السلفية في خطاب الإمام ابن باديس

السلفية في خطاب الإمام ابن باديس

أثار مصطلح «السلفية»  ولا يزال يثير جدلاً طويلاً لا يكاد ينتهي إلى قرار، سواء في دائرة تيارات ومذاهب التغيير الإسلامي، أو لدى التيارات غير الإسلامية لهذه التيارات على الإطلاق .

أ _ ويمكن رصد المواقف الآتية تجاه مفهوم هذا المصطلح :

1- السلفية صفة لاتجاه معين في حركات التغيير الإسـلامي، أبرز ممثليه (الوهابية _ المهدية _ السنوسية)، وقد اختار الدكتور عبد المجيد النجار هذا الوصف فأطلقه عنوانًا على الحركات المذكورة فسمى مشروعها بـ (المشروع السلفي) من بين المشــــاريع الأخرى: (المشروع السلفي _ المشروع التحرري _ مشروع الإحياء الإيماني الشامل) .

2- السلفية مسلك معين في الرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح في الاعتقاد وبعض فروع الفقه والسلوك.

3- السلفية صفة (سلبية) توصف بها كل دعوات الإحياء الإسلامي بلا استثناء على مدار الزمن الذي استغرقته هذه الدعوات ولا تزال .

4- السلفية واحدة من مجموعة صفات وخصائص حركات الإحياء والتجديد الإسلامي .

فبأي هذه المفاهيم والمواقف يمكن أن نلحق خاصية (السلفية) في الخطاب الباديسي؟ وهل هي ذات صفة مفردة جامعة؟ أم يتأتى تفتيتها إلى جزئيات ومميزات؟ نتريث في الإجابة عن هذه الأسئلة ريثما نجتاز المراحل الآتية:

1- التعريف المختار للمصطلح

2- عناصر ومكونات خاصية السلفية في الخطاب الباديسي.

3- مستويات أثرها التغييري .

1-التعريف:

اخترنا تعريفًا مشتركًا عامًّا بين أشكال مفاهيم المصطلح (السلفية) داخل تشكيلات وحركات الإحياء الإسلامي .

فالسلفية «نسبة إلى السلف، وهم الجيل الإسلامي الأول من الصحابة خاصة، ومعناها الاقتداء بالسلف والالتزام بفهمهم للدين صافيًا من مصادره الأصلية: القرآن والحديث، والرجوع عن كل ما عسى أن يطرأ من الابتداعات الطارئة بالزمن مخالفة لأصول الدين إلى ما كان عليه السلف من الدين ».

فلا تكاد تعثر على من يشذ عن فهم «السلفية» بما ورد به التعريف المذكور إلا من لا يعتد بشذوذ فهمه _ إن وجد _ من داخل تيارات الاتجاه الإسلامي، فمنطلقاته جميعًا تنتسب إلى السلف مصدرًا واهتداء واقتداء،« ورجال الإصلاح في الإسلام..يدعون إلى السلفية، أي إلى الاقتداء بـ (السلف الصالح)، فالسلفية تحاول بدورها بعث الإسلام بالرجـــوع إلى المنابــع الأولى».

2- عناصر خاصية السلفية في الخطاب الباديسي:

تسمح لنا مكونات وعناصر خاصية السلفية كما تتجلى في خطاب الإمام بتصنيفها ضمن ما يمكن اعتباره تعبيرًا عن نوعين من المرجعية، مرجعية فكرية عقائدية، ومرجعية سلوكية وعملية وتربوية تعليمية ودعوية.

أ- المرجعية الفكرية: وتشتمل على المكونات الآتية :

القرآن الكريم والسنة .

ب- المرجعية السلوكية والعملية والتربوية التعليمية والدعوية :

وتحتوى على العناصر الآتية :

“سلوك السلف الصالح/ الدعوة لما كانوا عليه من اتباع/ الاستدلال بأدلة القرآن والسنة/ العودة للتفقه في القرآن والسنة” .

3- مستويات أثرها التغييري:

يمكننا أيضًا تصنيف الأثر التغييري للخطاب في هذه الخاصية إلى مستويات.

1- مستوى روحي ذوقي :

ويتمثل في الآتي: “إذاقة المسلمين حلاوة القرآن والسنة/ رسوخ الفتاوى والمواعظ من القلوب وأثرها في النفوس”.

2- مستوى فكرى تأملي علمي :ويشمل “تقريب المسلمين إلى دينهم/ تعريفهم منزلته/ ذكره الدائم/ نيل العلم والحكمة من قريب/ دينونة الأمة في بقائها للعقيدة/ إنقاذ العالم بالقرآن الكريم”.

3- مستوى سلوكي علمي :ويشمل: “شفاء العقائد والأخلاق التي هي أساس الأعمال والمجتمع بالقرآن/ طلب الشفاء في غير القرآن يزيد المجتمع مرضًا/ في الرجوع لما كان عليه السلف من معالجة الأدواء بمعالجة أسبابها”.

جـ _ بعد هذه التقسيمات والاستعراضات نورد جملة من الملاحظات تحمل في طياتها الإجابة عن الأسئلة التي طرحناها سابقًا .

1- يتكامل مفهوم السلفية ومضمونها في الخطاب الباديسي باجتماع عناصر خاصية السلفية مع مستويات أثرها التغييري .

2- من الظلال التي يلقيها الخطاب الباديسي على هذه الخاصية تميزها بالمميزات الآتية :

عصمة المرجعية الفكرية وقدسيتها _ نموذجية ومثالية القدوة _ حيوية واستمرارية القابلية للإمداد الدائم _ القابلية للامتداد الأفقي (زمانا ومكانًا) وعموديًّا (في الفكر والنفس والذوق والسلوك والعمل) .

3- السلفية عودة لنقطة الانطلاق السليمة للطريق المستقيم.

4- السلفية _ بهذا المفهوم _ تُعد خاصية من خصائص الأمة الإسلامية في فترات نهوضها على طريق التحضر الإسلامي، لا مجرد وصف يلحق باتجاه فكري عقائدي أو مذهب في التعرف على أحكام في فروع العبادات وبعض مظاهر السلوك، ومسلك معين في فهم النصوص والإفتاء .

5- فهي تمدنا _ إلى جانب نزعة الرجوع إلى منهج السلف الصالح، فهمًا للدين والتزامًا بالتأسي والاقتداء _ ببعض وسائل وأشكال التطبيق الجارية في الحياة، الأمر الذي يدعونا للتعقيب على ما ذهب إليه الدكتور النجار في معرض استنتاجه من التعريف السابق الذي أوردناه له بما يردّ به على الذين يوجهون السلفية وجهة خاطئة، فيقول: «ومن البين أن السلفية بهذا المعنى [الوارد في التعريف] تتعلق بفهم الدين في بعده العقدي خاصة، ولا تتعلق بالشكل التطبيقي الذي تجرى عليه الحياة في وسائل تنفيذ التدين كما يريد البعض أن يفســـــروا به السلفية جهلاً أو تشهيرًا».

حقًّا إنها لا تعطينا كل أشكال التطبيق، ولا تتيح لنا كل وسائل تنفيذ التدين؛ لأنها خاصية ضمن منظومة خطاب تشكل منهجًا، لكنها من المؤكد _ كما يتبين لنا من تحليل ورودها في الخطاب الباديسي _ لا تقصر عن إمدادنا على الأقل بروح تلك الوسائل. ولعلي ألتمس في التوضيح الذي أورده الدكتور النجار على الدكتور محمد فتحي عثمان – وهو ما تنسجم معه الملحوظة (د) السابقة – سندًا فيما أقول، « فالدعوة إلى السلفية دعوة متجددة دومًا، وهي على ذلك دعوة ملائمة لعصرنا ولكل عصر؛ لأنها تربط المؤمنين بالينابيع الصافية، وتسقط عنهم رواسب القرون والأجيال من ابتداع البشر، وتعيدهم إلى كتاب الله المحكم المبين وسنة رسوله البيضاء النقية».

6- أما الرأي الذي يعتقد صاحبه أنه يدافع عن خصوصية نزعة (السلفية) ومفهومها في بلاد المغرب العربي، واختلافها في ذلك عما هو مطروح في المشرق العربي؛ فيفسر الرجوع إلى سيرة السلف الصالح باستلهام معنويات الفترات الزاهرة من تاريخنا العربي الإٍسلامي، واستعادة الخلفية النضالية التي سادت تلك السيرة، وأن مضمون رسالتها كان ليبراليًّا تحديثيًّا تمامًا، فهو اتجاه ورأي يحجم من سعة مفهوم السلفية، فالاستلهام حاصل لا محالة، لكن اتخاذ السلف مرجعية _ على النحو الذي مضى بيانـــــه _ ليس فحسب في (المعنويات) _ هذه اللفظة الفضفاضة _ ولكن أيضًا في المنهج والمنطلق ومعالم الطريق .

أما نســبة مضمون رسالتها إلى (الليبرالية) و(التحديث) فتلك أزمة المصطلح، التي لا مخرج لنا منها إلا بالإبداع لمعجمنا المصطلحي في شتى المعارف والمجالات؛ « فالقاعدة الأساسية لعلاج هذا الخلل ألا نترجم على الإطلاق، وإنما ننظر للظاهرة ذاتها.. ندرس المصطلح الغربي في سياقه الأصيل دراسة جيدة ونعرف مدلولاته حق المعرفة، ثم نحاول توليد مصطلحات من داخل المعجم العربي..إننا سنولد أو نصك مصطلحًا يصف ما نرى نحن، ويفسره من وجهة نظرنا».


آخر التغريدات: