الإمام الشيخ محمد البشير الإبراهيمي واللغة العربية

الإمام الشيخ محمد البشير الإبراهيمي واللغة العربية

“…يموت العظماء، فلا يندثر منهم إلا العنصرالترابي الذي يرجع إلى أصله، أما معانيهم فتبقى في الأرض، قوة تحرك، ورابطة تجمع،ونورا يهدي، وعطرا ينعش، وهذا هو معنى العظمة، وهذا هو معنى كون العظمةخلودا“. الإمام الإبراهيمي فيذكرى وفاة الإمام عبد الحميدبن باديس

إذا كان ما يميز العباقرة هو التفوق في مجال واحد، تطغىفيه الموهبة الخارقة على الجوانب الأخرى في شخصية العبقري، فإن أهم ما تتميز بهشخصية العظماء: التكامل والانسجام، مهما تتعدد جوانبها، أو تتباين في الظاهر، لأنهاتصدر، جميعا، عن جوهر واحد، وفلسفة واحدة، عميقة شاملة، وهذا سر قوة العظماء: صمودواتزان، لا يلهيهم مكسب تحقق عن مواصلة جهادهم الطويل، ولا يضعفون مع نوائب الأيام،ولو خارت من حولهم العزائم، لأن قدرهم أن يحترقوا ليضيئوا للناس سبل الحياة العزيزةالحرة الكريمة.

وإذا كان من العظماء، من لا يقدره معاصروه حق قدره،وإنما تنتصر له الأيام التي تؤكد مصداق ما نادى به ودعا إليه، فإن من العظماء منملأوا الدنيا وشغلوا الناس، في حياتهم ومن بعد وفاتهم، ومن هؤلاء الشيخ الإمام محمدالبشير الإبراهيمي، رحمه الله.

والحديث عن شيخنا الإمام، واسعمتشعب، متعدد المجالات، لغنى مواهبه، وقوة شخصيته، وسعة علمه واطلاعه، وتعدداهتماماته، وطول جهاده، فهو نفسه الحديث عن الجزائر العربية المسلمة؛ حضارة وأصالةوصمودا وتحررا ونهضة، فقد جسم، رحمه الله، الجزائر، في شخصيته، قولا وكتابة وسلوكاوجهادا.

إمامالعربية:

يتناول هذا المقال المتواضع جانبا واحدا منجوانب جهاده الطويل في ميدان خطير، يشكل وحده عالما خصبا، يمكن أن توضع فيه دراساتعديدة، ألا وهو جهاده من أجل إحياء اللغة العربية، ونشرهاوازدهارها.

إن الشيخ البشير الإبراهيمي، قبل أن يكون مفكرا مصلحا،وسياسيا محنكا، كان أديبا شاعرا، وخطيبا مفوها، إلى جانب علمه بالتفسير، وبالحديثوعلومه، وبالفقه وأصوله.

وقد خلف إنتاجا غزيرا يشهد له أنه –بحقمدرسة كاملة، بل فلتة من فلتات هذا الزمان، كما كان ينعته كبار المفكرين والأدباءالعرب والمسلمين في المشرق والمغرب.

فلم يكن غريبا أن تشهد له مجلةالشهاب” لصاحبها الإمام عبد الحميد بن باديس، بالإمارة في مجال الكتابة، كما شهدتلمحمد العيد آل خليفة، بالإمارة في مجال الشعر، وذلك في مقال بعنوان:(بين أميرين: أمير شعراء الجزائر وأمير كتابها). ولم يكن غريبا أن يحظى بتقدير كبير في الأوساطالعلمية والشعبية، على السواء، فينتخب عضوا في المجامع اللغوية والعلمية في القاهرةوبغداد ودمشق.

لقد كان رحمه الله إماما في اللغة العربية وبلاغتها،تفقه في أسرارها، وتغذى بآدابها، واستنار بقرآنها، وكان خطيبا مصقعا، وكان ديوانالأيام العرب، وآدابهم وتقاليدهم، في أفراحهم وأحزانهم، في حربهموسلمهم.
أما أسلوبه في الكتابة، فهو جاحظ عصره، وبديع زمانه، مماجعله –بحق- معجزة من معجزات الثقافة العربية الإسلامية في القرنالعشرين.

نماذج منأسلوبه:

أنظر إليه كيف يصور للناس إيمانه العميق بأنما انتزعه الاستعمار بالقوة لا يمكن أن يسترد منه إلا بالقوة، قال رحمه الله:”وقدنجحت الجمعية إلى حد بعيد في إفهام الأمة هذه المعاني الاجتماعية، وتوجيهها إلىمجاراة السابقين، وتهيئتها لأن تكون أمة عزيزة الجانب، مرعية الحقوق، ثابتة الكيان،محفوظة الكرامة، صالحة للحياة، مساوية للأحياء، وفي أعلامها أن بغْي القوي علىالضعيف قد طمس معالم الحق بينهما، وردهما إلى نوع من الحيوانية، كالذي بين الذئبوالخروف، حتى أصبحت الاستطالة في الأقوياء طبيعة، والاستكانة في الضعفاء طبيعة، وإنطبيعة الأولين لا تتبدل إلا بعد تبدل طبيعة الآخرين، وإن الحقوق التي أخذت اغتصابالا تسترجع إلا غلابا
ليس من سداد الرأي أن يضيّع الضعيف وقته فيلوم الأقوياء، وليس من المجدي أن يدخل معه في الجدل.
إن من تماممعنى اللوم أن يتسبب في توبة، أو يجر إلى إنابة، ونحن نعلم أن القوم لا يتوبون ولايذكرون.
فمن الواجب أن نلوم أنفسنا على التقصير، ونقرعها عنالانقياد لآراء هؤلاء القوم ولإرشادهم
أما لومنا إياهم، فهو لومالخروف للذئب، وأما طمعنا في توبتهم فهو طمع الخروف في توبة الذئب، فإن أردتم أنتروا المثل الخارق من توبة الذئب، فقلموا أظافره، وأَهْتمُواأنيابه

واستمع إلى الشيخ الإبراهيمي، في إرهاصاته المبكرة بالثورةعلى المستعمر، وهو يصور الرفض والسخط الكامنين في نفوس أبناء الجزائر، في إحدىمناجاته لوطنه الحبيب، مؤكدا عزمه الشديد على الثورة لاسترجاع الحق المغصوب، بأسلوبعربي مبين، اعتمد فيه السجع في غير تكلف، فجاء مزمجرا زمجرة الشعب المهان، قويا قوةالإيمان بانتصار الحق، ولو طال الزمان!

“…سلام عليك يوم لقيت منعقبة وصحبة برا، فكنت شامخا مشمخرا، ويوم لقيت من بيجو وحزبه شرا، فسلمت مضطرا،وأمسيت عابسا مكفهرا، وللانتقام مسرا، وسلام عليك يوم تصبح حرا، متهللا مفترا معتزابالله لا مغترا !”

مكانته الأدبية خارجالجزائر:

نشرت مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق مقالاللأستاذ بهجت البيطار أفريل 1966م، جاء فيه:
نعت إلينا الأنباءفي 24 أيار (أفريل) 1965م العالم الكبير والكاتب الشهير: الشيخ محمد البشيرالإبراهيمي رئيس جمعية العلماء في الجزائر، تغمده الله برحمته ورضوانه:إنا كنا في مدرسة تجهيز دمشق جد مغتبطين بدروس الأستاذالإبراهيمي، التي كانت بعذوبة أسلوبها كالماء الزلال، بل السحر الحلال، كان الأستاذيملي علينا القصائد الطوال لأرقى الشعراء في العصور الذهبية، ويشرحها شرحا لغوياوأدبيا وافيين، فكنا إذا رجعنا إلى دواوين الشعراء وشروحها، أخذناالعجب من صحةالرواية للأستاذ ودرايته، وتحقيقه العلمي والأدبي، وكنا نشعر أننا أمام دائرة معارفحوت من كل شيء أعلاه وأحلاه“.

إن مما يجب أن يعلمه جيل الاستقلالمن عظمة إمامنا الجليل، أنه كان وطنيا صادق الوطنية، ومفكرا مصلحا، وسياسيا حكيما،ومعلما مربيا، وفقيها متعمقا في الدين، غير أن للإمام جانبا آخر كما أسلفنا، نريدأن نوجه الأنظار إليه، وهو أنه كان بحق، رائدا للتعريب في الجزائر، باعتباره أول منوضع لهذه القضية أسسها النظرية، وحدد أبعادها المختلفة.

ويمكن أننحصر هذا المجال الواسع الذي عمل فيه الشيخ الإمام محمد البشير الإبراهيمي فيمحورين كبيرين متكاملين:
1-  اللغة العربية: لغة العلموالحضارة.

2- اللغة العربية: لغة الجزائر العربيةالمسلمة.

لقد أولى هذه القضية الخطيرة عناية كبيرة،فلم تمنعه فترة الاستعمار الحالكة من معالجتها معالجة علمية دقيقة، فبين ما تنطويعليه اللغة العربية ذاتها من أسباب القوة وعناصر الكمال، وما تتميز به عن سائراللغات، ثم فصل القول في أفضالها على العلم والمدنية، بالرغم مما كان يدعيهالاستعمار، والعلماء الخادمون لسياسته من أن العربية قاصرة عن ميادين العلم، عاجزةعن مسايرة التطور والتجديد، وأن العرب في القديم لم يفعلوا أكثر من ترجمة ما عندالغير من علوم، فلم يكن لهم حظ في ميدان الابتكار والتجديد.

فنَّدالإبراهيمي هذه الأباطيل بأسلوب العالم المتمكن النزيه، فبين أن أسلافنا الأوائل،عندما واجهوا حضارات الفرس والروم واليونان والهند، نهلوا منها ما يفيد دون عقدةنقص، بالرغم من بساطتهم، ثم تجاوزوا ذلك إلى التفاعل الحي مع هذه الحضارات، فصححواوأضافوا ووافقوا وابتكروا، وما يزال الباحثون النزهاء يؤكدون أن ما في حضارة الغرب،اليوم، من خير، هو من بقية عصارة ذلك الفكر المبدعالأصيل.

فلسفته فيالتعريب:

قال، رحمه الله، في خطاب بعنوان:(العربية: فضلها على العلم والمدنية، وأثرها في الأمم غير العربية) يبين سر قوة الشخصيةالحضارية التي كانت لأسلافنا الأوائل، الذين أدركوا ضرورة التفاعل مع الغير عن طريقاللغات الأجنبية، فكان بذلك، أول من وضع للتعريب فلسفة عميقة، شاملةوواضحة: “…قامت اللغة العربية، في أقل من نصف قرن، بترجمة علومهذه الأمم، ونظمها الاجتماعية وآدابها، فوعت الفلسفة بجميع فروعها، والرياضياتبجميع أصنافها، والطب والهندسة والآداب والاجتماع، وهذه هي العلوم التي تقوم عليهاالحضارة العقلية، في الأمم الحاضرة والغابرة، وهذا هو التراث العقلي المشاع الذي مايزال يأخذه الأخير عن الأول، وهذا هو الجزء الضروري في الحياة، الذي إما أن تنقلهإليك فيكون قوة فيك، أو تنتقل إليه في لغة غيرك فتكون قوة في غيرك، وقد تفطنأسلافنا إلى هذه الدقيقة، فنقلوا العلم ولم ينتقلوا إليه“.

ثميواصل:”يقول المستعمرون عنا: أننا خياليون، وأننا، حين نعتز بأسلافنا نعيش فيالخيال، ونعتمد الماضي، ونتكل عليه، يقولون هذا عنا، في معرض الاستهزاء بنا، أو فيمعرض النصح لنا، إنهم يريدون أن ننسى ماضينا، فنعيش بلا ماض، حتى إذا استيقظنا مننومنا، أو من تنويمهم لنا، لن نجد ماضينا نبني عليه حاضرنا فاندمجنا في حاضرهم، وكلما يريدون!”

إنهم يخلدون عظماءنا في الفكر والأدب والفلسفة والفنوالحرب، إنهم لا ينسون الجندي ذا الأثر فضلا عن القائد الفاتح، وهذه تماثيلهم تشهد،وهذه متاحفهم تردد الشهادة!”

وإني أتخيل أن لهم -في تحريف الكثيرمن أسماء أعلامنا- مأربا يوم كانوا يـأخذون العلم منا، كأنهم ألهموا يومئذ أنالزمان سيدول، وأن دورة الفلك علينا بالسعد ستنتهي، وأننا سنعود إلى الأخذ عنهم،فحرفوا أسماءنا لتشتبه على أبنائنا، فلا يعرفون “أفيروس” هو ابن رشد، وأن “أفيسينهو ابن سينا، وأن “جبر الطار” هو جبل طارق، وهكذا ينطق بها أبناؤنا اليوم، ولايهتدون إلى أصحابها حتى يقيض الله لهم من يكشفالحقيقة“.
العربية: لغة الجزائر العربيةالمسلمة.

من المعروف أن الاستعمار لم يستهدف في غزوهللجزائر الأرض وحدها، بل تجاوز ذلك إلى محاولة القضاء على شخصية الشعب الجزائري،فحارب أول ما حارب اللغة والدين، فحول المساجد إلى كنائس ومستشفيات، أما اللغةالعربية فإنه حاربها محاربة شديدة، معتمدا في ذلك أساليب كثيرة متنوعة، لعل أخطرهامحاولة التشكيك في أصالتها، وقد عالج الإبراهيمي هذه المسألة الخطيرة من الأساس،وفند هذه المزاعم الخبيثة، فكتب مقالا سنة 1948م بعنوان:(اللغة العربية في الجزائر،عقيلة حرة، ليس لها ضرة) جاء فيه:  ” اللغة العربية في الجزائرليست غريبة، ولا دخيلة، بل هي في دارها، وبين حماتها وأنصارها، وهي ممتدة الجذور معالماضي، مشيدة الأواخي مع الحاضر، طويلة الأفنان في المستقبل، لأنها دخلت هذا الوطنمع الإسلام على ألسنة الفاتحين، ترحل برحيلهم وتقيم بإقامتهم، فلما أقام الإسلامبهذا الشمال الإفريقي إقامة الأبد وضرب بـحرانه فيه، أقامت معه العربية لا تريم ولاتبرح، مادام الإسلام مقيما لا يتزحزح، ومن ذلك الحين بدأت تتغلغل في النفوس، وتنساغفي الألسنة واللهوات، وتنساب بين الشفاه، والأفواه، يزيدها طيبا وعذوبة أن القرآنبها يتلى، وأن الصلوات بها تبدأ وتختم، فما مضى عليها جيل أو جيلان، حتى اتسعتدائرتها، وخالطت الحواس والشواعر، وجاوزت الإبانة عن الدين إلى الإبانة عن الدنيا،فأصبحت لغة دين ودنيا معا“.

إصلاح التعليم ومحوالأمية:

لقد وضع الإبراهيمي مع الإمام ابن باديسوالميلي والتبسي وغيرهم من إخوانه العلماء برنامجا واسعا لإصلاح التعليم العربيالحر والنهوض به، لأن الأمم الحية –في وقتنا هذا- ما حييت إلا بالعلم الاختباريالتطبيقي، وأساس هذا العلم القراءة والكتابة، فأنشئت لذلك: المدارس الحرة، والمساجدالحرة، والنوادي، والصحف.
وقد عززت هذه المساعي بإنشاء مؤسسة علميةتربوية أعطت هذا التعليم العربي الإسلامي الحر، نفسا جديدا، هي “معهد عبد الحميد بنباديس” في قسنطينة، الذي يقول فيه: “.. هو إحدى الكفارات التيتقدمها الأمة الجزائرية عما اجترحته من مآثم الجهل والأمية، وسيئات الغفلةوالتفريط، وأسباب التأخر والجمود، وجنايات الابتداع في الدين، والإتباع فيالدنيا.

ومن المعروف أن الاستعمار ضرب على الجزائر حصارا شديدا،حتى كاد يؤمن الصديق، ناهيك عن العدو، أن هذا البلد انسلخ، كلية، من كيان العروبةوالإسلام، وكان مما ساعد على اختراق هذا الحصار تلك البعثات العلمية إلى المشرقالعربي والإسلامي، من خريجي معهد عبد الحميد بن باديس، والمدارس الحرة لجمعيةالعلماء، فقد وجد فيها الشرق وجه الجزائر الأصيل، واطمأن من خلالها على أن الإسلاموالعربية فيها بخير.
ولقد انتقل الشيخ الإبراهيمي بنفسه إلى المشرقالعربي لتهيئة جامعاته لاستقبال بعثات الطلبة من خريجي معهد ابنباديس.

ولو تحدثت جمعية العلماء، لقالت لكل العاملين في المشرقالعربي لرفعة العربية وإعلاء شأنها بين اللغات: بأنها عملت لها أكثر مما عملوا لها،وهم أحرار آمنون، وفي بلد لسانه وجنسيته عربيان، وحاكمه ومحكومه عربيان، وعملنا لهاتحت زمجرة الاستعمار، ودمدمة أنصاره، وأنقذناها من بين أنيابه وأظفاره، ورفعنامنارها في وطن، لم يبق الاستعمار من عروبته إلا اسم الفعل، تجعله رمزا للبذاءةوالسباب“.

ذلكم شيء قليل من كثير، من عظمة هذا الرجل، الذي عاشللجزائر وللعروبة والإسلام، ككل أبناء الجزائر البررة، ممن جاهدوا واستشهدوا، كل فيميدانه، لتسترجع مجدها وكرامتها.

 

* مداخلة في يوما دراسيا هاما حول العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، عليه رحمةالله، تحت عنوان:”منور الأذهان وفارس البيان”

نشر في مجلة “الثقافة” التي تصدرهاوزارة الثقافة الجزائرية

 

 

آخر التغريدات: