من أعلام الجزائر المعاصرين.. الطبيب والأديب والمفكر الجزائري الدكتور أحمد عروة

من أعلام الجزائر المعاصرين.. الطبيب والأديب والمفكر الجزائري الدكتور أحمد عروة

في ختام السنة الدراسية 1990-1991، أنهيت المرحلة الأولى من دراستي الجامعية بالحصول على الليسانس في العلوم الإسلامية، ضمن طلاب أول دفعة تتخرج من معهد الشريعة في باتنة، والذي كان حينئذ تابعا لجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة. وقد رأت إدارة المعهد – التي كان على رأسها أستاذنا الشيخ الدكتور الطاهر حليس رحمه الله – أن تنظم حفلا لتكريم أوائل الدفعة، ودعت لحضوره مدير جامعة الأمير عبد القادر في تلك الفترة الأستاذ الدكتور أحمد عروة رحمه الله، والذي لبى الدعوة وحضر الحفل رغم ما كان يعانيه من مرض، وكان من حسن حظي أن أحظى بالتسليم عليه وتسلم جائزتي من يده.. هذا العالم المتعدد المواهب، الذي لفتت انتباهي – في ذلك الحفل – كلماتُه النابضة بالحياة – مع تهدج صوته بسبب المرض – لم يحظ بالاهتمام من قبل الباحثين والدارسين الجزائريين، على الرغم مما قدمه من إنتاج علمي وفكري وأدبي متميز. ويأتي هذا المقال كمحاولة للتعريف به ولفت الأنظار إلى سيرته وتراثه.

مولده ونشأته

ولد أحمد عروة في بلدة مدوكال القريبة من مدينة بريكة في ولاية باتنة، يوم الثلاثاء 29 شوال 1344هـ، الموافق 11 ماي 1926م، وكان الابن البكر لأبيه الشيخ محمد صديق، الذي رزقه الله في الجملة بعشرة من الولد: أربع بنات وستة أبناء.

حفظ أحمد القرآن الكريم وهو صغير على يد الشيخ بلمحفوظي، كما تعلم مبادئ الإسلام وقواعد اللغة العربية على يد أبيه، الذي كان من خريجي جامعة الزيتونة بتونس. وهكذا نشأ أحمد عروة في بيت علم ودين، وعاش طفولته الأولى في بيئة يغلب عليها الطابع التقليدي المحافظ.

في سن السابعة، تم تعيين الشيخ محمد صديق معلما في المدرسة الحرة بمدينة القليعة غرب الجزائر العاصمة، فانتقل إليها مصطحبا معه أسرته. في هذه المدينة الصغيرة، تلقى أحمد عروة دروس المرحلة الابتدائية، ثم المرحلة التكميلية، حتى حصوله على شهادة الأهلية.

انتقل بعد ذلك إلى الجزائر العاصمة، أين سجل في ثانوية بيجو (الأمير عبد القادر حاليا).

في العاصمة، وأثناء دراسته الثانوية، تفتح وعيه السياسي، حيث انخرط في النضال ضمن صفوف حزب الشعب الجزائري، أين تعرف على بعض كبار الإطارات المستقبلية للحركة الوطنية والثورة التحريرية: محمد بلوزداد، أحمد بودة، امحمد يوسفي، أحمد محساس، لخضر رباح، وكثيرين آخرين. وكانت تربطه علاقة خاصة مع محمد بلوزداد.

بعد أحداث ماي 1945، وجد أحمد عروة نفسه محل بحث من قبل السلطات الاستعمارية، وهو ما جعله يختفي عن الأنظار ويترك العاصمة، حيث انقطع عن دراسته ولجأ إلى مسقط رأسه مدوكال، وبقي هناك إلى غاية مارس 1946، بعد التصويت في المجلس الوطني الفرنسي على قانون العفو العام المتعلق بأحداث قالمة وسطيف.

كما اشترك سنة 1946 في تأسيس مجموعة كشفية تحت لواء الكشافة الإسلامية الجزائرية باسم (فوج الأمير خالد)، متعاونا في ذلك مع مجموعة من رفاقه من مناضلي الحزب.

حاول أحمد بعد ذلك أن يواصل دراسته في ثانوية بيجو، لكن طلبه ووجه بالرفض القاطع. حينئذ قرر والده أن يرسله إلى فرنسا لمواصلة دراسته هناك، متحملا في ذلك تكاليف باهظة ومشقة مادية كبيرة وهو الموظف المتواضع.

غادر أحمد الجزائر إلى فرنسا، حيث استقر في (أورليون)، أين تمكن من الحصول على شهادة البكالوريا خلال السنة الدراسية 1947-1948، ليعود إلى الجزائر في نهاية السنة.

دراسته للعلوم الطبية

اختار أحمد عروة أن يدرس الطب في الجامعة، ولذلك عاد إلى فرنسا في شهر أكتوبر 1948، حيث التحق بجامعة (مونتبوليي)، وسجل أولا في كلية العلوم حيث درس فيها مواد: الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا، والتي كان من الضروري تحصيلها والنجاح فيها قبل التمكن من دراسة العلوم الطبية.. وبعد أن تمكن من اجتياز هذه العقبة، تم قبول تسجيله في كلية الطب، حيث شرع في دراسة العلوم الطبية بداية من نوفمبر 1949م.

أبدى حرصا كبيرا على التحصيل العلمي، فكان دائم الحضور مبكرا ليتمكن من الجلوس في الصف الأول، ويكون قريبا من أساتذته. وقد ظل يدرس في هذه الجامعة حتى أنهى دراسته للعلوم الطبية في شهر جوان 1954، ليعود بعد ذلك إلى الجزائر أين دخل في تربص تكويني في مستشفى البليدة، وفي شهر ديسمبر من سنة 1955 رجع إلى (مونتبوليي) لمناقشة أطروحته.

جدير بالذكر أنه – أثناء دراسته الجامعية – نشط بصفته عضوًا في جمعية الطلبة المسلمين في فرنسا، ثم انتخب رئيسًا لها (1952 – 1953).

عودته إلى الجزائر ونشاطه الوطني

إثر حصوله على دكتوراه العلوم الطبية سنة 1955، عاد ليستقر في الجزائر العاصمة، أين فتح عيادة طبية في حي بلكور الشعبي، وسرعان ما انضم إلى المنظمة المدنية لجبهة التحرير الوطني ضمن القسم الصحي.

في نهاية شهر فبراير 1957، تم توقيفه من قبل سلطات الاحتلال الفرنسي بعد معركة الجزائر الشهيرة، وتم الزج به في عدة معتقلات، منها معتقل بوسوي، ولم يتم إطلاق سراحه إلا بعد سنتين. في هذا المعتقل التقى بعدد من المثقفين والأدباء الجزائريين ومنهم الشاعر والعالم الشيخ أحمد سحنون رحمه الله.

بعد إطلاق سراحه، واصل أحمد عروة نشاطه المهني والوطني، وكان مما قام به من أعمال نضالية وطنية مداواة عدد كبير ممن أصيبوا بجراح خلال مظاهرات 11 ديسمبر 1960 التاريخية، التي انطلقت قريبا من عيادته الطبية.

أعماله بعد الاستقلال

بعد الاستقلال، زاول مهنته كطبيب في عيادته الخاصة، إضافة إلى إلقاء محاضرات في كلية الطب بجامعة الجزائر. كما واصل نضاله في صفوف حزب جبهة التحرير الوطني، وشارك في نشاط الأمانة الوطنية لقدماء المعتقلين، وانتُخب عضوا في المجلس الشعبي الولائي  لولاية الجزائر. كما كان عضوًا في اتحاد الكتاب الجزائريين.

في عام 1971 قرر الالتحاق بالوظيف العمومي، حيث تم تعيينه في المعهد الوطني للصحة العمومية، ليواصل أبحاثه ودراساته الطبية، ضمن تخصص حساس هو “الطب الاجتماعي”.

في سنة 1979 أسهم مع البروفيسور سعيد شيبان في تأسيس الجمعية الجزائرية لتاريخ الطب. وفي سنة 1981 حصل على درجة الأستاذية في العلوم الطبية.

عين رئيسًا لمصلحة صحة البيئة، ثم مستشارًا بوزارة الصحة.

وفي سنة 1989، عين مديرا لجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، وهو المنصب الذي كرس للقيام بحقه كل وقته وذكائه وطاقته وتفانيه، حتى وفاته في يوم الخميس 24 شعبان 1412هـ، الموافق 27 فبراير 1992م.

شخصية متعددة الجوانب

اجتمعت في شخصية أحمد عروة ثلاثة جوانب: شخصية الطبيب، وشخصية الأديب، وشخصية المفكر الإسلامي.1- الطب: وهو المجال الأول الذي عمل فيه أحمد عروة، وكتب العديد من المؤلفات والأبحاث، وكان اهتمامه الأكبر في هذا المجال متوجها إلى التحقيقات الاجتماعية والوبائية في الميدان، والمشاركة في الملتقيات الوطنية والدولية، ونشر المقالات التي عالج فيها عددا من المشكلات البيئية. وقد ركز في دراساته الطبية على جهود الطبيب والفيلسوف العربي أبي علي ابن سينا صاحب الكتاب الرائد (القانون في الطب)، حيث كانت رسالته للحصول على الأستاذية عن (النظافة والطب الوقائي عند ابن سينا).

2- الأدب: بدأت الميول الأدبية تظهر عند أحمد عروة منذ صغره، وقد تفجرت موهبته الأدبية شعرا بعد تعرضه للاعتقال وما لقيه من معاناة في المعسكرات التي تنقل بينها، وخاصة معتقل بوسوي.

كتب عروة الشعر بكل من الفرنسية والعربية، فقد كتب قصيدة في ذكرى محمد بلوزداد، كما كتب نشيدا للاتحاد العام للعمال الجزائريين بعنوان “نشيد العمال”، وكتب كذلك “نشيد الثوار” و”نشيد الشباب”. وكتب أيضا ديوانا صغيرا بالعربية بعنوان “ذكرى وبشرى”.

وبعد الاستقلال مباشرة كتب رواية نشرها سنة 1962 بعنوان “حين تشرق الشمس”، وهي عبارة عن قصة عاطفية عبر فيها المؤلف عن إيمانه بمستقبل الجزائر المشرق.

3- الفكر الإسلامي: مما اهتم به أحمد عروة، إلى جانب اهتمامه بالطب والأدب؛ قضايا الفكر الإسلامي المعاصر، ومن أهم مؤلفاته في هذا المجال كتابه الشهير”الإسلام في مفترق الطرق” الذي ألفه بالفرنسية وقام بترجمته إلى العربية المفكر والفيلسوف المصري الدكتور عثمان أمين. كما اهتم بقضية الديمقراطية وعلاقتها بالإسلام، وعالج قضية تحديد النسل في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية، دون أن ينسى أن يتناول بالدراسة علاقة الإسلام بالعلم، وغيرها من القضايا الفكرية التي أولاها عنايته واهتمامه وعالجها في ضوء الإسلام.

مؤلفاته:

ترك أحمد عروة تراثا فكريا معتبرا ومتميزا، أكثره مكتوب باللغة الفرنسية، ولم يترجَم منه إلا القليل، وهما كتابا: “الإسلام في مفترق الطرق” و”العلم والدين مناهج ومفاهيم”، إضافة إلى بعض الأبحاث، ومنها بحث في مجال الإعجاز العلمي للقرآن الكريم بعنوان مستمد من آية قرآنية: “أفرأيتم النار التي تورون”.

وقد توزعت مؤلفاته على المجالات العلمية والفكرية التي استأثرت باهتمامه، وهي: الطب والأدب والفكر الإسلامي.

ففي الطب، ترك المؤلفات التالية: ـ الصحة البيئية ـ الإنسان وبيئته ـ الصحة والمحيط ـ النظافة والطب الوقائي عند ابن سينا.

وفي الأدب، له: ـ عندما تشرق الشمس (رواية) ـ محمد بلوزداد (نشيد) ـ نشيد العمال ـ نشيد الشباب الثائر ـ وعدة دواوين بالفرنسية: أزهار العقول ـ مثل أزهار الصبار ـ بانوراما ـ الأزمنة المعاصرة ـ من وراء القضبان ـ ذكرى وبشرى (بالعربية).

وفي الفكر الإسلامي، كتب عدة مؤلفات، هي: ـ الإسلام في مفترق الطرق 1969 ـ الإسلام والعلم 1982 ـ العلم والدين مناهج ومفاهيم 1987 ـ الإسلام والديمقراطية 1990 ـ الإسلام والجنس 1990 ـ ما هو الإسلام؟ ـ الإسلام وتحديد النسل 1986 ـ أفرأيتم النار التي تورون ط2، 2006 ـ تحديات علمية وآفاق اجتماعية للتقدم العلمي والتكنولوجي (مخطوط).

وله عدة بحوث شارك بها في مؤتمرات طبية عربية وعالمية منها: «فيزيولوجيا التنفس عند ابن سينا»، «الصحة الاجتماعية في آفاقها الإسلامية»، «نظرية الوقاية عند ابن سينا وآفاقها الجديدة»، «آفاق إسلامية لفلسفة وسياسة الصحة»، «المناهج العلمية لمعرفة خصائص الأدوية عند ابن سينا»، «آفاق تعليم العلوم الطبية باللغة العربية»، «الطب الإسلامي وآفاقه».. إضافة إلى أبحاث فكرية إسلامية كثيرة قدمت في الملتقيات الوطنية والدولية، منها: «آفاق إسلامية لفلسفة العلوم الإنسانية»، «الفكر السياسي في العالم الإسلامي.. متاهات وعلامات»، «الأمة الإسلامية بين الاعتصام والانفصام»، «النموذج الغربي للأسرة»، «المسلمون في أوربا بين الأخذ والعطاء».

كتاب “الإسلام في مفترق الطرق”

يعد هذا الكتاب أشهر مؤلفات الدكتور أحمد عروة رحمه الله، وقد صدر لأول مرة باللغة الفرنسية عن المؤسسة الوطنية للطباعة والنشر بالجزائر سنة 1969، وصدرت ترجمته العربية التي أعدها الدكتور عثمان أمين عن الشركة الوطنية للنشر والتوزيع سنة 1975.

تدور فكرة الكتاب حول كيفية النهوض بالعالم الإسلامي لإخراجه من دائرة التخلف والتبعية التي يعيشها، حيث يعتقد المؤلف أن الحل لا يكمن في الانتماء إلى أحد المذهبين المتنازعين على زعامة العالم وهما المذهب الرأسمالي والمذهب الاشتراكي، وإنما ينحصر في إحياء الإسلام بما يتميز به من تجدد وديناميكية وقوة، وذلك لا يتأتى إلا بإحياء المفاهيم الإسلامية الصحيحة وإعادة عرضها للأجيال الصاعدة بأسلوب جديد، بحيث يثير فيها حوافز النهوض والتقدم.

وإحياء الإسلام – في نظر المؤلف – “لا يمكن أن يتم إلا بصورة شاملة، أي في وحدة تجمع بين جانبيه المختلفين؛ الفلسفي والعملي”. ويرى المؤلف أن الخطوط الأساسية لتحقيق هذا الإحياء، تتمثل في عدة عناصر:

أولها؛ التركيز على الإيمان بالله عز وجل ومعرفته، وهي القضية التي توارد عليها كل من العقل والنقل، فالتجربة الإنسانية على امتداد آلاف السنين، ووعي الإنسان لوجوده واكتشافه الدائم للكون والنظام المحكم الذي تتم فيه حركات الطبيعة وتحولاتها، وكذا الوحي الرباني الذي جاء ليعلم العقل ما لم يتمكن من معرفته عن الله وليخلصه من الاعتقادات الخالصة والمشوهة، كل ذلك يجعل قضية الإيمان بالله عز وجل وما ينشأ عنها من عزة وقوة أساس كل نهضة أو تقدم في العالم الإسلامي.

والعنصر الثاني، يتمثل في الواقعية الإسلامية المتجسدة في بعث وحدة المادة والروح، حيث إن الإسلام يرسخ هذه الوحدة في عدة محاور: وحدانية الله ووحدة الخلق، وحدة البدن والروح، وحدة العلم والإيمان، وحدة الدنيوي والأخروي.

وثالث العناصر؛ هو بعث رسالة الإسلام الأخلاقية، التي تربي الإنسان على الالتزام بأداء واجباته تجاه نفسه، ونحو المجتمع، ونحو الله عز وجل.

أما العنصر الرابع، فيتمثل في معالجة المشكلات السياسية للعالم الإسلامي في ضوء المفاهيم والقيم الإسلامية، وهذه المشكلات هي: القومية، اللغة العربية، الدولة. ويعدد المؤلف المجالات التي ينبغي أن يتم فيها التحول الإيديولوجي للمجتمع الإسلامي، وهي: مجال العمل النظري، مجال تثبيت المذهب، مجال التصور والتجمع ونشر الدعوة، مجال تحقيق الوحدة الإسلامية.

وأما العنصر الخامس فهو تحقيق التنمية الاقتصادية من خلال المفاهيم الإسلامية بعيدا عن تأثير كل من الرأسمالية والاشتراكية، وسعيا نحو تحقيق العدالة الاجتماعية في النطاق الأخلاقي ونطاق النظم والنطاق العملي.

وينتهي المؤلف في آخر الكتاب إلى بيان شروط النهضة الإسلامية، ويحددها في: بعث التاريخ أو إعادة استكشافه ـ تجديد الذات بدلا من الارتماء في أحضان الغرب ـ مجاوزة المذاهب القائمة بتعزيز مركز الإسلام على الصعيد الدولي باعتباره حكما وعامل سلام عالمي.

ويؤكد المؤلف في الختام أن “أي تغيير ثوري لن يُكتب له النجاح في العالم الإسلامي إذا لم يتم في الإطار المميز لرسالته الروحية والتاريخية”. كما يؤكد “أننا اليوم في حاجة إلى تعبئة حقيقية لجميع الطاقات الحيوية المخبوءة في بلادنا، ولكن هذه التعبئة لا يمكن أن تتم بغير الوضوح والحماس والإيمان، أي بغير الإرادة العامة الصادقة المتجهة إلى البناء والإنشاء”.

تلك خلاصة مركزة عن محتوى كتاب “الإسلام في مفترق الطرق”، وهي لا تغني عن قراءته كله من أوله إلى آخره.

رحم الله الأستاذ الدكتور أحمد عروة وأسكنه فسيح جناته.

 

 

آخر التغريدات: