامه للغة لا بمحمولاته الأخلاقية أو الاجتماعية أو السياسية أو سواها. ولكن هذه الكيفية لا تحول دون وجود هذه المحمولات في الشعر, بل إن وجودها مشروع إن لم يكن ضرورياً، فلكي يحقق النص الشعري وظيفته الجمالية ينبغي أن يحقق وظيفة إضافية أو أكثر “فمزج الدلالة الفنية بغيرها من الدلالات…

يمثل الملمح الأساسي في عملية التوظيف الاجتماعي لهذا النص الأدبي أو ذاك, ومن هنا فإننا نواجه بعلاقة مزدوجة البناء, فلكي يحقق النص غايته الجمالية يجب أن يحمل في نفس الوقت عبء وظيفة أخلاقية أو سياسية أو فلسفية أو اجتماعية, وبالعكس, فهو لكي يحقق دوراً سياسياً معيناً ـ على سبيل التمثيل ـ ينبغي أن يؤدي وظيفة جمالية”([1]). “ومن الطبيعي أنه في بعض الأحيان قد لا تتحقق بالنص سوى وظيفة واحدة”([2]).

وقد انبثقت من هذه النظرة إلى “مفهوم الشعر” نظرة جديدة إلى “نقده”, فغدت دراسة الشعر من منظور لغوي منهجاً نقدياً بارزاً يشيّد علميته على دعامتين أولاهما: ملاءمته لتفسير المادة التي يدرسها ـ وهي شرط لا غنى عنه لقيام أي علم([3]), وتنجم هذه الملاءمة من انبثاق المنهج والمادة من مفهوم لغوي معاصر. وثانيتهما أدوات نقدية مرهفة ذات كفاية عالية. بيد أننا ينبغي أن نقيّد القول قليلاً, وألاّ نسرف في الظن فنتوهّم أن كل شيء قد أصبح محكوماً فكأنما هو في قبضة اليد, وأن الطريق إلى جوهر الشعر قد غدَت قاصدة موطّأة الأكناف. إن بعض هذا الظن يكفي, فليس يملك المنهج ـ مهما تكن كفايته ـ أن يتغلغل في شعاب الشعر المرجانية, وأن يصل إلى جوهره إذا لم يكن الناقد نفسه خبيراً مدرباً وذواقة كأنما نبعة الشعر بين جوانحه. وإلاّ فما أيسر أن ينقلب المنهج إلى منهج رجيم يفتك بالشعر, ويذبحه من الوريد إلى الوريد.

ويقتضى الحديث عن “اللغة في شعر شاعر ما” أن نحدّد ـ قبل الشروع في هذا الحديث ـ المقصود بـ “اللغة في الشعر” فما المقصود بها؟

إن اللغة ـ كما هو معروف ـ نظام متكامل متعارف عليه من الرموز التي يتفاهم بها الناس. ومن الواضح أننا لا نقصد هذا النظام بل نقصد أمراً يتجاوزه, نقصد القول الشعري, أي صورة اللغة المتحققة في شعر هذا الشاعر, وهي صورة تتميز عن غيرها من الصور بسمات كثيرة كالمعجم اللغوي والطريقة الخاصة في بناء الجمل والربط بينها وسوى ذلك كثير, وهي السمات التي تكوّن “الأسلوب”. وإذاً نقصد بـ “اللغة في شعر فلان” أسلوبه الشعري, وهذا الأسلوب هو الذي يجسّد التجربة الشعرية بالكلمات التي تستخدم استخداماً كيفياً خاصاً, وهو الذي يمنح القصيدة طاقاتها الثَّرة.

وبعبارة أوضح إن لغة الشعر هي مكوّنات القصيدة من الألفاظ والتراكيب والخيال والموسيقا والموقف الإنساني.

وفي ضوء ما تقدّم سوف نحاول دراسة اللغة في شعر الأمير عبد القادر الجزائري (1807ـ1883م).

اللغة والدلالة والإيقاع:

يذكر د/ إبراهيم السامرائي أن الأصمي قد “تحرج في استخدام لغة الشعر في شرح لغة التنزيل على نحو ما فعل غيره من علماء اللغة كأبي عبيدة مثلاً في كتابه “مجاز القرآن”([4]), ويعلل ذلك بقوله “ولعله قد فهم أن لهذا الفنّ لغته الخاصة”([5]). وليس يريد د/ السامرائي بهذا الذي ذكره أن للشعر ألفاظه الخاصة, بل يريد أن اللفظ في الشعر مختلف عنه في غيره, فهو في الشعر يكتسب إضافية, حتى لتبدو ألفاظ كثيرة ذات رصيد دلالي ضخم, ولعلّ الناظر في معاجمنا المطوّلة يدرك هذه الحقيقة, فهي معاجم ذهبت معاني ألفاظ الشعر بشطرها الأعظم حتى أوشكت أن تكون معاجم شعرية. وما أكثر ما شكا الشعراء من الكلمات التي تسكنها أصوات الآخرين! وما أكثر ما فتشوا عن الكلمة العذراء! إنهم يريدون أن يجدّدوا شباب اللغة, وأن يفجّروا طاقاتها, وما ذلك إلا لأن الشعر ذو طبيعة ازدواجية, كما يرى لوتمان, “وتنبع هذه الازدواجية من كونه يعني تتالي الكلمات, كما يعني الكلمة في ذات الوقت”([6]). ويزيد المسألة وضوحاً, فيقول: “فالكلمة في الشعر هي في الأصل كلمة تنتمي إلى لغة ما, هي وحدة في متن يمكن أن نجده في القاموس, ومع ذلك فإن هذه الكلمة تبدو وكأنها ليست معادلة لنفسها, ومن ثم يغدو تشابهها, أو حتى تطابقها, مع الكلمة “القاموسية” سبباً في الإحساس الواضح بالاختلاف بين هاتين الوحدتين: المتباعدتين المتقاربتين, المستقلتين المتوازيتين, نعنى الكلمة في مفهومها اللغوي العام, والكلمة عنصراً في القصيدة الشعرية”([7]) ثم يتابع: “فالكلمة في الشعر أكثر قيمة من تلك التي في نصوص اللغة العامة, وليس صعباً أن نلاحظ أنه كلما كان النص أكثر أناقة وصقلاً كانت الكلمة أكثر قيمة, وكانت دلالتها أرهب وأوسع”([8]).

فإذا صرنا إلى “التركيب” صارت القضية أعقد وأخصب, فعلى المستوى التركيبي يتجلى جوهر الشعر تجلياً باهراً, وفيه يمارس الشاعر كل شعائره السحرية محاولاً أن يعيد إلى اللغة وظيفتها السحرية القديمة, إن التركيب بناء, وبناء لغة الشعر يختلف اختلافاً عميقاً عن بناء لغة النثر, فالشعر قياساً إلى النثر انحراف (مجاوزة, عدول, انزياح), “وخاصية الخروج على قواعد التركيب هي الخاصية الوحيدة التي يتفق فيها الشعر التقليدي والشعر الحر, وإذاً فهي الخاصية الوحيدة التعريفية لأنها توجد في كل أجزاء المعرَّف”, كما يقول جون كوهين([9]). والانحراف إذاً هو الشرط الضروري لكل شعر. وبعبارة أخرى إن بناء الشعر يتحقق بطريقتين أو مقياسين “أما المقياس الأول أو الطريقة الأولى فباعتباره نظاماً لتطبيق عدد من القواعد, وأما الثاني فباعتباره نظاماً لصدع أو تجاوز هذه القواعد, مع مراعاة أن “جسم” النص ذاته لا يمكن أن ينطبق على أيّ من هذين المقياسين معزولاً عن الآخر ومستقلاً بنفسه, فبالعلاقة بين ذينك التصورين, وبالتوتر البنائي, وبالمزج بين ما ليس ممتزجاً, بهذا, وبهذا فقط, يتم إبداع النتاج الفني”([10]). وإذا فالمعنى “في النص الأدبي ينبثق, ليس فقط من تطبيق القواعد البنائية المعينة, بل وينبثق كذلك من خلال الانحراف عنها”([11]). وإذا كان النثر يحتفل بجوهر المحتوى (أي المعنى), فإن الشعر يحتفل بشكل المعنى,, و”شكل المعنى هو الأسلوب”([12]). فالأسلوب  ـ إذاً ـ هو الذي يجعل الشعر شعراً, وعليه تنعقد آمال الشعراء وأحلامهم. وهو التشكيل الفني للغة, أي هو بنية مكوّنه من عناصر شتى تتآزر متفاعلة لتحقق شكل المعنى. لنقل ـ بعبارة أوضح ـ إنها بنية عضوية.

وهذا يعني أن أي تغيير في أي عنصر من عناصرها سيحدث تغييراً في بقية العناصر من جهة, وتغييراً في شكل المعنى من جهة أخرى. فإذا نظرنا في وحدات الأسلوب (التراكيب) وجدنا أن ما قلناه في الأسلوب يصح قوله في التراكيب من حيث كون كلّ منها بنية صغرى تتآزر عناصرها متفاعلة, ومن حيث التغير الذي يصيب عناصرها البنائية جميعاً إذا تغير أي عنصر من هذه العناصر. ولقد تحدث البنيويون ـ على اختلاف اتجاهاتهم ـ طويلاً عن محوري التعاقب والاستبدال (أو: الانتخاب والتركيب, الموقعية والسياق, الآني والزماني…)([13]) في دلالة واضحة على عضوية البنية الصغرى (التركيب), كما تحدثت عن هذه البنية حديثاً يثير الإعجاب البلاغة العربية القديمة, ولعلّ نظرة متأنية في “دلائل الإعجاز” لعبد القاهر الجرجاني تكشف عن جلال هذه البلاغة وعن عظمة هذا الناقد الكبير. وقد دفعت هذه البلاغة مثقفاً وناقداً كبيراً كالدكتور شكري عياد ـ طيّب الله ثراه ـ إلى قدر واضح من الاستخفاف بالجهود البنيوية في هذا المجال([14]) ولست أريد أن أعقد مقارنة بين البلاغة والبنيوية, أو بين البلاغة وعلم الأسلوب, فليس هذا وقت المقارنة, ولا السياق سياقها, ولكنني أريد أن أحترز لما قد يراه القارىء في الصحف القادمة من تعويل على البلاغة والبنيوية وعلم الأسلوب جميعاً, فليس هذا الجمع جمع حاطب ليل, ولكنه جمع بصير وقت ارتفاع النهار. ولم أرد بهذه المدخل النظري أن أفصّل القول في بناء لغة الشعر, بل أردت أن أضع صوى على أول الطريق لعلّها تجمع الجهد وتسدّد الوجهة, وتعصم من السير في معادل الدرب وبُنيانه, فإذا فرغت من هذين الاحترازين المنهجيين بدت السبيل إلى اللغة في شعر عبد القادر الجزائري لاحبة قاصدة.

إن أول ما يلفت النظر في شعر عبد القادر هو “التكرار” على مستوى الإيقاع والتركيب, وهو “تكرار” متعدد الأنماط, يعقبه تبدل وتغيّر ملحوظان, وهذا ملمح شعري أصيل, فالبنية الشعرية ذات طبيعة تكرارية على المستويين الشكلي والمعنوي.

وأول هذه الأنماط تكرار “صيغة” مفردة:

* فلا زال في أوج الكمال مخيّماً

 

يضيء علينا نوره وشعاعه

ولا زال من يحمى الذمار بعزّة

 

ولو جمعوا ما يستطاع دفاعه

ولا زال محجوج الأفاضل كعبة

 

وممدوحة أفضاله وطباعه

ولا زال سيّاراً إلى الله داعياً

 

بعلم وحلم ما يضّم شراعه

ولا زال للعلياء أرفع راية

 

وبشراه مبذول لنا وطباعه

فأبقاه من رقَاه عين زمانه

 

و…………………..([15])

** كم نافسوا, كم سارعوا, كم سابقوا

 

من سابق لفضائل وتفضل

كم حاربوا, كم ضاربوا, كم غالبوا

 

أقوى العداة بكثرة وتمول

كم صابروا, كم كابروا, كم غادروا

 

أعتى أعاديهم كعصف مؤكل

كم جاهدوا, كم طاردوا, وتجلدوا

 

للنائبات بصارم وبمقول

كم قاتلوا, كم طاولوا, كم ماحلوا

 

من جيش كفر باقتحام الجحفل

كم أولجوا كم أزعجوا, كم أسرجوا

 

بتسارع للموت لا بتمهل

كم شردوا, كم بددوا, وتعودوا

 

تشتيت كل كتيبة بالصيقل

يوم الوغى يوم المسرة, عندهم

 

عند الصياح………….([16])

*** اسكن فؤادي وقر الآن في جسدي

 

فقد وصلت بحزب الله أحيالا

هذا المرام الذي قد كنت تأمله

 

فطب مآلا بلقياه وطب حالا

وعش, هنيئا فأنت اليوم آمن من

 

حمام مكة إحراما وإحلالا

فأنت تحت لواء المجد مغتبط

 

في حضرة جمعت قطبا وأبدالا

وته دلالا, وهز العطف من طرب

 

وغن وارقص وجر الذيل مختالا

أمنت من كل مكروه ومظلمة

 

فبح بما شئت تفصيلا وإجمالا

هذا مقام التهاني قد حللت به

 

فارتع ولا تخش بعد اليوم أنكالا

أبشر بقرب أمير المؤمنين ومن

 

قد أكمل الله فيه الدين إكمالا

عبد المجيد حوى مجدا وعز على

 

وجل قدرا………….([17])

**** فيا قلبي المجروح بالبعد واللقا

 

دواك عزيز ليس تنفك ولهانا

ويا كبدي ذوبي أسى وتحرقا

 

ويا ناظري لازلت بالدمع غرقانا

أسائل عن نفسي فإني ضللتها

 

وكان جنوني, مثل ما قيل, أفنانا

أسائل من لاقيت عني والها

 

ولا أتحاشاهم رجالاً وركبانا([18])

لا نريد أن نستكثر من هذا النمط من التكرار, فهو يملأ شعاب الديوان وأوديته, وأينما يممت وجهك طالعتك صفوف متلاحقة منه حتى ليغدو النص عليها نافلة. ولكننا نريد أن ننظر في هذه النصوص بعض النظر.

تهيمن صيغة “لازال” على الأبيات في النص الأول, وهي صيغة “دعاء”. وقد رد الأمير بهذه القصيدة التي اجتزأنا منها هذه الأبيات على صديقه الشيخ “أبي النصر النابلسي” الذي أرسل إليه قصيدة مدحه بها. ونهج الأمير في هده القصيدة نهجه المألوف في الرد على من يرسل إليه بمدح, فقسم القصيدة قسمين وقف الأول منهما على تقريظ القصيدة, ووقف ثانيهما على الدعاء له. وتشكل صيغة الدعاء ركيزة بنيوية تفرض دلالتها على السياق في الأبيات جميعاً, فتعزز الإحساس بموقف الشاعر وتعمقه, وتجمع مضمون الدعاء المتفوق بين الكمال والعزة والعلم والحلم والفضل والطاعة والعلو في “بؤرة دلالية” واحدة تفيض منها تجليات دعائية شتى, وتنهض أداة الربط الصريحة “الواو” في أول كل بيت بوظيفة العطف بين صيغ الدعاء الموحدة لا بين مضامينه, وتجعل من الأبيات جملة دلالية واحدة, فتقوي بذلك مفهوم “البؤرة الدلالية” وتغنيه.


الهوامش:

* جامعة دمشق، قسم اللغة العربيّة.

([1])  تحليل النص الشعري, يوري لوتمان, ص22.

([2])  المرجع السابق, ص22.

([3])  مقدمة في نظرية الأدب, عبد المنعم ـ تليمة, ص أ.

([4])  لغة الشعر بين حيلين, إبراهيم السامرائي, ص8.

([5])  المرجع السابق, ص125.

([6])  انظر تحليل النص الشعري, ص133.

([7])  المرجع السابق, ص125.

([8])  المرجع السابق, ص126.

([9])  بناء لغة الشعر, جان كوين, ص90 ترجمة الدكتور أحمد درويش.

([10])  تحليل النص الشعري ريموتمان, ص67.

([11])  المرجع السابق, ص171.

([12])  بناء لغة الشعر ص48.

([13])  المرايا المحدبة, عبد العزيز حمودة, ص258, وانظر لوتمان, المرجع السابقص38, ياكبسون, ص33 قضايا الشعرية.

([14])  موقف من البنيوية, فصول, ص99, نقلاً عن المرايا المحدبة ص264.

([15])  ديوان الأمير عبد القادر, ص82.

([16])  الديوان, ص92.

([17])  الديوان, ص105.

([18])  الديوان, ص157.


آخر التغريدات: