البعد الاجتماعي والسياسي في التجربة الإصلاحية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين

البعد الاجتماعي والسياسي في التجربة الإصلاحية لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين

جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، كانت جمعية إصلاحية، بمعنى أنها سعت إلى إصلاح حياة الجزائريين في كل جوانبها، فكما اهتمت بإصلاح العقيدة والأخلاق والسلوك، اهتمت كذلك بإصلاح التربية والتعليم، وعملت على إصلاح المجتمع، وسعت إلى إصلاح الحياة العامة للجزائريين، وهو ما جعلها تطرق كل المجالات التي يمكن أن تحقق من خلالها الإصلاح الشامل المأمول. وكان طبيعيا أن تتحرك في الإطار الاجتماعي؛ إصلاحا للخلل الذي أصابه، ومحاربة للآفات التي كانت منتشرة ومستفحلة فيه، وأن تخوض في السياسة وأن تكون لها مواقفها وآراؤها في بعض القضايا السياسية التي كانت قائمة في ذلك الحين.

والحق أنه من الصعوبة بمكان الفصل بين كل من الجانب الاجتماعي والجانب السياسي في الحركة الإصلاحية للجمعية، فالعمل الاجتماعي هو عمل سياسي في حقيقته، والعمل السياسي مجاله الأول هو المجتمع، وهدفه هو ترقية المجتمع والنهوض به. لكن مع ذلك سنحاول أن نتحدث عن كل جانب على حدة.

واقع المجتمع الجزائري عند ظهور الجمعية

كان المجتمع الجزائري ـ عندما تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ـ في وضع مُزْرٍ يميزه التخلف الشامل في كافة مرافق الحياة، حيث كان يعاني الكثير من الآفات الاجتماعية التي أسهم الاستدمار الفرنسي في استفحالها وانتشارها في حياة الجزائريين، وقد سعت جمعية العلماء ـ في إطار عملها الإصلاحي ـ إلى محاربة هذه الآفات والحد من انتشارها.

وقد كان على رأس هذه الآفات؛ الفقر المدقع والعوز الشديد التي ضرب الكثير من الأسر الجزائرية بسبب استيلاء السلطة الاستدمارية على الأراضي الزراعية الخصبة ومنحها إياها إلى المعمرين الذين استقدمتهم من فرنسا، وجعلت الجزائريين عبيدا في أراضيهم يخدمون هؤلاء المعمرين، في مقابل فتات لا يكاد يسد الرمق كانوا يأخذونه كمقابل عن هذه السخرة.

والآفة الثانية التي كانت تضرب بجذورها في أعماق المجتمع الجزائري وتشل قواه وتكبل حركته؛ تمثلت في الجهل وغياب الوعي لدى كثير من الجزائريين، بفعل سياسة التجهيل التي فرضها الاستدمار منذ الأيام الأولى من احتلاله للبلاد، وبفعل الدور المشبوه للطرق الصوفية المنحرفة التي دأبت على شل عقول الجزائريين بنشر الأفكار الضارة والمفاهيم المشوهة.

والآفة الثالثة، تجسدت في الانحراف الأخلاقي والسلوكي الذي اندفع في طريقه كثير من الجزائريين، والشبان منهم خاصة، فقد عملت السلطات الاستدمارية ـ بطرق مختلفة ـ على الدفع بالجزائريين في مسالك الانحراف والغواية، من شرب للخمر وممارسة للرذيلة وانخراط في الميسر والقمار واحتراف للسرقة وقطع الطريق. وقد كان من أهم العوامل المساعدة على انتشار هذه الآفات الأخلاقية والسلوكية؛ تعطيل السلطة الاستدمارية للعمل الديني ومنعها العلماء من النشاط، وفتحها أبواب الفساد والسقوط الأخلاقي وتشجيعها لوسائله.

والآفة الرابعة كانت هي التفرقة العنصرية والتفاخر بالأصول والأنساب التي شجعها الاستدمار وحرص على شيوعها بين الجزائريين؛ في تفكيرهم، وتعاملهم فيما بينهم، حتى يضمن استمرار النزاعات والخصومات فيما بينهم وعدم توحدهم على مقاومته ومطالبته بحقوقهم.

هذه الآفات الاجتماعية كان لها تأثير كبير في انفصام عرى العلاقات الاجتماعية بين الجزائريين وتفكك الروابط بينهم وعدم وجود إطار يجمعهم ويلم شملهم.

تعامل الجمعية مع هذا الواقع

وقد اجتهدت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في محاربة هذه الآفات ومحاصرتها وعمل كل ما من شأنه أن يحد من تأثيرها في واقع المجتمع الجزائري.

فعلى صعيد محاربة الفقر؛ شجعت جمعية العلماء تأسيس الجمعيات الخيرية التي تتولى رعاية الفقراء والمساكين والأرامل واليتامى والعجزة. كما شجعت على العمل والسعي في طلب الرزق، وحثت على ممارسة التجارة والحرف المنتجة. وأحيت في نفوس الجزائريين روح التضامن والتكاتف والإيثار والتعاون ومساعدة المحتاجين.

وفيما يتعلق بمحاربة الجهل ومحاصرة تأثيراته، أسست جمعية العلماء المدارس وشجعت التعليم وعملت على توفيره لأبناء الجزائر في حدود ما كان لها من إمكانات، وشجعت أكثر تعليم الفتيات وتثقيفهن، باعتبار الأم أساس الأسرة التي إذا صلحت صلح المجتمع كله، وإذا فسدت فسد المجتمع كله. كما قاومت الجمعية البدع والخرافات وحررت العقل الجزائري من الأوهام التي كانت تكبله وتسيطر عليه.

ولمحاصرة الرذائل والمفاسد الأخلاقية واستقطاب الشباب وإبعادهم عن مسالكها؛ جندت الجمعية علماءها لإلقاء دروس الوعظ والإرشاد في المساجد والنوادي والمقاهي ومناسبات الأفراح والمآتم.

ولمنع تأثير التفرقة العنصرية، عملت الجمعية على ربط الجزائريين بدينهم وتاريخهم المشترك، وسعت في إقرار الوحدة الوطنية وتفعيلها ومحاربة كل ما من شأنه أن يزعزعها ويفكك أوصالها. حيث سخرت لذلك صحافتها وجهود علمائها في محاضراتهم ودروسهم ومواعظهم. كما أسست النوادي الرياضية والجمعيات الكشفية والفرق الموسيقية، التي كانت تجمع الشباب من مختلف الطبقات ومن شتى جهات الوطن تحت راية واحدة وتوجه جهودهم وطاقاتهم لعمل واحد.

عناية خاصة بالجالية الجزائرية في فرنسا

ولم تكتف جمعية العلماء بالعناية بالمجتمع الجزائري داخل الوطن فحسب، بل إنها مدت نشاطها إلى الجالية الجزائرية في فرنسا، يقول الشيخ عبد الرحمن شيبان رحمه الله: “بذلت الجمعية ـ ضمن برنامجها الإصلاحي ـ جهودا جبارة من أجل أن تحافظ تلك الجالية على ذاتيتها وتتعلم دينها ولغتها، حتى لا تنسلخ عن أصالتها وتفقد هويتها الحضارية… فأوفدت الجمعية الدعاة إلى المناطق الصناعية حيث تقيم تلك الجاليات من ديار الغربة، ابتداء من سنة 1936، وفي مقدمتهم العالم العامل الداعية الشيخ الفضيل الورتلاني الذي وفق إلى جمع شتات العمال الجزائريين ونظمهم في جمعيات عبر المدن الفرنسية، وأنشأ عدة مدارس وأندية تحمل اسم (التهذيب) لتعليم العربية والإسلام، وبث الوعي السياسي وترسيخ الوطنية، فما هي إلا حقبة قصيرة حتى أصبحنا نرى أولئك المهاجرين الذين كانوا تائهين، يعودون إلى وطنهم في المدن والقرى بقلب تنير جوانحه عقيدة صحيحة، ولسان يتكلم العربية، ويد صانعة ماهرة، جيب عامر بالمال، وطموح وطني نحو التحرر والانعتاق. على أن عمل جمعية العلماء هذا في تلك البلاد الغربية لم يقتصر إشعاعه على الجالية الجزائرية هناك فحسب، ولكنه عم الجاليات العربية والإسلامية مشرقية ومغربية، ممن يتوارد أبناؤها على تلك الديار” اهـ.

علاقة الجمعية بالسياسة

ظل قادة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، منذ تأسيسها، وخلال مراحل نشاطها، يعلنون أنهم ليسوا سياسيين، وأنه لا علاقة لهم ولا لجمعيتهم بالسياسة، وأن مهمتهم تربوية تعليمية تثقيفية. وقد جاء في القانون الأساسي للجمعية أنَّه “لا يسوغ لها بأيٍّ حال من الأحوال أنْ تَخوض أو تتدخَّل في المسائل السياسيَّة، وأنَّ القَصد منها هو مُحاربة الآفات الاجتماعيَّة؛ كالخمر والميسر، والبَطالة والجهل، وكلِّ ما يُحرِّمه صريحُ الشرع، ويُنكِره العقل، وتَحجُره القوانين الجاري بها العملُ”.

ولذلك حرص قادة الجمعية على أن يبعدوا عنها تهمة احتراف السياسة، وأن يؤكدوا في كل مناسبة على أنها جمعية دينية ثقافية تربوية إصلاحية. وقد صرح الإمام ابن باديس “أن الجمعية يجب أن لا تكون إلا جمعية هداية وإرشاد، لترقية الشعب من وهدة الجهل والسقوط الأخلاقي، إلى أَوْج العلم ومكارم الأخلاق، في نطاق دينها الذهبي وبهداية نبيها الأمي، الذي بُعث ليتمم مكارم الأخلاق، عليه وآله الصلاة والسلام، ولا يجوز بحال أن يكون لها بالسياسة وكل ما يتصل بالسياسة أدنى اتصال، بعيدة عن التفريق وأسباب التفريق…”.

والحقيقة أن قادة الجمعية، وهم يصرحون بذلك، كانوا يقصدون بالسياسة التي لا يمارسونها ولا ينخرطون فيها؛ السياسة بالمفهوم المادي النفعي التي تعني أن الغاية تبرر الوسيلة، السياسة التي هي ركض وراء المصالح الخاصة ومصدر للثراء والوجاهة على حساب المبادئ والقيم الدينية والوطنية.

هذا النوع من السياسة رفضت جمعية العلماء أن تنخرط فيه أو تمارسه، وحرصت فعلا على أن تكون بعيدة عنه.

المفهوم الخاص للسياسة عند قادة الجمعية

لكن هناك سياسة من نوع آخر آمنت بها الجمعية وانخرطت فيها بعمق ومارستها إلى أبعد حد، هذه السياسة هي خدمة الأمة بصدق وإخلاص في جميع مناحي حياتها، وتدبير شؤونها الدينية والدنيوية: إحياء لمقوماتها، وتمسكا بقيمها، وذودا عن حقوقها، ونشرا للعلم والفضائل بين أبنائها، وحثا لهم على الإقبال على الحياة والأخذ بأسباب العزة والتقدم فيها.

وهذا الذي ألمع إليه أو إلى بعضه الإمام ابن باديس في معرض حديثه عن مبدأ حركته في العمل السياسي، حيث يقول: “مبدؤنا في الإصلاح السياسي هو المحافظة التامة على جميع مقوماتنا ومميزاتنا كأمة لها مقوماتها ومميزاتها، والمطالبة بجميع حقوقها السياسية والاجتماعية لجميع طبقاتنا دون الرضى بأي تنقيص أو أي تمييز”.

وهذا الذي قرره ابن باديس عن مفهومه للعمل السياسي يؤكده الإبراهيمي بأوضح بيان، فالسياسة عنده “إحياء المقومات التي ماتت أو ضعفت أو تراخت من دين أو لغة وجنس وأخلاق وتاريخ وتقاليد وتصحيح قواعدها في النفوس، ثم المطالبة بالحقوق الضائعة في منطق وإيمان، ثم الإصرار على المطالبة في قوة وشدة، ثم التصلب في الإصرار في استماتة وتضحية”.

فالعمل السياسي عند جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هو جزء من العمل الإصلاحي يدور في فلكه ويتوخى مقاصده ولا يخرج عن دائرته، وليس عملا مستقلا بحد ذاته له أهدافه ومقاصده الخاصة.

في إطار هذا المفهوم للسياسة عند قادة الجمعية، يمكننا أن نفهم منهج الجمعية الإصلاحي وكذلك مواقفها من مختلف القضايا السياسية التي شهدتها حياة الجزائريين تحت الاحتلال الفرنسي طيلة ربع القرن الذي نشطت خلاله الجمعية، أي ما بين 1931 و1956.

فالعمل الإصلاحي الذي نهضت به الجمعية ووجهت له معظم جهودها، وهو التربية والتعليم والثقافة، كان عملا سياسيا في جوهره، حيث أحيت الروح الإسلامية والوطنية في نفوس الجزائريين، وعرفتهم بهويتهم وتاريخهم وحقوقهم المسلوبة، وجعلتهم يتطلعون إلى استردادها واستعادتها ممن استولوا عليها. فكان عملها هذا سببا أساسا في فشل سياسة فرنسة الجزائريين وتجنيسهم نهائيا ودمجهم في فرنسا، وهي السياسة التي وجهت لها السلطات الاستدمارية كل جهودها وسخرت لتحقيقها على أرض الواقع كل الوسائل والإمكانات.

ويجدر بالذكر هنا ما قامت به صحف الجمعية من دور كبير في بث الوعي السياسي وبلورة الفكرة الوطنية والتوجه نحو الاستقلال والحرية، فقد حملت جرائد الجمعية لواء الدفاع عن حقوق المواطن الجزائري المهضومة، والدفاع عن هوية الشعب الجزائري، كما عملت تلك الجرائد على إحياء الروح الوطنية وحب مقومات الشخصية الجزائرية في نفوس الجزائريين.

المؤتمر الإسلامي ودور قادة الجمعية فيه

أما على صعيد المواقف السياسية العملية، فلعل أهم مسألة سياسية تعاطت معها الجمعية وظهر دورها فيها بارزا هي قضية المؤتمر الإسلامي سنة 1936، هذا المؤتمر الذي دعا إليه وشارك فيه قادة الجمعية.

كان الغرض من هذا المؤتمر؛ دراسة وضعية الجزائريين وحقوقهم ومصيرهم في ظل الاحتلال الفرنسي، فهم من جهة يعتبرون فرنسيين، ومن جهة ثانية يعاملون كأجانب. وهذا بعد وصول الجبهة الشعبية إلى الحكم في فرنسا. وجاءت الدعوة إلى هذا المؤتمر من قبل الإمام ابن باديس باسمه الشخصي، بعد التشاور مع المكتب الإداري للجمعية، وذلك حتى لا يحمل الجمعية مسؤولية اتهامها بالتدخل في السياسة.

عقد هذا المؤتمر في الجزائر العاصمة، يوم 7 جوان 1936، وشارك فيه قادة جمعية العلماء، وفدرالية النواب المسلمين، وعدد كبير من المناضلين الشيوعيين والاشتراكيين، وغاب عنه نجم شمال إفرقيا.

وقد قدم ابن باديس للمؤتمر مطالب باسمه الشخصي، وهي كلها مطالب تدور حول التسوية بين الجزائريين والفرنسيين، وتمكين الجزائريين من خصوصياتهم الدينية والقضائية، ودار النقاش والحوار حول هذه المطالب،  وتم الاتفاق على التقدم إلى السلطات الفرنسية بعريضة ينقلها وفد مكون من 16 شخصا يسافرون إلى باريس لتقديم مطالب الأمة الجزائرية، وقد كان في عضوية هذا الوفد عدد من علماء الجمعية، هم: ابن باديس والإبراهيمي والعقبي والعمودي. وسافر هذا الوفد ودامت مهمته ما بين 18 و29 جويلية 1936، والتقى في باريس بعدد من المسؤولين الفرنسين، كان منهم رئيس الحكومة “بلوم ليون”. لكن أسهمت ظروف عدة في عدم تحقيق هذه المطالب، رغم الوعود التي تلقاها الوفد من حكومة الجبهة الشعبية.

هذه المطالب منها ما تشترك فيه الجمعية مع غيرها، وذلك كالمطالبة بالمساواة في الانتخاب والتمثيل، ورفع جميع الأوضاع الخاصة والأحكام الجائرة، ومنها ما انفردت به الجمعية عن غيرها من التنظيمات، ويتمثل في: اعتبار العربية لغة رسمية، فصل الدين عن الدولة (تسليم المساجد للمسلمين)، تأسيس كلية دينية لتعليم الدين الإسلامي ولسانه العربي، استقلال القضاء.

وقد دخلت جمعية العلماء هذا المؤتمر لا رغبة في الحركة السياسية الشكلية، وإنما ذودا عن هذه المطالب، ولأجل ذلك دعا ابن باديس الأمة إلى الالتفاف حول هذه المطالب والتمسك بها، ورفض كل بديل عنها.

ولما لم تستجب فرنسا إلى هذه المطالب، وقررت الهروب إلى الأمام في تجاهل مطالب الجزائريين، دعا ابن باديس إلى العمل الجاد من أجل تحقيق هذه المطالب بالجهد الذاتي واليأس من فرنسا وساستها، وهو ما كان يعني التهيؤ للثورة ضد الاستدمار لافتكاك الحقوق وتحرير الأرض والإنسان.

رفض الجمعية مساندة فرنسا في الحرب العالمية الثانية

القضية الثانية التي يمكن أن نمثل بها لمفهوم السياسة عند جمعية العلماء؛ هي موقف قادتها من دخول فرنسا الحرب العالمية الثانية سنة 1939، حيث رفضوا إعلان تأييدها في هذه الحرب لأن فرنسا كانت ستستغل ذلك في تجنيد الجزائريين والزج بهم في أتون الحرب أكثر مما كانت تفعل من قبل، وقد كان هذا الرفض سببا في تضييق السلطات الاستعمارية الخناق على الجمعية ككل، وخصوصا على رئيسها ونائبه، حيث تم نفي هذا الأخير إلى آفلو، أين بقي ثلاث سنوات، ولم يطلق سراحه إلا في 28 ديسمبر 1942.

وقد واصل الإمام الإبراهيمي مسار سلفه الإمام ابن باديس رحمه الله، حيث كثف نشاطه وتنقلاته عبر الوطن متفقدا شعب الجمعية، ومدارسها، وأنشطتها، كما واصل النضال السياسي بصفته الشخصية من خلال ما كان يكتبه من مقالات وما يلقيه من خطب ومحاضرات، هذا النضال الذي ظل يتمحور حول المطالبة بحقوق الجزائريين واستنكار الاعتداء عليها ومنعهم منها من قبل سلطة الاحتلال.

وفي هذا الإطار شارك الإمام الإبراهيمي وعدد من عناصر الجمعية، في تأسيس حركة “أحباب البيان والحرية”، ولسان حالها جريدة “المساواة” “Egalite“، رفقة فرحات عباس وعدد من الشخصيات الوطنية، سنة 1944، للمطالبة بحقوق الشعب الجزائري.

كما تم عقد اجتماع لمجلس إدارة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، خرج بتقرير حول المسائل الدينية المتعلقة بالمساجد والتعليم والقضاء، قدم إلى حكومة الاحتلال الفرنسي. وقد كان هذا التقرير ردا عنيفا على تماطل السلطات الفرنسية في القيام بإصلاحات حقيقية تلبي طموحات الجزائريين.

وكان موقف الجمعية من أحداث ماي 1945، واستنكارها للتعامل الوحشي  من السلطات الاستدمارية في التعامل مع المتظاهرين الجزائريين، مبررا لاعتقال الشيخ البشير الإبراهيمي وعدد من نشطاء الجمعية والزج بهم في السجون لمدد متفاوتة.

الجمعية وثورة نوفمبر المباركة

وقد ظلت الجمعية تواصل عملها الإصلاحي ومواقفها ذات البعد السياسي، تجاوبا مع مختلف التطورات في الواقع، حتى اندلعت ثورة التحرير المباركة في أول نوفمبر 1954، حيث أعلن الإمام الإبراهيمي من القاهرة مساندة الجمعية للثورة رسميا، ثم إعلان قادة الجمعية في الداخل وجوب التحاق معلمي مدارس الجمعية وطلاب معهد عبدالحميد بن باديس بالثورة، مما كان ذريعة لاغتيال عدد من إطارات الجمعية واختطاف الشيخ العربي التبسي وإعدامه.

وقد شهدت مرحلة الثورة نشاطا سياسيا حافلا لرجال جمعية العلماء في الخارج، تعريفا بالقضية الجزائرية، وردا للشبهات عن الثورة، وفضحا للسياسة الاستدمارية ومخططاتها، بل إن بعض رجال الجمعية قد تحملوا مسؤوليات سياسية في إطار الممثليات الجزائرية في مختلف الدول العربية، كما كان الحال بالنسبة للأساتذة: محمد الغسيري، عمر دردور، العباس بن الشيخ الحسين، علي مرحوم…

إنها تجربة حافلة، هي تجربة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في الإصلاح الاجتماعي والعمل السياسي، وهي تجربة جديرة بالدراسة والتأمل واستلهام الدروس والعبر والعظات.


آخر التغريدات: