أقلام نسوية في جريدة البصائر 1947-1956

أقلام نسوية في جريدة البصائر 1947-1956

ليس الغرض من كتابة هذا المقال هو التأريخ للنضال النسوي في صفوف الحركة الإصلاحية في الجزائر رغم أهميته، وإنما تقديم نظرة سريعة عن صورة من صور إسهام المثقفة الجزائرية في الصحافة العربية الجزائرية مقاومة للاستعمار الثقافي، ومنخرطة في مسيرة الكفاح الوطني. وكانت من أبرز هذه الصحف التي فتحت لها صفحاتها: جريدة البصائر لسان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

 لا شك أن الباحث في هذا الموضوع يصطدم بجملة من الصعوبات لأن التاريخ الذي أهمل دور الفعال للمرأة عبر العصور هو تاريخ صامت كما قالت المؤرخة الفرنسية ميشال بيرو.

إنه كثيرا ما سكت المؤرخون المهتمون بالحركة الإصلاحية عن إسهامات المرأة المصلحة كأنها لم تشارك في العمل الإصلاحي والنشاط التنويري. رائدات منسيات لا نعرف كثيرا عن هذه الرائدات في النضال بالقلم باستثناء زهور ونيسي التي اشتهرت بعد الاستقلال بكتاباتها ومناصبها الحساسة في الدولة كوزيرة للشؤون الاجتماعية ثم وزيرة للتربية الوطنية.

فغالبيتهن تخرجن من مدرسة التربية والتعليم بقسنطينة التي كان يشرف عليها الإمام عبد الحميد بن باديس.

أذكر منهن أيضا ليلى بن ذياب التي كتب مقالات كثيرة في قضايا تربوية واجتماعية.

وهي أخت العالم المصلح أحمد بن ذياب، ودرّست في عدة مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، منها مدرسة إحياء العلوم الإسلامية بالعلمة.

وأذكر أيضا من المساهمات في البصائر زليخة عثمان إبراهيم معلمة بمدرسة دار الحديث بتلمسان، ومليكة بن عامر معلمة في مدرسة التهذيب بشلغوم العيد. مقالات وآراء تخالف مساهمات هذه المثقفات في جريدة البصائر، فمنهن كاتبات دأبن على نشر عدة مقالات في قضايا مختلفة كليلى بن ذياب وزهور ونيسي وباية خليفة وزليخة إبراهيم عثمان، ومنهن قارئات متفاعلات مع زميلاتهن، وأذكر هنا فتيحة القورصو وفريدة عباس ولويزة قلال.

كما نشرت البصائر الرسائل المتبادلة بين بعض المثقفات كرسالتي زهور الونيسي وعائشة سحنون، بمناسبة نجاحهما في امتحان التخرج.

وتستغل المثقفة الجزائرية فرص مختلفة للتعبير عن وجودها في الساحة الثقافية. فهذه خديجة بوكثرة تكتب مقالة مؤثرة عن صديقتها نجيبة أولبصير التي وافتها المنية وتكتب كذلك مليكة بن عامر عن صديقتها الراحلة عابدة خير الدين.

وكانت المقالات وقفات للتذكير بالخصال الحميدة للمتوفية وإبراز نماذج من نجاح البنت في التحصيل العلمي ووعيها بقيمة العلم الذي يمثل الوسيلة الناجعة للخروج من الغبن الاجتماعي.

وهي تنبه إلى الاهتمام أيضا بالعنصر الأنثوي وعدم التقصير في التعريف بالتلميذات الناجحات والمعلمات المتميزات دون أن يصل خطاب المساهمات في جريدة البصائر إلى المطالبة بنفس الحقوق كعضوات في المكتب الإداري لجمعية العلماء أو مديرات لمدارسها الحرة.

لكن لم يمنع خطابهن المعتدل من توجيه انتقادات إلى من يتقاعس في أداء واجباته أو حقهن في المشاركة في العملية الإصلاحية وبروز وجودهن في النشاطات التي تقيمها جمعية العلماء.

فأمثلة كثيرة عن مساهمات التلميذات في استقبال وفود جمعية العلماء.

كان موضوع المرأة من أهم القضايا التي تناولتها الكاتبات في البصائر.

لقد صوّرت باية خليفة الحياة البائسة للمرأة الجزائرية في البادية التي تخلو من المدارس التي ترفع عنها الجهل والتخلف.

كما ناقشت مكانة المرأة في المجتمع، فقالت في هذا السياق: ” إن المرأة من الأمة كالروح من الجسد والراحة من اليد إذا صلحت صلحت الأمة كلها، وإذا فسدت فسدت الأمة كلها.

وهي المدرسة الأولى التي تلقى دروسها الحية على الطفولة في طور الأمومة ومنار يهتدى به في الظلمات. ” وكتبت كل من ليلى بن ذياب وزهور ونيسي وزليخاء عثمان إبراهيم عن الأمية المنتشرة بين البنات الجزائريات بسبب عادات بالية وسوء فهم للدين الإسلامي، وأكدن على ضرورة التعبئة لإقناع النساء بالالتحاق بالتعليم لتنال حريتها وتضمن كرامتها وتحقق سعادتها.

كتبت ليلى بن ذياب سلسلة من المقالات عنوانها: اخترت لك.

وهي تختار في كل مرة موضوعا في الأخلاق والاجتماع تمهد له بمقدمات ثم تقتبس نصوصا من الأدباء والعلماء من الشرق والغرب، ثم تختمه بتوجيهات ونصائح.

كما نشرت زهور ونيسي سلسلة من المقالات عنوانها من صميم واقعنا تنتقد فيها الأوضاع السائدة في الجزائر.

كما وجهت انتقادات لاذعة للشباب الجزائري ووصفته بالكسل والخمول وعدم الوعي برسالته وعدم الشعور بمسؤولياته.

وأثار مقاله ردود أفعال وسجالا مع عدد من المثقفين الشباب، فمنهم من أيدها، ومنهم من عارضها بقوة.

ومما يلفت الانتباه هو غياب الأقلام النسوية عن مناقشة مسألة الحجاب التي كثيرا ما نوقشت في صفحات جريدة البصائر.

بينما يصرن دائما على الالتزام بالأخلاق الإسلامية والدعوة إلى عدم التشبه بالمرأة الأوروبية.

كانت هذه الأصوات القليلة في جريدة البصائر والغائبة في الجرائد العربية الأخرى موجهة إلى المرأة الجزائرية في المقام الأول لتلتحق بمدارس الحرة للتعلم والمشاركة في الحياة الإصلاحية في جوانبها المختلفة.

وهي موجهة أيضا إلى كل المعارضين لتعليم المرأة الذين يؤسسون مواقفهم على فهم مغلوط للدين وعادات بالية لا صلة لها بسنن الحياة وأسباب الرقي.



آخر التغريدات: