دور جمعية العلماء في مواجهة المشروع الاستعماري في الجزائر

دور جمعية العلماء في مواجهة المشروع الاستعماري في الجزائر

في يوم الثلاثاء 17 ذي الحجة 1349هـ، الموافق لـ5 ماي 1931م، تم بنادي التَّرقي، بالجزائر العاصمة، تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، من قبل عدد من العلماء والمصلحين الجزائريين، الذين هالهم ما آل إليه حال الجزائر وشعبها في ظل الاحتلال الفرنسي، فتنادوا لعمل شيء يغير هذا الحال ويعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، فكان تأسيس الجمعية مفتاح هذا العمل وبداية الطريق إلى بث الوعي واليقظة في نفوس الجزائريين لينتبهوا من رقدتهم ويعودوا إلى رشدهم ويطردوا المحتل من بلادهم. ولأن الظروف لم تكن مواتية لإعلان المقاومة العسكرية ضد الاستعمار، فقد كان التركيز على العمل الثقافي والتربوي باعتباره أنجع وسيلة للمقاومة والمحافظة على الهوية والانتماء الحضاري للأمة الجزائرية.

حملة صليبية واستعمار استيطاني:

لم تكن الحملة الفرنسية على الجزائر سنة 1830م، مجرد هجوم عسكري غرضه تأديب الداي حسين حاكم الجزائر الذي ادعت فرنسا أنه أهان قنصلها في الحادثة الشهيرة المعروفة بحادثة المروحة، بقدر ما كانت حملة عسكرية الوسائل، صليبية الروح، حضارية الأهداف.

إن دخول الاستعمار الفرنسي إلى الجزائر، لم يكن كدخوله إلى غيرها من البلاد التي احتلها أو فرض عليها الحماية، فلقد كان دخوله إلى الجزائر دخول الفاتح الذي لم يكن يفكر في الخروج، وكان استيلاؤه على خيراتها استيلاء المالك الذي لم يفكر إطلاقا في التنازل عنها أو السماح لغيره بالانتفاع بها والاستفادة منها.

لقد كان الاستعمار الفرنسي للجزائر استعمارا استيطانيا، الهدف منه الاستحواذ على هذه البلاد وإلحاقها بفرنسا واعتبارها ولاية فرنسية وإلى الأبد.

وإذا كان الاستعمار الفرنسي قد احتل الجزائر واستولى على أراضيها بقوة الحديد والنار، فلقد كان دهاقنته ومنظروه يدركون أن البقاء فيها ودوام السيطرة عليها لا ينفع في تحقيقه الحديد والنار وحدهما، فهما وسيلتان غير مجديتين على الأمد البعيد، لأن روح المقاومة عند الشعب الجزائري ستتأجج مع الأيام، ولن يعدم أن يجد الوسائل المادية التي يستطيع بها أن يكسر شوكة السلاح الاستعماري ومعداته.

البعد الثقافي في الحملة الفرنسية على الجزائر:

لقد عمل الاستعمار منذ أول يوم دخل فيه الجزائر على استخدام السلاح الأكثر مضاء والأشد فتكا لتحقيق البقاء له في هذه البلاد وضمان استمرار سيطرته عليها، ألا وهو سلاح الثقافة والفكر..

دليل ذلك؛ أن الحملة الفرنسية على الجزائر لم تكن مجرد حملة عسكريين محترفين يؤدون مهمة عسكرية صرفة وينتهي دورهم عند ذلك، بل كانت حملة شارك فيها العسكريون جنبا إلى جنب مع رجال الدين ورجال العلم والفكر.

ولا شك أن البعد الصليبي الحاقد كان أكثر العوامل الدينية والثقافية دفعا إلى شن الحملة الفرنسية على الجزائر، إذ كان احتلالها بمثابة رأس الحربة التي أريد بها تمزيق وحدة المسلمين في إطار الغارة الصليبية الشاملة على العالم الإسلامي بعد ثبوت انهيار الرجل المريض، وهو الدولة العثمانية التي كانت تحمي الوجود الإسلامي وتمثله في البحر الأبيض المتوسط.. وقد ظهر ذلك من خلال الروح الصليبية التي صحبت الحملة، والتي لخصها شارل العاشر (1757 ـ 1880م)، الذي أمر باحتلال الجزائر، وقال مبررا عمله ذاك: “إن العمل الذي سأقوم به لترضية شرف فرنسا، سيكون بإعانة العلي القدير لفائدة المسيحية جمعاء”. ويؤكد ذلك أيضا تصريح أحد مساعدي الماريشال بيجو مباشرة بعد دخول قوات الاحتلال إلى الجزائر، وذلك حين أعلن قائلا: “إن آخر أيام الإسلام قد دنت، وفي حدود عشرين عاما لن يكون للجزائر من إله غير المسيح”. كما تجسد ذلك ميدانيا من خلال الاستيلاء على المؤسسات الدينية في الجزائر مباشرة بعد الاحتلال، وضمِّ ممتلكات الأوقاف التي كانت تموِّلها، وتوجيهِ بعض هذه المؤسسات نحو ما يخدم أغراضَهم في تشويه الإسلام ونشر المسيحية، وتحويل بعضها الآخر إلى مستودعات ومستشفيات وكنائس، ومن ذلك تحويل جامع كتشاوة إلى كنيسة بداية من شهر ديسمبر سنة 1832م، حيث أصبح منذ ذلك الحين يسمى (كتدرائية الجزائر(.

مخطط الاستعمار في تحقيق مشروعه الثقافي:

لم يتردد منظرو الاستعمار الفرنسي في حشد وتسخير الوسائل التي كان من شأنها أن تحقق الغاية المرسومة وهي طمس الهوية الجزائرية وإلغاء الشخصية الجزائرية المتميزة، يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله: “الاستعمار الفرنسي صليبي النزعة، فهو -منذ احتل الجزائر- عاملٌ على مَحْوِ الإسلام لأنه الدين السماوي الذي فيه من القوة ما يستطيع به أن يسودَ العالم، وعلى مَحْوِ اللغة العربية لأنها لسانُ الإسلام، وعلى محو العروبة لأنها دعامة الإسلام، وقد استعمل جميع الوسائل المؤدية إلى ذلك، ظاهرة وخفية، سريعة ومتأنية”.

ويقول رحمه الله في موضع آخر: “جاء الاستعمار الفرنسي إلى الجزائر كما تجيئ الأمراض الوافدة تحمل الموت وأسباب الموت، والاستعمار سُلٌّ يحارب أسباب المناعة في الجسم الصحيح، وهو في الجزائر قد أدار قوانينه على نسخ الأحكام الإسلامية، وعبث بحرمة المعابد، وحارب الإيمان بالإلحاد، والفضائل بحماية الرذائل، والتعليم بإفشاء الأمية، والبيان العربي بهذه البلبلة التي لا يستقيم معها تعبير ولا تفكير”.

لقد عمل الاستعمار الفرنسي، إذًا، على ترسيخ مشروعه الثقافي وتحقيقه في واقع المجتمع الجزائري، من خلال:

ـ محاربة الإسلام:

لقد كانت محاربة العقيدة الإسلامية، وإنهاء تأثيرها على حياة الفرد والمجتمع الجزائري، هدفا أساسا عمل الاستعمار الفرنسي على تحقيقه، لأنه كان يدرك أن بقاءه في الجزائر واستمرار سيطرته عليها مرهون بمدى تمكنه من فك الارتباط بين الفرد الجزائري وعقيدته الإسلامية، فهو كان يعرف أن هذه العقيدة هي التي ظلت تستحث الشعب الجزائري على الثورة ضد المحتلين والعمل على تحرير البلاد من سيطرتهم، منذ الفتح الإسلامي إلى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي.. لذلك لم يتردد الاستعمار الفرنسي منذ البدايات الأولى لاحتلاله الجزائر، في توجيه سهام الهدم إلى العقيدة الإسلامية في نفوس الجزائريين بغرض إسقاط هيبتها والحدِّ من تأثيرها.

وقد عمل على تحقيق ذلك من خلال عدة جبهات:

أ ـ جبهة المزاحمة؛ وتتمثل في إطلاق العنان للمبشرين والمنصِّرين للعمل على تنصير أكبر عدد ممكن من الجزائريين وحملهم على الارتداد عن عقيدتهم الإسلامية، وذلك باستعمال كل وسائل الإغراء والترغيب التي أتيحت لهم.

ب ـ جبهة الإلغاء والتفريغ؛ بتشجيع الإلحاد والتمكين لعوامله في النفوس، فقد قنع الاستعمار بالإلحاد يصدر من الفرد الجزائري إذا عجز عن استصدار التنصر منه.

ج ـ جبهة التشويه والتحريف؛ بتشجيع الطرق الصوفية المنحرفة، وتقديمها على أساس أنها تمثل الإسلام الصحيح، وأنها هي الوصية على الدين في هذه البلاد، وأن من كان يريد التدين بالإسلام والاحتفاظ بعقيدته الدينية، فما عليه إلا الالتزام بما تسير عليه هذه الطرق، لأن ما تدين به وتمارسه من طقوس هو الدين الصحيح، وأما ما عداه فكله باطل وضلال.

وقد استغل الاستعمار السطوة التي كانت لمشايخ هذه الطرق على النفوس، فوجَّهَهُم للعمل على إقناع الشعب الجزائري بأن فرنسا قضاء محتم وقدَرٌ مقدور لا مناص من الرضا به والانضواء تحت لوائه والعمل لصالحه.

ـ محاربة اللغة العربية:

لم يكن الاستعمار الفرنسي غافلا عن دور اللغة العربية في حياة الجزائريين، باعتبارها الوسيلة إلى فقه الدين ومعرفة أحكامه والاطلاع على تعاليمه، ولكي يتم له فصل المسلمين الجزائريين عن دينهم، كان لا بد من فصلهم عن وسيلتهم لتعلم الدين وتطبيقه وهي اللغة العربية.. لذلك لم يتوان الاستعمار منذ البداية في إعلان الحرب على اللغة العربية، من خلال العمل على غلق الكتاتيب القرآنية ومكافحة التعليم العربي والتضييق على كل ما من شأنه أن يبقي على اللغة العربية ويحافظ على وجودها.. وفي المقابل ألزم الاستعمار المدارس بتعليم اللغة الفرنسية والعمل على ترسيخها على ألسنة الجزائريين.

ـ تحريف التاريخ وطمس الهوية الحضارية الجزائرية:

عمل الاستعمار الفرنسي منذ دخوله الجزائر على طمس التاريخ الجزائري الحافل، وحرص “على نسيان الشعب الجزائري لأمجاده، وعلى تصوره للحقائق مقلوبة أو مشوهة، حتى تضعف فيه ملكة التأسي ثم تموت”، ولذلك كان يحارب “التاريخ الإسلامي والتاريخ العربي والآداب العربية من أساسها”، “لما يعلمه من تأثير التاريخ والآداب في إحياء الشعوب، خصوصا التاريخ العامر بالمفاخر المملوء بالمآثر، كتاريخ الإسلام عموما وتاريخ العرب بوجه خاص”.

ومن جهة ثانية؛ حاول الاستعمار تزييف التاريخ وقلب الحقائق، من خلال نشر دعاوى تقول بأن الجزائريين منحدرون من نفس الأصل الذي ينحدر منه الفرنسيون، وأنهم جميعا أحفاد للغاليين، ولذلك فإن الجزائريين فرنسيون في الحقيقة، وما عليهم إلا أن يقتنعوا بهذه الدعوى ويحرصوا على الإخلاص لفرنسا والذوبان فيها ونسيان ما سوى ذلك من أفكار وقيم ومفاهيم.

ـ مسخ الخُلُق الإسلامي ونشر الرذائل في المجتمع:

حرص الاستعمار الفرنسي على نشر الإباحية في واقع المجتمع الجزائري، وتشجيع السلوكات اللاأخلاقية المنحرفة، حتى يتحول الفرد الجزائري إلى مجرد حيوان هَمُّهُ شهواتُه، فينشغل عندئذ بالعمل على إشباع شهواته وينسى حقيقته وواجباته المنوطة به والمتمثلة في العمل على التحرر من رق الاستعمار وقيوده.

مدى تحقيق الاستعمار الفرنسي لمشروعه الثقافي في الجزائر:

لقد كان للجهود الحثيثة والمتواصلة التي بذلها الاستعمار الفرنسي لترسيخ مشروعه الثقافي التدميري في الجزائر خلال ثلثي قرن، نتائجُ وخيمةٌ في واقع المجتمع والفرد الجزائري، حيث استطاع تحقيق بعض أهدافه، وكاد يصل إلى بغيته لولا أن قيَّضَ اللهُ لهذه الأمة رجالا منها عملوا على انتشالها مما كانت تتخبط فيه من جهل ومسخ ونسيان، وأنقذوها من المصير الذي كانت تُساق إليه وهو الطمس الشامل لشخصيتها والقضاء الكلي على هويتها الحضارية ورصيدها الثقافي. وقد لخص الوضعية التي انتهى إليها حال المجتمع الجزائري في بداية القرن العشرين، الدكتور صالح خرفي رحمه الله، وذلك حين كتب يقول: “لم يكن هناك كفر، ولكن إسلام مشوه. لم يكن هناك جهل فحسب، ولكن ثقافة دخيلة مسمومة. لم يكن هناك شعب ألقى حبله على غاربه، ولكن كان هناك الشعب الذي تسلط على زِمَامِه المستعمر. لم يكن هناك الشباب الجاهل فقط، ولكن الشباب المشوَّه الثقافة واللسان، المفصول عن تاريخه وحضارته”.

إن هذا التصوير لحال الشعب الجزائري، يكشف بصدق مدى التردي الذي آل إليه الوضع الحضاري والثقافي لهذا الشعب، والمصير الذي انتهت إليه درجة الوعي والإدراك لدى أفراده.

بل لقد وصل الأمر ببعض الجزائريين إلى أن يعلنوا ذوبانهم الكلي في فرنسا، وأنهم لا يعرفون في التاريخ كيانا مستقلا اسمه الجزائر.

قيام المصلحين بمحاولة إصلاح الوضع بجهود فردية:

إن الوضعية التي انتهى إليها حال الشعب الجزائري في بداية القرن العشرين قد آلمت بعض أبنائه المخلصين الذين تهيأ لهم أن الاحتفاظ بهويتهم الحضارية والنهل من منابع الثقافة الإسلامية والعربية، بما أتيح لهم من التحصيل العلمي في كبريات حواضر العلوم الإسلامية والعربية ممثلة في تونس ومصر والحجاز والشام، وما شاهدوا من انحطاط وتردٍّ في حياة الجزائريين في ظل الاحتلال الفرنسي، مما جعلهم يفكرون في العمل على انتشال الشعب الجزائري من هذا الوضع المهين الذي وضعته فيه سياسة الاستعمار الفرنسي. خاصة بعد أن أخفقت كل جهود المقاومة المسلحة، التي تكسرت بفعل قوة جحافل الاستعمار وعتاده الحربي المتطور الفتاك، وكذا بفعل تشتت هذه الجهود وعدم توحدها.

وقد كان لمجموعة من رجال الإصلاح في الجزائر جهود حثيثة للحفاظ على الشخصية الوطنية للشعب وللفرد الجزائري، ولكنها كانت جهودا فردية مشتتة لم يُتَحْ لها أن تؤتي أكلها في واقع المجتمع الجزائري، وإن تركت بعض التأثير ومهدت الطريق لمن جاء من بعد.

ونعني بذلك جهود كل من الشيخ صالح بن مهنا القسنطيني (ت 1325هـ)، والشيخ عبد القادر المجاوي (1848-1914م)، والشيخ عبد الحليم بن سماية (1866-1938م)، والشيخ المولود بن الموهوب (1866-1939م)، وغيرهم من رجال الإصلاح.

إلا أن التأثير الأكبر والانتشار الأعظم إنما كان لجهود لفيف من العلماء جاؤوا بعد هؤلاء وتولوا مهمة إصلاح المجتمع الجزائري.

وأول هؤلاء؛ هو الإمام عبد الحميد بن باديس رحمه الله (1889-1940م)، الذي باشر على إثر عودته بشهادة التطويع من جامع الزيتونة بتونس سنة (1913م) مهمة التعليم المسجدي بمدينة قسنطينة، فكان يعلم الصغار والكبار ابتداء من صلاة الفجر، وانتهاء بعد صلاة العشاء فوجا بعد فوج. وقد استطاع في مدة وجيزة أن يعلم ويربي عشرات من الشباب، ويوجههم لخدمة العمل الإصلاحي.

والثاني؛ هو الإمام محمد البشير الإبراهيمي الذي عاد إلى الجزائر سنة 1920م، واستقر بمدينة سطيف، أين باشر هو الآخر العمل التربوي والتعليمي، محققا من النتائج قريبا من تلك التي حققها ابن باديس في قسنطينة.

ويصف الإبراهيمي عمله الثقافي الذي أنجزه بعد عودته من المشرق العربي، معضدا به ما كان يقوم به أخوه الإمام ابن باديس في مدينة قسنطينة، فيقول:

بدأت أولا بعقد الندوات العلمية للطلبة، والدروس الدينية للجماعات القليلة، فلما تهيأت الفرصة انتقلت إلى إلقاء الدروس المنظمة للتلامذة الملازمين، ثم تدرجت لإلقاء المحاضرات التاريخية والعلمية على الجماهير الحاشدة في المدن العامرة والقرى الآهلة، وإلقاء درس في الوعظ والإرشاد الديني كل جمعة في بلد، ثم لما تم استعداد الجمهور الذي هزته صيحاتي إلى العلم، أسست مدرسة صغيرة لتنشئة طائفة من الشبان نشأة خاصة وتمرينهم على الخطابة والكتابة وقيادة الجماهير بعد تزويدهم بالغذاء الضروري من العلم”.

في تلك الفترة أيضا، عاد جماعة آخرون من علماء الجزائر الذين كانوا مهاجرين في المشرق العربي لطلب العلم، ومنهم الشيخ الطيب العقبي، الذي بدأ نشاطه الفكري والتربوي بمدينة بسكرة، حيث اتخذ من مساجد المدينة منابر يبث منها أفكاره، فالتف حوله جماعة من الأدباء المصلحين يؤازرونه في مهمته.

وكانت طريقة العقبي في الدعوة الإصلاحية هي نفس طريقة ابن باديس والإبراهيمي. حيث “يقوم تدريسه على العلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية، وكان وعظه يهتدي بالقرآن والحديث، ولكن المجال الذي اشتهر به وذاع صيته فيه هو الخطابة”.

وكان هناك أيضا؛ الشيخ مبارك بن محمد الميلي (1898-1945م)، الذي كان من أوائل التلاميذ الذين نهلوا العلم على يدي الإمام ابن باديس وانتقلوا إلى تونس لتحصيل العلم في جامع الزيتونة، حيث ما إن عاد إلى الجزائر حتى أوفده الإمام ابن باديس إلى مدينة الأغواط مربيا ومعلما وداعيا إلى الإصلاح، وهناك بدأ نشاطه سنة 1923م، وأمضى مدة ثماني سنوات، كون وربى خلالها عددا كبيرا من طلبة العلم الذين أصبحوا بعد ذلك طليعة النهضة بهذه المنطقة.

وكذلك؛ الشيخ العربي بن بلقاسم التبسي، الذي ما إن عاد من المشرق العربي سنة 1927، حتى باشر هو الآخر نشاطه الإصلاحي، متخذا من مدينة تبسة مركزا له، ومنطلقا من مسجد صغير يسمى مسجد أبي سعيد. وقد وصف الأستاذ محمد علي دبوز رحمه الله منهج الشيخ العربي في دروسه وأثر تلك الدروس في واقع المجتمع، فقال:

كان درس الشيخ للعامة بعد صلاة العشاء، فيسرع الناس من متاجرهم ومنازلهم ومن المقاهي، لصلاة الجماعة وسماع الدرس، فيمتلئ بهم المسجد. وكانت دروس الشيخ في التفسير والحديث، يختار آية قرآنية تناسب موضوعه، أو حديثا نبويا، فيفسرها تفسيرا بارعا يخلب ألباب السامعين، فيريهم حكمة القرآن ومعانيه السامية… ثم يتسرب إلى الأمراض الاجتماعية فيشرحها، ويبين أسبابها وعواقبها الوخيمة، في الدنيا والآخرة، ويَنْقَضُّ في دروسه على بِدَعِ الطرُقيين الضالين وإفسادها للعقيدة الإسلامية وسلبها لعقول الناس… ويشرح الشيخ في دروسه الموبقات التي يرتكبها المسلمون ويغمسهم فيها الاستعمار… ويحدثهم عن الواجبات، كالصلاة والفروض الأخرى. ويحدثهم عن الجهل والعصبية والأنانية واحتقار اللغة العربية وعلومها، وهو ما يغرسه الاستعمار بكل وسائله في أبناء مدارسه على الخصوص”.

إنشاء الجمعية ودورها في مواجهة المشروع الثقافي الاستعماري:

هذه الجهود، وإن كان بينها نوع من التناسق والتكامل إلا أنها كانت جهودا فردية، لا تؤتي أكلها كما هو المأمول من الجهود الجماعية، لذلك وقع التنادي لإنشاء جمعية إصلاحية تجمع شمل علماء الجزائر وتلم شعثهم وتوحد جهودهم وتنسق حركتهم، فتم إنشاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931، وكان إنشاؤها عشية احتفال المستعمرين بالذكرى المئوية لاحتلال الجزائر، ذلك الاحتفال الذي كان الفرنسيون يريدون منه أن يكون بمثابة الإعلان عن موت الكيان الجزائري وذوبانه المطلق في فرنسا.

لذلك كان إعلان إنشاء الجمعية ضربة قاصمة وجهها رواد الإصلاح لدهاقنة الاستعمار وأذنابه في الجزائر، فكان أن أدرك الاستعمار أن جهوده لم تحقق ما كان يصبو إليه، بل إن تلك الجهود تكاد تذهب أدراج الرياح إذا ما أتيح لهذه الجمعية أن تستمر ولعملها أن يثمر وينتشر.

وقد تفرق قادة جمعية العلماء وأعضاؤها عبر التراب الوطني، وفي المدن الكبرى منه خاصة، حيث تولى كل واحد منهم رعاية أعمال الجمعية وتجسيد مشاريعها الفكرية والتربوية في الميدان، فتولى الإمام ابن باديس مهام إدارة الجمعية في الشرق الجزائري من قسنطينة، والإمام الإبراهيمي في الغرب الوهراني من تلمسان، والعقبي في الجزائر، والعربي التبسي في تبسة، والميلي في الأغواط، بينما تولى كبار تلاميذ ابن باديس مهام الجمعية في مختلف المدن الجزائرية.

الوسائل التي وظفتها الجمعية في المواجهة الثقافية:

1 ـ الدروس الدينية في المساجد والمحاضرات العامة في النوادي:

حرص أعلام جمعية العلماء المسلمين الجزائريين على إقامة الدروس الدينية في المساجد الحرة، وكذا إلقاء المحاضرات المتنوعة الاجتماعية والتاريخية ذات التوجه الوطني، في النوادي التي أسستها الجمعية عبر مختلف مناطق التراب الوطني.. وقد كان القصد من وراء هذه الدروس والمحاضرات؛ التعريف بالإسلام الصحيح ومكافحة الإلحاد والتنصير الذي كانت الجهات الاستعمارية دائبة في نشره وترسيخه في واقع المجتمع الجزائري، وكذا تعريف الإنسان الجزائري بحقيقة هويته الحضارية ورصيده التاريخي والثقافي.

وقد اتبع العلماء في المساجد طريقة السلف في الوعظ والإرشاد، يُذَكِّرُون بكتاب الله، ويقومون بشرحه وإجْلاء العِبَر منه، وبالصحيح من السنة يُوَضِّحُونه وينشرونه، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم العملية والقولية، ثم سيرة الصحابة وهدْيهم، ثم سِيَرَ حَمَلَةِ السنة النبوية في أقوالهم وأفعالهم. وقد كان أسلوب العلماء في التعليم الديني هو الاهتمام بالمعنى والنفوذ إلى صميمه من أقرب سبيل يؤدي إليه، وبيان الطرق العلمية التطبيقية، وتجنب اللفظيات والخلافات وكل ما يبعد عن تصور المعنى المقصود”.

وقد زاد عدد النوادي التي أسستها الجمعية؛ على السبعين ناديا حملت رسالتها وضمت أتباعها.

ومن النوادي التي استغلتها الجمعية أحسن استغلال وبثت من خلالها أفكارها ودعوتها؛ (نادي الترقي) بالجزائر العاصمة، الذي شهد إلقاء عشرات المحاضرات الهادفة لعلماء الجمعية، وخاصة منهم الإمام ابن باديس، والشيخ البشير الإبراهيمي، والشيخ الطيب العقبي، والأستاذ أحمد توفيق المدني. وقد كان لتلك الدروس والمحاضرات أثرها العجيب في النفوس، حيث تغلغل الوعي إلى أعماق القلوب ومَسَّ المشاعر، فأحيا في نفوس الجزائريين الشعور الوطني الدافق، والرغبة الجامحة في الحرية والانعتاق.

وكنموذج لذلك؛ يصف الشيخ محمد علي دبوز رحمه الله ما كان لخطب العقبي ومحاضراته في نادي الترقي من نتائج إصلاحية، فيقول: “كان الشيخ يبين في دروسه حقيقة الإسلام العظمى وعقيدته الصافية وأركانه، ويهاجم البدع المفسدة للدين وترهات الطرقية الضالة وإلحاد المدارس الاستعمارية، فعرف الناس حقيقة دينهم، فازدادوا تمسكا به، فصارت جماهير كثيفة تحافظ على الصلوات والصوم وأركان الدين، وكانت لا تخطر ببالها، وهجروا الخمر والفسوق والميسر ومواطنها، وتعلقت نفوسهم ببيت الله”.

2 ـ العناية بالتربية والتعليم:

اهتمت الجمعية منذ تأسيسها بإنشاء المدارس العربية في شتى أنحاء القطر، وكانت أول المدارس التي أسستها: مدرسة التربية والتعليم بقسنطينة، ومدرسة الشبيبة الإسلامية بالجزائر، ومدرسة تهذيب البنين بمدينة تبسة.

كما قامت الجمعية بفتح عشرات المدارس الابتدائية الحرة لأبناء الشعب الجزائري، والذين لم يترددوا في الالتحاق بها، وكانت هذه المدارس تعلم الناشئة مبادئ العربية وآدابها ومبادئ التاريخ الإسلامي والتربية الإسلامية الصالحة. وكان افتتاح هذه المدارس وانتشارها عبر التراب الوطني يتم بانتظام وتسارع، حتى إنه في عام 1944 وحده، افتتحت الجمعية أزيد من سبعين مدرسة. وقد بلغ عدد مدارس جمعية العلماء سنة 1955 “أكثر من مائة وخمسين مدرسة ابتدائية حرة، يتردد عليها أكثر من خمسين ألف تلميذ من أبناء الأمة الجزائرية، بنين وبنات يدرسون مبادئ لغتهم وآدابها، وأصول دينهم وتاريخ قومهم على برنامج يجمع ضروريات العلم وإيجابيات التربية الإسلامية القومية الصحيحة، وقد تخرج منها… عشرات الآلاف”. هذا إضافة إلى معهد ابن باديس الثانوي الذي أسسته الجمعية سنة 1947، وتخرج منه – على مدى سنوات نشاطه – المئات من الطلبة، الذين صاروا بعد ذلك من أطر الدولة الجزائرية بعد الاستقلال.

وقد حرصت الجمعية، على أن تتسم البرامج التعليمية والكتب والطرق المعتمدة في مدارسها؛ بالتجديد ورفض الجمود والتقليد، فكانت تنتقي الكتب المقررة في المواد الدراسية انتقاء دقيقا، فتختار “ما هو أقرب إلى الإفادة، وأعون على تحصيل الملكة العلمية، وتجتنب الكتب الجامدة المعقدة التي لا تفتق ذهنا ولا تبعث في نفس الدارس نشاطا، وتختار للمطالعة في مختلف العلوم الكتب الحية السهلة”. وكانت العلوم التي تدرس للناشئة والطلبة في مدارس ومساجد الجمعية؛ تتمثل في العلوم الشرعية واللغوية، وهي: العقيدة، التفسير، الحديث، الفقه، الأدب، المواعظ، التجويد، أصول الفقه، المنطق، النحو، الصرف، البلاغة، المحفوظات، المطالعة، الإنشاء، الحساب، الجغرافيا، التاريخ”.

3 ـ توظيف الصحافة في فضح دسائس الاستعمار وكشف خبايا مشروعه الثقافي الاستدماري:

لقد أسست جمعية العلماء عددا من الصحف والمجلات التي اتخذت منها منبرا لنشر أفكارها وبث الوعي في نفوس الجزائريين وتعريفهم بحقوقهم وتذكيرهم برصيدهم الحضاري والتاريخي الذي حاول الاستعمار طمسه وتجهيلهم فيه. والحق أن تأسيس الصحف من قبل رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كان قد بدأ قبل تأسيس الجمعية نفسها، حيث شارك الإمام ابن باديس بتأسيس جريدة (المنتقد) سنة 1925، والتي صدر منها ثمانية عشر عددا فقط ثم أوقفتها الإدارة الاستعمارية، وبعد توقفها أسس الإمام جريدة (الشهاب) التي تحولت إلى مجلة شهرية، وظلت تصدر حتى أوقفها الإمام نفسُه سنة 1939. كما شارك الشيخ الطيب العقبي في تأسيس جريدة (صدى الصحراء) لمحمد العابد العقبي سنة 1925، ليؤسس بعد ذلك جريدة خاصة به هي (الإصلاح) التي بدأت في الصدور سنة 1927م.

وبعد إنشاء الجمعية؛ أسست قيادتُها جريدة (الشريعة المحمدية)، ثم جريدة (السنة النبوية)، ثم جريدة (الصراط السوي). ولكن الإدارة الاستعمارية سارعت إلى منع هذه الصحف وتعطيل صدورها الواحدة بعد الأخرى.

وأخيرا، أسست الجمعية سنة 1935 جريدة (البصائر)، التي أصبحت لسانها الرسمي، وحملت راية البيان العربي، وكافحت من أجل اللغة العربية وإرجاع الإسلام إلى عهده الزاهر، وتصارعت مع الإدارة الاستعمارية دفاعا عن مؤسسات الجمعية ومبادئها.

ولا ينبغي أن ننسى هنا الجهود الصحفية المستقلة التي قدمها بعض العلماء من أعضاء الجمعية، ونعني هنا بالخصوص جهود الشيخ إبراهيم أبي اليقظان رحمه الله (1888-1973م)، التي بدأت قبل تأسيس الجمعية، حيث أصدر في الأول من أكتوبر سنة 1926 العدد الأول من جريدة (وادي ميزاب)، التي ظلت تصدر بصعوبة حتى أول عام 1929 تاريخ توقيفها من قبل الإدارة الاستعمارية. ثم أنشأ أبو اليقظان بعدها جريدة (ميزاب) التي لم تر النور أصلا، فقد حجزت السلطات العدد الأول منها ومنعت صدورها. لكن أبا اليقظان لم يَفُتَّ ذلك في عَضُدِه، بل زاده عزما وتصميما، فكان كلما عطلت الإدارة جريدة له أصدر بعد فترة قصيرة جريدة أخرى، وهكذا أصدر على التوالي: (المغرب) في جوان 1930، وتوقفت عن الصدور في مارس 1931. (النور) من 15 سبتمبر 1931 إلى 30 ماي 1933. (البستان) من أول جوان 1933 إلى 23 من نفس الشهر. (النبراس) من 21 جويلية 1933 إلى سبتمبر من نفس العام. (الأمة) من سبتمبر 1934 إلى 24 ماي 1938. (الفرقان) من 6 جويلية 1938 ولم يُعرف تاريخُ توقفها.

وكل هذه الصحف أدت دورا بارزا في تعريف الجزائريين بتاريخهم ودينهم ووطنهم وانتمائهم الحضاري، ونشرت الوعي الوطني، وعرفتهم بالواجبات المنوطة بهم تجاه أنفسهم ودينهم ووطنهم. بما تضمنته من مقالات متنوعة تبارى في كتابتها أعضاء الجمعية.

4 ـ الاتصال المباشر بجماهير الشعب:

حرص علماء الجمعية، إلى جانب جهودهم التربوية والصحفية والتثقيفية، على الاتصال المباشر بعامة أفراد الشعب الجزائري، والاحتكاك بهم ومخالطتهم، من خلال رحلات وجولات تقودهم إلى مختلف المدن والقرى، وكانوا يلقون عليهم الخطب والمحاضرات الدينية والسياسية والاجتماعية، التي كانت تدور حول جمعية العلماء ومقاصدها وأعمالها ومنافع الأمة منها، مع التذكير بالله والتنبيه على مصالح الدنيا والآخرة، والتحريض على التآخي والتآزر وحسن الجوار والمعاملة.

وقد كان أكثر علماء الجمعية حرصا على هذا النوع من النشاط هو الإمام ابن باديس رحمه الله، ويصف أحد تلاميذه، وهو الأستاذ محمد الغسيري رحمه الله، نشاط الإمام الدائب في هذا المجال، فيقول:

كان الأستاذ الرئيس لا يغفل جانب الشعب الكادح، والمنتشر في أصقاع وطن تزيد مساحته عن مليونين وثلاثمائة ألف كيلومتر مربع، وتتباعد مدنه بمسافات كبيرة يكلف السفر إليها في غالب الأحيان أكثر من 500 كلم بين مدينة ومدينة. ومع ذلك، وفي يوم الخميس من كل أسبوع وعلى الساعة الحادية عشرة صباحا، بعد انتهاء إلقاء آخر درس له في اليوم الأخير من الأسبوع، يسارع إلى القطار ليركبه إلى مدينة الجزائر، أو وهران، أو تلمسان، أو بسكرة، أو بجاية، أو سطيف، وغيرها من أمهات المدن الجزائرية، وما أكثرها، فيصل إليها ليلا أو صباح الغد الباكر، وبعد صلاة الجمعة في أحد مساجد جمعية العلماء، يلقي درسه في المسجد أو في أحد نوادي المدينة، وبعد المحاضرة يقفل راجعا إلى قسنطينة، فما أن يحل صباح الغد حتى يكون قد قطع المسافة بين تلمسان وقسنطينة بالقطار، وذلك ليفتتح دروس الصباح يوم السبت في الجامع الأخضر”.

بل إن علماء الجمعية كانوا يزورون في المناسبات المختلفة العمال الجزائريين في فرنسا، لتفقد أحوالهم ودراسة ما يعترضهم من مشكلات، والإشراف على استيعابهم تربية وتعليما لهم ولأبنائهم. وقد تخصص لهذا الغرض من رجال الجمعية اثنان من كبار تلاميذ الإمام ابن باديس وهما الفضيل الورتلاني والسعيد صالحي.

نتائج جهود الجمعية في جهادها الثقافي والتربوي:

قضت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين على عهد رئيسها الأول الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله تسع سنوات كاملة تؤدي عملها الثقافي الإصلاحي التغييري في واقع المجتمع الجزائري. ولقد كان من توفيق الله سبحانه وتعالى للجمعية، أن جهودها قد أثمرت في فترة وجيزة، وظهرت آثار جهادها الثقافي في الواقع، “فقد أحدثت تغييرا جذريا وعميقا في بنية المجتمع الجزائري الثقافية، حيث أدت إلى انتشار التعليم العربي الحر وازدهار اللغة العربية، وانتعاش الحياة الثقافية، وتطور الفكر الجزائري الحديث، وظهور نهضة أدبية وعلمية واسعة، ووجهت -في المقابل- ضربات قوية إلى مشروع الفرنسة والإدماج الذي كانت فرنسا تعتمد عليه في تحطيم مقومات الشخصية الوطنية”.

وقد أكرم الله عز وجل الرئيس الأول لهذه الجمعية الإمام عبد الحميد بن باديس، فأراه قبل وفاته نتائج عمله الجهادي هو وإخوانه العلماء، وقد أكد الإمام رحمه الله ذلك، حين قال مخاطبا أفراد الشعب الجزائري، مبينا نتائج جهود الجمعية وثمرة عملها:

حوربت فيكم العروبة حتى ظُنَّ أن قد مات منكم عِرْقُها، ومُسخ فيكم نُطقُها، فجئتم بعد قرن تصدح بلابلكم بأشعارها، فتثير الشعور والمشاعر، وتهدر خطباؤكم بشقاشقها فتدك الحصون والمعاقل، ويهز كتابكم أقلامها فتصيب الكلى والمفاصل..

وحورب فيكم الإسلام حتى ظن أن قد طمست أمامَكم معالمُه وانتُزعَت منكم عقائدُه ومكارمُه، فجئتم بعد قرن ترفعون عَلَم التوحيد، وتنشرون من الإصلاح لواءَ التجديد، وتدْعون إلى الإسلام، كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، لا كما حرفه الجاهلون وشوهه الدجالون ورضيه أعداؤه.

وحورب فيكم العلم حتى ظن أن قد رضيتم بالجهالة وأخلدْتُم للنذالة ونسيتم كل علم إلا ما يرشح به لكم أو ما يمزج بما هو أضر من الجهل عليكم، فجئتم بعد قرن ترفعون للعلم بناء شامخا، وتشيدون له صرحا سامقا، فأسستم على قواعد الإسلام والعروبة والعلم والفضيلة جمعيتكم هذه، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

وحوربت فيكم الفضيلة، فسمتم الخسف، ودُيِّثْتُمْ بالصَّغَار حتى ظُنَّ أن قد زالت منكم المروءة والنجدة، وفارقتكم العزة والكرامة، فرئمتم الضيم، ورضيتم الحيف، وأعطيتم بالمقادة، فجئتم بعد قرن تنفضون غبار الذل وتُهَزْهِزُونَ أسس الظلم، وتهمهمون همهمة الكريم المحنق، وتزمجرون زمجرة العزيز المهان، وتطالبون مطالبة من يعرف له حقا لا بد أن يُعْطَاهُ أو يأخذه”.

وبعد وفاة الإمام ابن باديس رحمه الله، تولى القيادة أخوه وشقيق روحه الإمام محمد البشير الإبراهيمي، فكان أن واصل الجهاد الإصلاحي هو ورفاقه العلماء أعضاء الجمعية. ورغم ما اعترض مسيرة الجمعية من مصاعب جمة، أبرزها اعتقال الإبراهيمي نفسه ونفيه إلى آفلو في الجنوب الجزائري مدة ثلاث سنوات كاملة، إلا أن الجمعية كانت قد أصبحت مؤسسة قائمة وكيانا ثابتا لا يتزعزع، فاستمرت في أداء عملها الإصلاحي ثابتة الخطى رابطة الجأش مدة ست عشرة سنة أخرى. وقد أثمر عمل الجمعية ما كان أعلامها يصْبُون إليه، وهو تهيؤ الشعب الجزائري لخوض غمار الثورة المسلحة ضد الاستعمار، بعد اكتمال وعي هذا الشعب ونضج إدراكه ويقينه أن فرنسا لم تأت إلى الجزائر لتنشر المساواة والعدالة والحرية التي كانت تتغنى بها ثورتها، وإنما جاءت لتزرع الجهل والفقر والذل وانهيار القيم والأخلاق والرضا بالذل والهوان في نفوس الجزائريين، وقد كاد يتحقق لها ذلك لولا أن قيض الله عز وجل جمعية العلماء لتأتي على جهودها من الأساس فكان أن ذهبت أدراج الرياح.

يقول الشيخ الإمام محمد البشير الإبراهيمي مبينا أثر عمل جمعية العلماء في واقع المجتمع الجزائري: “أثر أعمالنا في الشعب بارز لا ينكره حتى أعداؤنا من الاستعماريين وخصومنا من إخواننا السياسيين. فمن آثارنا؛ بث الوعي واليقظة في الشعب حتى أصبح يعرف ما له وما عليه. ومنها؛ إحياء تاريخ الإسلام وأمجاد العرب التي كان الاستعمار يسد علينا منافذ شعاعها حتى لا يتسرب إليه شيء من ذلك الشعاع. ومنها؛ تطهير عقائد الإسلام وعباداته من أوضار الضلال والابتداع، وإبراز فضائل الإسلام، وأولها الاعتماد على النفس، وإيثار العزة والكرامة والنفور من الذلة والاستكانة والاستسلام. ومنها؛ أخذ كل شيء بالقوة. ومنها؛ العلم، هذه الكلمة الصغيرة التي تنطوي تحتها جميع الفضائل. ومنها؛ بذل المال والنفس في سبيل الدين والوطن. ومنها؛ نشر التحابب والتآخي بين أفراد المجتمع. ومنها؛ التمسك بالحقائق لا بالخيالات والأوهام. فكل هذه الفضائل كان الاستعمار يغطيها عن قصد لينساها المسلمون على مر الزمان، بواسطة التجهيل وانزواء العقل والفكر.

وقد وصل الشعب الجزائري إلى ما وصل إليه بفضل جمعية العلماء، وما بذلناه من جهود في محو الرذائل التي مكن لها الاستعمار، وتثبيت الفضائل التي جاء بها الإسلام. ولو تأخر وجود الجمعية عشرين سنة أخرى لما وجدنا في الجزائر من يسمع صوتنا، ولو سلكنا سبيلا غير الذي سلكناه في إيقاظ الأمة وتوجيهها في السبيل السوي لما قامت هذه الثورة الجارفة في الجزائر، التي بيضت وجه العرب والمسلمين.

ولو نشاء لقلنا: إننا أحيينا اللسان العربي، والنخوة العربية، وأحيينا دين الإسلام وتاريخه المشرق، وأعدنا لهما سلطانهما على النفوس وتأثيرهما في العقول والأرواح، وشأنهما الأول في الاتعاظ والأسوة، فأحيينا بذلك كله الشعب الجزائري فعرف نفسه، فاندفع إلى الثورة يحطم الأغلال ويطلب بدمه الحياة السعيدة والعيشة الكريمة، ويسعى إلى وصل تاريخه الحاضر بتاريخه الغابر”.

وإنها لشهادة حق من باحث مخلص، تلك التي خطها قلم الدكتور تركي رابح عمامرة، وهو من أكثر الباحثين اشتغالا بتراث جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، حين كتب يقول:

الواقع أن جمعية العلماء لعبت دورا بالغ الأهمية في التاريخ الجزائري الحديث، بل لا نغالي إذا ما قلنا إنها هي المنظمة الوطنية التي يعود إليها الفضل في بقاء الإسلام والعروبة في الجزائر حتى اليوم، وتجنيب الجزائر من مخاطر سياسة الإدماج والفرنسة، التي كان يدعو لها بعض الجزائريين في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين، ويعمل الاستعمار من ناحية على فرضها على الجزائريين بكل الوسائل الشيطانية منذ الأيام الأولى للاحتلال”.

وهذا باحث آخر كتب الكثير عن جمعية العلماء ورجالها وهو الدكتور عبد الكريم بوالصفصاف، يلخص نتائج الجهاد التربوي والثقافي لرجال الجمعية، في أربعة، هي:

1 ـ تجديد الإسلام، وإحياء الثقافة العربية في الجزائر.

2 ـ إعادة ربط الجزائر بالأمة العربية حضاريا ولغويا.

3 ـ إيقاظ وبعث الوعي الوطني بين الجزائريين.

4 ـ المحافظة على الشخصية الجزائرية.

ويكفي الجمعية ورجالها فخرا تحقيق هذه النتائج، التي لا يستطيع أيٌّ كان أن ينكرها أو يجحد تحققها، لأنها حقيقة ماثلة أكدها الواقع وشهد بها التاريخ، كما لا تستطيع أي منظمة أخرى أو حزب من الأحزاب ادعاء تحقيق مثل هذه النتائج في حياة الجزائريين، ولا حتى عشر معشارها.

 

[للدراسة مراجع]

 

 

آخر التغريدات: