رجل الإصلاح الشهيد بن فليس التهامي المدعو سي بلقاسم

رجل الإصلاح الشهيد بن فليس التهامي المدعو سي بلقاسم

قرابة نصف قرن من أجل الجزائر …!ذاكرة الوطن حافلة بالبصمات الخالدة،و الدماء التي كتبت دفتر الثورة، ما تزال تحترف الحضور ،و تشحن الأنفاس و الخطوات بالنبض و الاعتزاز.*قد تندثر البصمات، وتفيض الدماء على أرصفة التاريخ ،و لكن الذاكرة مرغمة على البوح و إفشاء أسماء أولئك الذين نسجوا حلم المستقبل وأعطوا للجزائر موعدا جديدا للفرح. من هذه الأسماء، وهي كثيرة عبر الرقعة الواسعة لجزائرنا العزيزة عبر تاريخ الجزائر العظيم و الطويل ، رجل اقترن ذكره بإنجازات وطنية وعلمية تحققت على أرض الجزائر، منذ مطلع هذا القرن حتى التحق بقوافل الشهداء، فكان رمزا من رموز التضحية و الشموخ. ذلك هو رجل الإصلاح التهامي بن فليس المدعو سي بلقاسم، والمولود في 14 جوان 1900بأولاد شليح وادي الشعبة إحدى قلاع الثورة التحريرية بالأوراس الأشم.

كانت البداية بالقرآن الكريم حيث قضى عدة سنوات بكتاتيب القرية لحفظ القرآن واستطاع ان يحفظه مما أهله بعد ذلك إلى الالتحاق بمدينة سيدي عقبة استكمالا للعلوم و المعارف الإسلامية المختلفة .

وقد مكث بها مدة من عمره، كانت بالنسبة إليه فرصة للإطلاع و نيل العلوم و المعرفة و الثقافة، والتزويد بخلفية معرفية تشحذه للمراحل القادمة.

بعد الحرب العالمية الأولى وبسبب إجبارية الخدمة الوطنية المفروضة على الجزائريين تم تجنيده مع من ينتمون لدفعته و هكذا أرسل عدد كبير منهم لسوريا سنة 1920م-1921م لأداء الخدمة العسكرية علما أن سوريا وضعتها عصبة الأمم بتاريخ 24/04/1920 تحت إدارة فرنسا بعد أن تم فصلها عن الحكم العثماني و ذلك إلى غاية استقلالها في سبتمبر 1941م.

إن أداءه للخدمة العسكرية بسوريا سمح له بالتعرف على هذا البلد و زيارة عدد من مدنه كحلب و اللاذقية و دمشق العاصمة و التردد على مسجد الأمويين بدمشق و الاستفادة من بعض الدروس فيه على حد ما كان يرويه لأهله و أحبابه، ومن بين من كانوا معه في هذا التجنيد من سكان باتنة المرحوم الساسي مغربي و المرحوم معاوي محمد، كما كان معه كذلك الشيخ عوفي سي أحمد بن عثمان من قرية تامزريت بأولاد سلطان.

كما التحق سنة 1922م بقسنطينة لفترة لتتبع الدروس التي كان يلقيها العلامة الغمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله.

و بعد المدة التي قضاها بقسنطينة شد الرحال إلى جامع الزيتونة بتونس سنة 1924م بحثا عن المزيد من التحصيل على أيدي علماء أجلاء و أدباء نبغاء من بينهم الشيخ الطاهر بن عاشور و الشيخ محمد النخلي .و جدير بالذكر أن من بين زملائه في الدراسة بجامع الزيتونة الشيخ سي عيسى مرزوقي الذي مارس الغمامة بنقاوس ول عمره و هو من عرش أولاد سلطان و كذلك الشيخ العوفي سي أحمد بن عثمان المذكور آنفا الذي مارس هو الآخر الإمامة بمدينة عين التوتة إلى أن وافته المنية و هو كذلك من عرش أولاد سلطان ، و أيضا أن من بين زملائه في الدراسة الشيخ روابح سي الطاهر بن سي عبد الرحمن من عرش أولاد شليح و الذي مارس الإمامة بشتمة “بسكرة” ثم بباتنة وأيضا الحاج سي إبراهيم بن عبيد والد الحاج بن عبيد سي مسعود المسؤول الولائي لمنظمة المجاهدين بالأوراس.

و قد فتحت له السنوات التي قضاها بتونس رفقة مشايخ العلم ، الأبواب التي أغنت تجربته بمختلف العلوم و الآداب و مكنته من الاقتراب و معاشرة الحركة الوطنية المتأججة آنذاك في أوساط الأدباء الشباب ، و بذلك تكونت لديه صورة واضحة عن الاستعمار الغاشم و الظالم ،و أصبح يشعر أكثر من ذي قبل بوطأة الاحتلال وآثاره المدمرة على أبناء الجزائر.

العودة إلى الوطن كانت فاتحة للعديد من المشاريع و الإسهامات العلمية حيث أصبح التهامي بن فليس عضوا في الجمعية الدينية للمسجد العتيق، و هو إحدى منارات العلم بباتنة آنذاك ،و شارك مع إخوانه من خلال هذه المنارة في تغذية العقول و إيقاظ الوعي في الضمائر و القلوب.

و لم يبرح أن انظم إلى صفوف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في أواخر الثلاثينيات مع مجموعة من الغيورين على الوطن و الدين بناحية باتنة و على رأسهم الشيخ سي الطاهر مسعودان الحركاتي رئيس شعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين آنذاك والشيخ الحاج سي الطيب معاشي و الشيخ روابح سي الطاهر و السيد العوبي سي الحنفي و السيد سي المدني خريبت و السيد فاضلي سي الصالح و السيد شرفة سي بلقاسم و الدكتور سي السعيد بن خليل و المحامي غريب سي إبراهيم و آخرين من أفاضل الرجال .

و كان عضوا ناشطا في الجمعية التابعة للمدرسة التي أسستها جمعية العلماء المسلمين بباتنة سنة 1937م تحت إشراف الشيخ فضلاء محمد الحسن بن الشيخ السعيد آبهلول و هو من تلاميذة الشيخ عبد الحميد بن باديس ،و قد كانت هذه المدرسة توجد آنذاك بشارع فيداب حاليا شارع محمد الصالح بن عباس علما أنها كانت آنذاك ملحقة لمدرسة الجمعية بقسنطينة ،إضافة إلى إشراف بن فليس التهامي شخصيا كذلك على مدرسة قرآنية أنشأها بمنزله بماله الخاص ،كانت ملاذا للفقراء و المحتاجين من أبناء الشعب لحفظ القرآن الكريم ، علما بان هذا الكتَّاب القرآني كان يوجد بجوار بيته بممرات «هربيون» التي تسمى حاليا بممرات بن فليس ،و جدير بالذكر ان علماء أجلاء من الجمعية تعاقبوا على التدريس بملحقة مدرسة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بباتنة أمثال الشيخ يكّن محمد الغسيري و الشيخ العربي بن عيسى الملقب بالقمقوم من عرش آيث داود ولاية تيزي وزو و الشاعر الشيخ محمد شبوكي من الشريعة و الشيخ بوتقشيرت السعيد المدعو السعيد البيباني.

تلبية للنداء الصادر عن العلامة القائد الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء ، حضر المرحوم التهامي بن فليس مع الشيخ خير الدين و الشيخ الطاهر مسعودان و الشيخ العوفي سي أحمد بن عثمان و جمع غفير من أعيان و سكان الأوراس المتوافدين من كل أرجاء الناحية للمحاكمة الجائرة التي أقيمت بباتنة للشيخ سي عمر بن دردور الشخصية المحترمة بتاريخ جانفي 1938م بتهمة تحريض الجماهير على العصيان المدني علما أن الشيخ بن باديس تنقل تضامنا خصيصا بهذه المناسبة لباتنة لتتبع المحاكمة بقصر العدالة و المعروف حول هذه القضية أنه قد تم النطق بالبراءة تحت ضغط الجماهير بعد أن قضى المرحوم الشيخ دردور عدة شهور في سجن السلطات الاستعمارية بباتنة.

وبهذا ،كانت الأفكار و المبادئ التي ناضل من أجلها التهامي بن فليس مع النشطاء من أحبته و إخوانه لأبناء الأوراس ، نبراسا مشيعا ،أضاء أمامهم الطريق للجهر بالحرية و الكرامة في الثامن من شمر مايو 1945م ،مما أدى بالسلطات الاستعمارية إلى اعتقاله بسجن باتنة لعدة شهور مع مجموعة من الغيورين على الوطن منهم المرحوم زاوية سي الأخضر التاجر المعروف بباتنة.

ولم تؤثر محنة السجن في عزيمة التهامي بن فليس بل زادته إيمانا بضرورة مواصلة درب الدفع بالتعليم و تشجيعه بإحياء الوطنية في نفوس الجزائريين ، تمهيدًا لمواجهة الاحتلال و استرداد السيادة.

من الناحية الحزبية و السياسية ،انتسب المرحوم بن فليس التهامي المدعو سي بلقاسم بعد الحرب العالمية الثانية إلى حزب البيان الذي كان يرأسه الرئيس الراحل فرحات عباس كما كان عضوا في المجلس البلدي لبلدية باتنة مع عدد من إخوانه و أصدقائه بعنوان تمثيل المسلمين أمثال الدكتور بن خليل سي السعيد و الأستاذ غريب سي إبراهيم المحامي و السيد فاضلي سي الصالح التاجر.

و من المشاريع الأولى التي ساهم فيها بعد السجن الذي تبع حوادث الثامن من ماي 1945م الإسهام مع عدد من المواطنين و رجال الإصلاح في تأسيس مدرسة «النشء الجديد» بباتنة نهج قرين بلقاسم «نهج فيداب سابقا» خلفا للمدرسة القديمة المذكورة سابقًا و التي فتحت أبوابها عام 1945م في حفل بهيج تحديا لتعنت الفرنسيين و قد كانت الفرصة سامحة له و لإخوانه في باتنة من أنصار جمعية العلماء لإطعام و إيواء العديد من العلماء الضيوف و المدعوين الوافدين من كل فج لمدينة باتنة بهذه المناسبة ، وتجدر الإشارة إلى أن هذه المدرسة الجديدة مستقلة مستقلَّة في تسييرها عن مدرسة قسنطينة وتعتبر إنجازا عظيما تم بفضل الله و عونه و مساعدة العديد من المتبرعين و المتطوعين و المحسنين .

و في هذه الفترة من تاريخ الرجل ، توثقت علاقاته بأعلام الحركة الوطنية من العلماء الذين كان يكن لهم احتراما و تقديرا كبيرين و في المقدمة هؤلاء العلامة الشيخ البشير الإبراهيمي و العلامة الشيخ العربي التبسي و الشاعران الشيخ محمد العيد آل خليفة و الشيخ محمد الشبوكي رحمهم الله جميعا .

هؤلاء كانوا من أحبته و أكثرهم ترددا على بيته في باتنة ، و قد حملوا له المودة و الحب و الاحترام لما لمسوه فيه من استعداد و لما شاهدوه فيه من روح وطنية و حبه للعلم و العلماء.

و قد احترف التهامي بن فليس لكسب قوته و قوت عياله التجارة عند عودته إلى مدينة باتنة تمثلت في البداية في فتح محل لبيع المواد الغذائية بمتجر كان على مقربة من المسجد العتيق ثم انتقل إلى فتح طاحونة ابتداءً من سنة 1942م بالشارع الذي كان يحمل اسم هربيون بجوار مقر سكناه ثم مقهى ،و المعروفة آنذاك بمقهى بن فليس بالشارع الذي يسمى حاليا شارع الاستقلال و بعد ذلك اشترى ضيعة بالمقاطعة التي تسمى فزديس بضواحي باتنة و قام فيها بممارسة الفلاحة و تربية الماشية و كان ناجحا بفضل الله في كل هذه الأعمال.

و عند اندلاع الثورة المباركة كان التهامي بن فليس من الذين زودوا المجاهدين و الثوّار بالسلاح و المال و الغذاء و الإيواء إذ كانت ضيعته ملجئا للثوار فكان سندصا لجيش التحرير الوني في أصعب الأيام و أشدها ضراوة و قسوة.

هذه التحركات الجديدة للتهامي بن فليس أقلقت المستعمرين و أذنابهم من الخونة فراحوا يضايقونه حتى ألقوا القبض عليه في أوائل سنوات الثورة ،و خيروه بين أمرين : إما أن يوقف نشاطه الوطني و إما أن يلحق به ما لا تحمد عقباه …و لكن إيمان الرجل بحتمية زوال الاستعمار كان أقوى من التهديد فواصل طريقه في النضال و اكتسب محبة إخوانه و ثقة و احترام قادة الثورة في ناحية باتنة.

و في بداية الأسبوع الأول من شهر مارس 1957م انقضت قوات الاحتلال على منزله ليلا بهدف اختطافه و التنكيل بأسرته ، و لكنه واجههم بشجاعة و قوة و إيمان كبير هو و أسرته ،مما اضر جماعة اليد الحمراء هذه إلى إطلاق النار عليه في هذه الليلة المشؤومة ثم الهروب من بعد دون أن يدركوا بأنه لم يصب بطلقاتهم النارية بفضل الله.

هذه الحادثة التي شاعت في ذلك الغد بمدينة باتنة و ضواحيها لما كان لها من وقع لدى المواطنين أزعجت الإدارة الفرنسية كثيرا كما زادت في تشويه صورتها أكثر عند الرأي العام و زادت في سمعة و اعتبار التهامي بن فليس عند إخوته ، فقررت السلطة الاستعمارية الانتقام منه و من أبنائه فأرسلت في التاسع من مارس 1957م فرقة من قوات جيش الاحتلال للقبض عليه مع ابنه الأكبر عمار المدعو الطاهر و اقتيدا إلى مكان مجهول بباتنة في البداية لتدبير كيفية التخلص منهما و تم اغتيال الاثنين على يد الجيش الفرنسي بالمكان المشؤوم المدعو : دار بن يعقوب بمدينة بسكرة الأمر الذي لم تتعرف عليه أسرته إلا بعد الاستقلال على إثر شهادة أحد المعتقلين الذي كان معهم في مكان الاعتقال و الذي نجا من الاغتيال بأعجوبة بقدرة الله و لم يعثر إطلاقا على جثتيهما .

تمت قسمة تركة الشهيد بن فليس من عقارات و منقولات رضائيا بين ورثته « زوجة ، أبناء و بنات وأحفاد « أمام الموثق مصطفى بن عزيز سنة 1983 م بباتنة ،و اتفق الورثة بعد بضع سنوات على بناء مسجد مكان الدار التي كان يسكنها المرحوم و التي كانت تضم كذلك كتّابا قرآنيا بعنوان 26 ممرات بن فليس باتنة ،و ذلك تنفيذا لرغبة كان يحملها المرحوم طول حياته متمثلة في إقامة بيت من بيوت الله.

لقد أنجز هذا المسجد بفضل الله و أطلق عليه اسم «مسجد الحق» سنة 2007/2008 م و قد تم فتحه لإقامة الشعائر الدينية سنة 2009م.

و هكذا انطفأت شمعة من الشموع التي ناضلت عشرات السنين من أجل الوطن و أضافت إلى ذاكرة الون بصمة خالدة ، وزادت صفحة ناصعة إلى دفتر الثورة الجزائرية المباركة.

رحم الله أرواح شهداء الثورة الجزائرية و أسكنهم فسيح جنانه.


*
العدد 453 من جريدة البصائر.

 

 

آخر التغريدات: