مسألة الإصلاح بين ابن باديس ومحمد إقبال

مسألة الإصلاح بين ابن باديس ومحمد إقبال

لقد تعددت الاجتهادات والجهود الفكرية في العالم الإسلامي لإيجاد حلول للأزمات الذي يعيشه هذا العالم ومن ثمة تحقيق إقلاعه الحضاري قصد إخراجه من وطأة التخلف التي عرفها نتيجة عوامل داخلية وخارجية لا تخفى تداعياتها على كل باحث ومتابع لمسار العالم الإسلامي والتحديات التي شكلت تهديدا مباشرا للكيان الحضاري لهذا العالم.

 وإذا كنا بصدد الحديث عن مسألة الإصلاح عند كل من ابن باديس ومحمد إقبال، فلما لهما من مكانة بارزة ومتميزة في العالم الإسلامي، ولما أضافته جهودهما في إثراء المشاريع الإصلاحية التي تهدف كلها إلى تحقيق الإقلاع الفكري المنشود والإسهام في بناء الحضارة الإنسانية. وفي هذا السياق كان من الضروري –في رأيي- أن ينصب التركيز والاهتمام على القواسم المشتركة ونقاط الالتقاء بين ابن باديس وإقبال وليس التنقيب على نقاط الاختلاف والتباين والتباعد التي لا تخدم في حقيقة الأمر ما نحن بصدد البحث عنه أي سبل تحقيق الإقلاع الحضاري الفعّال والحيوي للعالم الإسلامي، وخاصة أنّ هذا العالم يعيش اليوم في مناخ دولي وعالمي قائم على السيطرة والهيمنة الحضارية الغربية المرتكزة على النظرة الأحادية والاستعلائية والمركزية الحضارية.

  هذا، وقد اهتم ابن باديس ومحمد إقبال بنقد الواقع الذي يعيشه المسلمون، إذ أنّ تشخيص هذا الواقع والوقوف على أسبابه وملابساته شرط أساسي يتوقف عليه منهج الإصلاح وآلياته. وهذا ما كان يقصده جمال الدين الأفغاني في “العروة الوثقى” حينما قال: “لا يمكن تعيين الدواء إلا بعد الوقوف على أصل الداء وأسبابه الأولى والعوارض التي طرأت عليه”1. إنّ هذا التأكيد ناتج عن كون أنّ أي مشروع إصلاحي إذا لم يشخص أوجه الخلل وطبيعة الفساد والانحراف الذي طرأ على الواقع القائم لا يمكن أن يكون العلاج نافعا ولا الحلول ناجعة. وفق هذا المنحنى نستطيع القول بأنّ ابن باديس قد انطلق في بناء مشروعه الإصلاحي من

وعي بخلل ذاتي أو داخلي حل بالعالم الإسلامي يتمثل على وجه التحديد في واقع التدين الذي ساد في هذا العالم، حيث وقع الانحراف عن الفهم الصحيح للدين وعن أصوله، وابتعد المسلمون عن الحق شيئا فشيئا. فكان أصل الفساد الذي أصاب الفرد والمجتمع في:

أ‌-     فساد العقائد الذي نتج عنه اعتقاد في الباطل، وفساد الفهم وتقليد أعمى للآباء.

ب- فساد الأخلاق الذي نتج عنه فساد في السلوك والعمل والممارسة.

  ولا يمكن إصلاح هذا الفساد –في رأيه- إلا إذا ارتكز على تصحيح فهمنا للعقائد الصحيحة في أصولها وحقيقتها والتمسك بالأخلاق الإسلامية القويمة. يقول ابن باديس في تفسيره: ” وقد جاء القرآن الكريم مبينا للأخلاق الصحيحة وعظيم نفعها وحسن عاقبتها، فهذا شفاؤه للنفوس والعقول، وهو راجع إلى تصحيح العقائد، وتقويم الأخلاق، وبهما سلامة الأرواح وكمالها وعليها قوام الهيئة الاجتماعية وانتظامها” 2. ويقول أيضا: ” إنّ الذي نوجه إليه الاهتمام الأعظم في تربية أنفسنا وتربية غيرنا هو تصحيح العقائد وتقويم الأخلاق، فالباطن أساس الظاهر”3. أما منظور محمد إقبال للإصلاح فيتسم بدوره بتركيزه على تشخيص واقع التديّن الذي يعيشه المسلمون اليوم، وخاصة في الجانبين العقدي والأخلاقي. ولا شك أنّ نقده للأوضاع السائدة في شبه القارة الهندية قد مكنه من وضع أصبعه على مواطن الضعف والفساد وأوجه الخلل الذي عرفته العقائد والأخلاق في هذه البلاد. لقد وجد إقبال أنّ الجهل قد سيطر على النفوس والعقائد الإسلامية قد تعرضت للفساد والتشويه، وانفصل المسلمون عن الحقيقة القرآنية الصافية. ولا يختلف إقبال عن ابن باديس يما يخص هذه النقطة بالذات، بل قد نجد تطابقا ووحدة في الرؤية واتفاقا في هذه المسألة. وقد أشار إلى ذلك الدكتور عمار طالبي في كتابه “ابن باديس، حياته وآثاره، عندما قال: ” أما فيما يتعلق بالمصلحين المسلمين المحدثين والمعاصرين أمثال محمد بن عبد الوهاب والأفغاني ومحمد عبده ومحمد إقبال وابن باديس فإنهم رأوا أنّ التدهور الاجتماعي راجع إلى عدم تطبيق الإسلام وإلى انفصال الإنسان المسلم عن الحقيقة القرآنية”4. غنيٌ عن البيان أنّ محمد إقبال من المفكرين الذين يعتقدون بأنّ منطلق وأس الإصلاح والتغيير هو الإنسان. لذلك رأى ضرورة تقوية ذات المسلم وتربيته وفق المضامين العقدية والأخلاقية حتى يحقق

وجوده الحضاري، ولكن لا يمكن تحقيق هذا الغرض إلا عبر تنقية العقائد الإسلامية مما أصابها من فساد وانحراف وبُعد عن الحقيقة القرآنية، ثم تنقية النفوس مما ران عليها من سكون واستسلام للواقع وخنوع وتقليد للغير. يقول محمد إقبال في قصيدته الجميلة “المؤمن”:

                 إنّ للـمـؤمــن اـلعجــيب اـلشـانِ       كل حينٍ جديدَ شانٍ وآنٍ

                 هو في قوله السديد وفي الفعل     على الله واضحُ البرهانِ

                 فيه عزمٌ على القضاء دليلٌ        وهو في العالمين كالميزان

                 هو بَرد النّدى بقلب شقيق         وبقلب البحار كالطوفان

                 لـيـله والنهـار لحـنُ حيـاة           في انسجام كسورة الرحمان5

   لقد انصب اهتمام محمد إقبال على بناء ذات الإنسان المسلم ودعا إلى تربيتها وتقويتها بالعمل الفعّال والجهد المستمر الايجابي لما لاحظه من تخلف المسلمين المعاصرين عن ركب الحياة، لهذا السبب جاء محمد إقبال بتمييز طريف بين ما يسميه الوجود الإنساني المشترك بين كل الناس من حيث أنهم يخضعون للسنن الكونية والقوانين الطبيعية، ولا فرق في ذلك بين المسلم وغير المسلم، والوجود الايجابي الذي هو وجود رسالي وحضاري، بحيث يعيش المسلم وفق هذا الوجود الخاص لنفسه ولغيره أيضا. وهو يقول بشأن هذا الوجود: “لا يمكن أن ينقرض المسلم من العالم لأنّ وجوده رمز للرسالات”6.

وليس عجبا حينئذ أن ينتقد إقبال التصوف السلبي وينبذه بشدة حينما جنح إلى السكون والجمود والسلبية واستسلم للأمر الواقع، وهذا على الرغم من الاشراقات الصوفية الجميلة التي تمتع هذا المفكر والمصلح الكبير. هذا، ومن البيّن أنّ التصوف الحقيقي والايجابي عنده هو الذي يقود العالم ويسخره. يقول إقبال في “جناح جبريل”: ” يا إخوتي الصوفية أنا أنكر زهدكم الذي تحوّل إلى فاقة وعذاب. إنّ الشعب الذي أضاع تراث تيمورلنك لا يستحق الزهد ولا الملك” 7. ضمن هذا السياق انتقد ابن باديس من جهته التصوف السلبي الذي انتشر في المجتمع الجزائري وارتبط بجملة من الممارسات السلبية التي لا تمت إلى الدين الاسلامي بصلة وتتنافي بالكلية مع الحقيقة القـرآنـية، كالبـدع  والخـرافات ومخـتلـف  أشـكال الدجـل  التي أنتـجت الاذلال وتجـمـيد

العقـول وعطلت طاقات الانسان المسلم عن العمل الجاد والنافع وحالت دون تحقيق الاقلاع الفكري والحضاري البناء. ولا يتسع المجال هنا لإيراد جملة النصوص التي انتقد فيها ابن باديس هذا التصوف السلبي. أما التصوف الايجابي كما يقول ابن باديس فهو ما كان من باب تزكية النفس وتقويم الأخلاق والتحقق بالعبادة والاخلاص يها8. وهذا هو جوهر التصوف حينما حافظ على هذه المعايير العقدية والأخلاقية التي حققت الفهم الايجابي للتدين.


د.كمال بومنر: أستاذ الفلسفة. جامعة الجزائر 2

 

 

آخر التغريدات: